«جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٨

الحديث رقم ٢٢٨ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غسل الدم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت…

«جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي. قَالَ: وَقَالَ أَبِي: ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ».

سند حديث: ٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت…

كانت إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تغتسل للجنابة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ أو يغتسل؛ فأراد استخدام الماء المتبقي من غسل زوجته -رضي الله عنها – ، فأخبرته بأنها كانت على جنابة، فأرشدها بأن ذلك الماء لا يتأثر بذلك وهو كونه طاهراً مطهراً .

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، ولو كانت المرأة جنباً، وبالعكس.
  • أن اغتسال الجنب أو وضوء المتوضئ من الإناء، لا يؤثر في طهورية الماء؛ فيبقى على طهوريته.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى النبي ﷺ فقالت…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

امْرَأَةٌ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

[الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الدَّمِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَفَاطِمَةُ هِيَ زَوْجَتُهُ بِنْتُ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ، وَأَسْمَاءُ هِيَ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اسْمَ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ) أَيْ يَصِلُ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الثَّوْبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ.

قَوْلُهُ: (تَحُتُّهُ) بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيْ تَحُكُّهُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) بِالْفَتْحِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ الضَّمُّ وَفَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ تُدَلِّكُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَنْضَحُهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلَهُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ ; لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ، بِخِلَافِ تَحُتُّهُ فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَّتْهُ بِظُفُرِهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، وَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَةُ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي بَابِ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ): تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِينِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ، فَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْفَرْعُ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي بَابِ غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قالت بريقها فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر لزادت النَّجاسة، وأُجيب بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته، أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل (١) دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يعني: ابن سلامٍ»، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ»، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد هو ابن سلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (٢) (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب،

وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١)، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل (٢) لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول (٣)، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من (٤) الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة (٥) لندور وقوعها، لا (٦) لأنَّ (٧) النَّبيَّ متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر

الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل، بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر (١) بها المرأة والحالة، أو (٢) الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي -إن شاء الله تعالى- ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية (٣): تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ، عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي (٤)) عروةُ ابنُ الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف «ذلكِ» مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٦]-إن شاء الله تعالى- وتفاصيل

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يتطاير إِلَيْهِ مثل رُؤُوس الأبر، وَفِيه يسر وسماحة على هَذِه الْأمة حَيْثُ لم يُوجب الْقَرْض كَمَا أوجب على بني إِسْرَائِيل، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار رُؤُوس الأبر من الْبَوْل فَقَالَ مَالك: يغسلهَا اسْتِحْبَابا وتنزهاً، وَالشَّافِعِيّ: يغسلهَا وجوبا وَأَبُو حنيفَة سهل فيهمَا كَمَا فِي يسير كل النَّجَاسَات، وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانُوا يرخصون فِي الْقَلِيل من الْبَوْل.

٦٣ - (بابُ غَسْلِ الدَّمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الدَّم، بِفَتْح الْغَيْن، وَأَرَادَ بِهِ دم الْحيض.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي بَيَان إِزَالَة النَّجَاسَة، فَفِي الأول عَن الْبَوْل، وَفِي الثَّانِي عَن الدَّم، وَكِلَاهُمَا فِي النَّجَاسَة سَوَاء.

٢٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المثَنَّي قَالَ حَدثنَا يَحْيىَ عنْ هِشامٍ قَالَ حدثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أَسْمَاءَ قالَتْ جاءَتِ امْرأَةٌ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ أرأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحتهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ وتنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

(الحَدِيث ٢٢٧ طرفه فِي: ٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون: وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ: ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدمُوا فِي بَاب: أحب الدّين إِلَى الله أَدْوَمه، وَفَاطِمَة هِيَ: بنت الْمُنْذر بن الزبير زَوْجَة هِشَام الْمَذْكُور، تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَعْرُوفَة: بِذَات النطاقين، تقدمتا فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الْأُنْثَى؛ وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم عَن يحيى، وَعَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَعَن ابْن وهب عَن يحيى بن عبد الله ابْن سَالم وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد وَعِيسَى بن يُونُس، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سُفْيَان، عشرتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (تَحْتَهُ) من: حت الشي عَن الثَّوْب وَغَيره يحته حتاً: فركه وقشره فانحت، وتحات. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الحت: حتك الْوَرق من الشّجر، والمني وَالدَّم وَنَحْوهمَا من الثَّوْب وَغَيره، وَهُوَ دون النحت. وَعند ابْن طريف: حت الشَّيْء: نفضه. وَقيل: مَعْنَاهُ تحكه، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة. قَوْله: (تقرصه) قَالَ فِي (الْمغرب) : الحت: القرص بِالْيَدِ، والقرص بأطراف الْأَصَابِع. وَفِي (الْمُحكم) القرص التخميش والغمز بالأصبع، والمقرص: المقطع الْمَأْخُوذ من شَيْئَيْنِ، وَقد قرضه وقرصه. وَفِي (الْجَامِع) كل مقطع مقرض. وَفِي (الصِّحَاح) : أقرصيه بِمَاء أَي: اغسليه بأطراف أصابعك، ويروى: قرضيه، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابو عبيد: أَي: قطعيه. وَقَالَ فِي (مجمع الغرائب) : هُوَ أبلغ فِي إذهاب الْأَثر عَن الثَّوْب. وَقَالَ عِيَاض: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْقَاف وَضم الرَّاء وبضم التَّاء وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. قَالَ: وَهُوَ الدَّلْك بأطراف الْأَصَابِع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره. قَوْله: (وتنضحه) أَي: تغسله، قَالَه الْخطابِيّ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، وَهُوَ من بَاب: فتح يفتح، بِفَتْح عين الْفِعْل فيهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: تنضحه، بِكَسْر الضَّاد: وَكَذَا قَالَ مغلطاي فِي شَرحه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (إحدانا) مُبْتَدأ وَقَوله: (تحيض) خَبره، قَوْله: (كَيفَ تصنع) ؟ يتَعَلَّق بقوله: (أَرَأَيْت) .

بَيَان معانية قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) وَقع رِوَايَة الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: أَن أَسمَاء هِيَ السائلة، وَأنكر النَّوَوِيّ هَذَا، وَضعف هَذِه الرِّوَايَة، وَلَا وَجه لإنكاره، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يبهم الرَّاوِي اسْم نَفسه، وَقد وَقع مثل هَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله عَنهُ، فِي قصَّة الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَفِيه تجوز لإِطْلَاق الرُّؤْيَة، وَإِرَادَة الْإِخْبَار، لِأَن الرُّؤْيَة سَبَب الْإِخْبَار، وَجعل الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى الْأَمر بِجَامِع الطّلب. قَوْله: (تحيض فِي الثَّوْب) أَي: يصل دم الْحيض إِلَى الثَّوْب، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. قلت: الْمَعْنى: تحيض حَال كَونهَا فِي الثَّوْب، وَمن ضَرُورَة ذَلِك وُصُول الدَّم إِلَى الثَّوْب. وللبخاري، من طَرِيق مَالك عَن هِشَام: إِذا أصَاب ثوبها الدَّم من الْحيض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أَسمَاء: (سَمِعت امْرَأَة تسْأَل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَيفَ تصنع إحدانا بثوبها إِذا رَأَتْ الطُّهْر أتصلى فِيهِ؟ قَالَ: تنظر، فَإِن رَأَتْ فِيهِ دَمًا فلتقرصه بِشَيْء من مَاء، ولتنضح مَا لم تَرَ ولتصل

فِيهِ) . وَعند مُسلم: (الْمَرْأَة تصيب ثوبها من دم الْحَيْضَة) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: (إقرصيه بِمَاء ثمَّ رشيه) . وَعند ابْن خُزَيْمَة: (كَيفَ تصنع بثيابها الَّتِي كَانَت تلبس؟ فَقَالَ إِن رَأَتْ فِيهَا شَيْئا فلتحكه ثمَّ لتقرصه بِشَيْء من مَاء، وتنضح فِي سَائِر الثَّوْب بِمَاء، ولتصل فِيهِ) . وَفِي لفظ: (إِن رَأَيْت فِيهِ دَمًا فحكيه) . وَفِي لفظ: (رشيه وَصلي فِيهِ) . وَفِي لفظ: (ثمَّ تنضحه وَتصلي فِيهِ) . وَعند أبي نعيم: (لتحته ثمَّ لتقرصه ثمَّ لتنضحه ثمَّ لتصل فِيهِ) . وَفِي حَدِيث مُجَاهِد عَن عَائِشَة البُخَارِيّ: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم قَالَت بريقها، فمعنعته بظفرها) . أَي: عركته. وَاخْتلف فِي سَماع مُجَاهِد عَن عَائِشَة، فَأنكرهُ ابْن حبَان وَيحيى بن معِين وَيحيى بن سعيد وَشعْبَة وَآخَرُونَ، وأثبته البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَمُسلم وَآخَرُونَ، وَعند البُخَارِيّ من حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا: (ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عِنْد طهرهَا فتغسله وتنضح على سائره ثمَّ تصلي فِيهِ) . وَفِي حَدِيث أم قيس بنت مُحصن، عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان: (إغسليه بِالْمَاءِ والسدر وحكيه وَلَو بضلع) ، زَاد ابْن حبَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسليه بِالْمَاءِ) ، أَمر فرض، وَذكر السدر والحك بالضلع أَمر ندب وإرشاد. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ حَدِيث فِي غَايَة الصِّحَّة، وَعَابَ على أبي أَحْمد قَوْله: الْأَحَادِيث الصِّحَاح لَيْسَ فِيهَا ذكر الضلع والسدر، وَعند أبي أَحْمد العسكري: (حكيه بضلع واتبعيه بِمَاء وَسدر) . وَعند أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِن خَوْلَة بنت يسَار قَالَت: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ ثوب وَاحِد، وَأَنا أحيض فِيهِ، قَالَ: فَإِذا طهرت فاغسلي مَوضِع حيضك ثمَّ صلي فِيهِ، قَالَت: يَا رَسُول الله أرى لم يخرج اثره، قَالَ: يَكْفِيك المَاء وَلَا يَضرك أَثَره) . وَلما ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه الْكَبِير) جعله من مُسْند خَوْلَة، وَكَذَلِكَ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن امْرَأَة من غفار: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رأى ثِيَابهَا من الدَّم، قَالَ: أصلحي من نَفسك، ثمَّ خذي إِنَاء من مَاء واطرحي فِيهِ ملحاً، ثمَّ اغسلي مَا أصَاب حقيبة الرجل من الدَّم، ثمَّ عودي لمركبك) . وَعند الدَّارمِيّ، بِسَنَد فِيهِ ضعف عَن أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا: (إِن إِحْدَاهُنَّ تسبقها القطرة من الدَّم. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا أصَاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها. وَعند ابْن خُزَيْمَة: وَقيل لَهَا: كَيفَ كنتن تصنعن بثيابكن إِذا طمثن على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: إِن كُنَّا لنطمث فِي ثيابنا أَو فِي دروعنا، فَمَا نغسل مِنْهُ إلَاّ أثر مَا أَصَابَهُ الدَّم. قَوْله: (تَحْتَهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، وَفِي قَوْله: (ثمَّ تقرصه) يرجع إِلَى الثَّوْب. وَفِي قَوْله: و (تنضحه) يرجع إِلَى المَاء، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الخاطبي قَالَ: تنضحه أَي: تغسله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، لِأَن غسل الدَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: (تقرصه بِالْمَاءِ) ، وَأما النَّضْح فَهُوَ لما شكّ فِيهِ من الثَّوْب. وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا الضَّمِير فِي قَوْله: (تنضحه) يعود على الثَّوْب، بِخِلَاف: تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ يعود على الدَّم، فَيلْزم مِنْهُ إختلاف الضمائر، وَهُوَ على خلاف الأَصْل. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن لفظ: الدَّم، غير مَذْكُور صَرِيحًا، وَالْأَصْل فِي عود الضَّمِير أَن يكون إِلَى شَيْء صَرِيح، وَالْمَذْكُور هُنَا صَرِيحًا: الثَّوْب وَالْمَاء، فالضميران الْأَوَّلَانِ يرجعان إِلَى الثَّوْب لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبلهمَا، وَالضَّمِير الثَّالِث يرجع إِلَى: المَاء، لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبله، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: ثمَّ إِن الرش على الْمَشْكُوك فِيهِ لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَنَّهُ إِن كَانَ طَاهِرا فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ متنجساً لم يتَطَهَّر بذلك، فَالْأَحْسَن مَا قَالَه الخاطبي. قلت: الَّذِي قَالَه الْقُرْطُبِيّ هُوَ الْأَحْسَن لِأَنَّهُ يلْزم التّكْرَار من قَول الخاطبي بِلَا فَائِدَة، لأَنا ذكرنَا أَن الحت هُوَ الفرك، والقرص هُوَ الدَّلْك بأطراف الاصابع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره، لما نَقَلْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض،

ففهم الْغسْل من لَفْظَة القرص، فَإِذا قُلْنَا: الرش بِمَعْنى الْغسْل يلْزم التّكْرَار، ثمَّ قَوْله: ثمَّ إِن الرش ... إِلَى آخِره، كَلَام من غير رُوِيَ، لِأَن الرش هَهُنَا لإِزَالَة الشَّك المتردد فِي الخاطر، كَمَا جَاءَ فِي رش المتوضىء المَاء على سراويله بعد فَرَاغه من الْوضُوء، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: مَا قَالَه الخاطبي: إِن فِيهِ دَلِيلا على أَن النَّجَاسَات إِنَّمَا تَزُول بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات، لَان جَمِيع النَّجَاسَات بِمَثَابَة الدَّم، لَا فرق بَينه وَبَينهَا إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) على أَصْحَابنَا فِي وجوب الطَّهَارَة بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات الطاهرة. قلت: هَذَا خرج مخرج الْغَالِب لَا مخرج الشَّرْط، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم} (النِّسَاء: ٢٣) وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن المَاء أَكثر وجودا من غَيره، أَو نقُول: تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، أَو نقُول: إِنَّه مَفْهُوم لقب، وَلَا يَقُول بِهِ إمامنا.

وَمِنْهَا: أَنه يدل على وجوب غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أَسمَاء أصل عِنْد الْعلمَاء فِي غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول عِنْدهم على الدَّم الْكثير، لِأَن الله تَعَالَى شَرط فِي نَجَاسَته أَن يكون مسفوحاً، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْكثير الْجَارِي إلَاّ أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يتَجَاوَز عَنهُ من الدَّم، فَاعْتبر الْكُوفِيُّونَ فِيهِ، وَفِي النَّجَاسَات دون الدِّرْهَم فِي الْفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره. وَقَالَ مَالك: قَلِيل الدَّم مَعْفُو، وَيغسل قَلِيل سَائِر النَّجَاسَات. وَرُوِيَ عَن ابْن وهب: إِن قَلِيل دم الْحيض ككثيره وكسائر الأنجاس، بِخِلَاف سَائِر الدِّمَاء، وَالْحجّة فِي أَن الْيَسِير من دم الْحيض كالكثير قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسماء: (حتيه ثمَّ اقرصيه) ، حَيْثُ لم يفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا سَأَلَهَا عَن مِقْدَاره وَلم يحد فِيهِ مِقْدَار الدِّرْهَم وَلَا دونه. قلت: حَدِيث عَائِشَة: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثَوَاب وَاحِد فِيهِ تحيض فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها، ثمَّ قصعته بريقها) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (قَالَت بريقها فمصعته) ، يدل على الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا فِي الدَّم الْيَسِير الَّذِي يكون معفواً عَنهُ، وَأما الْكثير مِنْهُ فصح عَنْهَا. أَي: عَن عَائِشَة. أَنَّهَا كَانَت تغسله، فَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم فِي عدم الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير من النَّجَاسَة، وعَلى الشَّافِعِي أَيْضا فِي قَوْله: (إِن يسير الدَّم يغسل كَسَائِر الأنجاس إلَاّ دم الراغيث، فَإِنَّهُ لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ) . وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَا يرى بالقطرة والقطرتين بَأْسا فِي الصَّلَاة، وعصر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بثرة فَخرج مِنْهَا دم فمسحه بِيَدِهِ وَصلى، فالشافعية لَيْسُوا بإكثر إحتياطاً من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، وَلَا أَكثر رِوَايَة عَنْهُمَا حَتَّى خالفوهما، حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْقَلِيل وَالْكثير، على أَن قَلِيل الدَّم مَوضِع ضَرُورَة، لِأَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو فِي غَالب حَاله من بثرة أَو دمل أَو برغوث، فعفى عَنهُ، وَلِهَذَا حرم الله المسفوح مِنْهُ، فَدلَّ أَن غَيره لَيْسَ بِمحرم، وَأما تَقْدِير أَصْحَابنَا الْقَلِيل بِقدر الدِّرْهَم، فَلَمَّا ذكره صَاحب (الاسرار) عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قدرا النَّجَاسَة بالدرهم، وكفي بهما حجَّة فِي الِاقْتِدَاء. وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أَنه قدره بظفره، وَفِي (الْمُحِيط) : وَكَانَ ظفره قَرِيبا من كفنا، فَدلَّ على أَن مَا دون الدِّرْهَم لَا يمْنَع. وَقَالَ فِي (الْمُحِيط) أَيْضا: الدِّرْهَم الْكَبِير مَا يكون مثل عرض الْكَفّ، وَفِي صَلَاة الأَصْل: الدِّرْهَم الْكَبِير المثقال يَعْنِي: يبلغ مِثْقَالا. وَعند السَّرخسِيّ: يعْتَبر بدرهم زَمَانه، وَأما الحَدِيث الَّذِي روايه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن روح بن غطيف عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تُعَاد الصَّلَاة من قدر دِرْهَم من الدَّم) ، وَفِي لفظ: (إِذا كَانَ فِي الثَّوْب قدر الدِّرْهَم من الدَّم غسل الثَّوْب وأعيدت الصَّلَاة) . وَإِن اصحابنا لم يحتجوا بِهِ، لِأَنَّهُ حَدِيث مُنكر، بل قَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه بَاطِل. فَإِن قلت: النَّص وَهُوَ قَوْله: {وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) لم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَلَا يُعْفَى الْقَلِيل. قلت: الْقَلِيل غير مُرَاد مِنْهُ بِالْإِجْمَاع بِدَلِيل عَفْو مَوضِع الِاسْتِنْجَاء فَتعين الْكثير، وَقد قدر الْكثير بالآثار.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الدَّم نجس بِالْإِجْمَاع.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْعدَد لَيْسَ بِشَرْط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بل المُرَاد الإنقاء.

وَمِنْهَا: أَنَّهَا إِذا لم تَرَ فِي ثوبها شَيْئا من الدَّم ترش عَلَيْهِ مَاء وَتصلي فِيهِ.

٢٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا أبُو مُعاويَةَ قَالَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنةُ أبي حُبَيْشٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأةٌ

اُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا إنَّما ذلِكِ عِرْقٌ ولَيْسَ بِحَيْضٍ فاذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعِي الصَّلاةَ وَإِذا أَدْبَرتْ فاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أبي ثُمَّ تَوَضَّئِي لكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجىءَ ذلكِ الوَقْتُ..

هَذَا الحَدِيث أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف: اللَّام، البيكندي، تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) ، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ عِنْد الْأَكْثَرين: حَدثنَا مُحَمَّد، غير مَنْسُوب، وللأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام وَلأبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد، وَهُوَ ابْن سَلام.

الثَّانِي: أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير: مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين، وَقد تقدم عَن قريب. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة، كَذَلِك. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق. السَّادِس: فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: القرشية الأَسدِية، وَاسم أبي حُبَيْش: قيس بن الْمطلب، وَقَالَ بَعضهم: قيس بن عبد الْمطلب. قَالَ بعض الشَّارِحين: وَقع فِي أَكثر نسخ مُسلم: عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط. قلت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : قيس بن الْمطلب بن أَسد، وَهُوَ الْمطلب بن أَسد، وَهِي غير: فَاطِمَة بنت قيس، الَّتِي طلقت ثَلَاثًا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: ذكر أبي مُعَاوِيَة هُنَا بالكنية، وَفِي بَاب غسل الْبَوْل بِالِاسْمِ، رِعَايَة للفظ الشُّيُوخ. وَفِيه: حِكَايَة الصحابية عَن سُؤال الصحابية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَهُنَا عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا ذكرنَا، وَصرح بِهِ فِي النِّكَاح بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ... وَذكر الكلاباذي أَن البُخَارِيّ روى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي مُعَاوِيَة، وَذكر أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى، وَالتِّرْمِذِيّ عَن هناد بن السّري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس، وَعبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَا: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا من مُسْند فَاطِمَة الْمَذْكُور.

بَيَان لغته قَوْله: (استحاض) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَفتح التَّاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: استحيضت الْمَرْأَة أَي: اسْتمرّ بهَا الدَّم بعد أَيَّامهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة. وَفِي الشَّرْع: الْحيض عبارَة عَن الدَّم الْخَارِج من الرَّحِم، وَهُوَ مَوضِع الْجِمَاع والولادة لَا تعقب ولادَة مُقَدرا فِي وَقت مَعْلُوم، وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، والاستحاضة اسْم لما نقص من أقل الْحيض أَو زَاد على أَكْثَره. فان قلت: مَا وَجه بِنَاء الْفِعْل للْفَاعِل فِي الْحيض، وللمفعول فِي الِاسْتِحَاضَة؟ فَقيل: استحيضت؟ قلت: لما كَانَ الأول: مُعْتَادا مَعْرُوفا نسب إِلَيْهَا، وَالثَّانِي: لما كَانَ نَادرا غير مَعْرُوف الْوَقْت، وَكَانَ مَنْسُوبا إِلَى الشَّيْطَان، كَمَا ورد أَنَّهَا ركضة من الشَّيْطَان، بني لما لم يسم فَاعله. فَإِن قلت: يجوز أَن تكون للتحول، كَمَا فِي: استحجر الطين، وَهنا أَيْضا تحول دم الْحيض إِلَى غير دَمه، وَهُوَ دم الأستحاضة. فَافْهَم. قَوْله: (عرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الْمُسَمّى بالعادل، بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، وَحكي إهمالها. قَوْله: (وَلَيْسَ بحيض) لِأَن الْحيض يخرج من قَعْر الرَّحِم كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (حيضتك) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالْفَتْح: الْمرة، وبالكسر: اسْم للدم، والخرقة الَّتِي تستثفر بهَا الْمَرْأَة وَالْحَالة. وَقَالَ الْخطابِيّ: المحدثون يَقُولُونَ بِالْفَتْح، وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب الْكسر، لِأَن المُرَاد بهَا الْحَالة، ورده القَاضِي وَغَيره، وَقَالُوا: الْأَظْهر الْفَتْح، لِأَن المُرَاد إِذا أقبل الْحيض. قَوْله: (وَإِذا أَدْبَرت) من: الإدبار وَهُوَ انْقِطَاع الْحيض.

بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (إِنِّي امْرَأَة) ، قد علم أَن كلمة: لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد إِنْكَار الْمُخَاطب لِلْقَوْلِ أَو التَّرَدُّد فِيهِ، وَمَا كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنْكَار لاستحاضتها وَلَا تردد فِيهَا، فَوجه إستعمالها هَهُنَا يكون لتحقيق نفس الْقَضِيَّة، إِذْ كَانَت بعيدَة الْوُقُوع نادرة الْوُجُود، فَلذَلِك أكدت قَوْلهَا بِكَلِمَة: إِن قَوْله: (أفأدع) أَي: أفأترك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: الْهمزَة

تَقْتَضِي عدم المسبوقية بِالْغَيْر، وَالْفَاء تَقْتَضِي المسبوقية بِهِ، فيكف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر أَي: ايكون لي حكم الْحَائِض فَادع الصَّلَاة، أَو الْهمزَة مقحمة، أَو توسطها جَائِز بَين المعطوفين إِذا كَانَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثَّانِي، أَو الْهمزَة بَاقِيَة على صرافة الاستفهامية، لِأَنَّهَا للتقرير هُنَا، فَلَا يَقْتَضِي الصدارة. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (لَا أَي: لَا تَدعِي الصَّلَاة. قَوْله: (ذَلِك) بِكَسْر الْكَاف. قَوْله: (عرق) أَي: دم عرق، لِأَن الْخَارِج لَيْسَ بعرق. قَوْله: (فَإِذا أَقبلت) أَي: الْحَيْضَة، (فدعي الصَّلَاة) اي: اتركيها، (وَإِذا أَدْبَرت) أَي: إِذا انْقَطَعت. فَإِن قلت: مَا عَلامَة إدبار الْحيض وإنقطاعه، والحصول فِي الطُّهْر. قلت: أما عِنْد أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه: الزَّمَان وَالْعَادَة هُوَ الفيصل بَينهمَا، فَإِذا أضلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ، وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأَصْحَابه اخْتِلَاف الألوان هُوَ الفيصل، فالأسود أقوى من الْأَحْمَر، والأحمر أقوى من الْأَشْقَر، والأشقر أقوى من الْأَصْفَر، والأصفر أقوى من الأكدر إِذا جعلا حيضا، فَتكون حَائِضًا فِي أَيَّام القوى، مُسْتَحَاضَة فِي أَيَّام الضعْف، والتمييز عِنْده بِثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يزِيد الْقوي على خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَالثَّانِي: أَن لَا ينقص عَن يَوْم وَلَيْلَة ليمكن جعله حيضا. وَالثَّالِث: أَن لَا ينقص الضَّعِيف عَن خَمْسَة عشر يَوْمًا، ليمكن جعله طهرا بَين الحيضتين، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ الثَّوْريّ: عَلامَة إنقطاع الْحيض والحصول فِي الطُّهْر أَن يَنْقَطِع خُرُوج الدَّم والصفرة والكدرة، سَوَاء خرجت رُطُوبَة بَيْضَاء أَو لم يخرج شَيْء أصلا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَابْن الصّباغ: الترية رُطُوبَة خَفِيفَة لَا صفرَة فِيهَا وَلَا كدرة، تكون على القطنة أثر لَا لون، وَهَذَا يكون بعد انْقِطَاع الْحيض. قلت: الترية، بِفَتْح الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ ابْن الْأَثِير: الترية، بِالتَّشْدِيدِ: مَا ترَاهُ الْمَرْأَة بعد الْحيض والاغتسال مِنْهُ من كدرة أَو صفرَة. وَقيل: هُوَ الْبيَاض ترَاهُ عِنْد الطُّهْر. وَقيل: هِيَ الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا. و: التَّاء، فِيهَا زَائِدَة، لِأَنَّهُ من الرُّؤْيَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْهَمْز لكِنهمْ تَرَكُوهُ وشددوا الْيَاء، فَصَارَت اللَّفْظَة كَأَنَّهَا فعلية، وَبَعْضهمْ يشدد الرَّاء. قَوْله: (فاغسلي عَنْك الدَّم ثمَّ صلي) ظَاهره مُشكل لِأَنَّهُ لم يذكر الْغسْل وَلَا بُد بعد انْقِضَاء الْحيض من الْغسْل، وَأجِيب، عَنهُ: بِأَن الْغسْل، وَإِن لم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة، فقد ذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة، قَالَ فِيهَا: فاغتسلي ... ، والْحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَجَوَاب آخر هُوَ: بِأَن يحمل الإدبار على انْقِضَاء أَيَّام الْحيض والاغتسال. وَقَوله: (واغسلي عَنْك الدَّم) مَحْمُول على: دم، يَأْتِي بعد الْغسْل، وَالْأول أوجه وَأَصَح، وَأما قَول بَعضهم: فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي، أَي: فاغتسلي، فَغير موجه أصلا. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ أبي) أَي: قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: قَالَ أبي، وَهُوَ عُرْوَة ابْن الزبير. قَوْله: (ثمَّ توضيء لكل صَلَاة) جملَة مقول القَوْل، وَادّعى قوم أَن قَوْله: (ثمَّ توضيء) من كَلَام عُرْوَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: لفظ: (توضئي) الخ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ مَوْقُوف على الصَّحَابِيّ؟ قلت: السِّيَاق يَقْتَضِي الرّفْع، وَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا كَلَام عُرْوَة لقَالَ: ثمَّ تتوضأ، بِصِيغَة الْإِخْبَار، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَة الْأَمر شاكل الْأَمر الَّذِي فِي الْمَرْفُوع، وَهُوَ قَوْله: (فاغسلي) . قلت: كَلَام كل من الْكرْمَانِي وَهَذَا الْقَائِل احْتِمَال، فَلَا يَقع بِهِ الْقطع وَلَا يلْزم من مشاكلة الصيغتين الرّفْع.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ جَوَاز استفتاء الْمَرْأَة بِنَفسِهَا ومشافهتها الرِّجَال فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر من أُمُور الدّين.

الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز اسْتِمَاع صَوت الْمَرْأَة عِنْد الْحَاجة الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ نهي للمستحاضة عَن الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَهُوَ نهي تَحْرِيم، وَيَقْتَضِي فَسَاد الصَّلَاة هُنَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل لظَاهِر الحَدِيث، ويتبعها الطّواف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة وَسجْدَة الشُّكْر.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على نَجَاسَة الدَّم.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الصَّلَاة تجب بِمُجَرَّد انْقِطَاع دم الْحيض. وَأعلم أَنَّهَا إِذا مضى زمن حَيْضهَا وَجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل فِي الْحَال لأوّل صَلَاة تدركها، وَلَا يجوز لَهَا بعد ذَلِك أَن تتْرك صَلَاة أَو صوما، وَيكون حكمهَا حكم الطاهرات، فَلَا تستظهر بِشَيْء أصلا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَعَن مَالك ثَلَاث رِوَايَات: الأولى: تستظهر ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بعد ذَلِك اسْتِحَاضَة. وَالثَّانيَِة: تتْرك الصَّلَاة إِلَى انْتِهَاء خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهِي أَكثر مُدَّة الْحيض عِنْده. وَالثَّالِثَة: كمذهبنا.

السَّادِس: اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا فِي إِيجَاب الْوضُوء من خُرُوج الدَّم من غير السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّهُ

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علل نقض الطَّهَارَة بِخُرُوج الدَّم من الْعرق، وكل دم يبرز من الْبدن فَإِنَّمَا يبرز من عرق، لِأَن الْعُرُوق هِيَ مجاري الدَّم من الْجَسَد. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَلَيْسَ معنى الحَدِيث مَا ذهب إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَلَا مُرَاد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذَلِك مَا توهموه، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن هَذِه الْعلَّة إِنَّمَا حدثت بهَا من تصدع الْعرق، وتصدع الْعرق عِلّة مَعْرُوفَة عِنْد الْأَطِبَّاء يحدث ذَلِك عِنْد غَلَبَة الدَّم فتتصدع الْعُرُوق إِذا امْتَلَأت تِلْكَ الأوعية. قلت: لَيْسَ معنى الحَدِيث مَا ذهب إِلَيْهِ الْخطابِيّ، لِأَنَّهُ قيد إِطْلَاق الحَدِيث وخصص عُمُومه من غير مُخَصص، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَهُوَ بَاطِل.

السَّابِع: قَوْله: (لكل صَلَاة) فِيهِ خلاف بَين الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة، وَهُوَ أَن الْمُسْتَحَاضَة وَمن بمعناها من أَصْحَاب الْأَعْذَار هَل يتوضؤون لكل صَلَاة، أَو لكل وَقت صَلَاة، وَهُوَ مَذْكُور فِي كتب الْفِقْه.

٦٤ - (بابُ غسْلِ المَنِيِّ وفَرْكِهِ وغَسْل مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَنِيّ عِنْد كَونه رطبا، وَبَيَان حكم فركه عِنْد كَونه يَابسا، والفرك هُوَ الدَّلْك حَتَّى يذهب أَثَره. والمني، بتَشْديد الْيَاء؛ مَاء خاثر أَبيض يتَوَلَّد مِنْهُ الْوَلَد، وينكسر بِهِ الذّكر، ورائحته رَائِحَة الطّلع. قَوْله: (وَغسل مَا يُصِيب) أَي: وَفِي بَيَان غسل مَا يُصِيب الثَّوْب أَو الْجَسَد من الْمَرْأَة عِنْد مخالطته إِيَّاهَا. وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَحْكَام، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ حكم غسل الْمَنِيّ، وَذكر الحكم الثَّالِث فِي أَوَاخِر كتاب الْغسْل من حَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: لم يخرج البُخَارِيّ حَدِيث الفرك، بل اكْتفى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة على عَادَته، لِأَنَّهُ ورد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا. قلت: هَذَا اعتذار بَارِد، لِأَن الطَّرِيقَة أَنه إِذا ترْجم الْبَاب بِشَيْء يَنْبَغِي أَن يذكرهُ، وَقَوله: بل أكتفي بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ كَلَام واهٍ، لِأَن الْمَقْصُود من التَّرْجَمَة معرفَة حَدِيثهَا، وإلَاّ فمجرد ذكر التَّرْجَمَة لَا يُفِيد شَيْئا، والْحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب لَا يدل على الفرك، وَلَا على غسل مَا يُصِيب من الْمَرْأَة، وَاعْتذر الْكرْمَانِي عَنهُ بقوله: وَاكْتفى بإيراد بعض الحَدِيث، وَكَثِيرًا يَقُول مثل ذَلِك، أَو كَانَ فِي قَصده أَن يضيف إِلَيْهِ مَا يتَعَلَّق بِهِ وَلم يتَّفق لَهُ، أَو لم يجد رُوَاته بِشَرْطِهِ. قلت: كل هَذَا لَا يجدي، وَلَكِن حبك للشَّيْء يعمي ويصم، ثمَّ إِن بَعضهم ذكر فِي أول هَذَا الْبَاب كلَاما لَا يذكرهُ من لَهُ بَصِيرَة وروية، وَفِيه رد لما ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة، وَمَعَ هَذَا أَخذ كَلَامه هَذَا من كَلَام الْخطابِيّ مَعَ تَغْيِير، وَهُوَ أَنه قَالَ: وَلَيْسَ بَين حَدِيث الْغسْل وَحَدِيث الفرك تعَارض، لِأَن الْجمع بَينهمَا وَاضح على القَوْل بِطَهَارَة الْمَنِيّ، بِأَن يحمل الْغسْل على الِاسْتِحْبَاب للتنظيف لَا على الْوُجُوب، وَهَذِه طَريقَة الشَّافِعِي وَأحمد وَأَصْحَاب الحَدِيث، وَكَذَا الْجمع مُمكن على القَوْل بِنَجَاسَتِهِ بِأَن يحمل الْغسْل على مَا كَانَ رطبا، والفرك على مَا كَانَ يَابسا، وَهَذِه طَريقَة، والطريقة الأولى أرجح، لِأَن فِيهَا الْعَمَل بالْخبر وَالْقِيَاس مَعًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لَكَانَ الْقيَاس وجوب غسله دون الِاكْتِفَاء بفركه كَالدَّمِ وَغَيره، وهم لَا يكتفون فِيمَا لَا يُعْفَى عَنهُ من الدَّم بالفرك. قلت: من هُوَ الَّذِي ادّعى تَعَارضا بَين الْحَدِيثين الْمَذْكُورين حَتَّى يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق، وَلَا نسلم التَّعَارُض بَينهمَا أصلا، بل حَدِيث الْغسْل يدل على نَجَاسَة الْمَنِيّ بِدلَالَة غسله، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْقيَاس أَيْضا فِي يابسه، وَلَكِن خص بِحَدِيث الفرك، وَقَوله بِأَن يحمل الْغسْل على الِاسْتِحْبَاب للتنظيف لَا على الْوُجُوب كَلَام واه، وَهُوَ كَلَام من لَا يدْرِي مَرَاتِب الْأَمر الْوَارِد من الشَّرْع، فأعلى مَرَاتِب الْأَمر الْوُجُوب وَأَدْنَاهَا الْإِبَاحَة، وَهنا لَا وَجه للثَّانِي، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يتْركهُ على ثَوْبه أبدا، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة من بعده، ومواظبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فعل شَيْء من غير ترك فِي الْجُمْلَة يدل على الْوُجُوب بِلَا نزاع فِيهِ، وَأَيْضًا الأَصْل فِي الْكَلَام الْكَمَال، فَإِذا أطلق اللَّفْظ ينْصَرف إِلَى الْكَامِل، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن ينْصَرف ذَلِك بِقَرِينَة تقوم فتدل عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ فحوى كَلَام أهل الْأُصُول إِن الْأَمر الْمُطلق أَي: الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن، يدل على الْوُجُوب. ثمَّ قَوْله: والطريقة الأولى أرجح ... الخ غير رَاجِح، فضلا أَن يكون أرجح بل هُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: الْعَمَل بالْخبر، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن من يَقُول بطهرة الْمَنِيّ يكون غير عَامل بالْخبر، لِأَن الْخَبَر يدل على نَجَاسَته، كَمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ قَوْله فِيهَا: الْعَمَل بِالْقِيَاسِ غير صَحِيح، لِأَن الْقيَاس وجوب غسله مُطلقًا، وَلَكِن خص بِحَدِيث الفرك لما ذكرنَا. فان قلت: مَا لَا يجب غسل يابسه لَا يجب غسل رطبه كالمخاط. قلت: لَا نسلم أَن الْقيَاس صَحِيح، لِأَن المخاط لَا يتَعَلَّق بِخُرُوجِهِ حدث مَا أصلا، والمنى مُوجب لأكبر الحدثين، وَهُوَ الْجَنَابَة. فان قلت: سُقُوط الْغسْل فِي يابسه يدل

على الطَّهَارَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك كَمَا فِي مَوضِع الِاسْتِنْجَاء.

قَوْله: كَالدَّمِ وَغَيره ... إِلَى آخِره، قِيَاس فَاسد، لِأَنَّهُ لم يَأْتِ نَص بِجَوَاز الفرك فِي الدَّم وَنَحْوه، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي يَابِس الْمَنِيّ على خلاف الْقيَاس، فَيقْتَصر على مورد النَّص. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا} (الْفرْقَان: ٥٤) سَمَّاهُ: مَاء، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ بِمَاء، فَدلَّ على أَنه أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيه فِي الحكم، وَمن حكم المَاء أَن يكون طَاهِرا. قلت: أَن تَسْمِيَته: مَاء، لَا تدل على طَهَارَته، فَإِن الله تَعَالَى سمى مني الدَّوَابّ: مَاء، بقوله: {وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء} (النُّور: ٤٥) فَلَا يدل ذَلِك على طَهَارَة مَاء الْحَيَوَان. فان قلت: إِنَّه أصل الْأَنْبِيَاء والأولياء، فَيجب أَن يكون طَاهِرا. قلت: هُوَ أصل الْأَعْدَاء أَيْضا: كنمرود وَفرْعَوْن وهامان وَغَيرهم، على أَنا نقُول: الْعلقَة أقرب إِلَى الْإِنْسَان الْمَنِيّ، وَهُوَ أَيْضا أصل الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَ هَذَا لَا يُقَال: إِنَّهَا طَاهِرَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَترد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَيْضا مَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أُخْرَى عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَ يَسْلت الْمَنِيّ من ثَوْبه بعرق الْإِذْخر ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَتَحْته من ثَوْبه يَابسا، ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن ترك الْغسْل فِي الْحَالَتَيْنِ. قلت: رد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة بِهَذَا غير صَحِيح، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على طَهَارَته، وَقد يجوز أَن يكون كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يفعل بذلك فيطهر الثَّوْب، وَالْحَال أَن الْمَنِيّ فِي نَفسه نجس، كَمَا قد رُوِيَ فِيمَا أصَاب النَّعْل من الْأَذَى، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا وطىء الْأَذَى بخفيه فطهورهما التُّرَاب) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا وطىء أحدكُم الْأَذَى بخفيه أَو نَعله فطهورهما التُّرَاب) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَكَانَ ذَلِك التُّرَاب يجزىء من غسلهمَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة الْأَذَى فِي نَفسه، فَكَذَلِك مَا رُوِيَ فِي الْمَنِيّ. فان قلت: فِي سَنَده مُحَمَّد بن كثير الصَّنْعَانِيّ، وَقد تكلمُوا فِيهِ. قلت: وَثَّقَهُ ابْن حبَان وروى حَدِيثه فِي (صَحِيحه) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي (الْخُلَاصَة) : وَرَوَاهُ ابو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول ابْن الْقطَّان: وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق لَا يظنّ بهَا الصِّحَّة. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِمَعْنَاهُ، وَرُوِيَ أَيْضا نَحوه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا. وَالْمرَاد من الْأَذَى: النَّجَاسَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَأما مَالك فَلم يعرف الفرك، وَالْعَمَل عِنْدهم على وجوب الْغسْل كَسَائِر النَّجَاسَات. قلت: لَا يلْزم من عدم معرفَة الفرك أَن يكون الْمَنِيّ طَاهِرا عِنْده، فَإِن عِنْده الْمَنِيّ نجس كَمَا هُوَ عندنَا، وَذكر فِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: الْمَنِيّ نجس وَأَصله دم، وَهُوَ يمر فِي ممر الْبَوْل، فَاخْتلف فِي سَبَب التَّنْجِيس: هَل هُوَ رده إِلَى أَصله، أَو مروره فِي مجْرى الْبَوْل؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَقَالَ بَعضهم: الثَّوْب الَّذِي اكتفت فِيهِ بالفرك ثوب النّوم، وَالثَّوْب الَّذِي غسلته ثوب الصَّلَاة، وَهُوَ مَرْدُود أَيْضا بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَات مُسلم من حَدِيثهَا أَيْضا: (لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فركاً، فَيصَلي فِيهِ) . وَهَذَا التعقيب: بِالْفَاءِ، يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة؛ وأصرح مِنْهُ. رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة أَنَّهَا كَانَت تحكه من ثَوْبه وَهُوَ يُصَلِّي.

قلت: أَرَادَ بقوله: وَقَالَ بَعضهم، الْحَافِظ أَبَا جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (مَعَاني الْآثَار) : حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا بشر بن عمر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن همام بن الْحَارِث أَنه كَانَ نازلاً على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَاحْتَلَمَ، فرأته جَارِيَة لعَائِشَة وَهُوَ يغسل أثر الْجَنَابَة من ثَوْبه، أَو يغسل ثَوْبه، فاخبرت بذلك عَائِشَة، فَقَالَت عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي، وَمَا أَزِيد على أَن أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا من أَرْبَعَة عشر طَرِيقا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، ثمَّ قَالَ: فَذهب ذاهبون إِلَى أَن الْمَنِيّ طَاهِر، وَأَنه لَا يفْسد المَاء، وَإِن وَقع فِيهِ وَإِن حكمه فِي ذَلِك حكم النخامة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار. وَأَرَادَ بهؤلاء الذاهبين: الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل هُوَ نجس. وَأَرَادَ بالآخرين: الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكاً وَاللَّيْث بن سعد وَالْحسن بن حَيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقَالُوا لاحجة لكم فِي هَذِه الْآثَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَت فِي ذكر ثِيَاب ينَام فِيهَا، وَلم يَأْتِ فِي ثِيَاب يُصَلِّي فِيهَا، وَقد رَأينَا أَن الثِّيَاب النَّجِسَة بالغائط وَالْبَوْل وَالدَّم لَا بَأْس بِالنَّوْمِ فِيهَا، وَلَا تجوز الصَّلَاة فِيهَا، فقد يجوز أَن يكون الْمَنِيّ كَذَلِك، وَإِنَّمَا يكون هَذَا الحَدِيث حجَّة علينا وَلَو كُنَّا نقُول: لَا يصلح النّوم فِي الثَّوْب النَّجس، فَأَما إِذا كُنَّا نُبيح ذَلِك ونوافق مَا رويتم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك، ونقول من بعد: لَا يصلح الصَّلَاة فِي ذَلِك، فَلم نخالف شَيْئا مِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد جَاءَت عَن عَائِشَة فِيمَا كَانَت تفعل بِثَوْب رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إِذا اصابه الْمَنِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك وَبشر بن الْمفضل عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كنت أغسل الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيخرج إِلَى الصَّلَاة وَإِن بقع المَاء لفي ثَوْبه) . وَإِسْنَاده صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرجه الْجَمَاعَة أَيْضا على مَا يأتى بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَكَذَا كَانَت تفعل عَائِشَة بِثَوْب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، تغسل الْمَنِيّ مِنْهُ وتفركه من وثبه الَّذِي كَانَ لَا يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل اسْتدلَّ فِي رده على الطَّحَاوِيّ فِيمَا ذَكرْنَاهُ بِأَن قَالَ: وَهَذَا التعقيب بِالْفَاءِ يَنْفِي ... الخ، وَهَذَا اسْتِدْلَال فَاسد، لِأَن كَون الْفَاء للتعقيب لَا يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة، لِأَن أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا: إِن التعقيب فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ، أَلا ترى أَنه يُقَال: تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إلَاّ مُدَّة الْحمل، وَهُوَ مُدَّة متطاولة، فَيجوز على هَذَا أَن يكون معنى قَول عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَرَادَت بِهِ ثوب النّوم، ثمَّ تغسله فَيصَلي فِيهِ، وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، بِمَعْنى: ثمَّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الغظام لَحْمًا} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٤) . فالفاآت، فِيهَا بِمَعْنى: ثمَّ، لتراخى معطوفاتها، فَإِذا ثَبت جَوَاز التَّرَاخِي فِي الْمَعْطُوف يجوز أَن يَتَخَلَّل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مُدَّة يجوز وُقُوع الْغسْل فِي تِلْكَ الْمدَّة، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) والطَّحَاوِي فِي (مَعَاني الْآثَار) عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ. قَوْله: وأصرح مِنْهُ رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة ... الخ لَا يساعده أَيْضا فِيمَا ادَّعَاهُ، لِأَن قَوْله: وَهُوَ يُصَلِّي، جملَة إسمية وَقعت حَالا منتظرة، لَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا كَانَت تحك الْمَنِيّ من ثوب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَال كَونه فِي الصَّلَاة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَمل تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة.

٢٢٩ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ قَالَ أخبرنَا عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ الجَزَريُّ عنْ سلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ كنْتُ أَغْسِلُ الجنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثوْبِهِ..

لم يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة إلَاّ فِي غسل الْمَنِيّ فَقَط، وَقد ذَكرْنَاهُ.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: عَبْدَانِ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب الْوَحْي، وَعبد الله بن الْمُبَارك كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَعبد الله، أَي: ابْن الْمُبَارك فَكَأَنَّهُ وَقع فِي نسخته الَّتِي ينْقل عَنْهَا: عبد الله، مَنْسُوبا إِلَى الْأَب بالتفسير من البُخَارِيّ، فَلذَلِك قَالَ: اي ابْن الْمُبَارك، ثمَّ قَالَ: وَقَالَهُ على سَبِيل التَّعْرِيف إشعاراً بِأَنَّهُ لَفظه لالفظة نسخته، وَعَمْرو بن مَيْمُون الْجَزرِي مَنْسُوب إِلَى الجزيرة، وَكَانَ مَيْمُون بن مهْرَان وَالِد عَمْرو نزلها فنسب إِلَيْهَا وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: الْجَوْزِيّ، بواو، سَاكِنة بعْدهَا: زَاي، وَهُوَ غلط مِنْهُ. قلت: الظَّاهِر أَن الْغَلَط من النَّاقِل أَو الْكَاتِب، فدور رَأس: الزَّاي، ونقط: الرَّاء، فَصَارَ: الْجَوْزِيّ. وَقد يَقع من الناقلين وَالْكتاب الجهلة أَكثر من هَذَا وأفحش. وَالرَّابِع: سُلَيْمَان بن يسَار، ضد الْيَمين، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، فَقِيه الْمَدِينَة العابد الْحجَّة، توفّي عَام سَبْعَة وَمِائَة. وَالْخَامِس: عَائِشَة الصديقة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ورقي ومدني، فعبدان وَابْن الْمُبَارك مروزيان، وعبدان لقب واسْمه عبد الله بن عُثْمَان، وَقد ذَكرْنَاهُ غير مرّة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عَبْدَانِ وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَعَن عَمْرو بن خَالِد، كَمَا يَأْتِي ذكر الْجَمِيع هَهُنَا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي كَامِل وَعَن أبي كريب وَيحيى بن أبي زَائِدَة، أربعتهم عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد الْبَصْرِيّ عَن سليم بن أحصد عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عَمْرو بن مَيْمُون نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ.

وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ: سَأَلت سُلَيْمَان بن يسَار ... فَذكره.

بَيَان لغته وَمَا يستنبط مِنْهُ قَوْله: (أغسل الْجَنَابَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْجَنَابَة معنى لَا عين، فَكيف يغسل؟ قلت: الْمُضَاف مَحْذُوف أَي: أثر الْجَنَابَة، أَو موجوبه أَو هِيَ مجَاز عَنهُ، وَيُقَال: المُرَاد من الْجَنَابَة: الْمَنِيّ، من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم سَببه، وان وجوده سَبَب لبعده عَن الصَّلَاة وَنَحْوهَا. قلت: يجوز أَن تكون عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، أطلقت على: الْمَنِيّ، اسْم الْجَنَابَة، فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير بالحذف أَو بالمجاز. قَوْله: (وَإِن بقع المَاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وبالعين الْمُهْملَة: جمع بقْعَة، كالنطف والنطفة، والبقعة فِي الأَصْل قِطْعَة من الأَرْض يُخَالف لَوْنهَا لون مَا يَليهَا، وَفِي بعض النّسخ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْقَاف، جمع بقْعَة: كتمرة وتمر، مِمَّا يفرق بَين الْجِنْس الْوَاحِد مِنْهُ بِالتَّاءِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: بريد بالبقعة الْأَثر. قَالَ أهل اللُّغَة: البقع اخْتِلَاف اللونين، يُقَال: غراب أبقع. وَقَالَ ابْن بطال: البقع بقع الْمَنِيّ وطبعه. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن فِي الحَدِيث صرح: وَإِن بقع المَاء، وَوَقع عِنْد ابْن مَاجَه: وَأَنا أرى أثر الْغسْل فِيهِ، يَعْنِي لم يجِف.

وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث: أَنه حجَّة للحنفية فِي قَوْلهم: إِن الْمَنِيّ نجس، لقَوْل عَائِشَة: كنت أغسل الْجَنَابَة من ثوب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَوْلها: كنت، يدل على تكْرَار هَذَا الْفِعْل مِنْهَا، فَهَذَا أدل دَلِيل على نَجَاسَة الْمَنِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَالْحَدِيث حجَّة لمن قَالَ بِنَجَاسَة الْمَنِيّ. قلت: لَا حجَّة لَهُ لاحْتِمَال أَن يكون غسله بِسَبَب أَن مَمَره كَانَ نجسا، أَو بِسَبَب اخْتِلَاطه برطوبة فرجهَا، على مَذْهَب من قَالَ بِنَجَاسَة رُطُوبَة فرجهَا. انْتهى. قلت بلَى: لَهُ حجَّة، وتعليله بِهَذَا لدعواه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن المشرحين من الْأَطِبَّاء الأقدمين قَالُوا: إِن مُسْتَقر الْمَنِيّ فِي غير مُسْتَقر الْبَوْل، وَكَذَلِكَ مخرجاهما، وَأما نَجَاسَة رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة فَفِيهَا خلاف عِنْدهم.

وَمن أَحْكَامه: خدمَة الْمَرْأَة لزَوجهَا فِي غسل ثِيَابه وَنَحْو ذَلِك، خُصُوصا إِذا كَانَ من أَمر يتَعَلَّق بهَا، وَهُوَ من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الصُّحْبَة.

وَمِنْهَا: نقل أَحْوَال المقتدى بِهِ، وَإِن كَانَ يستحي من ذكرهَا عَادَة.

وَمِنْهَا: خُرُوج الْمُصَلِّي إِلَى الْمَسْجِد بِثَوْبِهِ الَّذِي غسل مِنْهُ الْمَنِيّ قبل جفافه.

٢٣٠ - حدّثنا قتَيْبةُ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ قَالَ حدّثنا عَمْرٌ وعنْ سُلَيْمانَ بِنْ يَسارٍ قالَ سمِعْتُ عائِشَةَ ح وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا عَمروُ بنُ مَيْمُونٍ عنْ سْلَيْمانَ بنِ يسارٍ قَالَ سَألْتُ عائِشةَ عَن المَنِيِّ يُصِيبُ الثِّوْبَ فَقالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَخْرُجُ إِلَيّ الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ.

اخْرُج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن خَمْسَة أنفس، ثَلَاثَة مِنْهُم فِي هَذَا الْبَاب، وهم: عَبْدَانِ وقتيبة ومسدد، وإثنان مِنْهُم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وهما: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَمْرو بن خَالِد، وَقد ذكرُوا عَن قريب، وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره.

وَرِجَاله هَهُنَا سَبْعَة: قُتَيْبَة بن سعيد، وَقد تقدم فِي بَاب السَّلَام من الاسلام. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة، وَذكره البُخَارِيّ غير مَنْسُوب مُجَردا، وَاخْتلف فِيهِ، فَقيل: هُوَ يزِيد بن زُرَيْع، وَقيل: يزِيد بن هَارُون، وَكِلَاهُمَا رويا عَن عَمْرو بن مَيْمُون، وَوَقع فِي رِوَايَة الْفربرِي: ابْن حَمَّاد بن شَاكر: هَكَذَا حَدثنَا يزِيد، غير مَنْسُوب، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، أحد الروَاة عَن الْفربرِي: حَدثنَا يزِيد، يَعْنِي ابْن زُرَيْع. وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الكلاباذي، وَرجح الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه أَنه ابْن هَارُون، قَالَ: لِأَنَّهُ لم يُوجد من رِوَايَة ابْن زُرَيْع، وَوجد من رِوَايَة ابْن هَارُون، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم الوجدان عدم الْوُجُود، وَقد جزم أَبُو مَسْعُود بِأَنَّهُ رَوَاهُ، فَدلَّ على وجدانه. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا مَسْعُود مَا جزم بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يُقَال: هُوَ ابْن هَارُون: لَا إِبْنِ زُرَيْع؛ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الدَّوْرَقِي، وَأحمد بن منيع ويوسف بن مُوسَى قَالُوا: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث الْحَارِث بن أبي أُسَامَة أخبرنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نصر السجْزِي فِي (فَوَائده) من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ أَبُو نصر: أخرجه البُخَارِيّ عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن هَارُون. وَقَالَ الجياني: حَدثنَا أَبُو عمر النمري حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا عَمْرو. انْتهى. وَرجح هَذَا الْقَائِل كَلَامه فِي كَون يزِيد هَذَا ابْن زُرَيْع لَا ابْن هَارُون بشيئين لَا ينْهض كَلَامه بهما. أَولهمَا: بقوله: وَقد خرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

امْرَأَةٌ النَّبِيَّ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

[الحديث ٢٢٧ - طرفه في: ٣٠٧]

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الدَّمِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ. وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَهِشَامٌ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ، وَفَاطِمَةُ هِيَ زَوْجَتُهُ بِنْتُ عَمِّهِ الْمُنْذِرِ، وَأَسْمَاءُ هِيَ جَدَّتُهُمَا لِأَبَوَيْهِمَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اسْمَ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

قَوْلُهُ: (تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ) أَيْ يَصِلُ دَمُ الْحَيْضِ إِلَى الثَّوْبِ، وَلِلْمُصَنِّفِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ.

قَوْلُهُ: (تَحُتُّهُ) بِالْفَتْحِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ أَيْ تَحُكُّهُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَقْرُصُهُ) بِالْفَتْحِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، كَذَا فِي رِوَايَتِنَا. وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ فِيهِ الضَّمُّ وَفَتْحُ الْقَافِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ تُدَلِّكُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَتَنْضَحُهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلَهُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ ; لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ، بِخِلَافِ تَحُتُّهُ فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ; لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَّتْهُ بِظُفُرِهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، وَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَةُ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فِي بَابِ هَلْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ.

(فَائِدَةٌ): تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِينِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ، فَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْفَرْعُ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَسَيَأْتِي بَاقِي فَوَائِدِهِ فِي بَابِ غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قالت بريقها فمصعته بظفرها»، فلو كان الرِّيق لا يطهِّر لزادت النَّجاسة، وأُجيب بأنَّها أرادت بذلك تحليل أثره، ثمَّ أزالته، أي: غسلته بعد ذلك، وفيه: أنَّ قليل (١) دم الحيض لا يُعفى عنه كسائر النَّجاسات بخلاف سائر الدِّماء، وعن مالكٍ: يُعفَى عن قليل الدَّم ويُغسَل قليل غيره من النَّجاسات، وعن الحنفيَّة: يُعفَى عن قدر الدِّرهم.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مكيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» و «البيوع»، وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطَّهارة».

٢٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: «يعني: ابن سلامٍ»، وللأَصيليِّ: «حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ»، ولأبي ذَرٍّ: «محمَّد هو ابن سلامٍ» وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بمُعجَمتين- الضَّرير قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) أنَّها (٢) (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بنت» (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب،

وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة (١)، أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل (٢) لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول (٣)، فقيل: استُحيضت المرأة بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من (٤) الشيطان» بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ «أنَّ» لتحقيق القضيَّة (٥) لندور وقوعها، لا (٦) لأنَّ (٧) النَّبيَّ متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ) أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام، أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ؟) أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر

الكاف (عِرْقٌ) أي: دم عرقٍ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل، بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر (١) بها المرأة والحالة، أو (٢) الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ) أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي -إن شاء الله تعالى- ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية (٣): تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ، عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي (٤)) عروةُ ابنُ الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض، وكاف «ذلكِ» مكسورةٌ كما في فرع «اليونينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في «كتاب الحيض» [خ¦٣٠٦]-إن شاء الله تعالى- وتفاصيل

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يتطاير إِلَيْهِ مثل رُؤُوس الأبر، وَفِيه يسر وسماحة على هَذِه الْأمة حَيْثُ لم يُوجب الْقَرْض كَمَا أوجب على بني إِسْرَائِيل، وَاخْتلفُوا فِي مِقْدَار رُؤُوس الأبر من الْبَوْل فَقَالَ مَالك: يغسلهَا اسْتِحْبَابا وتنزهاً، وَالشَّافِعِيّ: يغسلهَا وجوبا وَأَبُو حنيفَة سهل فيهمَا كَمَا فِي يسير كل النَّجَاسَات، وَقَالَ الثَّوْريّ: كَانُوا يرخصون فِي الْقَلِيل من الْبَوْل.

٦٣ - (بابُ غَسْلِ الدَّمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الدَّم، بِفَتْح الْغَيْن، وَأَرَادَ بِهِ دم الْحيض.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي بَيَان إِزَالَة النَّجَاسَة، فَفِي الأول عَن الْبَوْل، وَفِي الثَّانِي عَن الدَّم، وَكِلَاهُمَا فِي النَّجَاسَة سَوَاء.

٢٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المثَنَّي قَالَ حَدثنَا يَحْيىَ عنْ هِشامٍ قَالَ حدثَتْنِي فاطِمَةُ عنْ أَسْمَاءَ قالَتْ جاءَتِ امْرأَةٌ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ أرأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ تَحتهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ وتنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ.

(الحَدِيث ٢٢٧ طرفه فِي: ٣٠٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِفَتْح النُّون: وَهُوَ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَيحيى هُوَ: ابْن سعيد الْقطَّان، وَهِشَام هُوَ: ابْن عُرْوَة بن الزبير، وَقد تقدمُوا فِي بَاب: أحب الدّين إِلَى الله أَدْوَمه، وَفَاطِمَة هِيَ: بنت الْمُنْذر بن الزبير زَوْجَة هِشَام الْمَذْكُور، تروي عَن جدَّتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْمَعْرُوفَة: بِذَات النطاقين، تقدمتا فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الْأُنْثَى؛ وَرُوَاته مَا بَين شَامي ومصري.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْبيُوع أَيْضا عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن وَكِيع، وَعَن مُحَمَّد ابْن حَاتِم عَن يحيى، وَعَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح، وَعَن ابْن وهب عَن يحيى بن عبد الله ابْن سَالم وَمَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَعَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد وَعِيسَى بن يُونُس، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن سُفْيَان، عشرتهم عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن يحيى بن حبيب عَن حَمَّاد بن زيد بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (تَحْتَهُ) من: حت الشي عَن الثَّوْب وَغَيره يحته حتاً: فركه وقشره فانحت، وتحات. وَفِي (الْمُنْتَهى) : الحت: حتك الْوَرق من الشّجر، والمني وَالدَّم وَنَحْوهمَا من الثَّوْب وَغَيره، وَهُوَ دون النحت. وَعند ابْن طريف: حت الشَّيْء: نفضه. وَقيل: مَعْنَاهُ تحكه، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة. قَوْله: (تقرصه) قَالَ فِي (الْمغرب) : الحت: القرص بِالْيَدِ، والقرص بأطراف الْأَصَابِع. وَفِي (الْمُحكم) القرص التخميش والغمز بالأصبع، والمقرص: المقطع الْمَأْخُوذ من شَيْئَيْنِ، وَقد قرضه وقرصه. وَفِي (الْجَامِع) كل مقطع مقرض. وَفِي (الصِّحَاح) : أقرصيه بِمَاء أَي: اغسليه بأطراف أصابعك، ويروى: قرضيه، بِالتَّشْدِيدِ. وَقَالَ ابو عبيد: أَي: قطعيه. وَقَالَ فِي (مجمع الغرائب) : هُوَ أبلغ فِي إذهاب الْأَثر عَن الثَّوْب. وَقَالَ عِيَاض: روينَاهُ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْقَاف وَضم الرَّاء وبضم التَّاء وَفتح الْقَاف وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة. قَالَ: وَهُوَ الدَّلْك بأطراف الْأَصَابِع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره. قَوْله: (وتنضحه) أَي: تغسله، قَالَه الْخطابِيّ: وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، وَهُوَ من بَاب: فتح يفتح، بِفَتْح عين الْفِعْل فيهمَا، وَقَالَ الْكرْمَانِي: تنضحه، بِكَسْر الضَّاد: وَكَذَا قَالَ مغلطاي فِي شَرحه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (إحدانا) مُبْتَدأ وَقَوله: (تحيض) خَبره، قَوْله: (كَيفَ تصنع) ؟ يتَعَلَّق بقوله: (أَرَأَيْت) .

بَيَان معانية قَوْله: (جَاءَت امْرَأَة) وَقع رِوَايَة الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، عَنهُ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: أَن أَسمَاء هِيَ السائلة، وَأنكر النَّوَوِيّ هَذَا، وَضعف هَذِه الرِّوَايَة، وَلَا وَجه لإنكاره، لِأَنَّهُ لَا يبعد أَن يبهم الرَّاوِي اسْم نَفسه، وَقد وَقع مثل هَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، رَضِي الله عَنهُ، فِي قصَّة الرّقية بِفَاتِحَة الْكتاب. قَوْله: (أَرَأَيْت) أَي: أَخْبرنِي، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَفِيه تجوز لإِطْلَاق الرُّؤْيَة، وَإِرَادَة الْإِخْبَار، لِأَن الرُّؤْيَة سَبَب الْإِخْبَار، وَجعل الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى الْأَمر بِجَامِع الطّلب. قَوْله: (تحيض فِي الثَّوْب) أَي: يصل دم الْحيض إِلَى الثَّوْب، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي. قلت: الْمَعْنى: تحيض حَال كَونهَا فِي الثَّوْب، وَمن ضَرُورَة ذَلِك وُصُول الدَّم إِلَى الثَّوْب. وللبخاري، من طَرِيق مَالك عَن هِشَام: إِذا أصَاب ثوبها الدَّم من الْحيض، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن أَسمَاء: (سَمِعت امْرَأَة تسْأَل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: كَيفَ تصنع إحدانا بثوبها إِذا رَأَتْ الطُّهْر أتصلى فِيهِ؟ قَالَ: تنظر، فَإِن رَأَتْ فِيهِ دَمًا فلتقرصه بِشَيْء من مَاء، ولتنضح مَا لم تَرَ ولتصل

فِيهِ) . وَعند مُسلم: (الْمَرْأَة تصيب ثوبها من دم الْحَيْضَة) ، وَعند التِّرْمِذِيّ: (إقرصيه بِمَاء ثمَّ رشيه) . وَعند ابْن خُزَيْمَة: (كَيفَ تصنع بثيابها الَّتِي كَانَت تلبس؟ فَقَالَ إِن رَأَتْ فِيهَا شَيْئا فلتحكه ثمَّ لتقرصه بِشَيْء من مَاء، وتنضح فِي سَائِر الثَّوْب بِمَاء، ولتصل فِيهِ) . وَفِي لفظ: (إِن رَأَيْت فِيهِ دَمًا فحكيه) . وَفِي لفظ: (رشيه وَصلي فِيهِ) . وَفِي لفظ: (ثمَّ تنضحه وَتصلي فِيهِ) . وَعند أبي نعيم: (لتحته ثمَّ لتقرصه ثمَّ لتنضحه ثمَّ لتصل فِيهِ) . وَفِي حَدِيث مُجَاهِد عَن عَائِشَة البُخَارِيّ: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثوب وَاحِد تحيض فِيهِ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْء من دم قَالَت بريقها، فمعنعته بظفرها) . أَي: عركته. وَاخْتلف فِي سَماع مُجَاهِد عَن عَائِشَة، فَأنكرهُ ابْن حبَان وَيحيى بن معِين وَيحيى بن سعيد وَشعْبَة وَآخَرُونَ، وأثبته البُخَارِيّ وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَمُسلم وَآخَرُونَ، وَعند البُخَارِيّ من حَدِيث الْقَاسِم عَنْهَا: (ثمَّ تقرص الدَّم من ثوبها عِنْد طهرهَا فتغسله وتنضح على سائره ثمَّ تصلي فِيهِ) . وَفِي حَدِيث أم قيس بنت مُحصن، عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان: (إغسليه بِالْمَاءِ والسدر وحكيه وَلَو بضلع) ، زَاد ابْن حبَان قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اغسليه بِالْمَاءِ) ، أَمر فرض، وَذكر السدر والحك بالضلع أَمر ندب وإرشاد. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ حَدِيث فِي غَايَة الصِّحَّة، وَعَابَ على أبي أَحْمد قَوْله: الْأَحَادِيث الصِّحَاح لَيْسَ فِيهَا ذكر الضلع والسدر، وَعند أبي أَحْمد العسكري: (حكيه بضلع واتبعيه بِمَاء وَسدر) . وَعند أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (إِن خَوْلَة بنت يسَار قَالَت: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ ثوب وَاحِد، وَأَنا أحيض فِيهِ، قَالَ: فَإِذا طهرت فاغسلي مَوضِع حيضك ثمَّ صلي فِيهِ، قَالَت: يَا رَسُول الله أرى لم يخرج اثره، قَالَ: يَكْفِيك المَاء وَلَا يَضرك أَثَره) . وَلما ذكره ابْن أبي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه الْكَبِير) جعله من مُسْند خَوْلَة، وَكَذَلِكَ الطَّبَرَانِيّ، وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) عَن امْرَأَة من غفار: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما رأى ثِيَابهَا من الدَّم، قَالَ: أصلحي من نَفسك، ثمَّ خذي إِنَاء من مَاء واطرحي فِيهِ ملحاً، ثمَّ اغسلي مَا أصَاب حقيبة الرجل من الدَّم، ثمَّ عودي لمركبك) . وَعند الدَّارمِيّ، بِسَنَد فِيهِ ضعف عَن أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا: (إِن إِحْدَاهُنَّ تسبقها القطرة من الدَّم. فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِذا أصَاب إحداكن بذلك فلتقصعه بريقها. وَعند ابْن خُزَيْمَة: وَقيل لَهَا: كَيفَ كنتن تصنعن بثيابكن إِذا طمثن على عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَت: إِن كُنَّا لنطمث فِي ثيابنا أَو فِي دروعنا، فَمَا نغسل مِنْهُ إلَاّ أثر مَا أَصَابَهُ الدَّم. قَوْله: (تَحْتَهُ) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ، وَفِي قَوْله: (ثمَّ تقرصه) يرجع إِلَى الثَّوْب. وَفِي قَوْله: و (تنضحه) يرجع إِلَى المَاء، وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن الخاطبي قَالَ: تنضحه أَي: تغسله. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: المُرَاد بِهِ الرش، لِأَن غسل الدَّم اسْتُفِيدَ من قَوْله: (تقرصه بِالْمَاءِ) ، وَأما النَّضْح فَهُوَ لما شكّ فِيهِ من الثَّوْب. وَقَالَ بَعضهم: فعلى هَذَا الضَّمِير فِي قَوْله: (تنضحه) يعود على الثَّوْب، بِخِلَاف: تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ يعود على الدَّم، فَيلْزم مِنْهُ إختلاف الضمائر، وَهُوَ على خلاف الأَصْل. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن لفظ: الدَّم، غير مَذْكُور صَرِيحًا، وَالْأَصْل فِي عود الضَّمِير أَن يكون إِلَى شَيْء صَرِيح، وَالْمَذْكُور هُنَا صَرِيحًا: الثَّوْب وَالْمَاء، فالضميران الْأَوَّلَانِ يرجعان إِلَى الثَّوْب لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبلهمَا، وَالضَّمِير الثَّالِث يرجع إِلَى: المَاء، لِأَنَّهُ الْمَذْكُور قبله، وَهَذَا هُوَ الأَصْل. ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: ثمَّ إِن الرش على الْمَشْكُوك فِيهِ لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَنَّهُ إِن كَانَ طَاهِرا فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ، وَإِن كَانَ متنجساً لم يتَطَهَّر بذلك، فَالْأَحْسَن مَا قَالَه الخاطبي. قلت: الَّذِي قَالَه الْقُرْطُبِيّ هُوَ الْأَحْسَن لِأَنَّهُ يلْزم التّكْرَار من قَول الخاطبي بِلَا فَائِدَة، لأَنا ذكرنَا أَن الحت هُوَ الفرك، والقرص هُوَ الدَّلْك بأطراف الاصابع مَعَ صب المَاء عَلَيْهِ حَتَّى يذهب أَثَره، لما نَقَلْنَاهُ عَن القَاضِي عِيَاض،

ففهم الْغسْل من لَفْظَة القرص، فَإِذا قُلْنَا: الرش بِمَعْنى الْغسْل يلْزم التّكْرَار، ثمَّ قَوْله: ثمَّ إِن الرش ... إِلَى آخِره، كَلَام من غير رُوِيَ، لِأَن الرش هَهُنَا لإِزَالَة الشَّك المتردد فِي الخاطر، كَمَا جَاءَ فِي رش المتوضىء المَاء على سراويله بعد فَرَاغه من الْوضُوء، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَافْهَم.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: مَا قَالَه الخاطبي: إِن فِيهِ دَلِيلا على أَن النَّجَاسَات إِنَّمَا تَزُول بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات، لَان جَمِيع النَّجَاسَات بِمَثَابَة الدَّم، لَا فرق بَينه وَبَينهَا إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) على أَصْحَابنَا فِي وجوب الطَّهَارَة بِالْمَاءِ دون غَيره من الْمَائِعَات الطاهرة. قلت: هَذَا خرج مخرج الْغَالِب لَا مخرج الشَّرْط، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم} (النِّسَاء: ٢٣) وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن المَاء أَكثر وجودا من غَيره، أَو نقُول: تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ، أَو نقُول: إِنَّه مَفْهُوم لقب، وَلَا يَقُول بِهِ إمامنا.

وَمِنْهَا: أَنه يدل على وجوب غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث أَسمَاء أصل عِنْد الْعلمَاء فِي غسل النَّجَاسَات من الثِّيَاب، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث مَحْمُول عِنْدهم على الدَّم الْكثير، لِأَن الله تَعَالَى شَرط فِي نَجَاسَته أَن يكون مسفوحاً، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْكثير الْجَارِي إلَاّ أَن الْفُقَهَاء اخْتلفُوا فِي مِقْدَار مَا يتَجَاوَز عَنهُ من الدَّم، فَاعْتبر الْكُوفِيُّونَ فِيهِ، وَفِي النَّجَاسَات دون الدِّرْهَم فِي الْفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره. وَقَالَ مَالك: قَلِيل الدَّم مَعْفُو، وَيغسل قَلِيل سَائِر النَّجَاسَات. وَرُوِيَ عَن ابْن وهب: إِن قَلِيل دم الْحيض ككثيره وكسائر الأنجاس، بِخِلَاف سَائِر الدِّمَاء، وَالْحجّة فِي أَن الْيَسِير من دم الْحيض كالكثير قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأسماء: (حتيه ثمَّ اقرصيه) ، حَيْثُ لم يفرق بَين قَلِيله وَكَثِيره، وَلَا سَأَلَهَا عَن مِقْدَاره وَلم يحد فِيهِ مِقْدَار الدِّرْهَم وَلَا دونه. قلت: حَدِيث عَائِشَة: (مَا كَانَ لإحدانا إلَاّ ثَوَاب وَاحِد فِيهِ تحيض فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من دم بلته بريقها، ثمَّ قصعته بريقها) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (قَالَت بريقها فمصعته) ، يدل على الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا فِي الدَّم الْيَسِير الَّذِي يكون معفواً عَنهُ، وَأما الْكثير مِنْهُ فصح عَنْهَا. أَي: عَن عَائِشَة. أَنَّهَا كَانَت تغسله، فَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم فِي عدم الْفرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير من النَّجَاسَة، وعَلى الشَّافِعِي أَيْضا فِي قَوْله: (إِن يسير الدَّم يغسل كَسَائِر الأنجاس إلَاّ دم الراغيث، فَإِنَّهُ لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ) . وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَا يرى بالقطرة والقطرتين بَأْسا فِي الصَّلَاة، وعصر ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، بثرة فَخرج مِنْهَا دم فمسحه بِيَدِهِ وَصلى، فالشافعية لَيْسُوا بإكثر إحتياطاً من أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر، وَلَا أَكثر رِوَايَة عَنْهُمَا حَتَّى خالفوهما، حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الْقَلِيل وَالْكثير، على أَن قَلِيل الدَّم مَوضِع ضَرُورَة، لِأَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو فِي غَالب حَاله من بثرة أَو دمل أَو برغوث، فعفى عَنهُ، وَلِهَذَا حرم الله المسفوح مِنْهُ، فَدلَّ أَن غَيره لَيْسَ بِمحرم، وَأما تَقْدِير أَصْحَابنَا الْقَلِيل بِقدر الدِّرْهَم، فَلَمَّا ذكره صَاحب (الاسرار) عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمَا قدرا النَّجَاسَة بالدرهم، وكفي بهما حجَّة فِي الِاقْتِدَاء. وَرُوِيَ عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أَنه قدره بظفره، وَفِي (الْمُحِيط) : وَكَانَ ظفره قَرِيبا من كفنا، فَدلَّ على أَن مَا دون الدِّرْهَم لَا يمْنَع. وَقَالَ فِي (الْمُحِيط) أَيْضا: الدِّرْهَم الْكَبِير مَا يكون مثل عرض الْكَفّ، وَفِي صَلَاة الأَصْل: الدِّرْهَم الْكَبِير المثقال يَعْنِي: يبلغ مِثْقَالا. وَعند السَّرخسِيّ: يعْتَبر بدرهم زَمَانه، وَأما الحَدِيث الَّذِي روايه الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن روح بن غطيف عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (تُعَاد الصَّلَاة من قدر دِرْهَم من الدَّم) ، وَفِي لفظ: (إِذا كَانَ فِي الثَّوْب قدر الدِّرْهَم من الدَّم غسل الثَّوْب وأعيدت الصَّلَاة) . وَإِن اصحابنا لم يحتجوا بِهِ، لِأَنَّهُ حَدِيث مُنكر، بل قَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه بَاطِل. فَإِن قلت: النَّص وَهُوَ قَوْله: {وثيابك فطهر} (المدثر: ٤) لم يفصل بَين الْقَلِيل وَالْكثير، فَلَا يُعْفَى الْقَلِيل. قلت: الْقَلِيل غير مُرَاد مِنْهُ بِالْإِجْمَاع بِدَلِيل عَفْو مَوضِع الِاسْتِنْجَاء فَتعين الْكثير، وَقد قدر الْكثير بالآثار.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الدَّم نجس بِالْإِجْمَاع.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ الدّلَالَة على أَن الْعدَد لَيْسَ بِشَرْط فِي إِزَالَة النَّجَاسَة بل المُرَاد الإنقاء.

وَمِنْهَا: أَنَّهَا إِذا لم تَرَ فِي ثوبها شَيْئا من الدَّم ترش عَلَيْهِ مَاء وَتصلي فِيهِ.

٢٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدثنَا أبُو مُعاويَةَ قَالَ حَدثنَا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنةُ أبي حُبَيْشٍ إِلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأةٌ

اُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا إنَّما ذلِكِ عِرْقٌ ولَيْسَ بِحَيْضٍ فاذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعِي الصَّلاةَ وَإِذا أَدْبَرتْ فاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أبي ثُمَّ تَوَضَّئِي لكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجىءَ ذلكِ الوَقْتُ..

هَذَا الحَدِيث أَيْضا مُطَابق للتَّرْجَمَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، بتَخْفِيف: اللَّام، البيكندي، تقدم فِي بَاب قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَنا أعلمكُم بِاللَّه) ، وَقد وَقع فِي أَكثر النّسخ عِنْد الْأَكْثَرين: حَدثنَا مُحَمَّد، غير مَنْسُوب، وللأصيلي: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام وَلأبي ذَر: حَدثنَا مُحَمَّد، وَهُوَ ابْن سَلام.

الثَّانِي: أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير: مُحَمَّد بن خازم، بالمعجمتين، وَقد تقدم عَن قريب. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير، وَقد مر أَيْضا غير مرّة. الرَّابِع: أَبُو عُرْوَة، كَذَلِك. الْخَامِس: عَائِشَة الصديقة بنت الصّديق. السَّادِس: فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: القرشية الأَسدِية، وَاسم أبي حُبَيْش: قيس بن الْمطلب، وَقَالَ بَعضهم: قيس بن عبد الْمطلب. قَالَ بعض الشَّارِحين: وَقع فِي أَكثر نسخ مُسلم: عبد الْمطلب، وَهُوَ غلط. قلت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَكَذَا قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) : قيس بن الْمطلب بن أَسد، وَهُوَ الْمطلب بن أَسد، وَهِي غير: فَاطِمَة بنت قيس، الَّتِي طلقت ثَلَاثًا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: ذكر أبي مُعَاوِيَة هُنَا بالكنية، وَفِي بَاب غسل الْبَوْل بِالِاسْمِ، رِعَايَة للفظ الشُّيُوخ. وَفِيه: حِكَايَة الصحابية عَن سُؤال الصحابية عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: أَن البُخَارِيّ روى هَهُنَا عَن مُحَمَّد غير مَنْسُوب عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا ذكرنَا، وَصرح بِهِ فِي النِّكَاح بقوله: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة ... وَذكر الكلاباذي أَن البُخَارِيّ روى عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن مُحَمَّد بن سَلام عَن أبي مُعَاوِيَة، وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ من طَرِيق إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن أبي مُعَاوِيَة، وَذكر أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن أبي مُعَاوِيَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى، وَالتِّرْمِذِيّ عَن هناد بن السّري، وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، ثَلَاثَتهمْ عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن يُونُس، وَعبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، قَالَا: حَدثنَا زُهَيْر، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن عُرْوَة عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وَأخرجه أَيْضا من مُسْند فَاطِمَة الْمَذْكُور.

بَيَان لغته قَوْله: (استحاض) ، بِضَم الْهمزَة وَسُكُون السِّين وَفتح التَّاء. قَالَ الْجَوْهَرِي: استحيضت الْمَرْأَة أَي: اسْتمرّ بهَا الدَّم بعد أَيَّامهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَة. وَفِي الشَّرْع: الْحيض عبارَة عَن الدَّم الْخَارِج من الرَّحِم، وَهُوَ مَوضِع الْجِمَاع والولادة لَا تعقب ولادَة مُقَدرا فِي وَقت مَعْلُوم، وَقَالَ الْكَرْخِي: الْحيض دم تصير الْمَرْأَة بَالِغَة بابتداء خُرُوجه، والاستحاضة اسْم لما نقص من أقل الْحيض أَو زَاد على أَكْثَره. فان قلت: مَا وَجه بِنَاء الْفِعْل للْفَاعِل فِي الْحيض، وللمفعول فِي الِاسْتِحَاضَة؟ فَقيل: استحيضت؟ قلت: لما كَانَ الأول: مُعْتَادا مَعْرُوفا نسب إِلَيْهَا، وَالثَّانِي: لما كَانَ نَادرا غير مَعْرُوف الْوَقْت، وَكَانَ مَنْسُوبا إِلَى الشَّيْطَان، كَمَا ورد أَنَّهَا ركضة من الشَّيْطَان، بني لما لم يسم فَاعله. فَإِن قلت: يجوز أَن تكون للتحول، كَمَا فِي: استحجر الطين، وَهنا أَيْضا تحول دم الْحيض إِلَى غير دَمه، وَهُوَ دم الأستحاضة. فَافْهَم. قَوْله: (عرق) ، بِكَسْر الْعين وَسُكُون الرَّاء: وَهُوَ الْمُسَمّى بالعادل، بِالْعينِ الْمُهْملَة والذال الْمُعْجَمَة، وَحكي إهمالها. قَوْله: (وَلَيْسَ بحيض) لِأَن الْحيض يخرج من قَعْر الرَّحِم كَمَا ذكرنَا. قَوْله: (حيضتك) ، بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا، وَهُوَ بِالْفَتْح: الْمرة، وبالكسر: اسْم للدم، والخرقة الَّتِي تستثفر بهَا الْمَرْأَة وَالْحَالة. وَقَالَ الْخطابِيّ: المحدثون يَقُولُونَ بِالْفَتْح، وَهُوَ خطأ، وَالصَّوَاب الْكسر، لِأَن المُرَاد بهَا الْحَالة، ورده القَاضِي وَغَيره، وَقَالُوا: الْأَظْهر الْفَتْح، لِأَن المُرَاد إِذا أقبل الْحيض. قَوْله: (وَإِذا أَدْبَرت) من: الإدبار وَهُوَ انْقِطَاع الْحيض.

بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (إِنِّي امْرَأَة) ، قد علم أَن كلمة: لَا تسْتَعْمل إلَاّ عِنْد إِنْكَار الْمُخَاطب لِلْقَوْلِ أَو التَّرَدُّد فِيهِ، وَمَا كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنْكَار لاستحاضتها وَلَا تردد فِيهَا، فَوجه إستعمالها هَهُنَا يكون لتحقيق نفس الْقَضِيَّة، إِذْ كَانَت بعيدَة الْوُقُوع نادرة الْوُجُود، فَلذَلِك أكدت قَوْلهَا بِكَلِمَة: إِن قَوْله: (أفأدع) أَي: أفأترك. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: الْهمزَة

تَقْتَضِي عدم المسبوقية بِالْغَيْر، وَالْفَاء تَقْتَضِي المسبوقية بِهِ، فيكف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: هُوَ عطف على مُقَدّر أَي: ايكون لي حكم الْحَائِض فَادع الصَّلَاة، أَو الْهمزَة مقحمة، أَو توسطها جَائِز بَين المعطوفين إِذا كَانَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة لعدم انسحاب ذكر الأول على الثَّانِي، أَو الْهمزَة بَاقِيَة على صرافة الاستفهامية، لِأَنَّهَا للتقرير هُنَا، فَلَا يَقْتَضِي الصدارة. انْتهى كَلَامه. قلت: هَذَا سُؤال عَن اسْتِمْرَار حكم الْحَائِض فِي حَالَة دوَام الدَّم وإزالته، وَهُوَ كَلَام من تقرر عِنْده أَن الْحَائِض مَمْنُوعَة من الصَّلَاة. قَوْله: (لَا أَي: لَا تَدعِي الصَّلَاة. قَوْله: (ذَلِك) بِكَسْر الْكَاف. قَوْله: (عرق) أَي: دم عرق، لِأَن الْخَارِج لَيْسَ بعرق. قَوْله: (فَإِذا أَقبلت) أَي: الْحَيْضَة، (فدعي الصَّلَاة) اي: اتركيها، (وَإِذا أَدْبَرت) أَي: إِذا انْقَطَعت. فَإِن قلت: مَا عَلامَة إدبار الْحيض وإنقطاعه، والحصول فِي الطُّهْر. قلت: أما عِنْد أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأَصْحَابه: الزَّمَان وَالْعَادَة هُوَ الفيصل بَينهمَا، فَإِذا أضلت عَادَتهَا تحرت، وَإِن لم يكن لَهَا ظن أخذت بِالْأَقَلِّ، وَأما عِنْد الشَّافِعِي وَأَصْحَابه اخْتِلَاف الألوان هُوَ الفيصل، فالأسود أقوى من الْأَحْمَر، والأحمر أقوى من الْأَشْقَر، والأشقر أقوى من الْأَصْفَر، والأصفر أقوى من الأكدر إِذا جعلا حيضا، فَتكون حَائِضًا فِي أَيَّام القوى، مُسْتَحَاضَة فِي أَيَّام الضعْف، والتمييز عِنْده بِثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يزِيد الْقوي على خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَالثَّانِي: أَن لَا ينقص عَن يَوْم وَلَيْلَة ليمكن جعله حيضا. وَالثَّالِث: أَن لَا ينقص الضَّعِيف عَن خَمْسَة عشر يَوْمًا، ليمكن جعله طهرا بَين الحيضتين، وَبِه قَالَ مَالك وَأحمد، وَقَالَ الثَّوْريّ: عَلامَة إنقطاع الْحيض والحصول فِي الطُّهْر أَن يَنْقَطِع خُرُوج الدَّم والصفرة والكدرة، سَوَاء خرجت رُطُوبَة بَيْضَاء أَو لم يخرج شَيْء أصلا. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ، وَابْن الصّباغ: الترية رُطُوبَة خَفِيفَة لَا صفرَة فِيهَا وَلَا كدرة، تكون على القطنة أثر لَا لون، وَهَذَا يكون بعد انْقِطَاع الْحيض. قلت: الترية، بِفَتْح الْمُثَنَّاة من فَوق وَكسر الرَّاء وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ ابْن الْأَثِير: الترية، بِالتَّشْدِيدِ: مَا ترَاهُ الْمَرْأَة بعد الْحيض والاغتسال مِنْهُ من كدرة أَو صفرَة. وَقيل: هُوَ الْبيَاض ترَاهُ عِنْد الطُّهْر. وَقيل: هِيَ الْخِرْقَة الَّتِي تعرف بهَا الْمَرْأَة حَيْضهَا من طهرهَا. و: التَّاء، فِيهَا زَائِدَة، لِأَنَّهُ من الرُّؤْيَة، وَالْأَصْل فِيهَا الْهَمْز لكِنهمْ تَرَكُوهُ وشددوا الْيَاء، فَصَارَت اللَّفْظَة كَأَنَّهَا فعلية، وَبَعْضهمْ يشدد الرَّاء. قَوْله: (فاغسلي عَنْك الدَّم ثمَّ صلي) ظَاهره مُشكل لِأَنَّهُ لم يذكر الْغسْل وَلَا بُد بعد انْقِضَاء الْحيض من الْغسْل، وَأجِيب، عَنهُ: بِأَن الْغسْل، وَإِن لم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة، فقد ذكر فِي رِوَايَة أُخْرَى صَحِيحَة، قَالَ فِيهَا: فاغتسلي ... ، والْحَدِيث يُفَسر بعضه بَعْضًا، وَجَوَاب آخر هُوَ: بِأَن يحمل الإدبار على انْقِضَاء أَيَّام الْحيض والاغتسال. وَقَوله: (واغسلي عَنْك الدَّم) مَحْمُول على: دم، يَأْتِي بعد الْغسْل، وَالْأول أوجه وَأَصَح، وَأما قَول بَعضهم: فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي، أَي: فاغتسلي، فَغير موجه أصلا. قَوْله: (قَالَ: وَقَالَ أبي) أَي: قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: قَالَ أبي، وَهُوَ عُرْوَة ابْن الزبير. قَوْله: (ثمَّ توضيء لكل صَلَاة) جملَة مقول القَوْل، وَادّعى قوم أَن قَوْله: (ثمَّ توضيء) من كَلَام عُرْوَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: لفظ: (توضئي) الخ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو هُوَ مَوْقُوف على الصَّحَابِيّ؟ قلت: السِّيَاق يَقْتَضِي الرّفْع، وَقَالَ بَعضهم: لَو كَانَ هَذَا كَلَام عُرْوَة لقَالَ: ثمَّ تتوضأ، بِصِيغَة الْإِخْبَار، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَة الْأَمر شاكل الْأَمر الَّذِي فِي الْمَرْفُوع، وَهُوَ قَوْله: (فاغسلي) . قلت: كَلَام كل من الْكرْمَانِي وَهَذَا الْقَائِل احْتِمَال، فَلَا يَقع بِهِ الْقطع وَلَا يلْزم من مشاكلة الصيغتين الرّفْع.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ جَوَاز استفتاء الْمَرْأَة بِنَفسِهَا ومشافهتها الرِّجَال فِيمَا يتَعَلَّق بِأَمْر من أُمُور الدّين.

الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز اسْتِمَاع صَوت الْمَرْأَة عِنْد الْحَاجة الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ نهي للمستحاضة عَن الصَّلَاة فِي زمن الْحيض، وَهُوَ نهي تَحْرِيم، وَيَقْتَضِي فَسَاد الصَّلَاة هُنَا بِإِجْمَاع الْمُسلمين، وَيَسْتَوِي فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل لظَاهِر الحَدِيث، ويتبعها الطّواف وَصَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة وَسجْدَة الشُّكْر.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على نَجَاسَة الدَّم.

الْخَامِس: فِيهِ أَن الصَّلَاة تجب بِمُجَرَّد انْقِطَاع دم الْحيض. وَأعلم أَنَّهَا إِذا مضى زمن حَيْضهَا وَجب عَلَيْهَا أَن تَغْتَسِل فِي الْحَال لأوّل صَلَاة تدركها، وَلَا يجوز لَهَا بعد ذَلِك أَن تتْرك صَلَاة أَو صوما، وَيكون حكمهَا حكم الطاهرات، فَلَا تستظهر بِشَيْء أصلا، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي. وَعَن مَالك ثَلَاث رِوَايَات: الأولى: تستظهر ثَلَاثَة أَيَّام وَمَا بعد ذَلِك اسْتِحَاضَة. وَالثَّانيَِة: تتْرك الصَّلَاة إِلَى انْتِهَاء خَمْسَة عشر يَوْمًا، وَهِي أَكثر مُدَّة الْحيض عِنْده. وَالثَّالِثَة: كمذهبنا.

السَّادِس: اسْتدلَّ بعض أَصْحَابنَا فِي إِيجَاب الْوضُوء من خُرُوج الدَّم من غير السَّبِيلَيْنِ، لِأَنَّهُ

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم علل نقض الطَّهَارَة بِخُرُوج الدَّم من الْعرق، وكل دم يبرز من الْبدن فَإِنَّمَا يبرز من عرق، لِأَن الْعُرُوق هِيَ مجاري الدَّم من الْجَسَد. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَلَيْسَ معنى الحَدِيث مَا ذهب إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ، وَلَا مُرَاد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من ذَلِك مَا توهموه، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن هَذِه الْعلَّة إِنَّمَا حدثت بهَا من تصدع الْعرق، وتصدع الْعرق عِلّة مَعْرُوفَة عِنْد الْأَطِبَّاء يحدث ذَلِك عِنْد غَلَبَة الدَّم فتتصدع الْعُرُوق إِذا امْتَلَأت تِلْكَ الأوعية. قلت: لَيْسَ معنى الحَدِيث مَا ذهب إِلَيْهِ الْخطابِيّ، لِأَنَّهُ قيد إِطْلَاق الحَدِيث وخصص عُمُومه من غير مُخَصص، وَهُوَ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح وَهُوَ بَاطِل.

السَّابِع: قَوْله: (لكل صَلَاة) فِيهِ خلاف بَين الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة، وَهُوَ أَن الْمُسْتَحَاضَة وَمن بمعناها من أَصْحَاب الْأَعْذَار هَل يتوضؤون لكل صَلَاة، أَو لكل وَقت صَلَاة، وَهُوَ مَذْكُور فِي كتب الْفِقْه.

٦٤ - (بابُ غسْلِ المَنِيِّ وفَرْكِهِ وغَسْل مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَنِيّ عِنْد كَونه رطبا، وَبَيَان حكم فركه عِنْد كَونه يَابسا، والفرك هُوَ الدَّلْك حَتَّى يذهب أَثَره. والمني، بتَشْديد الْيَاء؛ مَاء خاثر أَبيض يتَوَلَّد مِنْهُ الْوَلَد، وينكسر بِهِ الذّكر، ورائحته رَائِحَة الطّلع. قَوْله: (وَغسل مَا يُصِيب) أَي: وَفِي بَيَان غسل مَا يُصِيب الثَّوْب أَو الْجَسَد من الْمَرْأَة عِنْد مخالطته إِيَّاهَا. وَهَذِه التَّرْجَمَة مُشْتَمِلَة على ثَلَاثَة أَحْكَام، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ حكم غسل الْمَنِيّ، وَذكر الحكم الثَّالِث فِي أَوَاخِر كتاب الْغسْل من حَدِيث عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ بَعضهم: لم يخرج البُخَارِيّ حَدِيث الفرك، بل اكْتفى بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ فِي التَّرْجَمَة على عَادَته، لِأَنَّهُ ورد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا. قلت: هَذَا اعتذار بَارِد، لِأَن الطَّرِيقَة أَنه إِذا ترْجم الْبَاب بِشَيْء يَنْبَغِي أَن يذكرهُ، وَقَوله: بل أكتفي بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ كَلَام واهٍ، لِأَن الْمَقْصُود من التَّرْجَمَة معرفَة حَدِيثهَا، وإلَاّ فمجرد ذكر التَّرْجَمَة لَا يُفِيد شَيْئا، والْحَدِيث الَّذِي فِي هَذَا الْبَاب لَا يدل على الفرك، وَلَا على غسل مَا يُصِيب من الْمَرْأَة، وَاعْتذر الْكرْمَانِي عَنهُ بقوله: وَاكْتفى بإيراد بعض الحَدِيث، وَكَثِيرًا يَقُول مثل ذَلِك، أَو كَانَ فِي قَصده أَن يضيف إِلَيْهِ مَا يتَعَلَّق بِهِ وَلم يتَّفق لَهُ، أَو لم يجد رُوَاته بِشَرْطِهِ. قلت: كل هَذَا لَا يجدي، وَلَكِن حبك للشَّيْء يعمي ويصم، ثمَّ إِن بَعضهم ذكر فِي أول هَذَا الْبَاب كلَاما لَا يذكرهُ من لَهُ بَصِيرَة وروية، وَفِيه رد لما ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة، وَمَعَ هَذَا أَخذ كَلَامه هَذَا من كَلَام الْخطابِيّ مَعَ تَغْيِير، وَهُوَ أَنه قَالَ: وَلَيْسَ بَين حَدِيث الْغسْل وَحَدِيث الفرك تعَارض، لِأَن الْجمع بَينهمَا وَاضح على القَوْل بِطَهَارَة الْمَنِيّ، بِأَن يحمل الْغسْل على الِاسْتِحْبَاب للتنظيف لَا على الْوُجُوب، وَهَذِه طَريقَة الشَّافِعِي وَأحمد وَأَصْحَاب الحَدِيث، وَكَذَا الْجمع مُمكن على القَوْل بِنَجَاسَتِهِ بِأَن يحمل الْغسْل على مَا كَانَ رطبا، والفرك على مَا كَانَ يَابسا، وَهَذِه طَريقَة، والطريقة الأولى أرجح، لِأَن فِيهَا الْعَمَل بالْخبر وَالْقِيَاس مَعًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ نجسا لَكَانَ الْقيَاس وجوب غسله دون الِاكْتِفَاء بفركه كَالدَّمِ وَغَيره، وهم لَا يكتفون فِيمَا لَا يُعْفَى عَنهُ من الدَّم بالفرك. قلت: من هُوَ الَّذِي ادّعى تَعَارضا بَين الْحَدِيثين الْمَذْكُورين حَتَّى يحْتَاج إِلَى التَّوْفِيق، وَلَا نسلم التَّعَارُض بَينهمَا أصلا، بل حَدِيث الْغسْل يدل على نَجَاسَة الْمَنِيّ بِدلَالَة غسله، وَكَانَ هَذَا هُوَ الْقيَاس أَيْضا فِي يابسه، وَلَكِن خص بِحَدِيث الفرك، وَقَوله بِأَن يحمل الْغسْل على الِاسْتِحْبَاب للتنظيف لَا على الْوُجُوب كَلَام واه، وَهُوَ كَلَام من لَا يدْرِي مَرَاتِب الْأَمر الْوَارِد من الشَّرْع، فأعلى مَرَاتِب الْأَمر الْوُجُوب وَأَدْنَاهَا الْإِبَاحَة، وَهنا لَا وَجه للثَّانِي، لِأَنَّهُ، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يتْركهُ على ثَوْبه أبدا، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة من بعده، ومواظبته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فعل شَيْء من غير ترك فِي الْجُمْلَة يدل على الْوُجُوب بِلَا نزاع فِيهِ، وَأَيْضًا الأَصْل فِي الْكَلَام الْكَمَال، فَإِذا أطلق اللَّفْظ ينْصَرف إِلَى الْكَامِل، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن ينْصَرف ذَلِك بِقَرِينَة تقوم فتدل عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ فحوى كَلَام أهل الْأُصُول إِن الْأَمر الْمُطلق أَي: الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن، يدل على الْوُجُوب. ثمَّ قَوْله: والطريقة الأولى أرجح ... الخ غير رَاجِح، فضلا أَن يكون أرجح بل هُوَ غير صَحِيح، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: الْعَمَل بالْخبر، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن من يَقُول بطهرة الْمَنِيّ يكون غير عَامل بالْخبر، لِأَن الْخَبَر يدل على نَجَاسَته، كَمَا قُلْنَا، وَكَذَلِكَ قَوْله فِيهَا: الْعَمَل بِالْقِيَاسِ غير صَحِيح، لِأَن الْقيَاس وجوب غسله مُطلقًا، وَلَكِن خص بِحَدِيث الفرك لما ذكرنَا. فان قلت: مَا لَا يجب غسل يابسه لَا يجب غسل رطبه كالمخاط. قلت: لَا نسلم أَن الْقيَاس صَحِيح، لِأَن المخاط لَا يتَعَلَّق بِخُرُوجِهِ حدث مَا أصلا، والمنى مُوجب لأكبر الحدثين، وَهُوَ الْجَنَابَة. فان قلت: سُقُوط الْغسْل فِي يابسه يدل

على الطَّهَارَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك كَمَا فِي مَوضِع الِاسْتِنْجَاء.

قَوْله: كَالدَّمِ وَغَيره ... إِلَى آخِره، قِيَاس فَاسد، لِأَنَّهُ لم يَأْتِ نَص بِجَوَاز الفرك فِي الدَّم وَنَحْوه، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي يَابِس الْمَنِيّ على خلاف الْقيَاس، فَيقْتَصر على مورد النَّص. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا} (الْفرْقَان: ٥٤) سَمَّاهُ: مَاء، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ بِمَاء، فَدلَّ على أَنه أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيه فِي الحكم، وَمن حكم المَاء أَن يكون طَاهِرا. قلت: أَن تَسْمِيَته: مَاء، لَا تدل على طَهَارَته، فَإِن الله تَعَالَى سمى مني الدَّوَابّ: مَاء، بقوله: {وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء} (النُّور: ٤٥) فَلَا يدل ذَلِك على طَهَارَة مَاء الْحَيَوَان. فان قلت: إِنَّه أصل الْأَنْبِيَاء والأولياء، فَيجب أَن يكون طَاهِرا. قلت: هُوَ أصل الْأَعْدَاء أَيْضا: كنمرود وَفرْعَوْن وهامان وَغَيرهم، على أَنا نقُول: الْعلقَة أقرب إِلَى الْإِنْسَان الْمَنِيّ، وَهُوَ أَيْضا أصل الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمَعَ هَذَا لَا يُقَال: إِنَّهَا طَاهِرَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَترد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَيْضا مَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أُخْرَى عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَ يَسْلت الْمَنِيّ من ثَوْبه بعرق الْإِذْخر ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَتَحْته من ثَوْبه يَابسا، ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن ترك الْغسْل فِي الْحَالَتَيْنِ. قلت: رد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة بِهَذَا غير صَحِيح، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على طَهَارَته، وَقد يجوز أَن يكون كَانَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، يفعل بذلك فيطهر الثَّوْب، وَالْحَال أَن الْمَنِيّ فِي نَفسه نجس، كَمَا قد رُوِيَ فِيمَا أصَاب النَّعْل من الْأَذَى، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا وطىء الْأَذَى بخفيه فطهورهما التُّرَاب) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا وطىء أحدكُم الْأَذَى بخفيه أَو نَعله فطهورهما التُّرَاب) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَكَانَ ذَلِك التُّرَاب يجزىء من غسلهمَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة الْأَذَى فِي نَفسه، فَكَذَلِك مَا رُوِيَ فِي الْمَنِيّ. فان قلت: فِي سَنَده مُحَمَّد بن كثير الصَّنْعَانِيّ، وَقد تكلمُوا فِيهِ. قلت: وَثَّقَهُ ابْن حبَان وروى حَدِيثه فِي (صَحِيحه) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي (الْخُلَاصَة) : وَرَوَاهُ ابو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول ابْن الْقطَّان: وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق لَا يظنّ بهَا الصِّحَّة. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِمَعْنَاهُ، وَرُوِيَ أَيْضا نَحوه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا. وَالْمرَاد من الْأَذَى: النَّجَاسَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَأما مَالك فَلم يعرف الفرك، وَالْعَمَل عِنْدهم على وجوب الْغسْل كَسَائِر النَّجَاسَات. قلت: لَا يلْزم من عدم معرفَة الفرك أَن يكون الْمَنِيّ طَاهِرا عِنْده، فَإِن عِنْده الْمَنِيّ نجس كَمَا هُوَ عندنَا، وَذكر فِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: الْمَنِيّ نجس وَأَصله دم، وَهُوَ يمر فِي ممر الْبَوْل، فَاخْتلف فِي سَبَب التَّنْجِيس: هَل هُوَ رده إِلَى أَصله، أَو مروره فِي مجْرى الْبَوْل؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَقَالَ بَعضهم: الثَّوْب الَّذِي اكتفت فِيهِ بالفرك ثوب النّوم، وَالثَّوْب الَّذِي غسلته ثوب الصَّلَاة، وَهُوَ مَرْدُود أَيْضا بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَات مُسلم من حَدِيثهَا أَيْضا: (لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فركاً، فَيصَلي فِيهِ) . وَهَذَا التعقيب: بِالْفَاءِ، يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة؛ وأصرح مِنْهُ. رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة أَنَّهَا كَانَت تحكه من ثَوْبه وَهُوَ يُصَلِّي.

قلت: أَرَادَ بقوله: وَقَالَ بَعضهم، الْحَافِظ أَبَا جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (مَعَاني الْآثَار) : حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا بشر بن عمر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن همام بن الْحَارِث أَنه كَانَ نازلاً على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَاحْتَلَمَ، فرأته جَارِيَة لعَائِشَة وَهُوَ يغسل أثر الْجَنَابَة من ثَوْبه، أَو يغسل ثَوْبه، فاخبرت بذلك عَائِشَة، فَقَالَت عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي، وَمَا أَزِيد على أَن أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا من أَرْبَعَة عشر طَرِيقا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، ثمَّ قَالَ: فَذهب ذاهبون إِلَى أَن الْمَنِيّ طَاهِر، وَأَنه لَا يفْسد المَاء، وَإِن وَقع فِيهِ وَإِن حكمه فِي ذَلِك حكم النخامة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار. وَأَرَادَ بهؤلاء الذاهبين: الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل هُوَ نجس. وَأَرَادَ بالآخرين: الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكاً وَاللَّيْث بن سعد وَالْحسن بن حَيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقَالُوا لاحجة لكم فِي هَذِه الْآثَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَت فِي ذكر ثِيَاب ينَام فِيهَا، وَلم يَأْتِ فِي ثِيَاب يُصَلِّي فِيهَا، وَقد رَأينَا أَن الثِّيَاب النَّجِسَة بالغائط وَالْبَوْل وَالدَّم لَا بَأْس بِالنَّوْمِ فِيهَا، وَلَا تجوز الصَّلَاة فِيهَا، فقد يجوز أَن يكون الْمَنِيّ كَذَلِك، وَإِنَّمَا يكون هَذَا الحَدِيث حجَّة علينا وَلَو كُنَّا نقُول: لَا يصلح النّوم فِي الثَّوْب النَّجس، فَأَما إِذا كُنَّا نُبيح ذَلِك ونوافق مَا رويتم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك، ونقول من بعد: لَا يصلح الصَّلَاة فِي ذَلِك، فَلم نخالف شَيْئا مِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِك عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد جَاءَت عَن عَائِشَة فِيمَا كَانَت تفعل بِثَوْب رَسُول الله

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إِذا اصابه الْمَنِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك وَبشر بن الْمفضل عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كنت أغسل الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيخرج إِلَى الصَّلَاة وَإِن بقع المَاء لفي ثَوْبه) . وَإِسْنَاده صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرجه الْجَمَاعَة أَيْضا على مَا يأتى بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَكَذَا كَانَت تفعل عَائِشَة بِثَوْب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، تغسل الْمَنِيّ مِنْهُ وتفركه من وثبه الَّذِي كَانَ لَا يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل اسْتدلَّ فِي رده على الطَّحَاوِيّ فِيمَا ذَكرْنَاهُ بِأَن قَالَ: وَهَذَا التعقيب بِالْفَاءِ يَنْفِي ... الخ، وَهَذَا اسْتِدْلَال فَاسد، لِأَن كَون الْفَاء للتعقيب لَا يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة، لِأَن أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا: إِن التعقيب فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ، أَلا ترى أَنه يُقَال: تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إلَاّ مُدَّة الْحمل، وَهُوَ مُدَّة متطاولة، فَيجوز على هَذَا أَن يكون معنى قَول عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَرَادَت بِهِ ثوب النّوم، ثمَّ تغسله فَيصَلي فِيهِ، وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، بِمَعْنى: ثمَّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الغظام لَحْمًا} (الْمُؤْمِنُونَ: ١٤) . فالفاآت، فِيهَا بِمَعْنى: ثمَّ، لتراخى معطوفاتها، فَإِذا ثَبت جَوَاز التَّرَاخِي فِي الْمَعْطُوف يجوز أَن يَتَخَلَّل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مُدَّة يجوز وُقُوع الْغسْل فِي تِلْكَ الْمدَّة، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) والطَّحَاوِي فِي (مَعَاني الْآثَار) عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ. قَوْله: وأصرح مِنْهُ رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة ... الخ لَا يساعده أَيْضا فِيمَا ادَّعَاهُ، لِأَن قَوْله: وَهُوَ يُصَلِّي، جملَة إسمية وَقعت حَالا منتظرة، لَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا كَانَت تحك الْمَنِيّ من ثوب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حَال كَونه فِي الصَّلَاة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَمل تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة.

٢٢٩ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ قَالَ أخبرنَا عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ الجَزَريُّ عنْ سلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ كنْتُ أَغْسِلُ الجنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثوْبِهِ..

لم يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة إلَاّ فِي غسل الْمَنِيّ فَقَط، وَقد ذَكرْنَاهُ.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: عَبْدَانِ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب الْوَحْي، وَعبد الله بن الْمُبَارك كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَعبد الله، أَي: ابْن الْمُبَارك فَكَأَنَّهُ وَقع فِي نسخته الَّتِي ينْقل عَنْهَا: عبد الله، مَنْسُوبا إِلَى الْأَب بالتفسير من البُخَارِيّ، فَلذَلِك قَالَ: اي ابْن الْمُبَارك، ثمَّ قَالَ: وَقَالَهُ على سَبِيل التَّعْرِيف إشعاراً بِأَنَّهُ لَفظه لالفظة نسخته، وَعَمْرو بن مَيْمُون الْجَزرِي مَنْسُوب إِلَى الجزيرة، وَكَانَ مَيْمُون بن مهْرَان وَالِد عَمْرو نزلها فنسب إِلَيْهَا وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: الْجَوْزِيّ، بواو، سَاكِنة بعْدهَا: زَاي، وَهُوَ غلط مِنْهُ. قلت: الظَّاهِر أَن الْغَلَط من النَّاقِل أَو الْكَاتِب، فدور رَأس: الزَّاي، ونقط: الرَّاء، فَصَارَ: الْجَوْزِيّ. وَقد يَقع من الناقلين وَالْكتاب الجهلة أَكثر من هَذَا وأفحش. وَالرَّابِع: سُلَيْمَان بن يسَار، ضد الْيَمين، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، فَقِيه الْمَدِينَة العابد الْحجَّة، توفّي عَام سَبْعَة وَمِائَة. وَالْخَامِس: عَائِشَة الصديقة.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ورقي ومدني، فعبدان وَابْن الْمُبَارك مروزيان، وعبدان لقب واسْمه عبد الله بن عُثْمَان، وَقد ذَكرْنَاهُ غير مرّة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عَبْدَانِ وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَعَن عَمْرو بن خَالِد، كَمَا يَأْتِي ذكر الْجَمِيع هَهُنَا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي كَامِل وَعَن أبي كريب وَيحيى بن أبي زَائِدَة، أربعتهم عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد الْبَصْرِيّ عَن سليم بن أحصد عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عَمْرو بن مَيْمُون نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ.

وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ: سَأَلت سُلَيْمَان بن يسَار ... فَذكره.

بَيَان لغته وَمَا يستنبط مِنْهُ قَوْله: (أغسل الْجَنَابَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْجَنَابَة معنى لَا عين، فَكيف يغسل؟ قلت: الْمُضَاف مَحْذُوف أَي: أثر الْجَنَابَة، أَو موجوبه أَو هِيَ مجَاز عَنهُ، وَيُقَال: المُرَاد من الْجَنَابَة: الْمَنِيّ، من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم سَببه، وان وجوده سَبَب لبعده عَن الصَّلَاة وَنَحْوهَا. قلت: يجوز أَن تكون عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، أطلقت على: الْمَنِيّ، اسْم الْجَنَابَة، فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير بالحذف أَو بالمجاز. قَوْله: (وَإِن بقع المَاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وبالعين الْمُهْملَة: جمع بقْعَة، كالنطف والنطفة، والبقعة فِي الأَصْل قِطْعَة من الأَرْض يُخَالف لَوْنهَا لون مَا يَليهَا، وَفِي بعض النّسخ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْقَاف، جمع بقْعَة: كتمرة وتمر، مِمَّا يفرق بَين الْجِنْس الْوَاحِد مِنْهُ بِالتَّاءِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: بريد بالبقعة الْأَثر. قَالَ أهل اللُّغَة: البقع اخْتِلَاف اللونين، يُقَال: غراب أبقع. وَقَالَ ابْن بطال: البقع بقع الْمَنِيّ وطبعه. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن فِي الحَدِيث صرح: وَإِن بقع المَاء، وَوَقع عِنْد ابْن مَاجَه: وَأَنا أرى أثر الْغسْل فِيهِ، يَعْنِي لم يجِف.

وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث: أَنه حجَّة للحنفية فِي قَوْلهم: إِن الْمَنِيّ نجس، لقَوْل عَائِشَة: كنت أغسل الْجَنَابَة من ثوب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَوْلها: كنت، يدل على تكْرَار هَذَا الْفِعْل مِنْهَا، فَهَذَا أدل دَلِيل على نَجَاسَة الْمَنِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَالْحَدِيث حجَّة لمن قَالَ بِنَجَاسَة الْمَنِيّ. قلت: لَا حجَّة لَهُ لاحْتِمَال أَن يكون غسله بِسَبَب أَن مَمَره كَانَ نجسا، أَو بِسَبَب اخْتِلَاطه برطوبة فرجهَا، على مَذْهَب من قَالَ بِنَجَاسَة رُطُوبَة فرجهَا. انْتهى. قلت بلَى: لَهُ حجَّة، وتعليله بِهَذَا لدعواه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن المشرحين من الْأَطِبَّاء الأقدمين قَالُوا: إِن مُسْتَقر الْمَنِيّ فِي غير مُسْتَقر الْبَوْل، وَكَذَلِكَ مخرجاهما، وَأما نَجَاسَة رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة فَفِيهَا خلاف عِنْدهم.

وَمن أَحْكَامه: خدمَة الْمَرْأَة لزَوجهَا فِي غسل ثِيَابه وَنَحْو ذَلِك، خُصُوصا إِذا كَانَ من أَمر يتَعَلَّق بهَا، وَهُوَ من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الصُّحْبَة.

وَمِنْهَا: نقل أَحْوَال المقتدى بِهِ، وَإِن كَانَ يستحي من ذكرهَا عَادَة.

وَمِنْهَا: خُرُوج الْمُصَلِّي إِلَى الْمَسْجِد بِثَوْبِهِ الَّذِي غسل مِنْهُ الْمَنِيّ قبل جفافه.

٢٣٠ - حدّثنا قتَيْبةُ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ قَالَ حدّثنا عَمْرٌ وعنْ سُلَيْمانَ بِنْ يَسارٍ قالَ سمِعْتُ عائِشَةَ ح وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا عَمروُ بنُ مَيْمُونٍ عنْ سْلَيْمانَ بنِ يسارٍ قَالَ سَألْتُ عائِشةَ عَن المَنِيِّ يُصِيبُ الثِّوْبَ فَقالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيَخْرُجُ إِلَيّ الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ.

اخْرُج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن خَمْسَة أنفس، ثَلَاثَة مِنْهُم فِي هَذَا الْبَاب، وهم: عَبْدَانِ وقتيبة ومسدد، وإثنان مِنْهُم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وهما: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَمْرو بن خَالِد، وَقد ذكرُوا عَن قريب، وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره.

وَرِجَاله هَهُنَا سَبْعَة: قُتَيْبَة بن سعيد، وَقد تقدم فِي بَاب السَّلَام من الاسلام. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة، وَذكره البُخَارِيّ غير مَنْسُوب مُجَردا، وَاخْتلف فِيهِ، فَقيل: هُوَ يزِيد بن زُرَيْع، وَقيل: يزِيد بن هَارُون، وَكِلَاهُمَا رويا عَن عَمْرو بن مَيْمُون، وَوَقع فِي رِوَايَة الْفربرِي: ابْن حَمَّاد بن شَاكر: هَكَذَا حَدثنَا يزِيد، غير مَنْسُوب، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، أحد الروَاة عَن الْفربرِي: حَدثنَا يزِيد، يَعْنِي ابْن زُرَيْع. وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الكلاباذي، وَرجح الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه أَنه ابْن هَارُون، قَالَ: لِأَنَّهُ لم يُوجد من رِوَايَة ابْن زُرَيْع، وَوجد من رِوَايَة ابْن هَارُون، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم الوجدان عدم الْوُجُود، وَقد جزم أَبُو مَسْعُود بِأَنَّهُ رَوَاهُ، فَدلَّ على وجدانه. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا مَسْعُود مَا جزم بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يُقَال: هُوَ ابْن هَارُون: لَا إِبْنِ زُرَيْع؛ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الدَّوْرَقِي، وَأحمد بن منيع ويوسف بن مُوسَى قَالُوا: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث الْحَارِث بن أبي أُسَامَة أخبرنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نصر السجْزِي فِي (فَوَائده) من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ أَبُو نصر: أخرجه البُخَارِيّ عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن هَارُون. وَقَالَ الجياني: حَدثنَا أَبُو عمر النمري حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا عَمْرو. انْتهى. وَرجح هَذَا الْقَائِل كَلَامه فِي كَون يزِيد هَذَا ابْن زُرَيْع لَا ابْن هَارُون بشيئين لَا ينْهض كَلَامه بهما. أَولهمَا: بقوله: وَقد خرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله