«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤٧

الحديث رقم ٢٤٧ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل من بات على الوضوء.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع…

«إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى

⦗٥٩⦘

الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ».

سند حديث: ٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ…

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع…

قال البراء بن عازب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أردت أن تأتي مكان نومك فتوضأ كوضوئك للصلاة، إن كنت على غير وضوء، ثم ارقد على جنبك الأيمن؛ لأنه أنفع للصحة، ولأنه يمنع الاستغراق في النوم، فيسرع الإفاقة ليتهجد أو ليذكر الله تعالى، بخلاف الاضطجاع على الشق الأيسر، ثم قل: (اللهم أسلمت وجهي إليك) أي سلمت ذاتي إليك طائعة لحكمك، فأنا منقاد لك في أوامرك ونواهيك، واستسلمت لما تفعل فلا اعتراض عليك فيه، (وفوضت أمري إليك) ورددت أمري إليك وبرئت من الحول والقوة إلا بك، فاكفني الهم، (وألجأت ظهري إليك) أسندت واعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه، (رغبة ورهبة إليك) طمعًا في ثوابك وخوفًا من عقابك، (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) لا اعتصام بحصن ولا بمخلوق منك إلا إليك، ولا مخلص من الهلاك والشرور إلا إليك، (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت) صدقت بكتابك القرآن الذي أنزلته، (وبنبيك الذي أرسلت) وآمنت بنبيك الذي أرسلت، فإذا مت في تلك الليلة بعد قولك هذا الذكر فأنت على الفطرة وعلى دين الإسلام، واجعل هذه الكلمات آخر ما تتكلم به، قال البراء: فأعدت على النبي صلى الله عليه وسلم الذكر لأحفظه، فلما وصلت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت، وسبب إنكاره عليه الصلاة والسلام لقوله؛ لأن هذا ذكر ودعاء، فينبغي الاقتصار على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، فيتعين أداؤها بحروفها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الدعاء عند النوم مرغوب فيه؛ لأنه قد تقبض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدعاء الذي هو من أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء.
  • ندب الوضوء عند النوم؛ لأنه قد تقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكون أصدق لرؤياه وأبعد عن تلاعب الشيطان به في منامه.
  • من سمع شيئًا من العلوم النافعة فليردده في نفسه؛ ليثبت في حفظه ويرسخ، بخلاف من سمع شيئًا وتركه فكأنه لم يسمعه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَوَهِمَ مَنْ ضَمَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي رَآنِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ صَخْرٍ أَرَانِي فِي الْمَنَامِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الرُّؤْيَا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لِي) قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ جِبْرِيلُ كَمَا سَيَذْكُرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَبِّرْ) أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ فِي السِّنِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (اخْتَصَرَهُ) أَيِ الْمَتْنَ (نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَرِوَايَةُ نُعَيْمٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ وَرَوَيْنَاهَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُعَيْمٍ بِلَفْظِ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِصَارٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَنُّ، فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَقَعَتْ فِي الْيَقَظَةِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ فِي الْيَقَظَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَآهُ فِي النَّوْمِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مُتَقَدِّمٍ، فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ.

وَيَشْهَدُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي الْجُلُوسِ، فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكَ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهَا وَكَبِيرِ فِطْنَتِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَغْسِلْهُ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَفُوتَهَا الِاسْتِشْفَاءُ بِرِيقِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ تَأَدُّبًا وَامْتِثَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَمْرِهَا بِغَسْلِهِ تَطْيِيبَهُ وَتَلْيِينَهُ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.

[الحديث ٢٤٧ - أطرافه في: ٧٤٨٨، ٦٣١٥، ٦٣١٣، ٦٣١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى وُضُوءٍ (١).

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ

الْمُبَارَكِ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأْ) ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ السُّنَّةُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَنْ طُرُقٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثٌ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ) (١) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ آخِرِ وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَصْفٌ زَائِدٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لَيْسَ بِمَعْنَى لَفْظِ النَّبِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصْفَيْنِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ وَصْفُ الرِّسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ، أَوْ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَرَأَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، أَوْ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا مِمَّنْ أُرسِلَ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ كَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُمْ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ الْكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ أَمْدَحُ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلَ بِخِلَافِ لَفْظِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ عُرْفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ لَفْظِ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ مَثَلًا فِي الرِّوَايَةِ، بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَلَوْ أَجَزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِكَوْنِ

الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّا نَقُولُ: الذَّاتُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدَةٌ فَبِأَيِّ وَصْفٍ وَصَفْتَ بِهِ تِلْكَ الذَّاتَ مِنْ أَوْصَافِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا عُلِمَ الْقَصْدُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَبَايَنَتْ مَعَانِي الصِّفَاتِ، كَمَا لَوْ أَبْدَلَ اسْمًا بِكُنْيَةٍ أَوْ كُنْيَةً بِاسْمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي مَثَلًا: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّوْقِيفِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَالِاسْتِطَابَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَحَدِيثُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ،

وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي ادِّخَارِ شَعْرِ النَّبِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ) بالألف واللَّام، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وضوءٍ» (١) بالتنكير.

٢٤٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة -بالزَّايِ- الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) (قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ) أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من باب «منَع يمنَع»، وفي الفرع بكسرها (٢) (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و «الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من (٣) تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ) لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق (٤) القلب، فيسرع الإفاقة (٥) ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ) طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: «أسلمت نفسي» ومعنى «أسلمت»: استسلمت، أي: سلَّمتها لك (٦) إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح، ولذا جاء في روايةٍ: «أسلمت نفسي

إليك، ووجَّهت وجهي إليك» فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما (وَفَوَّضْتُ) من التَّفويض، أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبَرِئْتُ من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه (وَأَلْجَأْتُ) أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) أي: طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (١) بـ «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً» تغليبًا، كقوله:

ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه:

علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد لأنَّه (٢) (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وَتَرْكِهِ في الثَّاني كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة، وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و «منجى» مصدرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك

إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك محمَّد (١) ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن (٢) يعمَّ الكلَّ لإضافته إلى الضَّمير لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال (٣) الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] أوَّل «البقرة» وتعريف الموصول إمَّا للعهد فالمُراد به ناسٌ بأعيانهم، كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس متناولًا من صَمَّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذِف ضمير المفعول، أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ به» بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من آخر ما تتكلَّم (٤) به» ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في «باب الإيمان»، وإن كان هو (٥) كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية، أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ ) لأحفظهنَّ (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ) زاد الأَصيليُّ: «الذي أرسلت» (قَالَ) رسول الله : (لَا) أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك» لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف

النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ كجبريل وغيره من الملائكة لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول» لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل بخلاف لفظ: «النَّبيِّ» فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير (١) عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ، يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة. انتهى. وهو مردودٌ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب (٢)، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل (٣) ألفاظه لأنَّها ينابيع الحِكَم (٤) وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها . انتهى. وقد (٥) تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ نحو: «بلى» «ونعم». انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ «الرَّسول» وعكسه لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات، كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه لأنَّه قد تُقبَض

روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من (١) أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف «كتاب الوضوء» بهذا الحديث من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب (٢).

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١١]، ومسلمٌ في «الدُّعاء»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» (٣)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

((٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الغَسْلِ) هو بفتح الغَيْن أفصح وأشهر من ضمِّها، مصدر «غسل»، وبمعنى: الاغتسال، وبكسرها: اسمٌ لما يُغسَل به من سدرٍ وخطميٍّ ونحوهما، وبالضَّمِّ: اسمٌ للماء الذي يُغتسَل به، وهو بالمعنيين الأوليين لغةً: سيلان الماء على الشَّيء، وشرعًا: سيلانه على جميع البدن، مع تمييز ما للعبادة عن العادة بالنِّيَّة، ووقع في رواية الأكثر: تأخير البسملة عن «كتاب الغسل»، وسقطت من رواية الأَصيليِّ، وعنده: «بابُ» بدل «كتاب» وهو أَوْلى لأنَّ الكتاب يجمع أنواعًا، و «الغسل» نوعٌ واحدٌ من أنواع الطَّهارة وإن كان في نفسه يتعدَّد، ثمَّ إنَّ المؤلِّف افتتح «كتاب الغسل» بآيتَي «النَّساء» و «المائدة»، إشعارًا بأنَّ وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن فقال: (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾) أي: فاغتسلوا، و «الجُنُب»: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والواحد والجمع لأنَّه يجري

مجرى المصدر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخاف معه من (١) استعمال الماء، فإنَّ الواجد له كالفاقد، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: نزلت في مريضٍ من الأنصار لم يكن له خادمٌ، ولم يستطع أن يقوم ويتوضَّأ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلًا كان (٢) أو قصيرًا، لا تجدون به ماءً (٣) (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾) فأحدث، بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض (﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾) أي: ماسستم بشرتهنَّ ببشرتكم، وبه استدلَّ الشَّافعيُّ على أنَّ اللَّمس ينقض الوضوء، وهو (٤) قول ابن مسعودٍ وابن عمر وبعض التَّابعين، وقِيلَ: أو جامعتموهنَّ، وهو قول عليٍّ والثَّابت عن ابن عبَّاسٍ وعن أكثر الصَّحابة والتَّابعين (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) فلم تتمكَّنوا من استعماله إذِ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التَّقسيم أنَّ المترخِّص بالتَّيمُّم إمَّا مُحْدِثٌ أو جُنُبٌ، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرضٌ أو سفرٌ، والجُنُبُ لمَّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمُحْدِث لمَّا لم يجرِ ذكره ذكر أسبابه (٥)، ما يحدث بالذَّات وما يحدث بالعرَضَ، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجُنُب، وبيان حال (٦) العذر مُجمَلًا، وكأنَّه قِيَل: وإن كنتم جنبًا (٧)، مرضى أو على سفر، أو مُحْدِثين جئتم من الغائط أو لامستم النِّساء، فلم تجدوا ماء (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) أي: اقصدوا ترابًا، أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا (﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾) أي: من بعضه؛ ولذا قال أصحابنا: لا بدَّ أن يَعْلَق باليد شيءٌ من التُّراب (﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾) بما فرض من الغسل والوضوء والتَّيمُّم (﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾) ضيقٍ (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾) من الأحداث والذُّنوب،

فإنَّ الوضوء تكفيرٌ لها (١) (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾) ببيان ما هو مَطْهَرَةٌ للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]) نعمتي فأزيدها عليكم.

(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾) اجتنبوها حال السُّكْر، نزلت في جمعٍ من الصَّحابة شربوا الخمر قبل تحريمه (٢) عند ابن عوفٍ، وتقدَّم عليٌّ للإمامة وقرأ: «قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون» رواه التِّرمذيُّ وأبو داود، وقال الضَّحَّاك: عنى به سُكْرَ النَّوم لا سُكْر الخمر (﴿وَلَا جُنُبًا﴾) عطفٌ على ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إذِ الجملة في موضع النَّصب على الحال (﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾) مسافرين حين فَقْدِ الماء، فإنَّه جائزٌ للجنب (٣) حينئذٍ للصَّلاة، أوِ المعنى: لا تقربوا مواضع الصَّلاة في حال السُّكر

ولا في (١) حال الجنابة، إلَّا حال العبور فيها، فجاز المرور لا اللُّبث، وعليه كلام أكثر السَّلف (﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾) من الجنابة (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾) استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]) يسهِّل ولا يعسِّر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في الفرع، وعند ابن عساكر: «﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ (٢): «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ الآية» وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ … ﴾ الاية [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾».

(١) (بابُ) سنَّة (الوُضُوءِ قَبْلَ الغَُسْلِ) -بفتح الغَيْن وضمِّها- على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (فَقيل لي) الْقَائِل لَهُ. جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله: (كبر) أَي؛ قدم الْأَكْبَر فِي السن قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) أَي: البُخَارِيّ قَوْله: (اخْتَصَرَهُ نعيم) أَي: اختصر الْمَتْن نعيم، وَمعنى الِاخْتِصَار هَاهُنَا أَنه ذكر مُحَصل الحَدِيث وَحذف بعض مقدماته، وَرِوَايَة نعيم هَذِه وَصلهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن بكر بن سهل عَنهُ بِلَفْظ (أَمرنِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَن أكبر) وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا حَدثنَا الْحسن بن عِيسَى حَدثنَا ابْن الْمُبَارك أَنبأَنَا أُسَامَة، وَحدثنَا الْحسن حَدثنَا حبَان أَنبأَنَا ابْن الْمُبَارك فَذكره وَفِيه قَالَ: (إِن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَمرنِي أَن أدفَع إِلَى أكبرهم) وَأخرجه أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستن فَأعْطَاهُ أكبر الْقَوْم، ثمَّ قَالَ: إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، أَمرنِي أَن أكبره) فَإِن قلت هَذَا: يَقْتَضِي أَن تكون الْقَضِيَّة وَقعت فِي الْيَقَظَة، وَتلك الرِّوَايَة صَرِيحَة أَنَّهَا كَانَت فِي الْمَنَام فَكيف التَّوْفِيق؟ قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن رِوَايَة الْيَقَظَة لما وَقعت أخْبرهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا رَآهُ فِي النمد فحفط بعض الروَاة مَا لم يحفظ آخَرُونَ، وَمِمَّا يشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثنَا عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستن وَعِنْده رجلَانِ أَحدهمَا أكبر من الآخر فَأوحى إِلَيْهِ فِي فضل السِّوَاك أَن كبر، أعْط السِّوَاك أكبرهما) وَإِسْنَاده صَحِيح.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: تَقْدِيم حق الأكابر من جمَاعَة الْحُضُور وتبديته على من هُوَ أَصْغَر مِنْهُ، وَهُوَ السّنة أَيْضا فِي السَّلَام والتحية وَالشرَاب وَالطّيب وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور، وَفِي هَذَا الْمَعْنى تَقْدِيم ذِي السن بالركوب وَشبهه من الأرقاق. وَفِيه: أَن اسْتِعْمَال سواك الْغَيْر مَكْرُوه إلَاّ أَن السّنة فِيهِ أَن يغسلهُ ثمَّ يَسْتَعْمِلهُ. وَفِيه: مَا يدل على فَضِيلَة السِّوَاك. وَقَالَ الْمُهلب: تَقْدِيم ذِي السن أولى فِي كل شَيْء مَا لم يَتَرَتَّب الْقَوْم فِي الْجُلُوس، فَإِذا ترتبوا فَالسنة تَقْدِيم ذِي الْأَيْمن فالأيمن.

٧٥ - (بابِ فَضْلِ مَنْ بَاتَ علَى الوُضوُءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من بَات على الْوضُوء وَبَات من البيتوتة يُقَال: بَات يبيت، وَبَات، بيات بيتوتة، وَبَات يفعل كَذَا إِذا فعله لَيْلًا كَمَا يُقَال: ظلّ يفعل كَذَا إِذا فعله بِالنَّهَارِ.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على بَيَان اكْتِسَاب فَضِيلَة وَأجر، وَأما إِدْخَاله هَذَا الْبَاب فِي الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة فَظَاهر، لِأَنَّهُ من تعلقات الْوضُوء قَوْله: (على الْوضُوء) بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره (على وضوء) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام.

٢٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عنْ مَنْصُورِ عنْ سَعْدٍ ابنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قَالَ قَالَ لِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَيْتُ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقَكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلَجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَاّ إلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فإنْ مُتِّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ علَى الفِطْرَةِ وَاجْعَلْنِي آخِرَ مَا تَكَلَّمُ بِهِ قَالَ فرددتها على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا بلغت الْفَهم آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت قلت وَرَسُولك قَالَ لَا بنبيك الَّذِي أرْسلت..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة طَاهِرَة.

بَين رجالهوهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل، بِضَم الْمِيم، أَبُو الْحسن الْمروزِي، تقدم فِي بَاب مَا يذكر فِي المناولة. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقيل: يحْتَمل سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا، لِأَن عبد الله يروي عَنْهُمَا، وهما يرويات عَن مَنْصُور، لَكِن الظَّاهِر أَنه الثَّوْريّ لأَنهم قَالُوا: أثبت النَّاس فِي مَنْصُور هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الْخَامِس: سعيد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين، مصغر عَبدة بن حَمْزَة، بالزاي، الْكُوفِي كَانَ يرى رأى الْخَوَارِج ثمَّ تَركه وَهُوَ ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، مَاتَ فِي ولَايَة ابْن هُبَيْرَة على الْكُوفَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة، سعد بن عُبَيْدَة، سواهُ. السَّادِس: الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مر فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.

بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِخْبَار بِصُورَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي، وَخَالف إِبْرَاهِيم بن طهْمَان أَصْحَاب مَنْصُور، فَأدْخل بَين مَنْصُور وَسعد الحكم بن عتيبة وَانْفَرَدَ الْفرْيَابِيّ بِإِدْخَال الْأَعْمَش بَين الثَّوْريّ وَمَنْصُور.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَأخرجه فِي الدَّعْوَات عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الدُّعَاء عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن ابْن الْمثنى وَعَن بنْدَار، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْملك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَعَن عَمْرو بن عَليّ، وَعَن قُتَيْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني.

بَيَان لغاته قَوْله: (إِذا أثبت مضجعك) ، بِفَتْح الْجِيم من، ضجع من بَاب: منع يمْنَع ويروي: مضجعك أَصله مضتجعك، من بَاب الافتعال، لَكِن قتل التَّاء طاء وَالْمعْنَى: إِذا أردْت أَن يَأْتِي مضجعك فَتَوَضَّأ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه} (سُورَة النَّحْل: ٩٨ أَي إِذا أردْت الْقِرَاءَة قَوْله: (وجهت وَجْهي أليك) أَي: استسلمت، كَذَا فسره، وَلَيْسَ بِوَجْه. وَالْأَوْجه أَن يُفَسر: أسلمت ذاتي إِلَيْك منقادة لَك، طالعة لحكمك، لِأَن المُرَاد من الْوَجْه الذَّات. قَوْله: (وفوضت) من التَّفْوِيض وَهُوَ التَّسْلِيم: قَوْله: (والجأت ظَهْري إِلَيْك) أَي: أسندت. يُقَال: لجأت إِلَيْهِ لَجأ بِالتَّحْرِيكِ، وملجأ والتجأت إِلَيْهِ بِمَعْنى: والموضع أَيْضا، لَجأ وملجأ وألجأته إِلَى الشَّيْء اضطررته إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى هُنَا، توكلت عَلَيْك واعتمدتك فِي أَمْرِي كَمَا يعْتَمد الْإِنْسَان بظهره إِلَى مَا يسْندهُ. قَوْله: (رَغْبَة) أَي: طَمَعا فِي ثوابك. قَوْله: (وَرَهْبَة) أَي: خوفًا من عقابك. قَوْله: (لَا ملْجأ) بِالْهَمْزَةِ وَيجوز التَّخْفِيف. قَوْله: (وَلَا منجأ) مَقْصُور من: نجى ينجو، والمنجأ مفعل مِنْهُ، وَيجوز همزَة للإزدواج قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: على دين الْإِسْلَام، وَقد تكون الْفطْرَة بِمَعْنى الْخلقَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا} (سُورَة الرّوم: ٣٠) وَبِمَعْنى السّنة كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خمس من الْفطْرَة) وقا الطيني: أَي: مت على الدّين القويم مِلَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أسلم واستسلم، وَقَالَ: {} أسلمت لرب الْعَالمين (سُورَة الْبَقَرَة: ١٣١) {وجار ربه بقلب سليم} (سُورَة الصافات: ٨٤) .

ذكر مَعَانِيه قَوْله: (فَتَوَضَّأ) وَقد روى الشَّيْخَانِ هَذَا الحَدِيث من طرق عَن الْبَراء بن عَازِب، وَلَيْسَ لَهَا ذكر الْوضُوء، إلَاّ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ قَوْله: (أسلمت وَجْهي إِلَيْك) وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: (أسلمت نَفسِي إِلَيْك) وَالْوَجْه وَالنَّفس هَاهُنَا بِمَعْنى الذَّات، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْوَجْه حَقِيقَة، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقَصْد، فَكَأَنَّهُ يَقُول: قصدتك فِي طلب سلامتي، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قيل: معنى الْوَجْه الْقَصْد وَالْعَمَل الصَّالح، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَة: (اسلمت نَفسِي إِلَيْك ووجهت وَجْهي إِلَيْك) . فَجمع بَينهمَا، فَدلَّ على تغايرهما، وَمعنى: أسلمت: سلمت واستسلمت أَي: سلمتها لَك، إِذْ لَا قدرَة لي وَلَا تَدْبِير بجلب نفع وَلَا دفع ضرّ فَأمرهَا مفوض إِلَيْك تفعل بهَا مَا تُرِيدُ واستسلمت لما تفعل فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْك فِيهِ. قَوْله: (وفوضت أَمْرِي إِلَيْك) أَي: رددت أَمْرِي إِلَيْك، وبرئت من الْحول وَالْقُوَّة إلَاّ بك فَاكْفِنِي همه، وتولني سلاحه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ رَحمَه الله فِي هَذَا النّظم غرائب وعجائب لَا يعرفهَا إلَاّ النقاد من أهل الْبَيَان: قَوْله: (أسلمت نَفسِي) إِشَارَة إِلَى أَن جوارحه منقادة لله تَعَالَى فِي أوامره ونواهيه. وَقَوله: (وجهت وَجْهي) أَي: إِن ذَاته وَحَقِيقَته لَهُ مخلصة بريئة من النِّفَاق وَقَوله: (وفوضت أَمْرِي إِلَيْك) إِشَارَة إِلَى أَن أُمُوره الْخَارِجَة والداخلة مفوضة إِلَيْهِ لَا مُدبر لَهَا غَيره، وَقَوله: (ألجأت أليك) بعد قَوْله: (وفوضت أَمْرِي) إِشَارَة إِلَى أَن تفويضة أُمُوره الَّتِي يفْتَقر إِلَيْهَا وَبهَا معاشه وَعَلَيْهَا مدَار أمره يلتجأ إِلَيْهِ، مِمَّا يضرّهُ ويؤذيه من الْأَسْبَاب الدَّاخِلَة وَالْخَارِج، قَوْله: (آخر مَا تكلم) بِحَذْف إِحْدَى التائين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من آخر مَا تكلم) قَوْله: (فَردَّتهَا) أَي: رددت هَذِه الْكَلِمَات لأحفظن قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: لَا تقبل: وَرَسُولك، بل قل: وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت، وَذكروا فِي هَذَا أوجها مِنْهَا: أَنه أمره أَن يجمع بَين صفتيه وهما: الرَّسُول وَالنَّبِيّ، صَرِيحًا وَإِن كَانَ وصف الرسَالَة يسْتَلْزم وصف النُّبُوَّة. وَمِنْهَا: أَن أَلْفَاظ الْأَذْكَار توقيفية فِي تعْيين اللَّفْظ وَتَقْدِير الثَّوَاب، فَرُبمَا كَانَ فِي اللَّفْظ زِيَادَة تَبْيِين لَيْسَ فِي

الآخر، أَن كَانَ يرادفه فِي الظَّاهِر. وَمِنْهَا: أَنه لَعَلَّه أوحى إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ. فَرَأى أَن يقف عِنْده. وَمِنْهَا: أَن ذكره احْتِرَازًا عَمَّن أرسل من غَيره نبوة، كجبريل وَغَيره من الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم السَّلَام، لأَنهم رسل الْأَنْبِيَاء. وَمِنْهَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون رده دفعا للتكرار، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الأول: (وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت) ، وَمِنْهَا: أَن النَّبِي. فعيل، بِمَعْنى فَاعل من النبأ، وَهُوَ الْخَبَر لِأَنَّهُ أنبأ عَن الله تَعَالَى، أَي: أخبر. وَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من النُّبُوَّة. وَهُوَ الشَّيْء الْمُرْتَفع ورد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْبَراء حِين قَالَ: (وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت) بِمَا رد عَلَيْهِ ليختلف اللفظان، وَيجمع البنائين معنى الِارْتفَاع والإرسال، وَيكون تعديداً للنعمة فِي الْحَالَتَيْنِ، وتعظيماً للمنة على الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ بَعضهم: وَلِأَن لفظ النَّبِي، أمدح من لفظ: الرَّسُول. قلت: هَذَا غير موجه. لِأَن لفظ النَّبِي، كَيفَ يكون أمدح وَهُوَ لَا يسْتَلْزم الرسَالَة بل لفظ الرَّسُول أمدح لِأَنَّهُ يسْتَلْزم النُّبُوَّة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (فَتَوَضَّأ) الْفَاء فِيهِ جَوَاب قَوْله: (رَغْبَة وَرَهْبَة) منصوبان على الْمَفْعُول لَهُ على طَريقَة اللف والنشر، أَي فوضت أموري إِلَيْك رَغْبَة، وألجأت ظَهْري عَن المكاره والشدائد إِلَيْك رهبة مِنْك، لِأَنَّهُ لَا ملْجأ وَلَا منجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك وَيجوز أَن يكون انتصابهما على الْحَال بِمَعْنى: رَاغِبًا وراهباً. قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يكون رَاغِبًا وراهباً فِي حَالَة وَاحِدَة لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ متنافيان؟ قلت: فِيهِ حذل تَقْدِيره رَاغِبًا إِلَيْك، وراهباً مِنْك. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: رَاهِبًا مِنْك، كَيفَ اسْتعْمل بِكَلِمَة إِلَى، والرهبة لَا تسْتَعْمل إلَاّ بِكَلِمَة. من؟ قلت: إِلَيْك مُتَعَلق برغبة، وَأعْطِي للرهبة حكمهَا، وَالْعرب تفعل ذَلِك كثيرا، كَقَوْل بَعضهم.

(وَرَأَيْت بعلك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحاً)

وَالرمْح لَا يتقلد، وكقول الآخر.

علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا

وَالْمَاء لَا يعلف. قَوْله: (لَا ملْجأ وَلَا منجأ) إعرابهما مثل إِعْرَاب عصى، وَفِي التَّرْكِيب خَمْسَة أوجه لِأَنَّهُ مثل: لَا حول وَلَا قُوَّة إلَاّ بِاللَّه، وَالْفرق بَين نَصبه وفتحه بِالتَّنْوِينِ، وَعند التَّنْوِين تسْقط الْألف، ثمَّ إنَّهُمَا كَانَا مصدري يتنازعان فِي مِنْك، وَإِن كَانَا مكانين فَلَا إِذْ اسْم الْمَكَان لَا يعْمل، وَتَقْدِيره، لَا ملْجأ مِنْك إِلَى أحد إلَاّ إِلَيْك، وَلَا منجأ إلَاّ إِلَيْك. قَوْله: (آمَنت بكتابك) أَي: صدقت أَنه كتابك. وَقَوله: (الَّذِي أنزلت) صفته، وَضمير الْمَفْعُول مَحْذُوف، وَالْمرَاد بِالْكتاب الْقُرْآن، وَإِنَّمَا خصص الْكتاب بِالصّفةِ لتنَاوله جَمِيع الْكتب المنزّلة فَإِن قيل أَيْن الْعُمُوم هَهُنَا حَتَّى يَجِيء التخصص قلت الْمُفْرد الْمُضَاف يقيدد الْعُمُوم لِأَن الْمعرفَة. بِالْإِضَافَة كالمعرف بِاللَّامِ يحْتَمل الْجِنْس والاستغراق والعهد، فَلفظ الْكتاب الْمُضَاف هَاهُنَا يحْتَمل لجَمِيع الْكتب ولجنس الْكتب ولبعضها كالقرآن، وَقَالُوا: جَمِيع المعارف كَذَلِك وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: رَحمَه الله تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم} (سُورَة الْبَقَرَة: ٦) فِي أول الْبَقَرَة: يجوز أَن يكون للْعهد، وَأَن يُرَاد بهم نَاس بأعيانهم، كَأبي جهل وَأبي لَهب والوليد بن الْمُغيرَة وأضرابهم، وَأَن يكون للْجِنْس متناولاً مِنْهُم كل من صمم على كفره انْتهى. قلت: التَّحْقِيق أَن الْجمع الْمُعَرّف تَعْرِيف الْجِنْس مَعْنَاهُ جمَاعَة الأحاد، وَهِي أَعم من أَن يكون جَمِيع الْآحَاد أَو بَعْضهَا، فَهُوَ إِذا أطلق احْتمل الْعُمُوم والاستغراق، وَاحْتمل الْخُصُوص، وَالْحمل على وَاحِد مِنْهُمَا يتَوَقَّف على الْقَرِينَة كَمَا فِي الْمُشْتَرك، هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ، وَصَاحب (الْمِفْتَاح) وَمن تبعهما وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّة الْأُصُول.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام. مِنْهَا مَا قَالَه الْخطابِيّ: فِيهِ: حجَّة لمن منع رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَغَيره، وَكَانَ يذهب هَذَا الْمَذْهَب: أَبُو الْعَبَّاس النَّحْوِيّ، وَيَقُول: مَا من لَفظه من الْأَلْفَاظ المتناظرة فِي كَلَامهم إلَاّ وَبَينهَا وَبَين صاحبتها فرق، وَإِن دق ولطف كَقَوْلِه: بلَى وَنعم قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْمُحدثين، وَقد عرف فِي مَوْضِعه، وَلَكِن لَا حجَّة فِي هَذَا للمانعين لِأَنَّهُ يحْتَمل الْأَوْجه الَّتِي ذَكرنَاهَا بِخِلَاف غَيره. وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن بطال: فِيهِ أَن الْوضُوء عِنْد النّوم مَنْدُوب إِلَيْهِ مَرْغُوب فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاء، لِأَنَّهُ قد تقبض روحه فِي نَومه فَيكون قد ختم عمله بِالْوضُوءِ وَالدُّعَاء الَّذِي هُوَ أفضل الْأَعْمَال، ثمَّ إِن هَذَا الْوضُوء مُسْتَحبّ وَإِن كَانَ متوضئاً كَفاهُ ذَلِك الْوضُوء، لِأَن الْمَقْصُود النّوم على طَهَارَة مَخَافَة أَن يَمُوت فِي ليلته، وَيكون أصدق لرؤياه وَأبْعد من تلعب الشَّيْطَان بِهِ فِي مَنَامه.

إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا} (سُورَة النِّسَاء: ٤٣) يدل على فَرضِيَّة الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، فَقَالَ بَعضهم: قدم الْآيَة الَّتِي من سرة الْمَائِدَة على الْآيَة الَّتِي من سُورَة النِّسَاء لدقيقة. وَهِي أَن لَفظه. {فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) الَّتِي فِي الْمَائِدَة فِيهَا إجنال وَلَفظه {} حَتَّى تغتسلوا الَّتِي فِي النِّسَاء فِيهَا تَصْرِيح بالاغتسال، وَبَيَان للتطهر الْمَذْكُور. قلت: لَا إِجْمَال فِي {فاطهروا} لِأَن معنى {فاطهروا} أغسلوا أبدانكم كَمَا ذكرنَا، وتطهر الْبدن هُوَ الِاغْتِسَال فَلَا إِجْمَال لَا لُغَة وَلَا اصْطِلَاحا على مَا لَا يخفى.

١ - (بابُ الوُضوءِ قَبْلَ الغُسْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء قبل أَن يشرع فِي الِاغْتِسَال، هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ أم سنة؟ وَقَالَ بَعضهم: بَاب الْوضُوء قبل الْغسْل، أَي: اسْتِحْبَابه قَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) فرض الله تَعَالَى الْغسْل مُطلقًا لم يذكر فِيهِ شَيْئا يبْدَأ بِهِ قبل شَيْء فكيفما جَاءَ بِهِ المغتسل أَجزَأَهُ إِذا أَتَى بِغسْل جَمِيع بدنه. انْتهى قلت: إِن كَانَ النَّص مُطلقًا وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا يبْدَأ بِهِ فعائشة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذكرت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة قبل غسله فَيكون سنة غير وَاجِب. أما كَونه سنة فلفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما كَونه غير وَاجِب فَلِأَنَّهُ يدْخل فِي الْغسْل، كالحائض إِذا اجنبت يكفيها غسل وَاحِد، وَمِنْهُم من أوجبه إِذا كَانَ مُحدثا قبل الْجَنَابَة. وَقَالَ دَاوُد: يجب الْوضُوء وَالْغسْل فِي الْجَنَابَة الْمُجَرَّدَة بِأَن أَتَى الْغُلَام أَو الْبَهِيمَة أَو لف ذكره بِخرقَة فَأنْزل، وَفِي أحد قولي الشَّافِعِي: يلْزمه الْوضُوء فِي الْجَنَابَة مَعَ الْحَدث، وَفِي قَوْله الآخر: يقْتَصر على الْغسْل لَكِن يلْزم أَن يَنْوِي الْحَدث والجنابة، وَفِي قَول: يَكْفِي نِيَّة الْغسْل، وَمِنْهُم من أوجب الْوضُوء بعد الْغسْل، وَأنْكرهُ عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَعَن عَائِشَة قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَوَضَّأ بعد الْغسْل) رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة.

٢٤٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ إذَا اغْتَسَل مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأ كمَا يَتَوَضأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلِ أَصَابَعَهُ فِي الماءِ فَيُحَلِّلُ بِها أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاث غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الماءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة طَاهِرَة ذكر رِجَاله ولطائف إِسْنَاده فرجا لَهُ خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا فِي كتاب الْوَحْي، وَعبد الله هُوَ التنيسِي، وَأَبُو هِشَام هُوَ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِيه التحديث صِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإحبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع. وَفِيه: التنيسِي والكوفي.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا مثله فِي الطَّهَارَة، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام فَذكره، وَفِي آخِره. (ثمَّ غسل رجلَيْهِ) قَالَ وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن هِشَام وَلَيْسَ فِي حَدِيثهمْ، غسل الرجلَيْن وَعند مُسلم، (فيفرغ بِيَمِينِهِ على مَاله شِمَاله فَيغسل فرجه) وَعند ابْن خُزَيْمَة وَيصب من الْإِنَاء على يَده الْيُمْنَى فيفرغ عَلَيْهَا فيغسلها، ثمَّ يصب على شِمَاله فَيغسل فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، وَنحن نحث على رأْسنا ثَلَاث حثيات أَو قَالَت: ثَلَاثَة غرفات) وَفِي (الْمُوَطَّأ) سُئِلت عَن غسل الْمَرْأَة فَقَالَت لتحفن على رَأسهَا ثَلَاث حفنات، ولتضغث رَأسهَا بِيَدِهَا يَعْنِي تضمه وتجمعه وتعمه بِيَدِهَا لتدخله المَاء وَعند الْبَزَّار (كَانَ يخلل رَأسه مرَّتَيْنِ فِي غسل الْجَنَابَة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث رجل مِمَّن سَأَلَهُ عَنْهَا (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغسل رَأسه الخطمي وَهُوَ جنب يجتزىء بذلك وَلَا يصب عَلَيْهِ المَاء) . وَفِي لفظ: (حَتَّى إِذا رأى أَنه قد أصَاب الْبشرَة) ، أَو أنقى الْبشرَة، أفرغ على رَأسه ثَلَاثًا، وَإِذا فضلت فضلَة صبها عَلَيْهِ) وَعند الطوسي مصححاً. (ثمَّ يشرب شعره المَاء ثمَّ يحثي على رَأسه ثَلَاث حثيات) وَفِي لفظ: (ثمَّ غسل مرافقه وأفاض عَلَيْهِ المَاء فَإِذا أنقاهما أَهْوى إِلَى حَائِط ثمَّ يسْتَقْبل الْوضُوء ثمَّ يفِيض المَاء على رَأسه) ، وَفِي لفظ: (إِن شِئْتُم لأريكم أثر يَده فِي الْحَائِط حَيْثُ كَانَ يغْتَسل من الْجَنَابَة) وَعند ابْن مَاجَه: (كَانَ يفِيض على كفيه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يدخلهَا الْإِنَاء، ثمَّ يغسل رَأسه ثَلَاث مَرَّات، وَأما نَحن فنغسل رؤوسنا خمس مرَارًا من أجل الضفر) .

ذكر لغاته وَإِعْرَابه

ومعانيه قَوْله: (كَانَ إِذا اغْتسل) أَي: كَانَ إِذا الثَّانِي: راد أَن يغْتَسل، وَكلمَة من فِي قَوْله: (من الْجَنَابَة) سبيبة يَعْنِي لأجل الْجَنَابَة فَإِن قلت: لم ذكر فِي ثَلَاث مَوَاضِع وَاضع بِلَفْظ الْمَاضِي وَهِي قَوْله: (بَدَأَ) و (فَغسل) و (ثمَّ تَوَضَّأ) وَذكر الْبَوَاقِي بِلَفْظ الْمُضَارع وَهِي قَوْله: (يدْخل) و (فيخال) و (يصب وَيفِيض) . قلت: النُّكْتَة فِيهِ أَن إِذا كَانَت شَرْطِيَّة الْمَاضِي بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل، وَالْكل مُسْتَقْبل معنى، وَأما الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ فللإشعار بِالْفرقِ بِمَا هُوَ خَارج من الْغسْل وَمَا لَيْسَ كذكل، وَإِن كَانَتَا ظرفية فَمَا جَاءَ مَاضِيا فَهُوَ على أَصله، وَعدل عَن الأَصْل إِلَى الْمُضَارع لاستحضار صورته للسامعين. قَوْله: (بَدَأَ فَغسل يَدَيْهِ) هَذَا الْغسْل يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن يكون لأجل التَّنْظِيف مِمَّا بِهِ يكره. الثَّانِي: أَن يكون هُوَ الْغسْل الْمَشْرُوع عِنْد الْقيام من النّوم، وَيشْهد لَهُ مَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام. (قبل أَن يدخلهما فِي الْإِنَاء) . قَوْله: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) احْتَرز بِهِ عَن الْوضُوء اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ غسل الْيَدَيْنِ فَقَط. فَإِن قلت: روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يمسح رَأسه فِي هَذَا الْوضُوء، وَهُوَ خلاف مَا فِي الحَدِيث. قلت: الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب أَنه يمسحها، نَص عَلَيْهِ فِي (الْمَبْسُوط) لِأَنَّهُ أتم للْغسْل. قَوْله: (فيخلل بهَا) أَي بأصابعه الَّتِي أدخلها فِي المَاء قَوْله: (أصُول الشّعْر) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أصُول شعره، أَي شعر رَأسه، وتدل عَلَيْهِ رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام: (يحلل بهَا شقّ رَأسه الْأَيْمن فَيتبع بهَا أصُول الشّعْر، ثمَّ يفعل بشق رَأسه الْأَيْسَر) كَذَلِك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قَوْله: (ثَلَاث غرف) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة، جمع غرفَة بِالضَّمِّ أَيْضا، وَهِي قدر مَا يغْرف من المَاء بالكف، وَفِي بعض النّسخ: غرفات وَالْأول رِوَايَة الْكشميهني، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح لِأَن مُمَيّز الثَّلَاثَة يَنْبَغِي أَن يكون من جموع الْقلَّة، وَلَكِن وَجه ذكر: الغرف، أَن جمع الْكَثْرَة يقوم مقَام جمع الْقلَّة وَبِالْعَكْسِ، وَعند الْكُوفِيّين. فعل: بِضَم الْفَاء وَكسرهَا من بَاب جموع الْقلَّة: لقَوْله تَعَالَى: {فَأتوا بِعشر سور} (سُورَة هود: ١٣) وَقَوله تَعَالَى: {وَثَمَانِية حجج} (سُورَة الْقَصَص: ٢٧) قَوْله: (ثمَّ يفِيض) أَي: يسيل من الْإِفَاضَة وَهِي الإسالة. قَوْله: (على جلده كُله) هَذَا التَّأْكِيد بِلَفْظ، الْكل، يدل على أَنه عمم جَمِيع جسده بِالْغسْلِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن قَوْله (كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يدل على الْمُلَازمَة والتكرار فَدلَّ ذَلِك على اسْتِحْبَاب غسل يَدَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي الْوضُوء، وَالْغسْل إِلَّا إِذا كَانَ عَلَيْهَا شَيْء مِمَّا يجب إِزَالَته فَحِينَئِذٍ يكون وَاجِبا. وَمِنْهَا: أَن تَقْدِيم الْوضُوء قبل الْغسْل سنة، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب. وَمِنْهَا: أَن ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) يدل على أَنه لَا يؤخلا غسل رجلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَح من قَول لشافعي. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يُؤَخر عملا بِظَاهِر حَدِيث ميمونه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَله قَول ثَالِث: إِن كَانَ الْموضع نظيفاً فَلَا يُؤَخر، وَإِن كَانَ وسخاً أَو المَاء قَلِيلا أخر جمعا بَين الْأَحَادِيث، وَعند أَصْحَابنَا إِن كَانَ فِي مستنقع المَاء يُؤَخر وإلَاّ فَلَا وَهُوَ مَذْهَب مَالك أَيْضا. وَمِنْهَا: التَّخْلِيل فِي شعر الرَّأْس واللحية لظَاهِر قَوْله: (فيخلل أصُول الشّعْر) وَهُوَ وَاجِب عِنْد أَصْحَابنَا، وَسنة فِي الْوضُوء، وَعند الشَّافِعِيَّة وَاجِب فِي قَول: وَسنة فِي قَول. وَقيل: وَاجِب فِي الرَّأْس وَفِي اللِّحْيَة قَولَانِ للماليكة، فروى ابْن الْقَاسِم عدم الْوُجُوب، وروى أَشهب الْوُجُوب، وَنقل ابْن بطال فِي بَاب: تَخْلِيل الشّعْر، الْإِجْمَاع على تَخْلِيل شعر الرَّأْس، وقاسوا اللِّحْيَة عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: أَنه يصب على رَأسه ثَلَاث غرف بيدَيْهِ كَمَا هُوَ فِي الحَدِيث، وَعَن الشَّافِعِيَّة اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي الرَّأْس، وَبَاقِي الْجَسَد مثله. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ والقرطبي من الماليكة: لَا يسْتَحبّ التَّثْلِيث فِي الْغسْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يفهم من هَذِه الثَّلَاث أَنه غسل رَأسه ثَلَاث مَرَّات، لِأَن التّكْرَار فِي الْغسْل غير مَشْرُوع لما فِي ذَلِك من الْمَشَقَّة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك الْعدَد لِأَنَّهُ بَدَأَ بِجَانِب رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ على وسط رَأسه، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نحوالحلاب، فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أَخذ بكفيه، فَقَالَ بهما على رَأسه) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: أَن قَوْلهَا (ثمَّ يفِيض المَاء على جلده كُله) لَا يفهم مِنْهُ الدَّلْك، وَهُوَ مُسْتَحبّ عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَعند أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَخَالف مَالك والمزني فذهبا إِلَى وُجُوبه بِالْقِيَاسِ على الوضو، وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا لَازم. قلت: لَيْسَ بِلَازِم، إِذْ لَا نسلم وجوب الدَّلْك فِي الْوضُوء وَمِنْهَا جَوَاز إِدْخَال الْأَصَابِع فِي المَاء.

٢٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ عنْ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ تَوَضِّأَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُضُوءَ بِلصَّلاةِ غَيْرَ رَجْلَيهِ وَغَسَلَ فَرْجِهُ وَما أَصَابهُ مِنَ الأَذَى ثُمَّ أَفَاضَ

عَلَيْهِ الماءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغسلَهُمَا هَذِهِ غُسْلَهُ مِنَ الجَنابَة..

هَذَا الثَّانِي من حَدِيثي التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: مُحَمَّد بن يُوسُف اليكندي، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَسليمَان الْأَعْمَش ابْن مهْرَان، تقدمُوا مرَارًا، وَسَالم بن أبي الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة. مر فِي بَاب التَّسْمِيَة. وَالْخَامِس: كريب، بِضَم الْكَاف، تقدم فِي بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء. وَالسَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. وَالسَّابِع: ميمونه بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَالَة ابْن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع: وَفِيه: سُفْيَان غير مَنْسُوب، قَالَت جمَاعَة من الشُّرَّاح وَغَيرهم: إِنَّه سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي كِتَابه (الْأَطْرَاف) حَدِيث فِي غسل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْجَنَابَة مِنْهُم من طوله، وَمِنْهُم من اختسره، ثمَّ وضع صُورَة (خَ) بالأحمر بِمَعْنى: أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَعَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَهَذَا دلّ على أَن سُفْيَان فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الَّذِي هَاهُنَا هُوَ الثَّوْريّ، وَأما ابْن عُيَيْنَة فروايته عَن عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك، وَلم يُمَيّز الْكرْمَانِي ذَلِك فخلط. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَمُحَمّد بن مَحْبُوب، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَاحِد، وَعَن مُوسَى عَن أبي عوَانَة، وَعَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه، وَعَن يُوسُف بن عِيسَى عَن الْفضل بن مُوسَى، وَعَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة، سبعتهم عَن الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَمن لطائف هَذَا الْإِسْنَاد أَن فِيهِ: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على التَّابِعِيّ عَن الْوَلَاء وَفِيه: صحابيان.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر الْآن أَن البُخَارِيّ أخرجه فِي مَوَاضِع عشرَة أَو نَحْوهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأبي سعيد الْأَشَج، خمستهم عَن وَكِيع، وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس، وَعَن عَليّ بن حجر، وَعَن عِيسَى بن يُونُس، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُوسَى القارىء عَن زَائِدَة، خمستهم عَن الْأَعْمَش بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن هناد عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن يُوسُف بن عِيسَى بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَعَن قُتَيْبَة عَن عُبَيْدَة بن حميد، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَأبي بكر بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِقصَّة، نفض المَاء وَترك التنشيف.

ذكر بَيَان مَا فِيهِ لم يذكر فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (غير رجلَيْهِ) فِيهِ التَّصْرِيح بِتَأْخِير الرجلَيْن فِي وضوء الْغسْل، وَبِه احْتج أَصْحَابنَا، على أَن المغتسل إِذا تَوَضَّأ أَو لَا يُؤَخر رجلَيْهِ، وَلَكِن أَكثر أَصْحَابنَا حملوه على أَنَّهُمَا إِن كَانَت فِي مُجْتَمع المَاء تَوَضَّأ ويؤخرهما وَإِن لم تَكُونَا فِيهِ لَا يؤخرهما، وكل مَا جَاءَ من الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا تَأْخِير الرجلَيْن صَرِيحًا مَحْمُول على مَا قُلْنَا: وَهَذَا هُوَ التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات الَّتِي فِي بَعْضهَا تَأْخِير الرجلَيْن صَرِيحًا لَا مثل مَا قَالَه بَعضهم، وَيُمكن الْجمع بِأَن تحمل رِوَايَة عَائِشَة على الْمجَاز وَأما على حَالَة أُخْرَى. قلت: هَذَا خطأ لِأَن الْمجَاز إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة وَمَا الدَّاعِي لَهَا فِي رِوَايَة عَائِشَة حَتَّى يحمل كَلَامهَا على الْمجَاز؟ وَمَا الصَّوَاب الَّذِي يرجع إِلَيْهِ إلَاّ مَا قُلْنَا: وَقَالَ الْكرْمَانِي: غير رجلَيْهِ. فَإِن قلت: بالتوفيق بَينه وَبَين رِوَايَة عَائِشَة؟ قلت: زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُول فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، فرواية عَائِشَة مَحْمُولَة على أَن المُرَاد بِوضُوء الصَّلَاة أَكْثَره، وَهُوَ مَا سوى الرجلَيْن. قلت: قد ذكرنَا الْآن مَا يرد مَا ذكره، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يُقَال: إنَّهُمَا كَانَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا. قلت: هَذَا فِي الْحَقِيقَة حَاصِل مَا ذكرنَا عَن قريب عِنْد قَوْلنَا: لَكِن أَكثر أَصْحَابنَا إِلَخ. قَوْله: (وَغسل فرجه) أَي: ذكره فَدلَّ هَذَا على صِحَة إِطْلَاق الْفرج على الذّكر. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: غسل الْفرج مقدم على التوضىء فَلم آخِره؟ قلت: لَا يجب التَّقْدِيم إِذْ الْوَاو، لَيْسَ للتَّرْتِيب، أَو أَنه للْحَال انْتهى. قلت: كَيفَ يَقُول: لَا يجب التَّقْدِيم وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَقَوله إِذْ الْوَاو وَلَيْسَ للتَّرْتِيب، حجَّة عَلَيْهِ لأَنهم يدعونَ أَن الْوَاو فِي الأَصْل للتَّرْتِيب، وَلم يقل بِهِ أحد مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ؟ وَقَوله: أَو أَنه للْحَال، غير سديد وَلَا موجه، ونه كَيفَ يتَوَضَّأ فِي حَالَة غسل فرجه؟ وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، لِأَن غسل الْفرج كَانَ قبل الْوضُوء إِذْ الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب انْتهى. قلت:

هَذَا تعسف وَهُوَ أَيْضا حجَّة عَلَيْهِ، مَعَ أَن مَا ذكره خلاف الأَصْل، وَالصَّوَاب أَن الْوَاو للْجمع فِي أصل الْوَضع، وَالْمعْنَى: أَنه جمع بَين الْوضُوء وَغسل الْفرج، وَهُوَ، وَإِن كَانَ لَا يَقْتَضِي تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر على التَّعْيِين، فقد بَين ذَلِك فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ، فَذكر أَولا غسل الْيَدَيْنِ ثمَّ غسل الْفرج ثمَّ مسح يَده على الْحَائِط ثمَّ الْوضُوء غير رجلَيْهِ وَذكره ب ثمَّ، الدَّالَّة على التَّرْتِيب فِي جَمِيع ذَلِك، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا قَوْله: (وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى) أَي: المستقذر الطَّاهِر، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى) لَيْسَ بِظَاهِر فِي النَّجَاسَة. قلت: هَذَا مُكَابَرَة فِيمَا قَالَه. قَوْله: (هَذَا غسله) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَهِي على الأَصْل، وَعند غَيره (هَذِه غسله) بالتأنيث، فَيكون إشار إِلَى الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة أَي: الْأَفْعَال الْمَذْكُور صفة غسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَم الْغَيْن.

وَمِمَّا لم يذكر فِي حَدِيث عَائِشَة، وَذكر فِي حَدِيث مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الزِّيَادَة: تَأْخِير الرجلَيْن إِلَى الْفَرَاغ من الِاغْتِسَال، وَقد ذكرنَا عَن قريب. وَفِيه: التَّعَرُّض لغسل الْفرج. وَفِيه: غسل مَا أَصَابَهُ من الْأَذَى وَمِمَّا ذكره البُخَارِيّ من حَدِيث مَيْمُونَة على مَا يَأْتِي: (ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ الأَرْض فدلكها دلكا شَدِيدا، ثمَّ تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ أفرغ على رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كَفه) وَفِي آخِره: (ثمَّ أَتَى بالمنديل فَرده) ، وَفِي رِوَايَة (وَجعل يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا ينْقضه) . وَفِي لفظ. (ثمَّ غسر فرجه ثمَّ مَال بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فمسحها بِالتُّرَابِ ثمَّ غسلهَا) وَفِي لفظ (وضعت لَهُ غسلا فَسترته بِثَوْب) وَفِي لفظ: (فأكفا بِيَمِينِهِ على شِمَاله مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) وَفِي لفظ: (ثمَّ أفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله فَغسل مذاكيره) وَفِيه (ثمَّ غسل رَأسه ثَلَاثًا) وَفِي لفظ: (فَلَمَّا فرغ من غسل غسل رجلَيْهِ) ، وَفِي لفظ: (فَغسل كفيه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) وَعند مُسلم: (فَغسل فرجه وَمَا أَصَابَهُ ثمَّ مسخ يَده بِالْحَائِطِ أَو الأَرْض) ، وَفِي (صَحِيح) الإسماعيل: (مسح يَده بالجدار، وَحين قضى غسله غسل رجلَيْهِ) وَفِي لفظ: (فَلَمَّا أفرغ من غسل فرجه ذَلِك يَده بِالْحَائِطِ ثمَّ غسلهَا، فَلَمَّا فرغ من غسلهَا غسل قَدَمَيْهِ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَقد بَين زَائِدَة أَن قَوْله: (من الْجَنَابَة) ، لَيْسَ من قَول مَيْمُونَة وَلَا ابْن عَبَّاس، إِنَّمَا هُوَ عَن سَالم، وَعند ابْن خُزَيْمَة (ثمَّ أفرغ على رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كفيه، فَأتى بمنديل فَأبى أَن يقبله) وَعند أبي عَليّ الطوسي فِي كتاب (الْأَحْكَام) مصححاً (فأنيته بِثَوْب فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا) وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ غسل سَائِر جسده قبل كفيه) وَعند أبي مُحَمَّد الدَّارمِيّ: (فأعطيته ملحفة فَأبى) قَالَ أَبُو مُحَمَّد: هَذَا أحب إِلَيّ من حَدِيث عَائِشَة. وَعند ابْن مَاجَه: (فأكفا الْإِنَاء بِشمَالِهِ على يَمِينه فَغسل كفيه ثَلَاثًا، ثمَّ أَفَاضَ على فرجه ثمَّ دلك يَده بِالْأَرْضِ ثمَّ تمضمض واستنشق وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا، ثمَّ أَفَاضَ على سَائِر جسده، ثمَّ انتحى فَغسل رجلَيْهِ) .

وَفِي هَذِه الرِّوَايَات. إستحباب الإفراغ بِالْيَمِينِ على الشمَال للمغترف من المَاء. وفيهَا: مَشْرُوعِيَّة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي غسل الْجَنَابَة. وَقَالَ بَعضهم: وَتمسك الْحَنَفِيَّة لِلْقَوْلِ: بوجوبهما، وَتعقب بِأَن الْفِعْل الْمُجَرّد لَا يدل على الْوُجُوب إلَاّ إِذا كَانَ بَيَانا لمجمل تعلق بِهِ الْوُجُوب، وَلَيْسَ الْأَمر هُنَا كَذَلِك. قلت: لَيْسَ الْأَمر هُنَا كَذَلِك لأَنهم أَنما أوجبوهما فِي الْغسْل بِالنَّصِّ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) أَي: طهروا أبدانكم، وَهَذَا يَشْمَل الْأنف والفم، وَقد حققناه فِيمَا مضى. وفيهَا: اسْتِحْبَاب مسح الْيَد بِالتُّرَابِ فِي الْحَائِط وَفِي الأَرْض، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد من اسْتدلَّ بِهِ على نجاس الْمَنِيّ أَو على نَجَاسَة رُطُوبَة الْفرج. قلت: هَذَا الْقَائِل هُوَ الَّذِي أبعده، لِأَن من اسْتدلَّ بِنَجَاسَة الْمَنِيّ أَو على نَجَاسَة رُطُوبَة الْفرج مَا اكْتفى بِهَذَا فِي احتجاجه، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مستقصى. وفيهَا: اسْتِحْبَاب التستر فِي الْغسْل وَلَو كَانَ فِي الْبَيْت. وفيهَا: جَوَاز الِاسْتِعَانَة بإحضار مَاء الْغسْل أَو الْوضُوء. وفيهَا: خدمَة الزَّوْجَات للأزواج. وفيهَا: الصب بِالْيَمِينِ على الشمَال. وفيهَا: كَرَاهَة التنشيف بالمنديل وَنَحْوه.

وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ على خَمْسَة أوجه أشهرها: أَن الْمُسْتَحبّ تَركه، وَقيل: مَكْرُوه وَقيل مُبَاح وَقيل مُسْتَحبّ وَقيل مَكْرُوه فِي الصَّيف مُبَاح فِي الشتَاء، وَيُقَال لَا حجَّة فِي الحَدِيث لكَرَاهَة التنشيف لاحْتِمَال أَن إباءه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَخذ مَا يتنشف بِهِ لأمر آخر يتَعَلَّق بالخرقة، أَو لكَونه كَانَ مستعجلاً أَو غير ذَلِك. وَقَالَ الْمُهلب: يحْتَمل تَركه الثوبة لإبقاء تَركه بَلل المَاء أَو للتواضع أَو لشَيْء رَآهُ فِي الثَّوْب من حَرِير أَو وسخ وَقد وَقع عِنْد أَحْمد والإسماعيلي من رِوَايَة أبي عوَانَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن الْأَعْمَش، قَالَ فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَقَالَ: لَا بَأْس بالمنديل وَإِنَّمَا رده مَخَافَة أَن يصير عَادَة وَقَالَ التَّيْمِيّ فِي شَرحه لهَذَا الحَدِيث فِيهِ دَلِيل على أَنه كَانَ يتنشف، وَلَوْلَا ذَلِك لم يَأْته بالمنديل. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد، نفضه المَاء بِيَدِهِ يدل على أَن لَا كَرَاهَة فِي التنشيف، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا إِزَالَة قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على ذَلِك، لِأَن التنشيف من عَادَة المتكبرين ورده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّوْب لأجل التَّوَاضُع مُخَالفَة لَهُم.

وَقد ورد أَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَرَانِي) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَوَهِمَ مَنْ ضَمَّهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي رَآنِي بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ صَخْرٍ أَرَانِي فِي الْمَنَامِ وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنَ الرُّؤْيَا.

قَوْلُهُ: (فَقِيلَ لِي) قَائِلُ ذَلِكَ لَهُ جِبْرِيلُ كَمَا سَيَذْكُرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

قَوْلُهُ: (كَبِّرْ) أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ فِي السِّنِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ الْبُخَارِيُّ (اخْتَصَرَهُ) أَيِ الْمَتْنَ (نُعَيْمٌ) هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ، وَأُسَامَةُ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَرِوَايَةُ نُعَيْمٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ عَنْهُ بِلَفْظِ أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ وَرَوَيْنَاهَا فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُعَيْمٍ بِلَفْظِ أَنْ أُقَدِّمَ الْأَكَابِرَ، وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ بِغَيْرِ اخْتِصَارٍ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمْ بِلَفْظِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَنُّ، فَأَعْطَاهُ أَكْبَرَ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُكَبِّرَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَقَعَتْ فِي الْيَقَظَةِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِوَايَةِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ فِي الْيَقَظَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا رَآهُ فِي النَّوْمِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِذَلِكَ بِوَحْيٍ مُتَقَدِّمٍ، فَحَفِظَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ بَعْضٌ.

وَيَشْهَدُ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِ السِّوَاكَ الْأَكْبَرَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: هَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي الْجُلُوسِ، فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِيهِ فِي الْأَشْرِبَةِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكَ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ثُمَّ أَغْسِلُهُ ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهَا وَكَبِيرِ فِطْنَتِهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تَغْسِلْهُ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَفُوتَهَا الِاسْتِشْفَاءُ بِرِيقِهِ ثُمَّ غَسَلَتْهُ تَأَدُّبًا وَامْتِثَالًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَمْرِهَا بِغَسْلِهِ تَطْيِيبَهُ وَتَلْيِينَهُ بِالْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٧٥ - بَاب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ

٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.

[الحديث ٢٤٧ - أطرافه في: ٧٤٨٨، ٦٣١٥، ٦٣١٣، ٦٣١١]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى وُضُوءٍ (١).

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ

الْمُبَارَكِ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (فَتَوَضَّأْ) ظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَلَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَنْ كَانَ مُحْدِثًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ السُّنَّةُ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَنْ طُرُقٍ عَنِ الْبَرَاءِ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوُضُوءِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدِيثٌ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ) (١) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ آخِرِ وَهِيَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُنَّ شَيْئًا مِمَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَ النَّوْمِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ لَا وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ وَصْفٌ زَائِدٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَ الرَّسُولِ لَيْسَ بِمَعْنَى لَفْظِ النَّبِيِّ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ إِذَا اخْتَلَفَ الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصْفَيْنِ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ وَصْفُ الرِّسَالَةِ يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ النُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَذْكَارِ تَوْقِيفِيَّةٌ فِي تَعْيِينِ اللَّفْظِ وَتَقْدِيرِ الثَّوَابِ، فَرُبَّمَا كَانَ فِي اللَّفْظِ سِرٌّ لَيْسَ فِي الْآخَرِ وَلَوْ كَانَ يُرَادِفُهُ فِي الظَّاهِرِ، أَوْ لَعَلَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَرَأَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، أَوْ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا مِمَّنْ أُرسِلَ مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ كَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ; لِأَنَّهُمْ رُسُلٌ لَا أَنْبِيَاءُ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ تَخْلِيصَ الْكَلَامِ مِنَ اللَّبْسِ، أَوْ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ أَمْدَحُ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى كُلِّ مَنْ أُرْسِلَ بِخِلَافِ لَفْظِ النَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ فِيهِ عُرْفًا، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُ لَفْظِ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ مَثَلًا فِي الرِّوَايَةِ، بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَلَوْ أَجَزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَكَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِكَوْنِ

الْأَوَّلِ أَخَصَّ مِنَ الثَّانِي ; لِأَنَّا نَقُولُ: الذَّاتُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ وَاحِدَةٌ فَبِأَيِّ وَصْفٍ وَصَفْتَ بِهِ تِلْكَ الذَّاتَ مِنْ أَوْصَافِهَا اللَّائِقَةِ بِهَا عُلِمَ الْقَصْدُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَلَوْ تَبَايَنَتْ مَعَانِي الصِّفَاتِ، كَمَا لَوْ أَبْدَلَ اسْمًا بِكُنْيَةٍ أَوْ كُنْيَةً بِاسْمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي مَثَلًا: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ أَوْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا مِنْ إِرَادَةِ التَّوْقِيفِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): النُّكْتَةُ فِي خَتْمِ الْبُخَارِيِّ كِتَابَ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ آخِرُ وُضُوءٍ أُمِرَ بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الْيَقَظَةِ، وَلِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِخَتْمِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ الْهَادِي لِلصَّوَابِ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ وَالِاسْتِطَابَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا بِلَفْظِ الْمُتَابَعَةِ وَصِيغَةِ التَّعْلِيقِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، فَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُعَلَّقَةُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَحَدِيثُهُ: تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ابْغِنِي أَحْجَارًا، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْحَجَرَيْنِ وَالرَّوْثَةِ،

وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي ادِّخَارِ شَعْرِ النَّبِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي سَقَى الْكَلْبَ وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ، وَحَدِيثُ سَعْدٍ، وَعُمَرَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ فِيهِ، وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الْمَضْمَضَةِ مِنَ السَّوِيقِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: إِذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُتِمَّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ فِي فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْبُزَاقِ فِي الثَّوْبِ، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَثَرًا الْمَوْصُولُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٧٥) (بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ) بالألف واللَّام، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «وضوءٍ» (١) بالتنكير.

٢٤٧ - وبه قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ) بضمِّ الميم، المروزيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: «حدَّثنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المُبَارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) الثَّوريُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، وقِيلَ: سفيان هو ابن عُيَيْنَةَ لأنَّ ابن المُبَارك يروي عنهما وهما عن منصورٍ، لكنَّ الثَّوريَّ أثبتُ النَّاس في منصورٍ، فترجح إرادته (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بضمِّ العين في الثَّاني، وسكونها في الأوَّل، أبي حمزة -بالزَّايِ- الكوفيِّ، المُتوفَّى في ولاية ابن هُبيرةَ على الكوفة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) (قَالَ: قَالَ ليَ النَّبِيُّ : إِذَا أَتَيْتَ) أي: إذا أردت أن تأتيَ (مَضْجَعَكَ) بفتح الجيم من باب «منَع يمنَع»، وفي الفرع بكسرها (٢) (فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ) أي: إن كنت على غير وضوءٍ، و «الفاء»: جواب الشَّرط، وإنَّما نُدِبَ الوضوء عند النَّوم لأنَّه قد تُقبَض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكونَ أصدقَ لرؤياه وأبعد من (٣) تلاعب الشَّيطان به في منامه، وليس ذكر الوضوء في هذا الحديث عند الشَّيخين إلَّا في هذه الرِّواية (ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ) لأنَّه يمنع الاستغراق في النَّوم لقلق (٤) القلب، فيسرع الإفاقة (٥) ليتهجَّد أو ليذكر الله تعالى؛ بخلاف الاضطجاع على الشِّقِّ الأيسر (ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي): ذاتي (إِلَيْكَ) طائعةً لحكمك، فأنا مُنقادٌ لك في أوامرك ونواهيك، وفي روايةٍ: «أسلمت نفسي» ومعنى «أسلمت»: استسلمت، أي: سلَّمتها لك (٦) إذ لا قدرةَ لي ولا تدبيرَ على جلب نفعٍ ولا دفعِ ضرٍّ، فأمرُها مُفوَّضٌ إليك تفعل بها ما تريد، واستسلمت لِمَا تفعل فلا اعتراض عليك فيه، ومعنى «الوجه»: القصد والعمل الصالح، ولذا جاء في روايةٍ: «أسلمت نفسي

إليك، ووجَّهت وجهي إليك» فجمع بينهما، فدلَّ على تغايرهما (وَفَوَّضْتُ) من التَّفويض، أي: رددت (أَمْرِي إِلَيْكَ) وبَرِئْتُ من الحول والقوَّة إلَّا بك، فاكفني همَّه (وَأَلْجَأْتُ) أي: أسندتُ (ظَهْرِي إِلَيْكَ) أي: اعتمدت عليك كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده إليه (رَغْبَةً) أي: طمعًا في ثوابك (وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ (١) بـ «رغبةً» «ورهبةً» وإن تعدَّى الثَّاني بـ «من»، لكنَّه أُجرِي مجرى «رغبةً» تغليبًا، كقوله:

ورأيتُ بَعْلَكِ في الوغى … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورمحًا

والرُّمح لا يُتقلَّد، ونحوه:

علفتها تبنًا وماءً باردا

أي: خوفًا من عقابك، وهما منصوبان على المفعول له على طريق اللَّفِّ والنَّشر، أي: فوَّضت أمري إليك رغبةً، وألجأت ظهري إليك رهبةً من المكاره والشَّدائد لأنَّه (٢) (لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ) بالهمزة في الأوَّل، وربما خُفِّف، وَتَرْكِهِ في الثَّاني كعصًا، ويجوز هنا تنوينه إن قدِّر منصوبًا لأنَّ هذا التَّركيب مثل: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، فتجري فيه الأوجه الخمسة المشهورة، وهي: فتح الأوَّل والثَّاني، وفتح الأوَّل ونصب الثَّاني، وفتح الأوَّل ورفع الثَّاني، ورفع الأوَّل وفتح الثَّاني، ورفع الأوَّل والثَّاني، ومعَ التَّنوين تسقط الألف، وقوله: «منك» إن قدِّر «ملجأ» و «منجى» مصدرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مكانين فلا، والتَّقدير: لا ملجأَ منك

إلى أحدٍ إلَّا إليك، ولا منجى إلَّا إليك (اللَّهُمَّ آمَنْتُ) أي: صدَّقت (بِكِتَابِكَ) القرآن (الَّذِي أَنْزَلْتَ) أي: أنزلته على رسولك محمَّد (١) ، والإيمان بالقرآن يتضمَّن الإيمان بجميع كتب الله المُنزَّلة، ويحتمل أن (٢) يعمَّ الكلَّ لإضافته إلى الضَّمير لأنَّ المُعرَّف بالإضافة كالمُعرَّف باللَّام في احتمال (٣) الجنس والاستغراق والعهد، بل جميع المعارف كذلك، قال البيضاويُّ كالزَّمخشريِّ في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] أوَّل «البقرة» وتعريف الموصول إمَّا للعهد فالمُراد به ناسٌ بأعيانهم، كأبي لهبٍ وأبي جهلٍ والوليد بن المغيرة وأحبار اليهود، أو الجنس متناولًا من صَمَّم على الكفر وغيرهم، فخصَّ منهم غير المُصِرِّين بما أُسنِد إليه (وَ) آمنت (بِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) بحذِف ضمير المفعول، أي: أرسلته (فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ) الإسلاميَّة، أو الدِّين القويم، ملَّة إبراهيم (وَاجْعَلْهُنَّ) أي: هذه الكلمات (آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ) ولابن عساكر: «ما تَكَلَّمُ به» بحذف إحدى التَّاءين، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من آخر ما تتكلَّم (٤) به» ولا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا ممَّا شُرِعَ مِنَ الذِّكر عند النَّوم، والفقهاء لا يعدُّون الذِّكر كلامًا في «باب الإيمان»، وإن كان هو (٥) كلامًا في اللُّغة.

(قَالَ) البَرَاءُ: (فَرَدَّدْتُهَا) بتشديد الأولى وتسكين الثَّانية، أي: الكلمات (عَلَى النَّبِيِّ ) لأحفظهنَّ (فَلَمَّا بَلَغْتُ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ قُلْتُ: وَرَسُولِكَ) زاد الأَصيليُّ: «الذي أرسلت» (قَالَ) رسول الله : (لَا) أي: لا تقل: «ورسولك»، بل قل: (وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) وجه المنع؛ لأنَّه لو قال: «ورسولك» لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، فلمَّا كان نبيًّا قبل أن يُرسَل صرَّح بالنُّبوَّة للجمع بينها وبين الرِّسالة، وإن كان وصف الرِّسالة مستلزمًا وصف

النُّبوَّة، مع ما فيه من تعديد النِّعم وتعظيم المنَّة في الحالين، أو احتُرِز به ممَّن أُرسِل من غير نُبوَّةٍ كجبريل وغيره من الملائكة لأنَّهم رسلٌ لا أنبياء، فلعلَّه أراد تخليص الكلام من اللَّبس، أو لأنَّ لفظ: «النَّبيِّ» أمدحُ من لفظ «الرَّسول» لأنَّه مشتركٌ في الإطلاق على كلِّ من أُرسِل بخلاف لفظ: «النَّبيِّ» فإنَّه لا اشتراك فيه عرفًا، وعلى هذا: فقول من قال: كلُّ رسولٍ نبيٌّ من غير (١) عكسٍ، لا يصِحُّ إطلاقه، قاله الحافظ ابن حجرٍ، يعني: فيُقيَّد بالرَّسول البشريِّ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون أمدحَ وهو لا يستلزم الرِّسالة؟! بل لفظ «الرَّسول» أمدحُ لأنَّه يستلزم النُّبوَّة. انتهى. وهو مردودٌ فإنَّ المعنى يختلف، فإنَّه لا يلزم من الرِّسالة النُّبوَّة ولا عكسه، ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى، وهنا كذلك، أو أنَّ الأذكار توقيفيَّةٌ في تعيين اللَّفظ وتقدير الثَّواب (٢)، فربَّما كان في اللَّفظ سرٌّ ليس في الآخر، ولو كان يرادفه في الظَّاهر، أو لعلَّه أُوحِي إليه بهذا اللَّفظ، فرأى أن يقف عنده، وقال المُهلَّب: إنَّما لم تُبدَّل (٣) ألفاظه لأنَّها ينابيع الحِكَم (٤) وجوامع الكلم، فلو غُيِّرت سقطت فائدة النِّهاية في البلاغة التي أُعْطِيها . انتهى. وقد (٥) تعلَّق بهذا مَنْ منعَ الرِّواية بالمعنى كابن سيرين، وكذا أبو العبَّاس النَّحويُّ قال: إذ ما من كلمتين متناظرتين إلَّا وبينهما فرقٌ، وإن دقَّ ولَطُفَ نحو: «بلى» «ونعم». انتهى. ولا حجَّة فيه لمنِ استدلَّ به على عدم جواز إبدال لفظ «النَّبيِّ» في الرِّواية بـ «الرَّسول» وعكسه لأنَّ الذَّات المُخبَر عنها في الرِّواية واحدةٌ، وبأيِّ وَصْفٍ وُصِفت به تلك الذَّاتُ من أوصافها اللَّائقة بها عُلِم القصد بالمُخبَر عنه ولو تباينت معاني الصِّفات، كما لو أبدل اسمًا بكنيةٍ أو كنيةً باسمٍ، فلا فرقَ بين أن يقول الرَّاوي مثلًا: عن أبي عبد الله البخاريِّ أو عن محمَّد بن إسماعيلَ البخاريِّ، وهذا بخلاف ما في حديث الباب لأنَّ ألفاظ الأذكار توقيفيَّةٌ، فلا يدخلها القياس، ويُستفَاد من هذا الحديث: أنَّ الدُّعاءَ عند النَّوم مرغوبٌ فيه لأنَّه قد تُقبَض

روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالدُّعاء الذي هو من (١) أفضل الأعمال كما ختمه بالوضوء، والنُّكتة في ختم المؤلِّف «كتاب الوضوء» بهذا الحديث من جهة أنَّه آخر وضوءٍ أمر به المُكلَّف في اليقظة، ولقوله في الحديث: «واجعلهنَّ آخر ما تتكلَّم به» وأشعرَ ذلك بختم الكتاب (٢).

ورواته السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الدَّعوات» [خ¦٦٣١١]، ومسلمٌ في «الدُّعاء»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الدَّعوات» (٣)، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».

((٥)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ الغَسْلِ) هو بفتح الغَيْن أفصح وأشهر من ضمِّها، مصدر «غسل»، وبمعنى: الاغتسال، وبكسرها: اسمٌ لما يُغسَل به من سدرٍ وخطميٍّ ونحوهما، وبالضَّمِّ: اسمٌ للماء الذي يُغتسَل به، وهو بالمعنيين الأوليين لغةً: سيلان الماء على الشَّيء، وشرعًا: سيلانه على جميع البدن، مع تمييز ما للعبادة عن العادة بالنِّيَّة، ووقع في رواية الأكثر: تأخير البسملة عن «كتاب الغسل»، وسقطت من رواية الأَصيليِّ، وعنده: «بابُ» بدل «كتاب» وهو أَوْلى لأنَّ الكتاب يجمع أنواعًا، و «الغسل» نوعٌ واحدٌ من أنواع الطَّهارة وإن كان في نفسه يتعدَّد، ثمَّ إنَّ المؤلِّف افتتح «كتاب الغسل» بآيتَي «النَّساء» و «المائدة»، إشعارًا بأنَّ وجوب الغسل على الجنب بنصِّ القرآن فقال: (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وللأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾) أي: فاغتسلوا، و «الجُنُب»: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المُذكَّر والمُؤنَّث، والواحد والجمع لأنَّه يجري

مجرى المصدر (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾) مرضًا يُخاف معه من (١) استعمال الماء، فإنَّ الواجد له كالفاقد، أو مرضًا يمنعه من الوصول إليه، قال مجاهدٌ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: نزلت في مريضٍ من الأنصار لم يكن له خادمٌ، ولم يستطع أن يقوم ويتوضَّأ (﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾) طويلًا كان (٢) أو قصيرًا، لا تجدون به ماءً (٣) (﴿أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾) فأحدث، بخروج الخارج من أحد السَّبيلين، وأصل «الغائط»: المطمئنُّ من الأرض (﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء﴾) أي: ماسستم بشرتهنَّ ببشرتكم، وبه استدلَّ الشَّافعيُّ على أنَّ اللَّمس ينقض الوضوء، وهو (٤) قول ابن مسعودٍ وابن عمر وبعض التَّابعين، وقِيلَ: أو جامعتموهنَّ، وهو قول عليٍّ والثَّابت عن ابن عبَّاسٍ وعن أكثر الصَّحابة والتَّابعين (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾) فلم تتمكَّنوا من استعماله إذِ الممنوع عنه كالمفقود، ووجه هذا التَّقسيم أنَّ المترخِّص بالتَّيمُّم إمَّا مُحْدِثٌ أو جُنُبٌ، والحال المقتضية له في غالب الأمر مرضٌ أو سفرٌ، والجُنُبُ لمَّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمُحْدِث لمَّا لم يجرِ ذكره ذكر أسبابه (٥)، ما يحدث بالذَّات وما يحدث بالعرَضَ، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجُنُب، وبيان حال (٦) العذر مُجمَلًا، وكأنَّه قِيَل: وإن كنتم جنبًا (٧)، مرضى أو على سفر، أو مُحْدِثين جئتم من الغائط أو لامستم النِّساء، فلم تجدوا ماء (﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) أي: اقصدوا ترابًا، أو ما يصعد من الأرض طاهرًا أو حلالًا (﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾) أي: من بعضه؛ ولذا قال أصحابنا: لا بدَّ أن يَعْلَق باليد شيءٌ من التُّراب (﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم﴾) بما فرض من الغسل والوضوء والتَّيمُّم (﴿مِّنْ حَرَجٍ﴾) ضيقٍ (﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾) من الأحداث والذُّنوب،

فإنَّ الوضوء تكفيرٌ لها (١) (﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾) ببيان ما هو مَطْهَرَةٌ للقلوب والأبدان عن الآثام والأحداث (﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]) نعمتي فأزيدها عليكم.

(وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾) اجتنبوها حال السُّكْر، نزلت في جمعٍ من الصَّحابة شربوا الخمر قبل تحريمه (٢) عند ابن عوفٍ، وتقدَّم عليٌّ للإمامة وقرأ: «قل يا أيُّها الكافرون أعبد ما تعبدون» رواه التِّرمذيُّ وأبو داود، وقال الضَّحَّاك: عنى به سُكْرَ النَّوم لا سُكْر الخمر (﴿وَلَا جُنُبًا﴾) عطفٌ على ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إذِ الجملة في موضع النَّصب على الحال (﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾) مسافرين حين فَقْدِ الماء، فإنَّه جائزٌ للجنب (٣) حينئذٍ للصَّلاة، أوِ المعنى: لا تقربوا مواضع الصَّلاة في حال السُّكر

ولا في (١) حال الجنابة، إلَّا حال العبور فيها، فجاز المرور لا اللُّبث، وعليه كلام أكثر السَّلف (﴿حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾) من الجنابة (﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾) استدلَّ به الحنفيَّة على أنَّه لو ضرب المتيمِّم يده على حجرٍ صَلْدٍ ومسح أجزأه (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]) يسهِّل ولا يعسِّر، كذا ساق الآيتين بتمامهما في الفرع، وعند ابن عساكر: «﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ (٢): «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ الآية» وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: «﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» وفي روايةٍ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ … ﴾ الاية [النساء: ٤٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾» ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾».

(١) (بابُ) سنَّة (الوُضُوءِ قَبْلَ الغَُسْلِ) -بفتح الغَيْن وضمِّها- على ما سبق، وإنَّما قدَّم «الوضوء»

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (فَقيل لي) الْقَائِل لَهُ. جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله: (كبر) أَي؛ قدم الْأَكْبَر فِي السن قَوْله: (قَالَ أَبُو عبد الله) أَي: البُخَارِيّ قَوْله: (اخْتَصَرَهُ نعيم) أَي: اختصر الْمَتْن نعيم، وَمعنى الِاخْتِصَار هَاهُنَا أَنه ذكر مُحَصل الحَدِيث وَحذف بعض مقدماته، وَرِوَايَة نعيم هَذِه وَصلهَا الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) عَن بكر بن سهل عَنهُ بِلَفْظ (أَمرنِي جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَن أكبر) وروى الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا حَدثنَا الْحسن بن عِيسَى حَدثنَا ابْن الْمُبَارك أَنبأَنَا أُسَامَة، وَحدثنَا الْحسن حَدثنَا حبَان أَنبأَنَا ابْن الْمُبَارك فَذكره وَفِيه قَالَ: (إِن جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، أَمرنِي أَن أدفَع إِلَى أكبرهم) وَأخرجه أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستن فَأعْطَاهُ أكبر الْقَوْم، ثمَّ قَالَ: إِن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام، أَمرنِي أَن أكبره) فَإِن قلت هَذَا: يَقْتَضِي أَن تكون الْقَضِيَّة وَقعت فِي الْيَقَظَة، وَتلك الرِّوَايَة صَرِيحَة أَنَّهَا كَانَت فِي الْمَنَام فَكيف التَّوْفِيق؟ قلت: التَّوْفِيق بَينهمَا أَن رِوَايَة الْيَقَظَة لما وَقعت أخْبرهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا رَآهُ فِي النمد فحفط بعض الروَاة مَا لم يحفظ آخَرُونَ، وَمِمَّا يشْهد لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثنَا عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يستن وَعِنْده رجلَانِ أَحدهمَا أكبر من الآخر فَأوحى إِلَيْهِ فِي فضل السِّوَاك أَن كبر، أعْط السِّوَاك أكبرهما) وَإِسْنَاده صَحِيح.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام فِيهِ: تَقْدِيم حق الأكابر من جمَاعَة الْحُضُور وتبديته على من هُوَ أَصْغَر مِنْهُ، وَهُوَ السّنة أَيْضا فِي السَّلَام والتحية وَالشرَاب وَالطّيب وَنَحْو ذَلِك من الْأُمُور، وَفِي هَذَا الْمَعْنى تَقْدِيم ذِي السن بالركوب وَشبهه من الأرقاق. وَفِيه: أَن اسْتِعْمَال سواك الْغَيْر مَكْرُوه إلَاّ أَن السّنة فِيهِ أَن يغسلهُ ثمَّ يَسْتَعْمِلهُ. وَفِيه: مَا يدل على فَضِيلَة السِّوَاك. وَقَالَ الْمُهلب: تَقْدِيم ذِي السن أولى فِي كل شَيْء مَا لم يَتَرَتَّب الْقَوْم فِي الْجُلُوس، فَإِذا ترتبوا فَالسنة تَقْدِيم ذِي الْأَيْمن فالأيمن.

٧٥ - (بابِ فَضْلِ مَنْ بَاتَ علَى الوُضوُءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل من بَات على الْوضُوء وَبَات من البيتوتة يُقَال: بَات يبيت، وَبَات، بيات بيتوتة، وَبَات يفعل كَذَا إِذا فعله لَيْلًا كَمَا يُقَال: ظلّ يفعل كَذَا إِذا فعله بِالنَّهَارِ.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على بَيَان اكْتِسَاب فَضِيلَة وَأجر، وَأما إِدْخَاله هَذَا الْبَاب فِي الْأَبْوَاب الْمُتَقَدّمَة فَظَاهر، لِأَنَّهُ من تعلقات الْوضُوء قَوْله: (على الْوضُوء) بِالْألف وَاللَّام فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيره (على وضوء) ، بِدُونِ الْألف وَاللَّام.

٢٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عنْ مَنْصُورِ عنْ سَعْدٍ ابنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قَالَ قَالَ لِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَيْتُ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقَكَ الأَيْمَنِ ثُمَّ قلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلَجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَاّ إلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فإنْ مُتِّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ علَى الفِطْرَةِ وَاجْعَلْنِي آخِرَ مَا تَكَلَّمُ بِهِ قَالَ فرددتها على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا بلغت الْفَهم آمَنت بكتابك الَّذِي أنزلت قلت وَرَسُولك قَالَ لَا بنبيك الَّذِي أرْسلت..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة طَاهِرَة.

بَين رجالهوهم سِتَّة: الأول: مُحَمَّد بن مقَاتل، بِضَم الْمِيم، أَبُو الْحسن الْمروزِي، تقدم فِي بَاب مَا يذكر فِي المناولة. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك. الثَّالِث: سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقيل: يحْتَمل سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَيْضا، لِأَن عبد الله يروي عَنْهُمَا، وهما يرويات عَن مَنْصُور، لَكِن الظَّاهِر أَنه الثَّوْريّ لأَنهم قَالُوا: أثبت النَّاس فِي مَنْصُور هُوَ سُفْيَان الثَّوْريّ. الرَّابِع: مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر. الْخَامِس: سعيد بن عُبَيْدَة، بِضَم الْعين، مصغر عَبدة بن حَمْزَة، بالزاي، الْكُوفِي كَانَ يرى رأى الْخَوَارِج ثمَّ تَركه وَهُوَ ختن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، مَاتَ فِي ولَايَة ابْن هُبَيْرَة على الْكُوفَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة، سعد بن عُبَيْدَة، سواهُ. السَّادِس: الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مر فِي بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان.

بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِخْبَار بِصُورَة الْجمع فِي موضِعين، والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وكوفي، وَخَالف إِبْرَاهِيم بن طهْمَان أَصْحَاب مَنْصُور، فَأدْخل بَين مَنْصُور وَسعد الحكم بن عتيبة وَانْفَرَدَ الْفرْيَابِيّ بِإِدْخَال الْأَعْمَش بَين الثَّوْريّ وَمَنْصُور.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل، وَأخرجه فِي الدَّعْوَات عَن مُسَدّد. وَأخرجه مُسلم فِي الدُّعَاء عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَعَن ابْن الْمثنى وَعَن بنْدَار، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُسَدّد، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْملك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات عَن سُفْيَان بن وَكِيع وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن بنْدَار، وَعَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع، وَعَن عَمْرو بن عَليّ، وَعَن قُتَيْبَة، وَعَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني.

بَيَان لغاته قَوْله: (إِذا أثبت مضجعك) ، بِفَتْح الْجِيم من، ضجع من بَاب: منع يمْنَع ويروي: مضجعك أَصله مضتجعك، من بَاب الافتعال، لَكِن قتل التَّاء طاء وَالْمعْنَى: إِذا أردْت أَن يَأْتِي مضجعك فَتَوَضَّأ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه} (سُورَة النَّحْل: ٩٨ أَي إِذا أردْت الْقِرَاءَة قَوْله: (وجهت وَجْهي أليك) أَي: استسلمت، كَذَا فسره، وَلَيْسَ بِوَجْه. وَالْأَوْجه أَن يُفَسر: أسلمت ذاتي إِلَيْك منقادة لَك، طالعة لحكمك، لِأَن المُرَاد من الْوَجْه الذَّات. قَوْله: (وفوضت) من التَّفْوِيض وَهُوَ التَّسْلِيم: قَوْله: (والجأت ظَهْري إِلَيْك) أَي: أسندت. يُقَال: لجأت إِلَيْهِ لَجأ بِالتَّحْرِيكِ، وملجأ والتجأت إِلَيْهِ بِمَعْنى: والموضع أَيْضا، لَجأ وملجأ وألجأته إِلَى الشَّيْء اضطررته إِلَيْهِ، وَالْمعْنَى هُنَا، توكلت عَلَيْك واعتمدتك فِي أَمْرِي كَمَا يعْتَمد الْإِنْسَان بظهره إِلَى مَا يسْندهُ. قَوْله: (رَغْبَة) أَي: طَمَعا فِي ثوابك. قَوْله: (وَرَهْبَة) أَي: خوفًا من عقابك. قَوْله: (لَا ملْجأ) بِالْهَمْزَةِ وَيجوز التَّخْفِيف. قَوْله: (وَلَا منجأ) مَقْصُور من: نجى ينجو، والمنجأ مفعل مِنْهُ، وَيجوز همزَة للإزدواج قَوْله: (على الْفطْرَة) أَي: على دين الْإِسْلَام، وَقد تكون الْفطْرَة بِمَعْنى الْخلقَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا} (سُورَة الرّوم: ٣٠) وَبِمَعْنى السّنة كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (خمس من الْفطْرَة) وقا الطيني: أَي: مت على الدّين القويم مِلَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام، فَإِن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام أسلم واستسلم، وَقَالَ: {} أسلمت لرب الْعَالمين (سُورَة الْبَقَرَة: ١٣١) {وجار ربه بقلب سليم} (سُورَة الصافات: ٨٤) .

ذكر مَعَانِيه قَوْله: (فَتَوَضَّأ) وَقد روى الشَّيْخَانِ هَذَا الحَدِيث من طرق عَن الْبَراء بن عَازِب، وَلَيْسَ لَهَا ذكر الْوضُوء، إلَاّ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيّ قَوْله: (أسلمت وَجْهي إِلَيْك) وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: (أسلمت نَفسِي إِلَيْك) وَالْوَجْه وَالنَّفس هَاهُنَا بِمَعْنى الذَّات، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْوَجْه حَقِيقَة، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْقَصْد، فَكَأَنَّهُ يَقُول: قصدتك فِي طلب سلامتي، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: قيل: معنى الْوَجْه الْقَصْد وَالْعَمَل الصَّالح، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَة: (اسلمت نَفسِي إِلَيْك ووجهت وَجْهي إِلَيْك) . فَجمع بَينهمَا، فَدلَّ على تغايرهما، وَمعنى: أسلمت: سلمت واستسلمت أَي: سلمتها لَك، إِذْ لَا قدرَة لي وَلَا تَدْبِير بجلب نفع وَلَا دفع ضرّ فَأمرهَا مفوض إِلَيْك تفعل بهَا مَا تُرِيدُ واستسلمت لما تفعل فَلَا اعْتِرَاض عَلَيْك فِيهِ. قَوْله: (وفوضت أَمْرِي إِلَيْك) أَي: رددت أَمْرِي إِلَيْك، وبرئت من الْحول وَالْقُوَّة إلَاّ بك فَاكْفِنِي همه، وتولني سلاحه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ رَحمَه الله فِي هَذَا النّظم غرائب وعجائب لَا يعرفهَا إلَاّ النقاد من أهل الْبَيَان: قَوْله: (أسلمت نَفسِي) إِشَارَة إِلَى أَن جوارحه منقادة لله تَعَالَى فِي أوامره ونواهيه. وَقَوله: (وجهت وَجْهي) أَي: إِن ذَاته وَحَقِيقَته لَهُ مخلصة بريئة من النِّفَاق وَقَوله: (وفوضت أَمْرِي إِلَيْك) إِشَارَة إِلَى أَن أُمُوره الْخَارِجَة والداخلة مفوضة إِلَيْهِ لَا مُدبر لَهَا غَيره، وَقَوله: (ألجأت أليك) بعد قَوْله: (وفوضت أَمْرِي) إِشَارَة إِلَى أَن تفويضة أُمُوره الَّتِي يفْتَقر إِلَيْهَا وَبهَا معاشه وَعَلَيْهَا مدَار أمره يلتجأ إِلَيْهِ، مِمَّا يضرّهُ ويؤذيه من الْأَسْبَاب الدَّاخِلَة وَالْخَارِج، قَوْله: (آخر مَا تكلم) بِحَذْف إِحْدَى التائين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من آخر مَا تكلم) قَوْله: (فَردَّتهَا) أَي: رددت هَذِه الْكَلِمَات لأحفظن قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: لَا تقبل: وَرَسُولك، بل قل: وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت، وَذكروا فِي هَذَا أوجها مِنْهَا: أَنه أمره أَن يجمع بَين صفتيه وهما: الرَّسُول وَالنَّبِيّ، صَرِيحًا وَإِن كَانَ وصف الرسَالَة يسْتَلْزم وصف النُّبُوَّة. وَمِنْهَا: أَن أَلْفَاظ الْأَذْكَار توقيفية فِي تعْيين اللَّفْظ وَتَقْدِير الثَّوَاب، فَرُبمَا كَانَ فِي اللَّفْظ زِيَادَة تَبْيِين لَيْسَ فِي

الآخر، أَن كَانَ يرادفه فِي الظَّاهِر. وَمِنْهَا: أَنه لَعَلَّه أوحى إِلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ. فَرَأى أَن يقف عِنْده. وَمِنْهَا: أَن ذكره احْتِرَازًا عَمَّن أرسل من غَيره نبوة، كجبريل وَغَيره من الْمَلَائِكَة، عَلَيْهِم السَّلَام، لأَنهم رسل الْأَنْبِيَاء. وَمِنْهَا: أَنه يحْتَمل أَن يكون رده دفعا للتكرار، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الأول: (وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت) ، وَمِنْهَا: أَن النَّبِي. فعيل، بِمَعْنى فَاعل من النبأ، وَهُوَ الْخَبَر لِأَنَّهُ أنبأ عَن الله تَعَالَى، أَي: أخبر. وَقيل: إِنَّه مُشْتَقّ من النُّبُوَّة. وَهُوَ الشَّيْء الْمُرْتَفع ورد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْبَراء حِين قَالَ: (وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت) بِمَا رد عَلَيْهِ ليختلف اللفظان، وَيجمع البنائين معنى الِارْتفَاع والإرسال، وَيكون تعديداً للنعمة فِي الْحَالَتَيْنِ، وتعظيماً للمنة على الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ بَعضهم: وَلِأَن لفظ النَّبِي، أمدح من لفظ: الرَّسُول. قلت: هَذَا غير موجه. لِأَن لفظ النَّبِي، كَيفَ يكون أمدح وَهُوَ لَا يسْتَلْزم الرسَالَة بل لفظ الرَّسُول أمدح لِأَنَّهُ يسْتَلْزم النُّبُوَّة.

بَيَان إعرابه قَوْله: (فَتَوَضَّأ) الْفَاء فِيهِ جَوَاب قَوْله: (رَغْبَة وَرَهْبَة) منصوبان على الْمَفْعُول لَهُ على طَريقَة اللف والنشر، أَي فوضت أموري إِلَيْك رَغْبَة، وألجأت ظَهْري عَن المكاره والشدائد إِلَيْك رهبة مِنْك، لِأَنَّهُ لَا ملْجأ وَلَا منجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك وَيجوز أَن يكون انتصابهما على الْحَال بِمَعْنى: رَاغِبًا وراهباً. قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يكون رَاغِبًا وراهباً فِي حَالَة وَاحِدَة لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ متنافيان؟ قلت: فِيهِ حذل تَقْدِيره رَاغِبًا إِلَيْك، وراهباً مِنْك. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: رَاهِبًا مِنْك، كَيفَ اسْتعْمل بِكَلِمَة إِلَى، والرهبة لَا تسْتَعْمل إلَاّ بِكَلِمَة. من؟ قلت: إِلَيْك مُتَعَلق برغبة، وَأعْطِي للرهبة حكمهَا، وَالْعرب تفعل ذَلِك كثيرا، كَقَوْل بَعضهم.

(وَرَأَيْت بعلك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحاً)

وَالرمْح لَا يتقلد، وكقول الآخر.

علفتها تبناً وَمَاء بَارِدًا

وَالْمَاء لَا يعلف. قَوْله: (لَا ملْجأ وَلَا منجأ) إعرابهما مثل إِعْرَاب عصى، وَفِي التَّرْكِيب خَمْسَة أوجه لِأَنَّهُ مثل: لَا حول وَلَا قُوَّة إلَاّ بِاللَّه، وَالْفرق بَين نَصبه وفتحه بِالتَّنْوِينِ، وَعند التَّنْوِين تسْقط الْألف، ثمَّ إنَّهُمَا كَانَا مصدري يتنازعان فِي مِنْك، وَإِن كَانَا مكانين فَلَا إِذْ اسْم الْمَكَان لَا يعْمل، وَتَقْدِيره، لَا ملْجأ مِنْك إِلَى أحد إلَاّ إِلَيْك، وَلَا منجأ إلَاّ إِلَيْك. قَوْله: (آمَنت بكتابك) أَي: صدقت أَنه كتابك. وَقَوله: (الَّذِي أنزلت) صفته، وَضمير الْمَفْعُول مَحْذُوف، وَالْمرَاد بِالْكتاب الْقُرْآن، وَإِنَّمَا خصص الْكتاب بِالصّفةِ لتنَاوله جَمِيع الْكتب المنزّلة فَإِن قيل أَيْن الْعُمُوم هَهُنَا حَتَّى يَجِيء التخصص قلت الْمُفْرد الْمُضَاف يقيدد الْعُمُوم لِأَن الْمعرفَة. بِالْإِضَافَة كالمعرف بِاللَّامِ يحْتَمل الْجِنْس والاستغراق والعهد، فَلفظ الْكتاب الْمُضَاف هَاهُنَا يحْتَمل لجَمِيع الْكتب ولجنس الْكتب ولبعضها كالقرآن، وَقَالُوا: جَمِيع المعارف كَذَلِك وَقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: رَحمَه الله تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم} (سُورَة الْبَقَرَة: ٦) فِي أول الْبَقَرَة: يجوز أَن يكون للْعهد، وَأَن يُرَاد بهم نَاس بأعيانهم، كَأبي جهل وَأبي لَهب والوليد بن الْمُغيرَة وأضرابهم، وَأَن يكون للْجِنْس متناولاً مِنْهُم كل من صمم على كفره انْتهى. قلت: التَّحْقِيق أَن الْجمع الْمُعَرّف تَعْرِيف الْجِنْس مَعْنَاهُ جمَاعَة الأحاد، وَهِي أَعم من أَن يكون جَمِيع الْآحَاد أَو بَعْضهَا، فَهُوَ إِذا أطلق احْتمل الْعُمُوم والاستغراق، وَاحْتمل الْخُصُوص، وَالْحمل على وَاحِد مِنْهُمَا يتَوَقَّف على الْقَرِينَة كَمَا فِي الْمُشْتَرك، هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ، وَصَاحب (الْمِفْتَاح) وَمن تبعهما وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّة الْأُصُول.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام. مِنْهَا مَا قَالَه الْخطابِيّ: فِيهِ: حجَّة لمن منع رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى، وَهُوَ قَول ابْن سِيرِين وَغَيره، وَكَانَ يذهب هَذَا الْمَذْهَب: أَبُو الْعَبَّاس النَّحْوِيّ، وَيَقُول: مَا من لَفظه من الْأَلْفَاظ المتناظرة فِي كَلَامهم إلَاّ وَبَينهَا وَبَين صاحبتها فرق، وَإِن دق ولطف كَقَوْلِه: بلَى وَنعم قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف بَين الْمُحدثين، وَقد عرف فِي مَوْضِعه، وَلَكِن لَا حجَّة فِي هَذَا للمانعين لِأَنَّهُ يحْتَمل الْأَوْجه الَّتِي ذَكرنَاهَا بِخِلَاف غَيره. وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن بطال: فِيهِ أَن الْوضُوء عِنْد النّوم مَنْدُوب إِلَيْهِ مَرْغُوب فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدُّعَاء، لِأَنَّهُ قد تقبض روحه فِي نَومه فَيكون قد ختم عمله بِالْوضُوءِ وَالدُّعَاء الَّذِي هُوَ أفضل الْأَعْمَال، ثمَّ إِن هَذَا الْوضُوء مُسْتَحبّ وَإِن كَانَ متوضئاً كَفاهُ ذَلِك الْوضُوء، لِأَن الْمَقْصُود النّوم على طَهَارَة مَخَافَة أَن يَمُوت فِي ليلته، وَيكون أصدق لرؤياه وَأبْعد من تلعب الشَّيْطَان بِهِ فِي مَنَامه.

إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا} (سُورَة النِّسَاء: ٤٣) يدل على فَرضِيَّة الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، فَقَالَ بَعضهم: قدم الْآيَة الَّتِي من سرة الْمَائِدَة على الْآيَة الَّتِي من سُورَة النِّسَاء لدقيقة. وَهِي أَن لَفظه. {فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) الَّتِي فِي الْمَائِدَة فِيهَا إجنال وَلَفظه {} حَتَّى تغتسلوا الَّتِي فِي النِّسَاء فِيهَا تَصْرِيح بالاغتسال، وَبَيَان للتطهر الْمَذْكُور. قلت: لَا إِجْمَال فِي {فاطهروا} لِأَن معنى {فاطهروا} أغسلوا أبدانكم كَمَا ذكرنَا، وتطهر الْبدن هُوَ الِاغْتِسَال فَلَا إِجْمَال لَا لُغَة وَلَا اصْطِلَاحا على مَا لَا يخفى.

١ - (بابُ الوُضوءِ قَبْلَ الغُسْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء قبل أَن يشرع فِي الِاغْتِسَال، هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ أم سنة؟ وَقَالَ بَعضهم: بَاب الْوضُوء قبل الْغسْل، أَي: اسْتِحْبَابه قَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) فرض الله تَعَالَى الْغسْل مُطلقًا لم يذكر فِيهِ شَيْئا يبْدَأ بِهِ قبل شَيْء فكيفما جَاءَ بِهِ المغتسل أَجزَأَهُ إِذا أَتَى بِغسْل جَمِيع بدنه. انْتهى قلت: إِن كَانَ النَّص مُطلقًا وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا يبْدَأ بِهِ فعائشة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذكرت عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة قبل غسله فَيكون سنة غير وَاجِب. أما كَونه سنة فلفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأما كَونه غير وَاجِب فَلِأَنَّهُ يدْخل فِي الْغسْل، كالحائض إِذا اجنبت يكفيها غسل وَاحِد، وَمِنْهُم من أوجبه إِذا كَانَ مُحدثا قبل الْجَنَابَة. وَقَالَ دَاوُد: يجب الْوضُوء وَالْغسْل فِي الْجَنَابَة الْمُجَرَّدَة بِأَن أَتَى الْغُلَام أَو الْبَهِيمَة أَو لف ذكره بِخرقَة فَأنْزل، وَفِي أحد قولي الشَّافِعِي: يلْزمه الْوضُوء فِي الْجَنَابَة مَعَ الْحَدث، وَفِي قَوْله الآخر: يقْتَصر على الْغسْل لَكِن يلْزم أَن يَنْوِي الْحَدث والجنابة، وَفِي قَول: يَكْفِي نِيَّة الْغسْل، وَمِنْهُم من أوجب الْوضُوء بعد الْغسْل، وَأنْكرهُ عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنْهُمَا، وَعَن عَائِشَة قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يتَوَضَّأ بعد الْغسْل) رَوَاهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة.

٢٤٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ إذَا اغْتَسَل مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَوَضَّأ كمَا يَتَوَضأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلِ أَصَابَعَهُ فِي الماءِ فَيُحَلِّلُ بِها أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاث غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الماءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة طَاهِرَة ذكر رِجَاله ولطائف إِسْنَاده فرجا لَهُ خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا فِي كتاب الْوَحْي، وَعبد الله هُوَ التنيسِي، وَأَبُو هِشَام هُوَ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَفِيه التحديث صِيغَة الْجمع فِي مَوضِع والإحبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاث مَوَاضِع. وَفِيه: التنيسِي والكوفي.

والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا مثله فِي الطَّهَارَة، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة عَن هِشَام فَذكره، وَفِي آخِره. (ثمَّ غسل رجلَيْهِ) قَالَ وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن هِشَام وَلَيْسَ فِي حَدِيثهمْ، غسل الرجلَيْن وَعند مُسلم، (فيفرغ بِيَمِينِهِ على مَاله شِمَاله فَيغسل فرجه) وَعند ابْن خُزَيْمَة وَيصب من الْإِنَاء على يَده الْيُمْنَى فيفرغ عَلَيْهَا فيغسلها، ثمَّ يصب على شِمَاله فَيغسل فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، وَنحن نحث على رأْسنا ثَلَاث حثيات أَو قَالَت: ثَلَاثَة غرفات) وَفِي (الْمُوَطَّأ) سُئِلت عَن غسل الْمَرْأَة فَقَالَت لتحفن على رَأسهَا ثَلَاث حفنات، ولتضغث رَأسهَا بِيَدِهَا يَعْنِي تضمه وتجمعه وتعمه بِيَدِهَا لتدخله المَاء وَعند الْبَزَّار (كَانَ يخلل رَأسه مرَّتَيْنِ فِي غسل الْجَنَابَة) وَعند أبي دَاوُد من حَدِيث رجل مِمَّن سَأَلَهُ عَنْهَا (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يغسل رَأسه الخطمي وَهُوَ جنب يجتزىء بذلك وَلَا يصب عَلَيْهِ المَاء) . وَفِي لفظ: (حَتَّى إِذا رأى أَنه قد أصَاب الْبشرَة) ، أَو أنقى الْبشرَة، أفرغ على رَأسه ثَلَاثًا، وَإِذا فضلت فضلَة صبها عَلَيْهِ) وَعند الطوسي مصححاً. (ثمَّ يشرب شعره المَاء ثمَّ يحثي على رَأسه ثَلَاث حثيات) وَفِي لفظ: (ثمَّ غسل مرافقه وأفاض عَلَيْهِ المَاء فَإِذا أنقاهما أَهْوى إِلَى حَائِط ثمَّ يسْتَقْبل الْوضُوء ثمَّ يفِيض المَاء على رَأسه) ، وَفِي لفظ: (إِن شِئْتُم لأريكم أثر يَده فِي الْحَائِط حَيْثُ كَانَ يغْتَسل من الْجَنَابَة) وَعند ابْن مَاجَه: (كَانَ يفِيض على كفيه ثَلَاث مَرَّات ثمَّ يدخلهَا الْإِنَاء، ثمَّ يغسل رَأسه ثَلَاث مَرَّات، وَأما نَحن فنغسل رؤوسنا خمس مرَارًا من أجل الضفر) .

ذكر لغاته وَإِعْرَابه

ومعانيه قَوْله: (كَانَ إِذا اغْتسل) أَي: كَانَ إِذا الثَّانِي: راد أَن يغْتَسل، وَكلمَة من فِي قَوْله: (من الْجَنَابَة) سبيبة يَعْنِي لأجل الْجَنَابَة فَإِن قلت: لم ذكر فِي ثَلَاث مَوَاضِع وَاضع بِلَفْظ الْمَاضِي وَهِي قَوْله: (بَدَأَ) و (فَغسل) و (ثمَّ تَوَضَّأ) وَذكر الْبَوَاقِي بِلَفْظ الْمُضَارع وَهِي قَوْله: (يدْخل) و (فيخال) و (يصب وَيفِيض) . قلت: النُّكْتَة فِيهِ أَن إِذا كَانَت شَرْطِيَّة الْمَاضِي بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل، وَالْكل مُسْتَقْبل معنى، وَأما الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ فللإشعار بِالْفرقِ بِمَا هُوَ خَارج من الْغسْل وَمَا لَيْسَ كذكل، وَإِن كَانَتَا ظرفية فَمَا جَاءَ مَاضِيا فَهُوَ على أَصله، وَعدل عَن الأَصْل إِلَى الْمُضَارع لاستحضار صورته للسامعين. قَوْله: (بَدَأَ فَغسل يَدَيْهِ) هَذَا الْغسْل يحْتَمل وَجْهَيْن: الأول: أَن يكون لأجل التَّنْظِيف مِمَّا بِهِ يكره. الثَّانِي: أَن يكون هُوَ الْغسْل الْمَشْرُوع عِنْد الْقيام من النّوم، وَيشْهد لَهُ مَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن هِشَام. (قبل أَن يدخلهما فِي الْإِنَاء) . قَوْله: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) احْتَرز بِهِ عَن الْوضُوء اللّغَوِيّ الَّذِي هُوَ غسل الْيَدَيْنِ فَقَط. فَإِن قلت: روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يمسح رَأسه فِي هَذَا الْوضُوء، وَهُوَ خلاف مَا فِي الحَدِيث. قلت: الصَّحِيح فِي الْمَذْهَب أَنه يمسحها، نَص عَلَيْهِ فِي (الْمَبْسُوط) لِأَنَّهُ أتم للْغسْل. قَوْله: (فيخلل بهَا) أَي بأصابعه الَّتِي أدخلها فِي المَاء قَوْله: (أصُول الشّعْر) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: أصُول شعره، أَي شعر رَأسه، وتدل عَلَيْهِ رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام: (يحلل بهَا شقّ رَأسه الْأَيْمن فَيتبع بهَا أصُول الشّعْر، ثمَّ يفعل بشق رَأسه الْأَيْسَر) كَذَلِك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ. قَوْله: (ثَلَاث غرف) بِضَم الْغَيْن الْمُعْجَمَة، جمع غرفَة بِالضَّمِّ أَيْضا، وَهِي قدر مَا يغْرف من المَاء بالكف، وَفِي بعض النّسخ: غرفات وَالْأول رِوَايَة الْكشميهني، وَهَذَا هُوَ الْأَصَح لِأَن مُمَيّز الثَّلَاثَة يَنْبَغِي أَن يكون من جموع الْقلَّة، وَلَكِن وَجه ذكر: الغرف، أَن جمع الْكَثْرَة يقوم مقَام جمع الْقلَّة وَبِالْعَكْسِ، وَعند الْكُوفِيّين. فعل: بِضَم الْفَاء وَكسرهَا من بَاب جموع الْقلَّة: لقَوْله تَعَالَى: {فَأتوا بِعشر سور} (سُورَة هود: ١٣) وَقَوله تَعَالَى: {وَثَمَانِية حجج} (سُورَة الْقَصَص: ٢٧) قَوْله: (ثمَّ يفِيض) أَي: يسيل من الْإِفَاضَة وَهِي الإسالة. قَوْله: (على جلده كُله) هَذَا التَّأْكِيد بِلَفْظ، الْكل، يدل على أَنه عمم جَمِيع جسده بِالْغسْلِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن قَوْله (كَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) يدل على الْمُلَازمَة والتكرار فَدلَّ ذَلِك على اسْتِحْبَاب غسل يَدَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي الْوضُوء، وَالْغسْل إِلَّا إِذا كَانَ عَلَيْهَا شَيْء مِمَّا يجب إِزَالَته فَحِينَئِذٍ يكون وَاجِبا. وَمِنْهَا: أَن تَقْدِيم الْوضُوء قبل الْغسْل سنة، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ عَن قريب. وَمِنْهَا: أَن ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) يدل على أَنه لَا يؤخلا غسل رجلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَح من قَول لشافعي. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه يُؤَخر عملا بِظَاهِر حَدِيث ميمونه رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَمَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَله قَول ثَالِث: إِن كَانَ الْموضع نظيفاً فَلَا يُؤَخر، وَإِن كَانَ وسخاً أَو المَاء قَلِيلا أخر جمعا بَين الْأَحَادِيث، وَعند أَصْحَابنَا إِن كَانَ فِي مستنقع المَاء يُؤَخر وإلَاّ فَلَا وَهُوَ مَذْهَب مَالك أَيْضا. وَمِنْهَا: التَّخْلِيل فِي شعر الرَّأْس واللحية لظَاهِر قَوْله: (فيخلل أصُول الشّعْر) وَهُوَ وَاجِب عِنْد أَصْحَابنَا، وَسنة فِي الْوضُوء، وَعند الشَّافِعِيَّة وَاجِب فِي قَول: وَسنة فِي قَول. وَقيل: وَاجِب فِي الرَّأْس وَفِي اللِّحْيَة قَولَانِ للماليكة، فروى ابْن الْقَاسِم عدم الْوُجُوب، وروى أَشهب الْوُجُوب، وَنقل ابْن بطال فِي بَاب: تَخْلِيل الشّعْر، الْإِجْمَاع على تَخْلِيل شعر الرَّأْس، وقاسوا اللِّحْيَة عَلَيْهَا. وَمِنْهَا: أَنه يصب على رَأسه ثَلَاث غرف بيدَيْهِ كَمَا هُوَ فِي الحَدِيث، وَعَن الشَّافِعِيَّة اسْتِحْبَاب ذَلِك فِي الرَّأْس، وَبَاقِي الْجَسَد مثله. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ والقرطبي من الماليكة: لَا يسْتَحبّ التَّثْلِيث فِي الْغسْل، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يفهم من هَذِه الثَّلَاث أَنه غسل رَأسه ثَلَاث مَرَّات، لِأَن التّكْرَار فِي الْغسْل غير مَشْرُوع لما فِي ذَلِك من الْمَشَقَّة، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك الْعدَد لِأَنَّهُ بَدَأَ بِجَانِب رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ على وسط رَأسه، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نحوالحلاب، فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر ثمَّ أَخذ بكفيه، فَقَالَ بهما على رَأسه) رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد على مَا يَجِيء. وَمِنْهَا: أَن قَوْلهَا (ثمَّ يفِيض المَاء على جلده كُله) لَا يفهم مِنْهُ الدَّلْك، وَهُوَ مُسْتَحبّ عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَعند أَحْمد وَبَعض الْمَالِكِيَّة وَخَالف مَالك والمزني فذهبا إِلَى وُجُوبه بِالْقِيَاسِ على الوضو، وَقَالَ ابْن بطال وَهَذَا لَازم. قلت: لَيْسَ بِلَازِم، إِذْ لَا نسلم وجوب الدَّلْك فِي الْوضُوء وَمِنْهَا جَوَاز إِدْخَال الْأَصَابِع فِي المَاء.

٢٤٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قَالَ حدّثنا سُفْيانُ عنْ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَتْ تَوَضِّأَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وُضُوءَ بِلصَّلاةِ غَيْرَ رَجْلَيهِ وَغَسَلَ فَرْجِهُ وَما أَصَابهُ مِنَ الأَذَى ثُمَّ أَفَاضَ

عَلَيْهِ الماءَ ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغسلَهُمَا هَذِهِ غُسْلَهُ مِنَ الجَنابَة..

هَذَا الثَّانِي من حَدِيثي التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: مُحَمَّد بن يُوسُف اليكندي، وسُفْيَان الثَّوْريّ، وَسليمَان الْأَعْمَش ابْن مهْرَان، تقدمُوا مرَارًا، وَسَالم بن أبي الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة. مر فِي بَاب التَّسْمِيَة. وَالْخَامِس: كريب، بِضَم الْكَاف، تقدم فِي بَاب التَّخْفِيف فِي الْوضُوء. وَالسَّادِس: عبد الله بن عَبَّاس. وَالسَّابِع: ميمونه بنت الْحَارِث زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَخَالَة ابْن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وَفِيه العنعنة فِي خَمْسَة مَوَاضِع: وَفِيه: سُفْيَان غير مَنْسُوب، قَالَت جمَاعَة من الشُّرَّاح وَغَيرهم: إِنَّه سُفْيَان الثَّوْريّ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ الْحَافِظ الْمزي فِي كِتَابه (الْأَطْرَاف) حَدِيث فِي غسل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْجَنَابَة مِنْهُم من طوله، وَمِنْهُم من اختسره، ثمَّ وضع صُورَة (خَ) بالأحمر بِمَعْنى: أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن يُوسُف، وَعَن عَبْدَانِ عَن عبد الله بن الْمُبَارك، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَهَذَا دلّ على أَن سُفْيَان فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن يُوسُف الَّذِي هَاهُنَا هُوَ الثَّوْريّ، وَأما ابْن عُيَيْنَة فروايته عَن عَبْدَانِ عَن ابْن الْمُبَارك، وَلم يُمَيّز الْكرْمَانِي ذَلِك فخلط. وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَمُحَمّد بن مَحْبُوب، كِلَاهُمَا عَن عبد الْوَاحِد، وَعَن مُوسَى عَن أبي عوَانَة، وَعَن عمر بن حَفْص بن غياث عَن أَبِيه، وَعَن يُوسُف بن عِيسَى عَن الْفضل بن مُوسَى، وَعَن عَبْدَانِ عَن أبي حَمْزَة، سبعتهم عَن الْأَعْمَش عَن سَالم بن أبي الْجَعْد عَن كريب عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَمن لطائف هَذَا الْإِسْنَاد أَن فِيهِ: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ على التَّابِعِيّ عَن الْوَلَاء وَفِيه: صحابيان.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر الْآن أَن البُخَارِيّ أخرجه فِي مَوَاضِع عشرَة أَو نَحْوهَا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب وَأبي سعيد الْأَشَج، خمستهم عَن وَكِيع، وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن أبي مُعَاوِيَة، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس، وَعَن عَليّ بن حجر، وَعَن عِيسَى بن يُونُس، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن مُوسَى القارىء عَن زَائِدَة، خمستهم عَن الْأَعْمَش بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن دَاوُد عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن هناد عَن وَكِيع بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ، وَعَن يُوسُف بن عِيسَى بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي مُعَاوِيَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن يُوسُف بِهِ، وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَعَن قُتَيْبَة عَن عُبَيْدَة بن حميد، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش بِهِ، وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن عَليّ بن مُحَمَّد وَأبي بكر بن أبي شيبَة، كِلَاهُمَا عَن وَكِيع بِقصَّة، نفض المَاء وَترك التنشيف.

ذكر بَيَان مَا فِيهِ لم يذكر فِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَوْله: (غير رجلَيْهِ) فِيهِ التَّصْرِيح بِتَأْخِير الرجلَيْن فِي وضوء الْغسْل، وَبِه احْتج أَصْحَابنَا، على أَن المغتسل إِذا تَوَضَّأ أَو لَا يُؤَخر رجلَيْهِ، وَلَكِن أَكثر أَصْحَابنَا حملوه على أَنَّهُمَا إِن كَانَت فِي مُجْتَمع المَاء تَوَضَّأ ويؤخرهما وَإِن لم تَكُونَا فِيهِ لَا يؤخرهما، وكل مَا جَاءَ من الرِّوَايَات الَّتِي فِيهَا تَأْخِير الرجلَيْن صَرِيحًا مَحْمُول على مَا قُلْنَا: وَهَذَا هُوَ التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات الَّتِي فِي بَعْضهَا تَأْخِير الرجلَيْن صَرِيحًا لَا مثل مَا قَالَه بَعضهم، وَيُمكن الْجمع بِأَن تحمل رِوَايَة عَائِشَة على الْمجَاز وَأما على حَالَة أُخْرَى. قلت: هَذَا خطأ لِأَن الْمجَاز إِلَيْهِ إلَاّ عِنْد الضَّرُورَة وَمَا الدَّاعِي لَهَا فِي رِوَايَة عَائِشَة حَتَّى يحمل كَلَامهَا على الْمجَاز؟ وَمَا الصَّوَاب الَّذِي يرجع إِلَيْهِ إلَاّ مَا قُلْنَا: وَقَالَ الْكرْمَانِي: غير رجلَيْهِ. فَإِن قلت: بالتوفيق بَينه وَبَين رِوَايَة عَائِشَة؟ قلت: زِيَادَة الثِّقَة مَقْبُول فَيحمل الْمُطلق على الْمُقَيد، فرواية عَائِشَة مَحْمُولَة على أَن المُرَاد بِوضُوء الصَّلَاة أَكْثَره، وَهُوَ مَا سوى الرجلَيْن. قلت: قد ذكرنَا الْآن مَا يرد مَا ذكره، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل أَن يُقَال: إنَّهُمَا كَانَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين فَلَا مُنَافَاة بَينهمَا. قلت: هَذَا فِي الْحَقِيقَة حَاصِل مَا ذكرنَا عَن قريب عِنْد قَوْلنَا: لَكِن أَكثر أَصْحَابنَا إِلَخ. قَوْله: (وَغسل فرجه) أَي: ذكره فَدلَّ هَذَا على صِحَة إِطْلَاق الْفرج على الذّكر. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: غسل الْفرج مقدم على التوضىء فَلم آخِره؟ قلت: لَا يجب التَّقْدِيم إِذْ الْوَاو، لَيْسَ للتَّرْتِيب، أَو أَنه للْحَال انْتهى. قلت: كَيفَ يَقُول: لَا يجب التَّقْدِيم وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء، وَقَوله إِذْ الْوَاو وَلَيْسَ للتَّرْتِيب، حجَّة عَلَيْهِ لأَنهم يدعونَ أَن الْوَاو فِي الأَصْل للتَّرْتِيب، وَلم يقل بِهِ أحد مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ؟ وَقَوله: أَو أَنه للْحَال، غير سديد وَلَا موجه، ونه كَيفَ يتَوَضَّأ فِي حَالَة غسل فرجه؟ وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير، لِأَن غسل الْفرج كَانَ قبل الْوضُوء إِذْ الْوَاو لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب انْتهى. قلت:

هَذَا تعسف وَهُوَ أَيْضا حجَّة عَلَيْهِ، مَعَ أَن مَا ذكره خلاف الأَصْل، وَالصَّوَاب أَن الْوَاو للْجمع فِي أصل الْوَضع، وَالْمعْنَى: أَنه جمع بَين الْوضُوء وَغسل الْفرج، وَهُوَ، وَإِن كَانَ لَا يَقْتَضِي تَقْدِيم أَحدهمَا على الآخر على التَّعْيِين، فقد بَين ذَلِك فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَن الثَّوْريّ، فَذكر أَولا غسل الْيَدَيْنِ ثمَّ غسل الْفرج ثمَّ مسح يَده على الْحَائِط ثمَّ الْوضُوء غير رجلَيْهِ وَذكره ب ثمَّ، الدَّالَّة على التَّرْتِيب فِي جَمِيع ذَلِك، وَالْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا قَوْله: (وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى) أَي: المستقذر الطَّاهِر، وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى) لَيْسَ بِظَاهِر فِي النَّجَاسَة. قلت: هَذَا مُكَابَرَة فِيمَا قَالَه. قَوْله: (هَذَا غسله) هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَهِي على الأَصْل، وَعند غَيره (هَذِه غسله) بالتأنيث، فَيكون إشار إِلَى الْأَفْعَال الْمَذْكُورَة أَي: الْأَفْعَال الْمَذْكُور صفة غسله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَم الْغَيْن.

وَمِمَّا لم يذكر فِي حَدِيث عَائِشَة، وَذكر فِي حَدِيث مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، من الزِّيَادَة: تَأْخِير الرجلَيْن إِلَى الْفَرَاغ من الِاغْتِسَال، وَقد ذكرنَا عَن قريب. وَفِيه: التَّعَرُّض لغسل الْفرج. وَفِيه: غسل مَا أَصَابَهُ من الْأَذَى وَمِمَّا ذكره البُخَارِيّ من حَدِيث مَيْمُونَة على مَا يَأْتِي: (ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ الأَرْض فدلكها دلكا شَدِيدا، ثمَّ تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ أفرغ على رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كَفه) وَفِي آخِره: (ثمَّ أَتَى بالمنديل فَرده) ، وَفِي رِوَايَة (وَجعل يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا ينْقضه) . وَفِي لفظ. (ثمَّ غسر فرجه ثمَّ مَال بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض فمسحها بِالتُّرَابِ ثمَّ غسلهَا) وَفِي لفظ (وضعت لَهُ غسلا فَسترته بِثَوْب) وَفِي لفظ: (فأكفا بِيَمِينِهِ على شِمَاله مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) وَفِي لفظ: (ثمَّ أفرغ بِيَمِينِهِ على شِمَاله فَغسل مذاكيره) وَفِيه (ثمَّ غسل رَأسه ثَلَاثًا) وَفِي لفظ: (فَلَمَّا فرغ من غسل غسل رجلَيْهِ) ، وَفِي لفظ: (فَغسل كفيه مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) وَعند مُسلم: (فَغسل فرجه وَمَا أَصَابَهُ ثمَّ مسخ يَده بِالْحَائِطِ أَو الأَرْض) ، وَفِي (صَحِيح) الإسماعيل: (مسح يَده بالجدار، وَحين قضى غسله غسل رجلَيْهِ) وَفِي لفظ: (فَلَمَّا أفرغ من غسل فرجه ذَلِك يَده بِالْحَائِطِ ثمَّ غسلهَا، فَلَمَّا فرغ من غسلهَا غسل قَدَمَيْهِ) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَقد بَين زَائِدَة أَن قَوْله: (من الْجَنَابَة) ، لَيْسَ من قَول مَيْمُونَة وَلَا ابْن عَبَّاس، إِنَّمَا هُوَ عَن سَالم، وَعند ابْن خُزَيْمَة (ثمَّ أفرغ على رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كفيه، فَأتى بمنديل فَأبى أَن يقبله) وَعند أبي عَليّ الطوسي فِي كتاب (الْأَحْكَام) مصححاً (فأنيته بِثَوْب فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا) وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ غسل سَائِر جسده قبل كفيه) وَعند أبي مُحَمَّد الدَّارمِيّ: (فأعطيته ملحفة فَأبى) قَالَ أَبُو مُحَمَّد: هَذَا أحب إِلَيّ من حَدِيث عَائِشَة. وَعند ابْن مَاجَه: (فأكفا الْإِنَاء بِشمَالِهِ على يَمِينه فَغسل كفيه ثَلَاثًا، ثمَّ أَفَاضَ على فرجه ثمَّ دلك يَده بِالْأَرْضِ ثمَّ تمضمض واستنشق وَغسل وَجهه ثَلَاثًا وذراعيه ثَلَاثًا، ثمَّ أَفَاضَ على سَائِر جسده، ثمَّ انتحى فَغسل رجلَيْهِ) .

وَفِي هَذِه الرِّوَايَات. إستحباب الإفراغ بِالْيَمِينِ على الشمَال للمغترف من المَاء. وفيهَا: مَشْرُوعِيَّة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق فِي غسل الْجَنَابَة. وَقَالَ بَعضهم: وَتمسك الْحَنَفِيَّة لِلْقَوْلِ: بوجوبهما، وَتعقب بِأَن الْفِعْل الْمُجَرّد لَا يدل على الْوُجُوب إلَاّ إِذا كَانَ بَيَانا لمجمل تعلق بِهِ الْوُجُوب، وَلَيْسَ الْأَمر هُنَا كَذَلِك. قلت: لَيْسَ الْأَمر هُنَا كَذَلِك لأَنهم أَنما أوجبوهما فِي الْغسْل بِالنَّصِّ لقَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) أَي: طهروا أبدانكم، وَهَذَا يَشْمَل الْأنف والفم، وَقد حققناه فِيمَا مضى. وفيهَا: اسْتِحْبَاب مسح الْيَد بِالتُّرَابِ فِي الْحَائِط وَفِي الأَرْض، وَقَالَ بَعضهم: وَأبْعد من اسْتدلَّ بِهِ على نجاس الْمَنِيّ أَو على نَجَاسَة رُطُوبَة الْفرج. قلت: هَذَا الْقَائِل هُوَ الَّذِي أبعده، لِأَن من اسْتدلَّ بِنَجَاسَة الْمَنِيّ أَو على نَجَاسَة رُطُوبَة الْفرج مَا اكْتفى بِهَذَا فِي احتجاجه، وَقد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مضى مستقصى. وفيهَا: اسْتِحْبَاب التستر فِي الْغسْل وَلَو كَانَ فِي الْبَيْت. وفيهَا: جَوَاز الِاسْتِعَانَة بإحضار مَاء الْغسْل أَو الْوضُوء. وفيهَا: خدمَة الزَّوْجَات للأزواج. وفيهَا: الصب بِالْيَمِينِ على الشمَال. وفيهَا: كَرَاهَة التنشيف بالمنديل وَنَحْوه.

وَقَالَ النَّوَوِيّ: اخْتلف أَصْحَابنَا فِيهِ على خَمْسَة أوجه أشهرها: أَن الْمُسْتَحبّ تَركه، وَقيل: مَكْرُوه وَقيل مُبَاح وَقيل مُسْتَحبّ وَقيل مَكْرُوه فِي الصَّيف مُبَاح فِي الشتَاء، وَيُقَال لَا حجَّة فِي الحَدِيث لكَرَاهَة التنشيف لاحْتِمَال أَن إباءه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أَخذ مَا يتنشف بِهِ لأمر آخر يتَعَلَّق بالخرقة، أَو لكَونه كَانَ مستعجلاً أَو غير ذَلِك. وَقَالَ الْمُهلب: يحْتَمل تَركه الثوبة لإبقاء تَركه بَلل المَاء أَو للتواضع أَو لشَيْء رَآهُ فِي الثَّوْب من حَرِير أَو وسخ وَقد وَقع عِنْد أَحْمد والإسماعيلي من رِوَايَة أبي عوَانَة فِي هَذَا الحَدِيث عَن الْأَعْمَش، قَالَ فَذكرت ذَلِك لإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فَقَالَ: لَا بَأْس بالمنديل وَإِنَّمَا رده مَخَافَة أَن يصير عَادَة وَقَالَ التَّيْمِيّ فِي شَرحه لهَذَا الحَدِيث فِيهِ دَلِيل على أَنه كَانَ يتنشف، وَلَوْلَا ذَلِك لم يَأْته بالمنديل. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد، نفضه المَاء بِيَدِهِ يدل على أَن لَا كَرَاهَة فِي التنشيف، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا إِزَالَة قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل على ذَلِك، لِأَن التنشيف من عَادَة المتكبرين ورده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الثَّوْب لأجل التَّوَاضُع مُخَالفَة لَهُم.

وَقد ورد أَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده