«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢١

الحديث رقم ٢٢١ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صب الماء على البول في المسجد.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره…

«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهُْرِيقَ عَلَيْهِ».

سند حديث: ٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ…

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ .

بَابٌ: يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ.

- حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره…

من عادة الأعراب، الجفاء والجهل، لبعدهم عن تعلم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم .
فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في المسجد النبوي، إذ جاء أعرابي وبال في أحد جوانب المسجد، ظناً منه أنه كالفلاة، فعظم فعله على الصحابة رضي الله عنهم لعظم حرمة المساجد، فنهروه أثناء بوله، ولكن صاحب الخلق الكريم، الذي بعث بالتبشير والتيسير نهاهم عن زجره، لما يعلمه من حال الأعراب، لئلا يُلوث بقعاً كثيرة من المسجد، ولئلا يلوث بدنه أو ثوبه، ولئلا يصيبه الضرر بقطع بوله عليه، وليكون أدعى لقبول النصيحة والتعليم حينما يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم أن يطهروا مكان بوله بصب دلو من ماء عليه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • العناية بالمساجد وتنزيهها عن القذر والبول.
  • وجوب تطهير المساجد من النجاسة فورا إذا حصلت فيها.
  • البول على الأرض يطهر بصب الماء عليه بحيث يغطى البول ولا يبقى له أثر، ولا يشترط نقل التراب من المكان بعد ذلك.
  • سماحة خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد أرشد الأعرابي برفق ولين بعد ما بال.
  • بُعْدُ نظره -صلى الله عليه وسلم-، ومعرفته لطبائع الناس.
  • عند تزاحم المفاسد، يرتكب أخفها، فقد تركه يكمل بوله، لأجل ما يترتب من الأضرار بقطعه عليه.
  • البعد عن الناس والمدن، يسبب الجفاء والجهل.
  • الرفق عند تعليم الجاهل.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ التَّارِيخِيِّ إِنَّهُ الْأَقْرَعُ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) أَيْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

فَظَهَرَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ كَانَ بِالْأَلْسِنَةِ لَا بِالْأَيْدِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ.

قَوْلُهُ: (وَهَرِيقُوا)، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَأَهْرِيقُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمُخَضَّبِ.

قَوْلُهُ: (سَجْلًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى، وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَةٌ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: السَّجْلُّ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ.

قَوْلُهُ: (أَوْ ذَنُوبًا) قَالَ الْخَلِيلُ: الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيهَا مَاءٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمِلْءِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ ذَنُوبٌ، انْتَهَى. فَعَلَى التَّرَادُفِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوبٌ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مَاءٍ مَعَ أَنَّ الذَّنُوبَ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَفْظٌ مُش تَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرَسِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) إِسْنَادُ الْبَعْثِ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَبْعُوثُ بِمَا ذَكَرَ، لَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِذْ هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قِبَلِهِ بِذَلِكَ، أَيْ مَأْمُورُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ بَعَثَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يَقُولُ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه تنبيهًا (١) على المُبالَغة في اليسر (٢)، وأسند البعث إلى الصَّحابة على طريق المجاز لأنَّه هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، وقد كان إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦٦٩] وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين» إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله» فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله» وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أخرج البيهقيُّ هذا الحديث من طريق عبدان هذا بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ، فلمَّا قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به النَّاس، فكفَّهم عنه (٣) رسولُ الله ، ثمَّ قال: «صبُّوا عليه دلوًا من ماءٍ»، وفي بعض

الأصول هنا: «ح» علامة التَّحويل من سندٍ إلى سندٍ (١) آخر، وفي فرع «اليونينيَّة» بدلها: «بابٌ» بالتَّنوين «يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ» بفتح الهاء، وسقط الباب والتَّرجمة في رواية الأَصيليِّ والهرويِّ وعط (٢) وابن عساكر.

(وحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: «حدَّثنا عبدان»، قال في «الفتح»: وسقطت من رواية كريمة، وفي الفرع: ثبوتها للأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ) هو «ابن مَخْلَدٍ» كما للأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح اللَّام (قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت (٣): «قال: حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ) أي: في قطعة من أرضه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) على ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ الاحتراز من النَّجاسة كان مُقرَّرًا عندهم (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ) عن زجره للمصلحة الرَّاجحة وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (فَلَمَّا قَضَى) الأعرابيُّ (بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو المملوءة ماءً أو العظيمة (فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزةٍ مضمومةٍ وسكون الهاء وضمِّها (٤)،

كذا في «اليونينيَّة» (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فهُريق» بضمِّ الهاء (عَلَيْهِ) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرض المتنجِّسة لا يطهِّرها إلَّا الماء، لا الجفاف بالرِّيح أو الشَّمس (٢) لأنَّه لو كان يكفي ذلك لَمَا حصل التَّكليف بطلب الدَّلو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوز التَّيمُّم بها، وقال الحنفيَّة غير زفر منهم: إذا أصابت (٣) الأرض نجاسةٌ فجفَّت بالشَّمس وذهب أثرها جازت (٤) الصَّلاة على مكانها لقوله : «زكاة (٥) الأرض يبسها» أي: طهارتها، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء لأنَّ الواجب هو الإزالة، والماء مزيلٌ بطبعه، فيُقَاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع، قالوا: وإنَّما لا يجوز التيمم به لأنَّ طهارة الصَّعيد ثبتت شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبت بالحديث. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ غسالة النَّجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ لأنَّ الماء المصبوب لا بدَّ أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محلٍّ لم يصبه البول ممَّا يجاوره (٦)، فلولا أنَّ الغسالة طاهرة لكان الصَّبُّ ناشرًا للنَّجاسة، وذلك خلاف مقصود التَّطهير، وسواء كانت النَّجاسة على الأرض أو غيرها، لكنَّ الحنابلة فرَّقوا بين الأرض وغيرها، والله أعلم.

(٥٩) (بابُ) حكم (بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بكسر الصَّاد ويجوز ضمُّها، جمع صبيٍّ، قاله البرماويُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لشَيْء من ذَلِك كَانَ مُبَاحا، وَتَركه أولى. واما النّوم فِيهِ فقد نَص الشَّافِعِي فِي (الْأُم) أَنه يجوز، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص فِي النّوم فِي الْمَسْجِد ابْن المسيت وَالْحسن وَعَطَاء وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تتخذوه مرقداً. وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِن كَانَ ينَام فِيهِ لصَلَاة فَلَا بَأْس. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يكره النّوم فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بذلك للغرباء، وَلَا أرى ذَلِك للحاضر. وَقَالَ احْمَد: إِن كَانَ مُسَافِرًا أَو شبهه فَلَا بَأْس، وَإِن اتَّخذهُ مقيلاً أَو مبيتاً فَلَا، وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَقَالَ الْيَعْمرِي، وَحجَّة من أجَاز نوم عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأهل الصّفة، وَالْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح، والعرنية، وثمامة بن أَثَال، وَصَفوَان بن أُميَّة، وَهِي أَخْبَار صِحَاح مَشْهُورَة. واما الْوضُوء فِيهِ فَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَبَاحَ كل من يحفظ عَنهُ الْعلم الْوضُوء فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن يتَوَضَّأ فِي مَكَان يبله ويتأذى النَّاس بِهِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوه. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا مَنْقُول عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وطاووس وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك، وَذكر عَن ابْن سِيرِين وَسَحْنُون أَنَّهُمَا كرهاه تَنْزِيها لِلْمَسْجِدِ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِن كَانَ فِيهِ مَوضِع معد للْوُضُوء فَلَا بَأْس، وإلَاّ فَلَا. وَفِي شرح التِّرْمِذِيّ لليعمري: إِذا اقتصد فِي الْمَسْجِد، فان كَانَ فِي غير الْإِنَاء فَحَرَام، وَإِن كَانَ فِي الْإِنَاء فمكروه، وَإِن بَال فِي الْمَسْجِد فِي إِنَاء فَوَجْهَانِ أصَحهمَا أَنه حرَام، وَالثَّانِي أَنه مَكْرُوه. وَيجوز الاستلقاء فِي الْمَسْجِد، وَمد الرجل، وتشبيك الْأَصَابِع للأحاديث الثَّابِتَة فِي ذَلِك.

الثَّامِن: فِيهِ الْمُبَادرَة لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.

التَّاسِع: فِيهِ مبادرة الصَّحَابَة إِلَى الْإِنْكَار بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير مُرَاجعَة لَهُ. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا من بَاب التَّقَدُّم بَين يَدي الله تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لَا، لِأَن ذَلِك مُقَرر عِنْدهم فِي الشَّرْع من مُقْتَضى الْإِنْكَار، فَأمر الشَّارِع مُتَقَدم على مَا وَقع مِنْهُم فِي ذَلِك، وَإِن لم يكن فِي هَذِه الْوَاقِعَة الْخَاصَّة إِذن فَدلَّ على أَنه لَا يشْتَرط الْإِذْن الْخَاص، ويكتفي بِالْإِذْنِ الْعَام.

الْعَاشِر: فِيهِ دفع أعظم المفسدتين بِاحْتِمَال أيسرهما، وَتَحْصِيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، فَإِن الْبَوْل فِيهِ مفْسدَة، وقطعه على البائل مفْسدَة أعظم مِنْهَا، فَدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه الْمَسْجِد عَنهُ مصلحَة وَترك البائل إِلَى الْفَرَاغ مصلحَة أعظم مِنْهَا، فَحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

الْحَادِي عشر: فِيهِ مُرَاعَاة التَّيْسِير على الْجَاهِل والتألف للقلوب.

الثَّانِي عشر: فِيهِ الْمُبَادرَة إِلَى إِزَالَة الْمَفَاسِد عِنْد زَوَال الْمَانِع، لَان الْأَعرَابِي حِين فرغ أَمر بصب المَاء.

الثَّالِث عشر: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أهريقوا عَلَيْهِ سجلاً من مَاء، أَو دلواً من مَاء) اعْتِبَار الْأَدَاء بِاللَّفْظِ، وَإِن كَانَ الْجُمْهُور على عدم اشْتِرَاطه، وَأَن الْمَعْنى كافٍ، وَيحمل: أَو، هَهُنَا على الشَّك، وَلَا معنى للتنويع وَلَا للتَّخْيِير وَلَا للْعَطْف، فَلَو كَانَ الرَّاوِي يرى جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لاقتصر على أَحدهمَا، فَلَمَّا تردد فِي التَّفْرِقَة بَين الدَّلْو والسجل، وهما بِمَعْنى، علم أَن ذَلِك التَّرَدُّد لموافقة اللَّفْظ، قَالَه الْحَافِظ الْقشيرِي، وَلقَائِل أَن يَقُول: إِنَّمَا يتم هَذَا أَن لَو اتَّحد الْمَعْنى فِي السّجل والدلو لُغَة، لكنه غير مُتحد، فالسجل: الدَّلْو الضخمة المملوءة، وَلَا يُقَال لَهَا فارغة: سجل.

٥٨ - (بابُ صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صب المَاء على بَوْل البائل فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الله تَعَالَى، وَإِذا جعلنَا: الْألف وَاللَّام، فِيهِ للْعهد يكون الْمَعْنى فِي: مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيكون حِكَايَة عَن ذَلِك، وعَلى الأول الحكم عَام سَوَاء كَانَ فِي مَسْجِد النَّبِي اَوْ غَيره.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى، وَلَيْسَ لذكر الْبَاب زِيَادَة فَائِدَة، وبدونه يحصل الْمَقْصُود.

٢٢٠ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْريِّ قَالَ أخْبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ أبَا هُريْرَةَ قَالَ قامَ أعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِه سَجْلاً مِنْ ماءٍ أَو ذَنُوباً مِنْ ماءٍ فانَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرينَ ولمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ.

(الحَدِيث ٢٢٠ طرفه فِي: ٦٢١٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَقد تقدم فِي كتاب الْوَحْي. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عبيد الله إِلَى آخِره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، وَالْكل تقدمُوا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْمُفْرد. وَفِيه: العنعنة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني وبصري. وَفِيه: أَخْبرنِي عبيد الله عِنْد أَكثر الروَاة عَن الزُّهْرِيّ، وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سعيد بن الْمسيب، بدل: عبيد الله، وَتَابعه سُفْيَان بن حُسَيْن، قَالَ طَاهِر: إِن الرِّوَايَتَيْنِ صحيحتان.

وَأما بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره فقد ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، وَكَذَلِكَ بَيَان لغاته وَإِعْرَابه.

بَيَان معانية قَوْله: (قَامَ أَعْرَابِي) ، زَاد ابْن عُيَيْنَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَغَيره فِي أَوله: (أَنه، صلى ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمداً وَلَا ترحم مَعنا أحدا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، عله الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقد تحجرت وَاسِعًا، فَلم يلبث أَن بقال فِي الْمَسْجِد) . وَسَتَأْتِي هَذِه الزِّيَادَة عِنْد المُصَنّف فِي الْأَدَب من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرج هَذَا الحَدِيث الْجَمَاعَة مَا خلا مُسلما، وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (احتصرت وَاسِعًا) . وَأخرج ابْن مَاجَه حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع أَيْضا، وَلَفظه: (لقد حصرت وَاسِعًا وَيلك أوويحك) . قَوْله: (لقد تحجرت) أَي: ضيقت مَا وَسعه الله، وخصصت بِهِ نَفسك دون غَيْرك، ويروى: احتجرت بِمَعْنَاهُ، ومادته حاء مُهْملَة ثمَّ جِيم ثمَّ رَاء. وَقَوله: (احتصرت) ، بالمهملتين من الْحصْر، وَهُوَ الْحَبْس وَالْمَنْع. قَوْله: (فَبَال فِي الْمَسْجِد) أَي: مَسْجِد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فتناوله النَّاس) أَي: تناولوه بألسنتهم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، تَأتي: (فثار إِلَيْهِ النَّاس) وَله فِي رِوَايَة عَن، أنس: (فَقَامُوا إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة أنس أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب: (فزجره النَّاس) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد ان شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فصاح النَّاس بِهِ) . وَكَذَا للنسائي من طَرِيق ابْن الْمُبَارك، وَلمُسلم من طَرِيق إِسْحَاق عَن أنس: (فَقَالَ الصَّحَابَة: مَه مَه) ، قَوْله: (مَه) ، كلمة بنيت على السّكُون، وَهُوَ اسْم يُسمى بِهِ الْفِعْل، وَمَعْنَاهُ: أكفف، لِأَنَّهُ زجر. فَإِن وصلت نونته، فَقلت: مَه مَه. ومه الثَّانِي تَأْكِيد، كَمَا تَقول: صه صه، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (فَمر عَلَيْهِ النَّاس فأقاموه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعوه، عَسى أَن يكون من أهل الْجنَّة، فصبوا على بَوْله المَاء) . قَوْله: (وهريقوا) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب: (واهريقوا) ، وَقد ذكرنَا أَن أصل: أهريقوا، أريقوا. قَوْله: (أَو ذنوبا من مَاء) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: من، زَائِدَة، وزيدت تَأْكِيدًا، وَكلمَة: أَو، يحْتَمل أَن تكون من كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتكون للتَّخْيِير، وَأَن تكون من الرواي فَتكون للترديد. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَقد قُلْنَا الصَّوَاب فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ميسرين) حَال، فَإِن قلت: الْمَبْعُوث هُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكيف هَذَا؟ قلت: لما كَانَ المخاطبون مقتدين بِهِ ومهتدين بهذاه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا مبعوثين أَيْضا، فَجمع اللَّفْظ بِاعْتِبَار ذَلِك، وَالْحَاصِل أَنه على طَريقَة الْمجَاز، لأَنهم لما كَانُوا فِي مقَام التَّبْلِيغ عَنهُ فِي حُضُوره وغيبته أطلق عَلَيْهِم ذَلِك، أَو لأَنهم لما كَانُوا مأمورين من قبله بالتبليغ فكأنهم مبعوثون من جِهَته. قَوْله: (وَلم تبعثوا معسرين) ، مَا فَائِدَته وَقد حصل المُرَاد من قَوْله: (بعثتم) إِلَى آخِره؟ قلت: هَذَا تَأْكِيد بعد تَأْكِيد، دلَالَة على أَن الْأَمر مَبْنِيّ على الْيُسْر قطعا.

٢٢١ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يحْيىَ بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا.

(انْظُر الحَدِيث: ٢١٩ وطرفه) .

عَبْدَانِ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله الْعَتكِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الإِمَام، تقدما فِي كتاب الْوَحْي. وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ تقدم أَيْضا. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَبْدَانِ هَذَا، وَلَفظه: (جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا قضى حَاجته قَامَ إِلَى نَاحيَة الْمَسْجِد فَبَال، فصاح بِهِ النَّاس، فكفهم عَنهُ ثمَّ قَالَ: صبوا عَلَيْهِ دلواً من مَاء) .

وحدّثنا خالِدٌ وَحدثنَا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ جاءَ أعْرَابيٌّ فَبَالَ فِي طائِفَةِ الَمسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهاهُمُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا قَضَى

بوْلَهُ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ فأُهْرِيقَ عَليْهِ.

قد تقدم أَن لَفظه: الْحَاء، عَلامَة التَّحْوِيل من إِسْنَاد الى إِسْنَاد. وَقَوله: (وَحدثنَا) بواو الْعَطف على قَوْله: (حَدثنَا عَبْدَانِ) وَرِوَايَة كَرِيمَة بِلَا: وَاو. و: مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام، وَسليمَان بن بِلَال وَكِلَاهُمَا تقدما فِي بَاب طرح الامام الْمَسْأَلَة. قَوْله: (من طَائِفَة الْمَسْجِد) أَي: قِطْعَة من أَرض الْمَسْجِد. قَوْله: (فهريق) ، بِضَم الْهَاء وَكسر الرَّاء: على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: أريق، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (فأهريق عَلَيْهِ) ، بِزِيَادَة الْهمزَة فِي أَوله. وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا إِنَّمَا يَصح على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ فعل ماضٍ وهاؤه سَاكِنة، وَأما على الأَصْل فَلَا تَجْتَمِع الْهمزَة وَالْهَاء فِي الْمَاضِي. قَالَ: ورويناه بِفَتْح الْهَاء، وَلَا أعلم لذَلِك وَجها.

وفوائد هَذَا الحَدِيث قد مرت. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: تعْيين المَاء لإِزَالَة النَّجَاسَة لِأَن الْجَفَاف بِالرِّيحِ أَو الشَّمْس لَو كَانَ يَكْفِي لما حصل التَّكْلِيف بِطَلَب الدَّلْو. قلت: هَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد لِأَن ذكر المَاء لَا يَنْفِي غَيره، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق. وَكَذَا قَوْله: وَفِيه أَن الأَرْض تطهر بصب المَاء عَلَيْهَا وَلَا يشْتَرط حفرهَا، خلافًا للحنفية، فَاسد، لأَنا ذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب أَنه ورد الْأَمر بِالْحفرِ فِي حديثين مسندين وحديثين مرسلين، والمراسيل حجَّة عِنْدهم.

٥٩ - (بابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الصّبيان، وَهُوَ، بِكَسْر الصَّاد: جمع صبي. قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّبِي: الْغُلَام، وَالْجمع: صبية وصبيان، وَهُوَ من الواوي. وَفِي (الْمُخَصّص) : ذكر بن سَيّده عَن ثَابت: يكون صبيان مَا دَامَ رضيعاً، وَفِي (الْمُنْتَخب) للكراع: أول مَا يُولد الْوَلَد يُقَال لَهُ: وليد، وطفل، وَصبي. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: صبي وصبيان وصبوان، وَهَذِه أضعفها. وَقَالَ ابْن السّكيت: صبية وصبوة، وَفِي (الْمُحكم) صبية وصبية وصبوان وصبوان. وَقَالَ بَعضهم: الصّبيان، بِكَسْر الصَّاد، وَيجوز ضمهَا، جمع: صبي. قلت: فِي الضَّم لَا يُقَال إلَاّ صبوان بِالْوَاو، وَقد وهم هَذَا الْقَائِل حَيْثُ لم يعلم الْفرق بَين الْمَادَّة الواوية والمادة اليائية، وأصل: صبيان، بِالْكَسْرِ: صبوان، لِأَن الْمَادَّة واوية، فقلبت الْوَاو يَاء، لانكسار مَا قبلهَا.

وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى.

٢٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنينَ أنَّها قالَتْ اُتِيَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَبيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِه فَدَعا بِماءٍ فَأتْبَعَهُ إيَّاهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَالْكل قد تقدمُوا، وَعبد الله هُوَ التنيسِي، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.

بَيَان لغته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (بصبي) ، قد مر تَفْسِير الصَّبِي الْآن وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة: أَن هَذَا الصَّبِي هُوَ عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (وَأَنَّهَا قَالَت: فَأَخَذته أخذا عنيفاً، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّه لم يَأْكُل الطَّعَام فَلَا يضر بَوْله) . وَفِي لفظ: (فَإِنَّهُ لم يطعم الطَّعَام فَلم يقذر بَوْله) . وَقد قيل: إِنَّه الْحسن، وَقيل: إِنَّه الْحُسَيْن. وَقَالَ بَعضهم: يظْهر لي أَن المُرَاد بِهِ ابْن ام قيس الْمَذْكُور بعده. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر أصلا، وَالظَّاهِر أحد الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وأظهرها مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (فَاتبعهُ إِيَّاه) أَي: فَاتبع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبَوْل الَّذِي على الثَّوْب المَاء، وَذَلِكَ بصبه عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم زَاد: (وَلم يغسلهُ) ، وَلابْن الْمُنْذر من طَرِيق الثَّوْريّ عَن هِشَام: (فصب عَلَيْهِ المَاء) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من طَرِيق زَائِدَة الثَّقَفِيّ عَن هِشَام: (فنضحه عَلَيْهِ) .

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الشَّافِعِيَّة احْتَجُّوا بِهَذَا على أَن بَوْل الصَّبِي يُكتفى فِيهِ بِاتِّبَاع المَاء إِيَّاه، وَلَا

يحْتَاج إِلَى الْغسْل لظَاهِر رِوَايَة مُسلم. وَلم يغسلهُ، وَعَن هَذَا قَالَ بَعضهم بِطَهَارَة بَوْله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلاف فِي كَيْفيَّة تَطْهِير الشَّيْء الَّذِي بَال عَلَيْهِ الصَّبِي، وَلَا خلاف فِي نَجَاسَته، وَقد نقل بعض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْعلمَاء على نَجَاسَة بَوْل الصَّبِي، وَأَنه لم يُخَالف فِيهِ إلَاّ دَاوُد. وَأما مَا حَكَاهُ أَبُو الْحسن بن بطال، ثمَّ القَاضِي عِيَاض عَن الشَّافِعِي وَغَيره أَنهم قَالُوا: بَوْل الصَّبِي طَاهِر وينضح، فحكايته بَاطِلَة قطعا. قلت: هَذَا إِنْكَار من غير برهَان، وَلم ينْقل هَذَا عَن الشَّافِعِي وَحده، بل نقل عَن مَالك أَيْضا أَن بَوْل الصَّغِير الَّذِي لَا يطعم طَاهِر، وَكَذَا نقل عَن الْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ وَكَيْفِيَّة طَهَارَة بَوْل الصَّبِي وَالْجَارِيَة على ثَلَاثَة مَذَاهِب: وفيهَا ثَلَاثَة أوجه لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمُخْتَار أَنه يَكْفِي النَّضْح فِي بَوْل الصَّبِي وَلَا يَكْفِي فِي بَوْل الْجَارِيَة، بل لَا بُد من غسله كَغَيْرِهِ من النَّجَاسَات. وَالثَّانِي: أَنه يَكْفِي النَّضْح فيهمَا. وَالثَّالِث: لَا يَكْفِي النَّضْح فيهمَا، وهما شَاذان ضعيفان. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفرقِ: عَليّ بن أبي طَالب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَابْن وهب من أَصْحَاب مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، قلت: علم من ذَلِك أَن الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي هُوَ التَّفْرِيق بَين حكم بَوْل الصَّبِي وَبَوْل الصبية قبل أَن يَأْكُل الطَّعَام، وَأَنه يدل على أَن بَوْل الصَّبِي طَاهِر، وَبَوْل الصبية نجس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر.

وَاحْتَجُّوا على ذَلِك باحاديث مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الْمَذْكُور. لِأَن إتباع المَاء الْبَوْل هُوَ النَّضْح دون الْغسْل، وَلِهَذَا صرح فِي رِوَايَة مُسلم: (وَلم يغسلهُ) ، وَعدم الْغسْل دلّ على طَهَارَة بَوْل الصَّبِي. وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي الرَّضِيع: (يغسل بَوْل الْجَارِيَة وينضح بَوْل الْغُلَام) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. وَمِنْهَا: حَدِيث لبَابَة بنت الْحَارِث، أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: (كَانَ الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي حجر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَال عَلَيْهِ، فَقلت: إلبس ثوبا وَأَعْطِنِي إزارك حَتَّى أغسله. قَالَ: إِنَّمَا يغسل من بَوْل الْأُنْثَى وينضح من بَوْل الذّكر) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والكبحي فِي (سنَنه) وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي (سنَنه) من وُجُوه كَثِيرَة، والطَّحَاوِي أَيْضا من وَجْهَيْن. وَمِنْهَا: حَدِيث أم قيس على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله. وَمِنْهَا: حَدِيث زَيْنَب بنت جحش، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) مطولا، وَفِيه: (أَنه يصب من الْغُلَام وَيغسل من الْجَارِيَة) ، وَفِي إِسْنَاده: لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي السَّمْح، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه قَالَ: (كنت أخدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... .) الحَدِيث، وَفِيه: (يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام) ، وَأَبُو السَّمْح، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَلَا يعرف لَهُ اسْم وَلَا يعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث، كَذَا قَالَه ابو زرْعَة الرَّازِيّ، وَقيل: اسْمه إياد. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بصبي فَبَال عَلَيْهِ، فنضحه وَأتي بِجَارِيَة فبالت عَلَيْهِ فَغسله) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ، قَالَ: (أصَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو، جلده، بَوْل صبي وَهُوَ صَغِير، فصب عَلَيْهِ من المَاء بِقدر الْبَوْل) . وَمِنْهَا: حَدِيث أنس بن مَالك أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) مطولا، وَفِيه: (يصب على بَوْل الْغُلَام وَيغسل بَوْل الْجَارِيَة) . وَفِي إِسْنَاده نَافِع بن هُرْمُز، وَأَجْمعُوا على ضعفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه أَيْضا فِي (الْكَبِير) : (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بالحسين فَجعل يقبله، فَبَال عَلَيْهِ، فَذَهَبُوا ليتناولوه فَقَالَ: ذرْوَة، فَتَركه حَتَّى فرغ من بَوْله) . وَفِي إِسْنَاده عَمْرو بن معدان، وَأَجْمعُوا على ضعفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا، عِنْده أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) أَن الْحسن، أَو الْحُسَيْن، بَال على بطن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَا تزرموا ابْني أَو، لَا تستعجلوه، فَتَرَكُوهُ حَتَّى قضى بَوْله، فَدَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم كرز، أخرجه ابْن مَاجَه عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (بَوْل الْغُلَام ينضح وَبَوْل الْجَارِيَة يغسل) ، وَمذهب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك أَنه لَا يفرق بَين بَوْل الصَّغِير وَالصَّغِيرَة فِي نَجَاسَته، وجعلوهما سَوَاء فِي وجوب غسله مِنْهُمَا، وَهُوَ مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد ابْن الْمسيب وَالْحسن بن حَيّ وَالثَّوْري.

وَأَجَابُوا عَن ذَلِك بِأَن النَّضْح هُوَ صب المَاء لِأَن الْعَرَب تسمي ذَلِك نضحاً، وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، وَكَذَلِكَ الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل.

أما الأول: فَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره: (عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود أَن عَليّ بن ابي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أمره أَن يسْأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الرجل إِذا دنا من أَهله فَخرج مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: عَليّ: فَأن

عِنْدِي ابْنَته وانا استحي أَن اسأله. قَالَ الْمِقْدَاد: فَسَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِذا وجد أحدكُم ذَلِك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصَّلَاة) ، ثمَّ الَّذِي يدل على أَنه أُرِيد بالنضح هَهُنَا الْغسْل، مَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كنت رجلا مذاءً فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَكَان ابْنَته، فامرت الْمِقْدَاد بن الْأسود فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ) . والقصة وَاحِدَة، والراوي عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاحِد، وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن سهل بن حنيف قَالَ: (كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة، وَكنت أَكثر مِنْهُ الْغسْل، فَسَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنَّمَا يجْزِيك من ذَلِك الْوضُوء. قلت: يَا رَسُول الله فَكيف بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ؟ فَقَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ من ثَوْبك حَيْثُ يرى أَنه أَصَابَهُ) . وَأَنه أَرَادَ بالنضح هَهُنَا الْغسْل.

واما الثَّانِي: وَهُوَ أَن الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، فقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه لما حكى وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى حَتَّى غسلهَا، وَأَرَادَ بالرش هَهُنَا صب المَاء قَلِيلا قَلِيلا، وَهُوَ الْغسْل بِعَيْنِه.

وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح والرش يذكران وَيُرَاد بهما الْغسْل قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي حَدِيث أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (تَحْتَهُ ثمَّ تقرصه بِالْمَاءِ ثمَّ تنضحه ثمَّ تصلي فِيهِ) . مَعْنَاهُ: تغسله، هَذَا فِي رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ) . أَرَادَ: اغسليه، قَالَه الْبَغَوِيّ، فَلَمَّا ثَبت أَن النَّضْح والرش يذكران وَيُرَاد بهما الْغسْل، وَجب حمل مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب من النَّضْح والرش على الْغسْل بِمَعْنى إسالة المَاء عَلَيْهِ من غير عَرك، لِأَنَّهُ مَتى صب المَاء عَلَيْهِ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى تقاطر وسال حصل الْغسْل، لِأَن الْغسْل هُوَ الإسالة. فَافْهَم.

فَإِن قلت: قد صرح فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره: (فَاتبعهُ بَوْله وَلم يغسلهُ) ، فَكيف يحمل النَّضْح والرش على الْغسْل؟ قلت: مَعْنَاهُ وَلم يغسلهُ بالعرك كَمَا يغسل الثِّيَاب إِذا أصابتها النَّجَاسَة، وَنحن نقُول بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَأما حَقِيقَة النَّضْح هَهُنَا فقد اخْتلف اصحابنا فِيهَا، فَذهب الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ إِلَى أَن مَعْنَاهُ أَن الشَّيْء الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْل يغمر بِالْمَاءِ كَسَائِر النَّجَاسَات، بِحَيْثُ لَو عصر لانعصر، وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ والمحققون إِلَى أَن النَّضْح أَن يغمر ويكاثر بِالْمَاءِ مكاثرة لَا يبلغ جَرَيَان المَاء وتقاطره، بِخِلَاف المكاثرة فِي غَيره، فَإِنَّهُ يشْتَرط فِيهَا أَن يكون بِحَيْثُ يجْرِي بعض المَاء ويتقاطر من الْمحل، وَإِن لم يشْتَرط عصره، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار، ثمَّ إِن النَّضْح إِنَّمَا يجزىء مَا دَامَ الصَّبِي يقْتَصر بِهِ على الرَّضَاع، أما إِذا أكل الطَّعَام على جِهَة التغذية فَإِنَّهُ يجب الْغسْل بِلَا خلاف، وسنقول معنى النَّضْح مِمَّا قَالَه أهل اللُّغَة فِي الحَدِيث الْآتِي، وَلَا فرق بَين النَّضْح وَالْغسْل فِيمَا قَالَه الْبَغَوِيّ والجويني. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: اتبعُوا فِي ذَلِك الْقيَاس، أَرَادَ أَن الْحَنَفِيَّة اتبعُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْقيَاس، يَعْنِي: تركُوا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وذهبوا إِلَى الْقيَاس، وَقَالُوا: المُرَاد من قَوْلهمَا، أَي: من قَول أم قيس، وَلم يغسلهُ، أَي: غسلا مبالغاً فِيهِ، وَهُوَ خلاف الظَّاهِر.

ويبعده مَا ورد فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر الَّتِي فِيهَا التَّفْرِقَة بَينهمَا أوجه: مِنْهَا: مَا هُوَ رَكِيك، وَأقوى ذَلِك مَا قيل إِن النُّفُوس أعلق بالذكور مِنْهَا بالإناث، يَعْنِي: فحصت الرُّخْصَة فِي الذُّكُور لِكَثْرَة الْمَشَقَّة. قلت: نقل عَن بَعضهم للغمز على الْحَنَفِيَّة، وَلَكِن هَذَا لَا يشفي غلتهم، فَقَوله: اتبعُوا فِي ذَلِك الْقيَاس، غير صَحِيح، لأَنهم مَا اتبعُوا فِي ذَلِك إلَاّ الْأَحَادِيث الَّتِي احْتج خصمهم بهَا، وَلَكِن على غير الْوَجْه الَّذِي ذكرُوا، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن محرراً، على أَنه قد رُوِيَ عَن بعض الْمُتَقَدِّمين من التَّابِعين مَا يدل على أَن الأبوال كلهَا سَوَاء فِي النَّجَاسَة، وَأَنه لَا فرق بَين بَوْل الذّكر والانثى، فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلهَا. حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن حميد عَن الْحسن أَنه قَالَ: بَوْل الْجَارِيَة يغسل غسلا وَبَوْل الْغُلَام يتبع بِالْمَاءِ، أَفلا يرى أَن سعيداً قد سوى بَين حكم الأبوال كلهَا، من الصّبيان وَغَيرهم، فَجعل مَا كَانَ مِنْهُ رشاً يطهر بالرش، وَمَا كَانَ مِنْهُ صبا يطهر بالصب، لَيْسَ لِأَن بَعْضهَا عِنْده طَاهِر وَبَعضهَا غير طَاهِر، وَلكنهَا كلهَا عِنْده نَجِسَة، وَفرق بَين التَّطْهِير من نجاستها عِنْده بِضيق مخرجها وسعته إنتهى كَلَام الطَّحَاوِيّ وَمعنى قَوْله: وَفرق ... إِلَى آخِره، أَن مخرج الْبَوْل من الصَّبِي ضيق فيرش الْبَوْل، وَمن الْجَارِيَة وَاسع فَيصب الْبَوْل صبا، فيقابل الرش بالرش والصب بالصب.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ النّدب إِلَى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وَغَيرهم.

وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب حمل الاطفال إِلَى أهل الْفضل للتبرك بهم، وَسَوَاء فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب الْمَوْلُود حَال وِلَادَته أَو بعْدهَا.

٢٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ عُبيْدٍ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ عنْ أمِّ قَيْسٍ بنْتِ مِحْصَنٍ أنَّها أتَتْ بِابن لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكلِ الطَّعَامَ إِلَى رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأجْلَسَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فدَعا بِماءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

(الحَدِيث ٢٢٣ طرفه فِي: ٥٦٩٣) .

مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة تقدمُوا كلهم، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأم قيس، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. ومحصن، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون، وَهِي أُخْت عكاشة ابْن مُحصن، أسلمت بِمَكَّة قَدِيما، وبايعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَاجَرت إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُوِيَ لَهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، فِي الصَّحِيحَيْنِ. مِنْهَا إثنان، وَهِي من المعمرات. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: اسْمهَا جذامفة، بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا آمِنَة، وَذكرهَا الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) فِي الكنى، وَلم يذكرهَا لَهَا اسْما.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والعنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين تنيسي ومدني.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا فَقَط. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة: فَمُسلم فِي الطِّبّ عَن ابْن أبي عمر، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن ابي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَأبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب، خمستهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن رمح عَن اللَّيْث بن سعد وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأحمد بن منيع، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (بابنٍ لَهَا) الإبن: لَا يُطلق إلَاّ على الذّكر بِخِلَاف: الْوَلَد. قَوْله: (صَغِير) هُوَ ضد: الْكَبِير، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ: الرَّضِيع، لِأَنَّهُ فسره بقوله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، فَإِذا أكل يُسمى: فطيماً، وَغُلَامًا أَيْضا إِلَى سبع سِنِين. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْغُلَام هُوَ الصَّغِير إِلَى حد الالتحاء. وَقَالَ بَعضهم من أهل اللُّغَة: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ: جَنِين، فاذا وَلدته يُسمى: صَبيا مَا دَامَ رضيعاً، فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين، فَمن هَذَا عرفت أَن الصَّغِير يُطلق إِلَى حد الالتحاء من حِين يُولد، فَلذَلِك قيد فِي الْحَدث بقوله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، وَالطَّعَام فِي اللُّغَة مَا يُؤْكَل، وَرُبمَا خص الطَّعَام بِالْبرِّ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد: (كُنَّا نخرج صَدَقَة الْفطر على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من شعير) . والطعم، بِالْفَتْح: مَا يُؤَدِّيه الذَّوْق، وَيُقَال: طعمه مر، والطعم، بِالضَّمِّ: الطَّعَام: وَقد طعم يطعم طعماً فَهُوَ طاعم إِذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم، الذَّوْق، يُقَال: طعمه مر، والطعم، بِالضَّمِّ: الطَّعَام. وَقد طعم يطعم طعماً فَهُوَ طاعم إِذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم، قَالَ تَعَالَى: {فاذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا} (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَقَالَ تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فانه منى} (الْبَقَرَة: ٢٤٩) اي: من لم يذقه، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا: وَمن لم يطعمهُ وَمن لم يذقه، من طعم الشَّيْء إِذا ذاقه. وَمِنْه: طعم الشَّيْء لمذاقه، قَالَ:

(وان شِئْت لم اطعم نقاخا وَلَا بردا)

أَلَا ترى كَيفَ عطف عَلَيْهِ الْبرد وَهُوَ النّوم؟ قلت: أَو الْبَيْت.

(وان شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم.)

والنقاخ، بِضَم النُّون وبالقاف وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: المَاء العذب، وَقَالَ بَعضهم: وَقد أَخذه من كَلَام النَّوَوِيّ: المُرَاد من الطَّعَام مَا عدا اللَّبن الَّذِي يرتضعه، وَالتَّمْر الَّذِي يحنك بِهِ، وَالْعَسَل الَّذِي يلعقه للمداواة وَغَيرهَا. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذِه التقديرات، لِأَن المُرَاد من قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) لم يقدر على مضغ الطَّعَام وَلَا على دَفعه إِلَى بَاطِنه، لِأَنَّهُ رَضِيع لَا يقدر على ذَلِك، أما اللَّبن فَإِنَّهُ مشروب غير مَأْكُول فَلَا يحْتَاج إِلَى استثنائه لِأَنَّهُ لم يدْخل فِي. قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) حَتَّى يسْتَثْنى مِنْهُ، وَأما التَّمْر الَّذِي يحنك بِهِ، أَو الْعَسَل الَّذِي يلعقه، فَلَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، بل بعنف من فَاعله قصدا للتبرك أَو المداواة، فَلَا حَاجَة أَيْضا لاستثنائهما، فَعلم مِمَّا ذكرنَا أَن المُرَاد من قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) أَي: قصدا أَو اسْتِقْلَالا أَو تقوياً فَهَذَا شَأْن الصَّغِير الرَّضِيع، وَقد علمت من هَذَا أَن الَّذِي نَقله الْقَائِل الْمَذْكُور من النَّوَوِيّ، وَمن نكت التَّنْبِيه صادر من غير روية وَلَا تَحْقِيق، وَكَذَلِكَ لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال الْكرْمَانِي وَجَوَابه هَهُنَا، بقوله: فان قلت: اللَّبن طَعَام، فَهَل يخص الطَّعَام بِغَيْر اللَّبن أم لَا؟ قلت: الطَّعَام هُوَ مَا يُؤْكَل، وَاللَّبن مشروب لَا مَأْكُول فَلَا يخصص، قَوْله: (فأجلسه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الابْن.

قَالَ بَعضهم: أَي وَضعه. إِن قُلْنَا: إِنَّه كَانَ كَمَا ولد، وَيحْتَمل أَن يكون الْجُلُوس حصل مِنْهُ على الْعَادة. إِن قُلْنَا: إِنَّه كَانَ فِي سنّ من يحبو. قلت: لَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك لِأَن الْجُلُوس يكون عَن نوم أَو اضطجاع، وَإِذا كَانَ قَائِما كَانَت الْحَال الَّتِي يُخَالِفهَا الْقعُود، وَالْمعْنَى هَهُنَا: أَقَامَهُ عَن مضجعه، لِأَن الظَّاهِر أَن أم قيس أَتَت بِهِ وَهُوَ فِي قماطة مُضْطَجع، فأجلسه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: أَقَامَ فِي حجره، وَإِن كَانَت اتت بِهِ وَهُوَ فِي يَدهَا، بِأَن كَانَ عمره مِقْدَار سنة أَو جاوزها قَلِيلا، وَالْحَال أَنه رَضِيع، يكون الْمَعْنى: تنَاوله مِنْهَا وَأَجْلسهُ فِي حجره وَهُوَ يمسِكهُ لعدم مسكته، لِأَن أصل تركيب هَذِه الْمَادَّة يدل على ارْتِفَاع فِي الشَّيْء، و: الْحجر، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَسُكُون الْجِيم، لُغَتَانِ مشهورتان. قَوْله: (فَبَال على ثَوْبه) الظَّاهِر أَن الضَّمِير فِي ثَوْبه يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قيل: إِنَّه يرجع إِلَى الابْن اي: بَال الابْن على الثَّوْب نَفسه، وَهُوَ فِي حجره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فنضح عَلَيْهِ المَاء خوفًا أَن يكون طَار على ثَوْبه مِنْهُ شَيْء. قلت: هَذَا مِمَّا يُؤَيّد قَول الْحَنَفِيَّة، وَقد نسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن شعْبَان. قَوْله: (فنضحه) ، قد ذكرنَا أَن النَّضْح هُوَ الرش، وَقَالَ ابْن سَيّده: نضح المَاء عَلَيْهِ ينضحه نضحاً إِذا ضربه بِشَيْء فَأَصَابَهُ مِنْهُ رشاش، ونضح عَلَيْهِ المَاء: رش. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النَّضْح مَا كَانَ على اعْتِمَاد، والنضح مَا كَانَ على غير اعْتِمَاد. وَقيل: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَكله: رش. قلت: الأول: بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَالثَّانِي: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَفِي (الواعي) لأبي مُحَمَّد، و (الصِّحَاح) لأبي نصر، و (الْمُجْمل) لِابْنِ فَارس، و (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد، وَابْن القطوية وَابْن القطاع وَابْن طريف فِي (الافعال) والفارابي فِي (ديوَان الادب) وكراع فِي (الْمُنْتَخب) وَغَيرهم: النَّضْح الرش، وَقد استقصينا الْكَلَام بِهِ فِي الحَدِيث السَّابِق مستقصىً. قَوْله: (وَلم يغسلهُ) ، وَلمُسلم من طَرِيق اللَّيْث عَن ابْن شهَاب: (فَلم يزدْ على أَن نضح بِالْمَاءِ) ، وَله من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: فرشَّه. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ بَين نضح ورش، لِأَن المُرَاد بِهِ أَن الِابْتِدَاء كَانَ بالرش وَهُوَ بتنقيط المَاء. فَانْتهى إِلَى النَّضْح، وَهُوَ صب المَاء، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عَائِشَة من طَرِيق جرير عَن هِشَام: (فَدَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) ، وَلأبي عوَانَة: (فَصَبَّهُ على الْبَوْل يتبعهُ إِيَّاه) . قلت: عدم التخالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ من الْوَجْه الَّذِي ذكره، بل بِاعْتِبَار أَن النَّضْح والرش بِمَعْنى، كَمَا ذكرنَا عَن الْكتب الْمَذْكُورَة، وَالْوَجْه الَّذِي ذكره لَيْسَ بِوَجْه على مَا لَا يخفى، وَأما رِوَايَة مُسلم فَإِنَّهَا تثبت أَن النَّضْح بِمَعْنى: الصب، لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب، باخْتلَاف ألفاظها، تَنْتَهِي إِلَى معنى وَاحِد، دفعا للتضاد. أَلا ترى أَن أم الْفضل، لبَابَة بنت الْحَارِث، قد رُوِيَ عَنْهَا حديثان: أَحدهمَا فِيهِ النَّضْح، وَالثَّانِي: فِيهِ الصب، فَحمل النَّضْح على الصب دفعا للتضاد، وَعَملا بِالْحَدِيثين على أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي حكم وَاحِد باخْتلَاف ألفاظها يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَمن الدَّلِيل على أَن النَّضْح هُوَ صب المَاء وَالْغسْل من غير عَرك قَول الْعَرَب: غسلني السَّمَاء، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِك عِنْد انصباب الْمَطَر عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ يُقَال غسلني التُّرَاب: إِذا انصب عَلَيْهِ. فَإِن قلت: يُعَكر على هَذَا قَوْله: (فنضحه وَلم يغسلهُ) قلت: قد مر جَوَابه فِي تَفْسِير الحَدِيث السَّابِق، على أَن الْأصيلِيّ ادّعى أَن قَوْله: (وَلم يغسلهُ) من كَلَام ابْن شهَاب رَاوِي الحَدِيث، وَأَن الْمَرْفُوع انْتهى عِنْد قَوْله: (فنضحه) . قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ معمر عَن ابْن شهَاب، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة، قَالَ: فرشه، وَلم يزدْ على ذَلِك.

وَأما الْإِعْرَاب فَقَوله: (لَهَا) : جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لِابْنِ، وَكَذَلِكَ، قَوْله: (صَغِير) بِالْجَرِّ صفة ابْن، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، وَقَوله: (إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: إِلَى، تتَعَلَّق بقوله: (اتت) ، و: الْفَا آتٍ، الْأَرْبَعَة للْعَطْف بَين الْكَلَام، بِمَعْنى التعقيب.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: حكم بَوْل الْغُلَام الرَّضِيع وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى. وَمِنْهَا: الرِّفْق بالصغار والشفقة عَلَيْهِم، أَلا ترى أَن سيد الْأَوَّلين والآخرين كَيفَ كَانَ يَأْخُذهُمْ فِي حجره ويتلطف بهم؟ حَتَّى إِن مِنْهُم من يَبُول على ثَوْبه فَلَا يُؤثر فِيهِ ذَلِك، وَلَا يتَغَيَّر، وَلِهَذَا كَانَ يُخَفف الصَّلَاة عِنْد سَمَاعه بكاء الصَّبِي وَأمه وَرَاءه، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: من لم يرحم صَغِيرنَا فَلَيْسَ منا. وَمِنْهَا: حمل الْأَطْفَال إِلَى أهل الْفضل وَالصَّلَاح ليدعوا لَهُم، سَوَاء كَانَ عقيب الْولادَة أَو بعْدهَا، وَقَالَ بَعضهم: حمل الاطفال حَال الْولادَة. قلت: حملهمْ حَال الْولادَة غير مُتَصَوّر، فَهَذَا كَلَام صادر عَن غير ترو، وَأَيْضًا قَالَ هَذَا الْقَائِل: فِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد كَذَا وَكَذَا، وعدَّ مِنْهَا: تحنيك الْمَوْلُود، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك صَرِيحًا، وَإِن كَانَ جَاءَ هَذَا فِي أَحَادِيث أخر لِأَن ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن أم قيس إِنَّمَا أَتَت بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل التَّبَرُّك، ولدعائه لَهُ، لِأَن من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمَانِيِّ، لَكِنْ لَهُ أَصْلٌ أَصِيلٌ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ التَّارِيخِيِّ إِنَّهُ الْأَقْرَعُ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ فَارِسٍ أَنَّهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ) أَيْ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظِ فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ وَكَذَا لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

فَظَهَرَ أَنَّ تَنَاوُلَهُ كَانَ بِالْأَلْسِنَةِ لَا بِالْأَيْدِي. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ فَقَالَ الصَّحَابَةُ مَهْ مَهْ.

قَوْلُهُ: (وَهَرِيقُوا)، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَأَهْرِيقُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهَا فِي بَابِ الْغُسْلِ فِي الْمُخَضَّبِ.

قَوْلُهُ: (سَجْلًا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى، وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَةٌ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: السَّجْلُّ دَلْوٌ وَاسِعَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الدَّلْوُ الضَّخْمَةُ.

قَوْلُهُ: (أَوْ ذَنُوبًا) قَالَ الْخَلِيلُ: الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِيهَا مَاءٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمِلْءِ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ ذَنُوبٌ، انْتَهَى. فَعَلَى التَّرَادُفِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوبٌ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: مِنْ مَاءٍ مَعَ أَنَّ الذَّنُوبَ مِنْ شَأْنِهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَفْظٌ مُش تَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرَسِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ) إِسْنَادُ الْبَعْثِ إِلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَبْعُوثُ بِمَا ذَكَرَ، لَكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ عَنْهُ فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، إِذْ هُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ قِبَلِهِ بِذَلِكَ، أَيْ مَأْمُورُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ شَأْنَهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ بَعَثَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ يَقُولُ: يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.

٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ .

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا) حال كونكم (مُعَسِّرِينَ) أكَّد السَّابق بنفي ضدِّه تنبيهًا (١) على المُبالَغة في اليسر (٢)، وأسند البعث إلى الصَّحابة على طريق المجاز لأنَّه هو المبعوث حقيقةً، لكنَّهم لمَّا كانوا في مقام التَّبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك، وقد كان إذا بعث بعثًا إلى جهةٍ من الجهات يقول: «يسِّروا ولا تعسِّروا» [خ¦٦٩] وفي قوله: «إنَّما بُعِثْتم ميسِّرين» إشارةٌ إلى تضعيف وجوب حفر الأرض؛ إذ لو وجب لزال معنى التَّيسير وصاروا معسِّرين.

ورواته الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإخبار به، وبالتَّوحيد والعنعنة، وأمَّا قوله: «أخبرني عبيد الله» فرواه كذلك أكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ، ورواه سفيان بن عيينة عنه عن سعيد بن المُسَيَّب بدل «عبيد الله» وتابعه سفيان بن حسينٍ، قاله في «الفتح»، فالظَّاهر أنَّ الرِّوايتين صحيحتان.

٢٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المُهمَلة وسكون المُوَحَّدة، هو عبد الله العتكيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أخرج البيهقيُّ هذا الحديث من طريق عبدان هذا بلفظ: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ، فلمَّا قضى حاجته قام إلى ناحية المسجد فبال، فصاح به النَّاس، فكفَّهم عنه (٣) رسولُ الله ، ثمَّ قال: «صبُّوا عليه دلوًا من ماءٍ»، وفي بعض

الأصول هنا: «ح» علامة التَّحويل من سندٍ إلى سندٍ (١) آخر، وفي فرع «اليونينيَّة» بدلها: «بابٌ» بالتَّنوين «يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ» بفتح الهاء، وسقط الباب والتَّرجمة في رواية الأَصيليِّ والهرويِّ وعط (٢) وابن عساكر.

(وحَدَّثَنَا) بواو العطف على قوله: «حدَّثنا عبدان»، قال في «الفتح»: وسقطت من رواية كريمة، وفي الفرع: ثبوتها للأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (خَالِدٌ) هو «ابن مَخْلَدٍ» كما للأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر، وهو بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمَة وفتح اللَّام (قَالَ: وحَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وأبي الوقت (٣): «قال: حدَّثنا» (سُلَيْمَانُ) بن بلالٍ (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ) أي: في قطعة من أرضه (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) على ذلك، وهذا يدلُّ على أنَّ الاحتراز من النَّجاسة كان مُقرَّرًا عندهم (فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ) عن زجره للمصلحة الرَّاجحة وهي دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (فَلَمَّا قَضَى) الأعرابيُّ (بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ) بفتح الذَّال المُعجَمَة: الدَّلو المملوءة ماءً أو العظيمة (فَأُهْرِيقَ) بزيادة همزةٍ مضمومةٍ وسكون الهاء وضمِّها (٤)،

كذا في «اليونينيَّة» (١)، ولأبي ذَرٍّ: «فهُريق» بضمِّ الهاء (عَلَيْهِ) أي: على البول، وهذا يدلُّ على أنَّ الأرض المتنجِّسة لا يطهِّرها إلَّا الماء، لا الجفاف بالرِّيح أو الشَّمس (٢) لأنَّه لو كان يكفي ذلك لَمَا حصل التَّكليف بطلب الدَّلو، ولأنَّه لم يوجد المُزيل، ولهذا لا يجوز التَّيمُّم بها، وقال الحنفيَّة غير زفر منهم: إذا أصابت (٣) الأرض نجاسةٌ فجفَّت بالشَّمس وذهب أثرها جازت (٤) الصَّلاة على مكانها لقوله : «زكاة (٥) الأرض يبسها» أي: طهارتها، ولا دلالة هنا على نفي غير الماء لأنَّ الواجب هو الإزالة، والماء مزيلٌ بطبعه، فيُقَاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا؛ لوجود الجامع، قالوا: وإنَّما لا يجوز التيمم به لأنَّ طهارة الصَّعيد ثبتت شرطًا بنصِّ الكتاب، فلا تتأدَّى بما ثبت بالحديث. انتهى.

وفي الحديث: أنَّ غسالة النَّجاسة الواقعة على الأرض طاهرةٌ لأنَّ الماء المصبوب لا بدَّ أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محلٍّ لم يصبه البول ممَّا يجاوره (٦)، فلولا أنَّ الغسالة طاهرة لكان الصَّبُّ ناشرًا للنَّجاسة، وذلك خلاف مقصود التَّطهير، وسواء كانت النَّجاسة على الأرض أو غيرها، لكنَّ الحنابلة فرَّقوا بين الأرض وغيرها، والله أعلم.

(٥٩) (بابُ) حكم (بَوْلِ الصِّبْيَانِ) بكسر الصَّاد ويجوز ضمُّها، جمع صبيٍّ، قاله البرماويُّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

لشَيْء من ذَلِك كَانَ مُبَاحا، وَتَركه أولى. واما النّوم فِيهِ فقد نَص الشَّافِعِي فِي (الْأُم) أَنه يجوز، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص فِي النّوم فِي الْمَسْجِد ابْن المسيت وَالْحسن وَعَطَاء وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لَا تتخذوه مرقداً. وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِن كَانَ ينَام فِيهِ لصَلَاة فَلَا بَأْس. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: يكره النّوم فِي الْمَسْجِد. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس بذلك للغرباء، وَلَا أرى ذَلِك للحاضر. وَقَالَ احْمَد: إِن كَانَ مُسَافِرًا أَو شبهه فَلَا بَأْس، وَإِن اتَّخذهُ مقيلاً أَو مبيتاً فَلَا، وَهُوَ قَول إِسْحَاق. وَقَالَ الْيَعْمرِي، وَحجَّة من أجَاز نوم عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَأهل الصّفة، وَالْمَرْأَة صَاحِبَة الوشاح، والعرنية، وثمامة بن أَثَال، وَصَفوَان بن أُميَّة، وَهِي أَخْبَار صِحَاح مَشْهُورَة. واما الْوضُوء فِيهِ فَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَبَاحَ كل من يحفظ عَنهُ الْعلم الْوضُوء فِي الْمَسْجِد إلَاّ أَن يتَوَضَّأ فِي مَكَان يبله ويتأذى النَّاس بِهِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوه. وَقَالَ ابْن بطال: هَذَا مَنْقُول عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَعَطَاء وطاووس وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْقَاسِم صَاحب مَالك، وَذكر عَن ابْن سِيرِين وَسَحْنُون أَنَّهُمَا كرهاه تَنْزِيها لِلْمَسْجِدِ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: إِن كَانَ فِيهِ مَوضِع معد للْوُضُوء فَلَا بَأْس، وإلَاّ فَلَا. وَفِي شرح التِّرْمِذِيّ لليعمري: إِذا اقتصد فِي الْمَسْجِد، فان كَانَ فِي غير الْإِنَاء فَحَرَام، وَإِن كَانَ فِي الْإِنَاء فمكروه، وَإِن بَال فِي الْمَسْجِد فِي إِنَاء فَوَجْهَانِ أصَحهمَا أَنه حرَام، وَالثَّانِي أَنه مَكْرُوه. وَيجوز الاستلقاء فِي الْمَسْجِد، وَمد الرجل، وتشبيك الْأَصَابِع للأحاديث الثَّابِتَة فِي ذَلِك.

الثَّامِن: فِيهِ الْمُبَادرَة لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.

التَّاسِع: فِيهِ مبادرة الصَّحَابَة إِلَى الْإِنْكَار بِحَضْرَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير مُرَاجعَة لَهُ. فَإِن قلت: أَلَيْسَ هَذَا من بَاب التَّقَدُّم بَين يَدي الله تَعَالَى وَرَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: لَا، لِأَن ذَلِك مُقَرر عِنْدهم فِي الشَّرْع من مُقْتَضى الْإِنْكَار، فَأمر الشَّارِع مُتَقَدم على مَا وَقع مِنْهُم فِي ذَلِك، وَإِن لم يكن فِي هَذِه الْوَاقِعَة الْخَاصَّة إِذن فَدلَّ على أَنه لَا يشْتَرط الْإِذْن الْخَاص، ويكتفي بِالْإِذْنِ الْعَام.

الْعَاشِر: فِيهِ دفع أعظم المفسدتين بِاحْتِمَال أيسرهما، وَتَحْصِيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، فَإِن الْبَوْل فِيهِ مفْسدَة، وقطعه على البائل مفْسدَة أعظم مِنْهَا، فَدفع أعظمها بأيسر المفسدتين، وتنزيه الْمَسْجِد عَنهُ مصلحَة وَترك البائل إِلَى الْفَرَاغ مصلحَة أعظم مِنْهَا، فَحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

الْحَادِي عشر: فِيهِ مُرَاعَاة التَّيْسِير على الْجَاهِل والتألف للقلوب.

الثَّانِي عشر: فِيهِ الْمُبَادرَة إِلَى إِزَالَة الْمَفَاسِد عِنْد زَوَال الْمَانِع، لَان الْأَعرَابِي حِين فرغ أَمر بصب المَاء.

الثَّالِث عشر: فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أهريقوا عَلَيْهِ سجلاً من مَاء، أَو دلواً من مَاء) اعْتِبَار الْأَدَاء بِاللَّفْظِ، وَإِن كَانَ الْجُمْهُور على عدم اشْتِرَاطه، وَأَن الْمَعْنى كافٍ، وَيحمل: أَو، هَهُنَا على الشَّك، وَلَا معنى للتنويع وَلَا للتَّخْيِير وَلَا للْعَطْف، فَلَو كَانَ الرَّاوِي يرى جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لاقتصر على أَحدهمَا، فَلَمَّا تردد فِي التَّفْرِقَة بَين الدَّلْو والسجل، وهما بِمَعْنى، علم أَن ذَلِك التَّرَدُّد لموافقة اللَّفْظ، قَالَه الْحَافِظ الْقشيرِي، وَلقَائِل أَن يَقُول: إِنَّمَا يتم هَذَا أَن لَو اتَّحد الْمَعْنى فِي السّجل والدلو لُغَة، لكنه غير مُتحد، فالسجل: الدَّلْو الضخمة المملوءة، وَلَا يُقَال لَهَا فارغة: سجل.

٥٨ - (بابُ صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم صب المَاء على بَوْل البائل فِي مَسْجِد من مَسَاجِد الله تَعَالَى، وَإِذا جعلنَا: الْألف وَاللَّام، فِيهِ للْعهد يكون الْمَعْنى فِي: مَسْجِد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيكون حِكَايَة عَن ذَلِك، وعَلى الأول الحكم عَام سَوَاء كَانَ فِي مَسْجِد النَّبِي اَوْ غَيره.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لَا تخفى، وَلَيْسَ لذكر الْبَاب زِيَادَة فَائِدَة، وبدونه يحصل الْمَقْصُود.

٢٢٠ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْريِّ قَالَ أخْبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ أنَّ أبَا هُريْرَةَ قَالَ قامَ أعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِه سَجْلاً مِنْ ماءٍ أَو ذَنُوباً مِنْ ماءٍ فانَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرينَ ولمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ.

(الحَدِيث ٢٢٠ طرفه فِي: ٦٢١٧) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم: هُوَ الحكم بن نَافِع، وَقد تقدم فِي كتاب الْوَحْي. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة الْحِمصِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عبيد الله إِلَى آخِره. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، وَالْكل تقدمُوا.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْمُفْرد. وَفِيه: العنعنة. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني وبصري. وَفِيه: أَخْبرنِي عبيد الله عِنْد أَكثر الروَاة عَن الزُّهْرِيّ، وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن سعيد بن الْمسيب، بدل: عبيد الله، وَتَابعه سُفْيَان بن حُسَيْن، قَالَ طَاهِر: إِن الرِّوَايَتَيْنِ صحيحتان.

وَأما بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره فقد ذَكرْنَاهُ فِي الْبَاب السَّابِق، وَكَذَلِكَ بَيَان لغاته وَإِعْرَابه.

بَيَان معانية قَوْله: (قَامَ أَعْرَابِي) ، زَاد ابْن عُيَيْنَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، وَغَيره فِي أَوله: (أَنه، صلى ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمداً وَلَا ترحم مَعنا أحدا، فَقَالَ لَهُ النَّبِي، عله الصَّلَاة وَالسَّلَام، لقد تحجرت وَاسِعًا، فَلم يلبث أَن بقال فِي الْمَسْجِد) . وَسَتَأْتِي هَذِه الزِّيَادَة عِنْد المُصَنّف فِي الْأَدَب من طَرِيق الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرج هَذَا الحَدِيث الْجَمَاعَة مَا خلا مُسلما، وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (احتصرت وَاسِعًا) . وَأخرج ابْن مَاجَه حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع أَيْضا، وَلَفظه: (لقد حصرت وَاسِعًا وَيلك أوويحك) . قَوْله: (لقد تحجرت) أَي: ضيقت مَا وَسعه الله، وخصصت بِهِ نَفسك دون غَيْرك، ويروى: احتجرت بِمَعْنَاهُ، ومادته حاء مُهْملَة ثمَّ جِيم ثمَّ رَاء. وَقَوله: (احتصرت) ، بالمهملتين من الْحصْر، وَهُوَ الْحَبْس وَالْمَنْع. قَوْله: (فَبَال فِي الْمَسْجِد) أَي: مَسْجِد النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فتناوله النَّاس) أَي: تناولوه بألسنتهم، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ، تَأتي: (فثار إِلَيْهِ النَّاس) وَله فِي رِوَايَة عَن، أنس: (فَقَامُوا إِلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة أنس أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب: (فزجره النَّاس) . وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق عبد ان شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فصاح النَّاس بِهِ) . وَكَذَا للنسائي من طَرِيق ابْن الْمُبَارك، وَلمُسلم من طَرِيق إِسْحَاق عَن أنس: (فَقَالَ الصَّحَابَة: مَه مَه) ، قَوْله: (مَه) ، كلمة بنيت على السّكُون، وَهُوَ اسْم يُسمى بِهِ الْفِعْل، وَمَعْنَاهُ: أكفف، لِأَنَّهُ زجر. فَإِن وصلت نونته، فَقلت: مَه مَه. ومه الثَّانِي تَأْكِيد، كَمَا تَقول: صه صه، وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (فَمر عَلَيْهِ النَّاس فأقاموه، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعوه، عَسى أَن يكون من أهل الْجنَّة، فصبوا على بَوْله المَاء) . قَوْله: (وهريقوا) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب: (واهريقوا) ، وَقد ذكرنَا أَن أصل: أهريقوا، أريقوا. قَوْله: (أَو ذنوبا من مَاء) قَالَ الْكرْمَانِي: لفظ: من، زَائِدَة، وزيدت تَأْكِيدًا، وَكلمَة: أَو، يحْتَمل أَن تكون من كَلَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَتكون للتَّخْيِير، وَأَن تكون من الرواي فَتكون للترديد. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَقد قُلْنَا الصَّوَاب فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ميسرين) حَال، فَإِن قلت: الْمَبْعُوث هُوَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكيف هَذَا؟ قلت: لما كَانَ المخاطبون مقتدين بِهِ ومهتدين بهذاه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا مبعوثين أَيْضا، فَجمع اللَّفْظ بِاعْتِبَار ذَلِك، وَالْحَاصِل أَنه على طَريقَة الْمجَاز، لأَنهم لما كَانُوا فِي مقَام التَّبْلِيغ عَنهُ فِي حُضُوره وغيبته أطلق عَلَيْهِم ذَلِك، أَو لأَنهم لما كَانُوا مأمورين من قبله بالتبليغ فكأنهم مبعوثون من جِهَته. قَوْله: (وَلم تبعثوا معسرين) ، مَا فَائِدَته وَقد حصل المُرَاد من قَوْله: (بعثتم) إِلَى آخِره؟ قلت: هَذَا تَأْكِيد بعد تَأْكِيد، دلَالَة على أَن الْأَمر مَبْنِيّ على الْيُسْر قطعا.

٢٢١ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يحْيىَ بنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا.

(انْظُر الحَدِيث: ٢١٩ وطرفه) .

عَبْدَانِ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ لقب عبد الله الْعَتكِي، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الإِمَام، تقدما فِي كتاب الْوَحْي. وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ تقدم أَيْضا. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق عَبْدَانِ هَذَا، وَلَفظه: (جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا قضى حَاجته قَامَ إِلَى نَاحيَة الْمَسْجِد فَبَال، فصاح بِهِ النَّاس، فكفهم عَنهُ ثمَّ قَالَ: صبوا عَلَيْهِ دلواً من مَاء) .

وحدّثنا خالِدٌ وَحدثنَا سُلَيْمانُ عنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ قالَ سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ قَالَ جاءَ أعْرَابيٌّ فَبَالَ فِي طائِفَةِ الَمسْجِدِ فَزَجَرَهُ النَّاسُ فَنَهاهُمُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا قَضَى

بوْلَهُ أمَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ فأُهْرِيقَ عَليْهِ.

قد تقدم أَن لَفظه: الْحَاء، عَلامَة التَّحْوِيل من إِسْنَاد الى إِسْنَاد. وَقَوله: (وَحدثنَا) بواو الْعَطف على قَوْله: (حَدثنَا عَبْدَانِ) وَرِوَايَة كَرِيمَة بِلَا: وَاو. و: مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام، وَسليمَان بن بِلَال وَكِلَاهُمَا تقدما فِي بَاب طرح الامام الْمَسْأَلَة. قَوْله: (من طَائِفَة الْمَسْجِد) أَي: قِطْعَة من أَرض الْمَسْجِد. قَوْله: (فهريق) ، بِضَم الْهَاء وَكسر الرَّاء: على صِيغَة الْمَجْهُول، وَمَعْنَاهُ: أريق، وَهَذِه رِوَايَة أبي ذَر. وَفِي رِوَايَة البَاقِينَ: (فأهريق عَلَيْهِ) ، بِزِيَادَة الْهمزَة فِي أَوله. وَقَالَ ابْن التِّين: هَذَا إِنَّمَا يَصح على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ فعل ماضٍ وهاؤه سَاكِنة، وَأما على الأَصْل فَلَا تَجْتَمِع الْهمزَة وَالْهَاء فِي الْمَاضِي. قَالَ: ورويناه بِفَتْح الْهَاء، وَلَا أعلم لذَلِك وَجها.

وفوائد هَذَا الحَدِيث قد مرت. وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: تعْيين المَاء لإِزَالَة النَّجَاسَة لِأَن الْجَفَاف بِالرِّيحِ أَو الشَّمْس لَو كَانَ يَكْفِي لما حصل التَّكْلِيف بِطَلَب الدَّلْو. قلت: هَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسد لِأَن ذكر المَاء لَا يَنْفِي غَيره، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي الْبَاب السَّابِق. وَكَذَا قَوْله: وَفِيه أَن الأَرْض تطهر بصب المَاء عَلَيْهَا وَلَا يشْتَرط حفرهَا، خلافًا للحنفية، فَاسد، لأَنا ذكرنَا فِيمَا مضى عَن قريب أَنه ورد الْأَمر بِالْحفرِ فِي حديثين مسندين وحديثين مرسلين، والمراسيل حجَّة عِنْدهم.

٥٩ - (بابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم بَوْل الصّبيان، وَهُوَ، بِكَسْر الصَّاد: جمع صبي. قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّبِي: الْغُلَام، وَالْجمع: صبية وصبيان، وَهُوَ من الواوي. وَفِي (الْمُخَصّص) : ذكر بن سَيّده عَن ثَابت: يكون صبيان مَا دَامَ رضيعاً، وَفِي (الْمُنْتَخب) للكراع: أول مَا يُولد الْوَلَد يُقَال لَهُ: وليد، وطفل، وَصبي. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: صبي وصبيان وصبوان، وَهَذِه أضعفها. وَقَالَ ابْن السّكيت: صبية وصبوة، وَفِي (الْمُحكم) صبية وصبية وصبوان وصبوان. وَقَالَ بَعضهم: الصّبيان، بِكَسْر الصَّاد، وَيجوز ضمهَا، جمع: صبي. قلت: فِي الضَّم لَا يُقَال إلَاّ صبوان بِالْوَاو، وَقد وهم هَذَا الْقَائِل حَيْثُ لم يعلم الْفرق بَين الْمَادَّة الواوية والمادة اليائية، وأصل: صبيان، بِالْكَسْرِ: صبوان، لِأَن الْمَادَّة واوية، فقلبت الْوَاو يَاء، لانكسار مَا قبلهَا.

وَوجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر لَا يخفى.

٢٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخْبرنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنينَ أنَّها قالَتْ اُتِيَ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِصَبيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِه فَدَعا بِماءٍ فَأتْبَعَهُ إيَّاهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة، وَالْكل قد تقدمُوا، وَعبد الله هُوَ التنيسِي، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك.

بَيَان لغته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (بصبي) ، قد مر تَفْسِير الصَّبِي الْآن وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة: أَن هَذَا الصَّبِي هُوَ عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (وَأَنَّهَا قَالَت: فَأَخَذته أخذا عنيفاً، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّه لم يَأْكُل الطَّعَام فَلَا يضر بَوْله) . وَفِي لفظ: (فَإِنَّهُ لم يطعم الطَّعَام فَلم يقذر بَوْله) . وَقد قيل: إِنَّه الْحسن، وَقيل: إِنَّه الْحُسَيْن. وَقَالَ بَعضهم: يظْهر لي أَن المُرَاد بِهِ ابْن ام قيس الْمَذْكُور بعده. قلت: هَذَا لَيْسَ بِظَاهِر أصلا، وَالظَّاهِر أحد الْأَقْوَال الثَّلَاثَة، وأظهرها مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (فَاتبعهُ إِيَّاه) أَي: فَاتبع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْبَوْل الَّذِي على الثَّوْب المَاء، وَذَلِكَ بصبه عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة مُسلم زَاد: (وَلم يغسلهُ) ، وَلابْن الْمُنْذر من طَرِيق الثَّوْريّ عَن هِشَام: (فصب عَلَيْهِ المَاء) ، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ من طَرِيق زَائِدَة الثَّقَفِيّ عَن هِشَام: (فنضحه عَلَيْهِ) .

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن الشَّافِعِيَّة احْتَجُّوا بِهَذَا على أَن بَوْل الصَّبِي يُكتفى فِيهِ بِاتِّبَاع المَاء إِيَّاه، وَلَا

يحْتَاج إِلَى الْغسْل لظَاهِر رِوَايَة مُسلم. وَلم يغسلهُ، وَعَن هَذَا قَالَ بَعضهم بِطَهَارَة بَوْله. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْخلاف فِي كَيْفيَّة تَطْهِير الشَّيْء الَّذِي بَال عَلَيْهِ الصَّبِي، وَلَا خلاف فِي نَجَاسَته، وَقد نقل بعض أَصْحَابنَا إِجْمَاع الْعلمَاء على نَجَاسَة بَوْل الصَّبِي، وَأَنه لم يُخَالف فِيهِ إلَاّ دَاوُد. وَأما مَا حَكَاهُ أَبُو الْحسن بن بطال، ثمَّ القَاضِي عِيَاض عَن الشَّافِعِي وَغَيره أَنهم قَالُوا: بَوْل الصَّبِي طَاهِر وينضح، فحكايته بَاطِلَة قطعا. قلت: هَذَا إِنْكَار من غير برهَان، وَلم ينْقل هَذَا عَن الشَّافِعِي وَحده، بل نقل عَن مَالك أَيْضا أَن بَوْل الصَّغِير الَّذِي لَا يطعم طَاهِر، وَكَذَا نقل عَن الْأَوْزَاعِيّ وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ، ثمَّ قَالَ النَّوَوِيّ وَكَيْفِيَّة طَهَارَة بَوْل الصَّبِي وَالْجَارِيَة على ثَلَاثَة مَذَاهِب: وفيهَا ثَلَاثَة أوجه لِأَصْحَابِنَا: الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمُخْتَار أَنه يَكْفِي النَّضْح فِي بَوْل الصَّبِي وَلَا يَكْفِي فِي بَوْل الْجَارِيَة، بل لَا بُد من غسله كَغَيْرِهِ من النَّجَاسَات. وَالثَّانِي: أَنه يَكْفِي النَّضْح فيهمَا. وَالثَّالِث: لَا يَكْفِي النَّضْح فيهمَا، وهما شَاذان ضعيفان. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْفرقِ: عَليّ بن أبي طَالب وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَابْن وهب من أَصْحَاب مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة، رَحمَه الله تَعَالَى، قلت: علم من ذَلِك أَن الصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي هُوَ التَّفْرِيق بَين حكم بَوْل الصَّبِي وَبَوْل الصبية قبل أَن يَأْكُل الطَّعَام، وَأَنه يدل على أَن بَوْل الصَّبِي طَاهِر، وَبَوْل الصبية نجس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَق وَأَبُو ثَوْر.

وَاحْتَجُّوا على ذَلِك باحاديث مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الْمَذْكُور. لِأَن إتباع المَاء الْبَوْل هُوَ النَّضْح دون الْغسْل، وَلِهَذَا صرح فِي رِوَايَة مُسلم: (وَلم يغسلهُ) ، وَعدم الْغسْل دلّ على طَهَارَة بَوْل الصَّبِي. وَمِنْهَا: حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فِي الرَّضِيع: (يغسل بَوْل الْجَارِيَة وينضح بَوْل الْغُلَام) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه. وَمِنْهَا: حَدِيث لبَابَة بنت الْحَارِث، أُخْت مَيْمُونَة بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَت: (كَانَ الْحُسَيْن بن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي حجر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَال عَلَيْهِ، فَقلت: إلبس ثوبا وَأَعْطِنِي إزارك حَتَّى أغسله. قَالَ: إِنَّمَا يغسل من بَوْل الْأُنْثَى وينضح من بَوْل الذّكر) ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والكبحي فِي (سنَنه) وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي (سنَنه) من وُجُوه كَثِيرَة، والطَّحَاوِي أَيْضا من وَجْهَيْن. وَمِنْهَا: حَدِيث أم قيس على مَا يَأْتِي عَن قريب إِن شَاءَ الله. وَمِنْهَا: حَدِيث زَيْنَب بنت جحش، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) مطولا، وَفِيه: (أَنه يصب من الْغُلَام وَيغسل من الْجَارِيَة) ، وَفِي إِسْنَاده: لَيْث بن أبي سليم وَهُوَ ضَعِيف. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي السَّمْح، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه قَالَ: (كنت أخدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ... .) الحَدِيث، وَفِيه: (يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام) ، وَأَبُو السَّمْح، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْمِيم وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، وَلَا يعرف لَهُ اسْم وَلَا يعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث، كَذَا قَالَه ابو زرْعَة الرَّازِيّ، وَقيل: اسْمه إياد. وَمِنْهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَنهُ: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بصبي فَبَال عَلَيْهِ، فنضحه وَأتي بِجَارِيَة فبالت عَلَيْهِ فَغسله) . وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ، قَالَ: (أصَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو، جلده، بَوْل صبي وَهُوَ صَغِير، فصب عَلَيْهِ من المَاء بِقدر الْبَوْل) . وَمِنْهَا: حَدِيث أنس بن مَالك أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) مطولا، وَفِيه: (يصب على بَوْل الْغُلَام وَيغسل بَوْل الْجَارِيَة) . وَفِي إِسْنَاده نَافِع بن هُرْمُز، وَأَجْمعُوا على ضعفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، أخرجه أَيْضا فِي (الْكَبِير) : (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى بالحسين فَجعل يقبله، فَبَال عَلَيْهِ، فَذَهَبُوا ليتناولوه فَقَالَ: ذرْوَة، فَتَركه حَتَّى فرغ من بَوْله) . وَفِي إِسْنَاده عَمْرو بن معدان، وَأَجْمعُوا على ضعفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله عَنْهَا، عِنْده أَيْضا فِي (الْأَوْسَط) أَن الْحسن، أَو الْحُسَيْن، بَال على بطن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَا تزرموا ابْني أَو، لَا تستعجلوه، فَتَرَكُوهُ حَتَّى قضى بَوْله، فَدَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) . وَمِنْهَا: حَدِيث أم كرز، أخرجه ابْن مَاجَه عَنْهَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (بَوْل الْغُلَام ينضح وَبَوْل الْجَارِيَة يغسل) ، وَمذهب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك أَنه لَا يفرق بَين بَوْل الصَّغِير وَالصَّغِيرَة فِي نَجَاسَته، وجعلوهما سَوَاء فِي وجوب غسله مِنْهُمَا، وَهُوَ مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد ابْن الْمسيب وَالْحسن بن حَيّ وَالثَّوْري.

وَأَجَابُوا عَن ذَلِك بِأَن النَّضْح هُوَ صب المَاء لِأَن الْعَرَب تسمي ذَلِك نضحاً، وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، وَكَذَلِكَ الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل.

أما الأول: فَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره: (عَن الْمِقْدَاد بن الْأسود أَن عَليّ بن ابي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أمره أَن يسْأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الرجل إِذا دنا من أَهله فَخرج مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: عَليّ: فَأن

عِنْدِي ابْنَته وانا استحي أَن اسأله. قَالَ الْمِقْدَاد: فَسَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن ذَلِك، فَقَالَ: إِذا وجد أحدكُم ذَلِك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصَّلَاة) ، ثمَّ الَّذِي يدل على أَنه أُرِيد بالنضح هَهُنَا الْغسْل، مَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كنت رجلا مذاءً فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَكَان ابْنَته، فامرت الْمِقْدَاد بن الْأسود فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ) . والقصة وَاحِدَة، والراوي عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاحِد، وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره عَن سهل بن حنيف قَالَ: (كنت ألْقى من الْمَذْي شدَّة، وَكنت أَكثر مِنْهُ الْغسْل، فَسَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنَّمَا يجْزِيك من ذَلِك الْوضُوء. قلت: يَا رَسُول الله فَكيف بِمَا يُصِيب ثوبي مِنْهُ؟ فَقَالَ: يَكْفِيك أَن تَأْخُذ كفا من مَاء فتنضح بِهِ من ثَوْبك حَيْثُ يرى أَنه أَصَابَهُ) . وَأَنه أَرَادَ بالنضح هَهُنَا الْغسْل.

واما الثَّانِي: وَهُوَ أَن الرش يذكر وَيُرَاد بِهِ الْغسْل، فقد صَحَّ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه لما حكى وضوء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ غرفَة من مَاء فرش على رجله الْيُمْنَى حَتَّى غسلهَا، وَأَرَادَ بالرش هَهُنَا صب المَاء قَلِيلا قَلِيلا، وَهُوَ الْغسْل بِعَيْنِه.

وَمِمَّا يدل على أَن النَّضْح والرش يذكران وَيُرَاد بهما الْغسْل قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَفِي حَدِيث أَسمَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (تَحْتَهُ ثمَّ تقرصه بِالْمَاءِ ثمَّ تنضحه ثمَّ تصلي فِيهِ) . مَعْنَاهُ: تغسله، هَذَا فِي رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (حتيه ثمَّ اقرضيه ثمَّ رشيه وَصلي فِيهِ) . أَرَادَ: اغسليه، قَالَه الْبَغَوِيّ، فَلَمَّا ثَبت أَن النَّضْح والرش يذكران وَيُرَاد بهما الْغسْل، وَجب حمل مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب من النَّضْح والرش على الْغسْل بِمَعْنى إسالة المَاء عَلَيْهِ من غير عَرك، لِأَنَّهُ مَتى صب المَاء عَلَيْهِ قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى تقاطر وسال حصل الْغسْل، لِأَن الْغسْل هُوَ الإسالة. فَافْهَم.

فَإِن قلت: قد صرح فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره: (فَاتبعهُ بَوْله وَلم يغسلهُ) ، فَكيف يحمل النَّضْح والرش على الْغسْل؟ قلت: مَعْنَاهُ وَلم يغسلهُ بالعرك كَمَا يغسل الثِّيَاب إِذا أصابتها النَّجَاسَة، وَنحن نقُول بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَأما حَقِيقَة النَّضْح هَهُنَا فقد اخْتلف اصحابنا فِيهَا، فَذهب الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ إِلَى أَن مَعْنَاهُ أَن الشَّيْء الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْل يغمر بِالْمَاءِ كَسَائِر النَّجَاسَات، بِحَيْثُ لَو عصر لانعصر، وَذهب إِمَام الْحَرَمَيْنِ والمحققون إِلَى أَن النَّضْح أَن يغمر ويكاثر بِالْمَاءِ مكاثرة لَا يبلغ جَرَيَان المَاء وتقاطره، بِخِلَاف المكاثرة فِي غَيره، فَإِنَّهُ يشْتَرط فِيهَا أَن يكون بِحَيْثُ يجْرِي بعض المَاء ويتقاطر من الْمحل، وَإِن لم يشْتَرط عصره، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار، ثمَّ إِن النَّضْح إِنَّمَا يجزىء مَا دَامَ الصَّبِي يقْتَصر بِهِ على الرَّضَاع، أما إِذا أكل الطَّعَام على جِهَة التغذية فَإِنَّهُ يجب الْغسْل بِلَا خلاف، وسنقول معنى النَّضْح مِمَّا قَالَه أهل اللُّغَة فِي الحَدِيث الْآتِي، وَلَا فرق بَين النَّضْح وَالْغسْل فِيمَا قَالَه الْبَغَوِيّ والجويني. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: اتبعُوا فِي ذَلِك الْقيَاس، أَرَادَ أَن الْحَنَفِيَّة اتبعُوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الْقيَاس، يَعْنِي: تركُوا الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وذهبوا إِلَى الْقيَاس، وَقَالُوا: المُرَاد من قَوْلهمَا، أَي: من قَول أم قيس، وَلم يغسلهُ، أَي: غسلا مبالغاً فِيهِ، وَهُوَ خلاف الظَّاهِر.

ويبعده مَا ورد فِي الْأَحَادِيث الْأُخَر الَّتِي فِيهَا التَّفْرِقَة بَينهمَا أوجه: مِنْهَا: مَا هُوَ رَكِيك، وَأقوى ذَلِك مَا قيل إِن النُّفُوس أعلق بالذكور مِنْهَا بالإناث، يَعْنِي: فحصت الرُّخْصَة فِي الذُّكُور لِكَثْرَة الْمَشَقَّة. قلت: نقل عَن بَعضهم للغمز على الْحَنَفِيَّة، وَلَكِن هَذَا لَا يشفي غلتهم، فَقَوله: اتبعُوا فِي ذَلِك الْقيَاس، غير صَحِيح، لأَنهم مَا اتبعُوا فِي ذَلِك إلَاّ الْأَحَادِيث الَّتِي احْتج خصمهم بهَا، وَلَكِن على غير الْوَجْه الَّذِي ذكرُوا، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن محرراً، على أَنه قد رُوِيَ عَن بعض الْمُتَقَدِّمين من التَّابِعين مَا يدل على أَن الأبوال كلهَا سَوَاء فِي النَّجَاسَة، وَأَنه لَا فرق بَين بَوْل الذّكر والانثى، فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلهَا. حَدثنَا مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد عَن حميد عَن الْحسن أَنه قَالَ: بَوْل الْجَارِيَة يغسل غسلا وَبَوْل الْغُلَام يتبع بِالْمَاءِ، أَفلا يرى أَن سعيداً قد سوى بَين حكم الأبوال كلهَا، من الصّبيان وَغَيرهم، فَجعل مَا كَانَ مِنْهُ رشاً يطهر بالرش، وَمَا كَانَ مِنْهُ صبا يطهر بالصب، لَيْسَ لِأَن بَعْضهَا عِنْده طَاهِر وَبَعضهَا غير طَاهِر، وَلكنهَا كلهَا عِنْده نَجِسَة، وَفرق بَين التَّطْهِير من نجاستها عِنْده بِضيق مخرجها وسعته إنتهى كَلَام الطَّحَاوِيّ وَمعنى قَوْله: وَفرق ... إِلَى آخِره، أَن مخرج الْبَوْل من الصَّبِي ضيق فيرش الْبَوْل، وَمن الْجَارِيَة وَاسع فَيصب الْبَوْل صبا، فيقابل الرش بالرش والصب بالصب.

وَمِنْهَا: أَن فِيهِ النّدب إِلَى حسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وَغَيرهم.

وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب حمل الاطفال إِلَى أهل الْفضل للتبرك بهم، وَسَوَاء فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب الْمَوْلُود حَال وِلَادَته أَو بعْدهَا.

٢٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شهابٍ عنْ عُبيْدٍ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ عنْ أمِّ قَيْسٍ بنْتِ مِحْصَنٍ أنَّها أتَتْ بِابن لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكلِ الطَّعَامَ إِلَى رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَأجْلَسَهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فدَعا بِماءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ.

(الحَدِيث ٢٢٣ طرفه فِي: ٥٦٩٣) .

مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة تقدمُوا كلهم، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَأم قيس، بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. ومحصن، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون، وَهِي أُخْت عكاشة ابْن مُحصن، أسلمت بِمَكَّة قَدِيما، وبايعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهَاجَرت إِلَى مَدِينَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رُوِيَ لَهَا أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، فِي الصَّحِيحَيْنِ. مِنْهَا إثنان، وَهِي من المعمرات. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: اسْمهَا جذامفة، بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة، وَقَالَ السُّهيْلي: اسْمهَا آمِنَة، وَذكرهَا الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي (تَجْرِيد الصَّحَابَة) فِي الكنى، وَلم يذكرهَا لَهَا اسْما.

بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والعنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع، وَرُوَاته مَا بَين تنيسي ومدني.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا فَقَط. وَأخرجه بَقِيَّة الْجَمَاعَة: فَمُسلم فِي الطِّبّ عَن ابْن أبي عمر، وَفِيه وَفِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن ابي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَأبي خَيْثَمَة زُهَيْر بن حَرْب، خمستهم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن رمح عَن اللَّيْث بن سعد وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب عَن يُونُس، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ. وخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك بِهِ، وَالتِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأحمد بن منيع، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن مَالك، وَابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن الصَّباح، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ.

بَيَان لغته وَإِعْرَابه قَوْله: (بابنٍ لَهَا) الإبن: لَا يُطلق إلَاّ على الذّكر بِخِلَاف: الْوَلَد. قَوْله: (صَغِير) هُوَ ضد: الْكَبِير، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ: الرَّضِيع، لِأَنَّهُ فسره بقوله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، فَإِذا أكل يُسمى: فطيماً، وَغُلَامًا أَيْضا إِلَى سبع سِنِين. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الْغُلَام هُوَ الصَّغِير إِلَى حد الالتحاء. وَقَالَ بَعضهم من أهل اللُّغَة: مَا دَامَ الْوَلَد فِي بطن أمه فَهُوَ: جَنِين، فاذا وَلدته يُسمى: صَبيا مَا دَامَ رضيعاً، فَإِذا فطم يُسمى غُلَاما إِلَى سبع سِنِين، فَمن هَذَا عرفت أَن الصَّغِير يُطلق إِلَى حد الالتحاء من حِين يُولد، فَلذَلِك قيد فِي الْحَدث بقوله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، وَالطَّعَام فِي اللُّغَة مَا يُؤْكَل، وَرُبمَا خص الطَّعَام بِالْبرِّ، وَفِي حَدِيث أبي سعيد: (كُنَّا نخرج صَدَقَة الْفطر على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَاعا من طَعَام أَو صَاعا من شعير) . والطعم، بِالْفَتْح: مَا يُؤَدِّيه الذَّوْق، وَيُقَال: طعمه مر، والطعم، بِالضَّمِّ: الطَّعَام: وَقد طعم يطعم طعماً فَهُوَ طاعم إِذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم، الذَّوْق، يُقَال: طعمه مر، والطعم، بِالضَّمِّ: الطَّعَام. وَقد طعم يطعم طعماً فَهُوَ طاعم إِذا أكل وذاق، مثل: غنم يغنم غنما فَهُوَ غَانِم، قَالَ تَعَالَى: {فاذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشرُوا} (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَقَالَ تَعَالَى: {وَمن لم يطعمهُ فانه منى} (الْبَقَرَة: ٢٤٩) اي: من لم يذقه، قَالَه الْجَوْهَرِي. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ أَيْضا: وَمن لم يطعمهُ وَمن لم يذقه، من طعم الشَّيْء إِذا ذاقه. وَمِنْه: طعم الشَّيْء لمذاقه، قَالَ:

(وان شِئْت لم اطعم نقاخا وَلَا بردا)

أَلَا ترى كَيفَ عطف عَلَيْهِ الْبرد وَهُوَ النّوم؟ قلت: أَو الْبَيْت.

(وان شِئْت حرمت النِّسَاء سواكم.)

والنقاخ، بِضَم النُّون وبالقاف وَالْخَاء الْمُعْجَمَة: المَاء العذب، وَقَالَ بَعضهم: وَقد أَخذه من كَلَام النَّوَوِيّ: المُرَاد من الطَّعَام مَا عدا اللَّبن الَّذِي يرتضعه، وَالتَّمْر الَّذِي يحنك بِهِ، وَالْعَسَل الَّذِي يلعقه للمداواة وَغَيرهَا. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذِه التقديرات، لِأَن المُرَاد من قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) لم يقدر على مضغ الطَّعَام وَلَا على دَفعه إِلَى بَاطِنه، لِأَنَّهُ رَضِيع لَا يقدر على ذَلِك، أما اللَّبن فَإِنَّهُ مشروب غير مَأْكُول فَلَا يحْتَاج إِلَى استثنائه لِأَنَّهُ لم يدْخل فِي. قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) حَتَّى يسْتَثْنى مِنْهُ، وَأما التَّمْر الَّذِي يحنك بِهِ، أَو الْعَسَل الَّذِي يلعقه، فَلَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، بل بعنف من فَاعله قصدا للتبرك أَو المداواة، فَلَا حَاجَة أَيْضا لاستثنائهما، فَعلم مِمَّا ذكرنَا أَن المُرَاد من قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) أَي: قصدا أَو اسْتِقْلَالا أَو تقوياً فَهَذَا شَأْن الصَّغِير الرَّضِيع، وَقد علمت من هَذَا أَن الَّذِي نَقله الْقَائِل الْمَذْكُور من النَّوَوِيّ، وَمن نكت التَّنْبِيه صادر من غير روية وَلَا تَحْقِيق، وَكَذَلِكَ لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال الْكرْمَانِي وَجَوَابه هَهُنَا، بقوله: فان قلت: اللَّبن طَعَام، فَهَل يخص الطَّعَام بِغَيْر اللَّبن أم لَا؟ قلت: الطَّعَام هُوَ مَا يُؤْكَل، وَاللَّبن مشروب لَا مَأْكُول فَلَا يخصص، قَوْله: (فأجلسه رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الابْن.

قَالَ بَعضهم: أَي وَضعه. إِن قُلْنَا: إِنَّه كَانَ كَمَا ولد، وَيحْتَمل أَن يكون الْجُلُوس حصل مِنْهُ على الْعَادة. إِن قُلْنَا: إِنَّه كَانَ فِي سنّ من يحبو. قلت: لَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك لِأَن الْجُلُوس يكون عَن نوم أَو اضطجاع، وَإِذا كَانَ قَائِما كَانَت الْحَال الَّتِي يُخَالِفهَا الْقعُود، وَالْمعْنَى هَهُنَا: أَقَامَهُ عَن مضجعه، لِأَن الظَّاهِر أَن أم قيس أَتَت بِهِ وَهُوَ فِي قماطة مُضْطَجع، فأجلسه النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي: أَقَامَ فِي حجره، وَإِن كَانَت اتت بِهِ وَهُوَ فِي يَدهَا، بِأَن كَانَ عمره مِقْدَار سنة أَو جاوزها قَلِيلا، وَالْحَال أَنه رَضِيع، يكون الْمَعْنى: تنَاوله مِنْهَا وَأَجْلسهُ فِي حجره وَهُوَ يمسِكهُ لعدم مسكته، لِأَن أصل تركيب هَذِه الْمَادَّة يدل على ارْتِفَاع فِي الشَّيْء، و: الْحجر، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا وَسُكُون الْجِيم، لُغَتَانِ مشهورتان. قَوْله: (فَبَال على ثَوْبه) الظَّاهِر أَن الضَّمِير فِي ثَوْبه يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقد قيل: إِنَّه يرجع إِلَى الابْن اي: بَال الابْن على الثَّوْب نَفسه، وَهُوَ فِي حجره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فنضح عَلَيْهِ المَاء خوفًا أَن يكون طَار على ثَوْبه مِنْهُ شَيْء. قلت: هَذَا مِمَّا يُؤَيّد قَول الْحَنَفِيَّة، وَقد نسب هَذَا القَوْل إِلَى ابْن شعْبَان. قَوْله: (فنضحه) ، قد ذكرنَا أَن النَّضْح هُوَ الرش، وَقَالَ ابْن سَيّده: نضح المَاء عَلَيْهِ ينضحه نضحاً إِذا ضربه بِشَيْء فَأَصَابَهُ مِنْهُ رشاش، ونضح عَلَيْهِ المَاء: رش. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النَّضْح مَا كَانَ على اعْتِمَاد، والنضح مَا كَانَ على غير اعْتِمَاد. وَقيل: هما لُغَتَانِ بِمَعْنى، وَكله: رش. قلت: الأول: بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَالثَّانِي: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَفِي (الواعي) لأبي مُحَمَّد، و (الصِّحَاح) لأبي نصر، و (الْمُجْمل) لِابْنِ فَارس، و (الجمهرة) لِابْنِ دُرَيْد، وَابْن القطوية وَابْن القطاع وَابْن طريف فِي (الافعال) والفارابي فِي (ديوَان الادب) وكراع فِي (الْمُنْتَخب) وَغَيرهم: النَّضْح الرش، وَقد استقصينا الْكَلَام بِهِ فِي الحَدِيث السَّابِق مستقصىً. قَوْله: (وَلم يغسلهُ) ، وَلمُسلم من طَرِيق اللَّيْث عَن ابْن شهَاب: (فَلم يزدْ على أَن نضح بِالْمَاءِ) ، وَله من طَرِيق ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب: فرشَّه. وَقَالَ بَعضهم: وَلَا تخَالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ بَين نضح ورش، لِأَن المُرَاد بِهِ أَن الِابْتِدَاء كَانَ بالرش وَهُوَ بتنقيط المَاء. فَانْتهى إِلَى النَّضْح، وَهُوَ صب المَاء، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مُسلم فِي حَدِيث عَائِشَة من طَرِيق جرير عَن هِشَام: (فَدَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهِ) ، وَلأبي عوَانَة: (فَصَبَّهُ على الْبَوْل يتبعهُ إِيَّاه) . قلت: عدم التخالف بَين الرِّوَايَتَيْنِ لَيْسَ من الْوَجْه الَّذِي ذكره، بل بِاعْتِبَار أَن النَّضْح والرش بِمَعْنى، كَمَا ذكرنَا عَن الْكتب الْمَذْكُورَة، وَالْوَجْه الَّذِي ذكره لَيْسَ بِوَجْه على مَا لَا يخفى، وَأما رِوَايَة مُسلم فَإِنَّهَا تثبت أَن النَّضْح بِمَعْنى: الصب، لِأَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب، باخْتلَاف ألفاظها، تَنْتَهِي إِلَى معنى وَاحِد، دفعا للتضاد. أَلا ترى أَن أم الْفضل، لبَابَة بنت الْحَارِث، قد رُوِيَ عَنْهَا حديثان: أَحدهمَا فِيهِ النَّضْح، وَالثَّانِي: فِيهِ الصب، فَحمل النَّضْح على الصب دفعا للتضاد، وَعَملا بِالْحَدِيثين على أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي حكم وَاحِد باخْتلَاف ألفاظها يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا، وَمن الدَّلِيل على أَن النَّضْح هُوَ صب المَاء وَالْغسْل من غير عَرك قَول الْعَرَب: غسلني السَّمَاء، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِك عِنْد انصباب الْمَطَر عَلَيْهِم، وَكَذَلِكَ يُقَال غسلني التُّرَاب: إِذا انصب عَلَيْهِ. فَإِن قلت: يُعَكر على هَذَا قَوْله: (فنضحه وَلم يغسلهُ) قلت: قد مر جَوَابه فِي تَفْسِير الحَدِيث السَّابِق، على أَن الْأصيلِيّ ادّعى أَن قَوْله: (وَلم يغسلهُ) من كَلَام ابْن شهَاب رَاوِي الحَدِيث، وَأَن الْمَرْفُوع انْتهى عِنْد قَوْله: (فنضحه) . قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ معمر عَن ابْن شهَاب، وَكَذَا أخرجه ابْن أبي شيبَة، قَالَ: فرشه، وَلم يزدْ على ذَلِك.

وَأما الْإِعْرَاب فَقَوله: (لَهَا) : جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لِابْنِ، وَكَذَلِكَ، قَوْله: (صَغِير) بِالْجَرِّ صفة ابْن، وَكَذَلِكَ قَوْله: (لم يَأْكُل الطَّعَام) ، وَقَوله: (إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) كلمة: إِلَى، تتَعَلَّق بقوله: (اتت) ، و: الْفَا آتٍ، الْأَرْبَعَة للْعَطْف بَين الْكَلَام، بِمَعْنى التعقيب.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: حكم بَوْل الْغُلَام الرَّضِيع وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مستقصى. وَمِنْهَا: الرِّفْق بالصغار والشفقة عَلَيْهِم، أَلا ترى أَن سيد الْأَوَّلين والآخرين كَيفَ كَانَ يَأْخُذهُمْ فِي حجره ويتلطف بهم؟ حَتَّى إِن مِنْهُم من يَبُول على ثَوْبه فَلَا يُؤثر فِيهِ ذَلِك، وَلَا يتَغَيَّر، وَلِهَذَا كَانَ يُخَفف الصَّلَاة عِنْد سَمَاعه بكاء الصَّبِي وَأمه وَرَاءه، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: من لم يرحم صَغِيرنَا فَلَيْسَ منا. وَمِنْهَا: حمل الْأَطْفَال إِلَى أهل الْفضل وَالصَّلَاح ليدعوا لَهُم، سَوَاء كَانَ عقيب الْولادَة أَو بعْدهَا، وَقَالَ بَعضهم: حمل الاطفال حَال الْولادَة. قلت: حملهمْ حَال الْولادَة غير مُتَصَوّر، فَهَذَا كَلَام صادر عَن غير ترو، وَأَيْضًا قَالَ هَذَا الْقَائِل: فِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد كَذَا وَكَذَا، وعدَّ مِنْهَا: تحنيك الْمَوْلُود، وَلَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يدل على ذَلِك صَرِيحًا، وَإِن كَانَ جَاءَ هَذَا فِي أَحَادِيث أخر لِأَن ظَاهر الحَدِيث يدل على أَن أم قيس إِنَّمَا أَتَت بِهِ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل التَّبَرُّك، ولدعائه لَهُ، لِأَن من

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر