«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٥

الحديث رقم ٢١٥ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوضوء من غير حدث.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا…

«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».

سند حديث: ٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ…

٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «خرجنا مع رسول الله ﷺ عام خيبر، حتى إذا كنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّقْدِيرَ: إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ: كَانَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ نُسِخَ أَوِ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ. وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ. وَذَهَبَ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ قَوْمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَاسْتَبْعَدَهُ النَّوَوِيُّ وَجَنَحَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.

وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِينَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ عَلَى النَّدْبِ، وَحَصَلَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ) هُوَ تَحْوِيلٌ إِلَى إِسْنَادٍ ثَانٍ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَعْلَى لِتَصْرِيحِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ كُوفِيٌّ أَنْصَارِيٌّ وَقِيلَ بَجَلِيٌّ، وَصَحَّحَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبَجَلِيَّ رَاوٍ آخَرُ غَيْرُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ، وَلَيْسَ لِهَذَا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ كُلُّهَا، عَنْ أَنَسٍ، وَلَيْسَ لِلْبَجَلِيِّ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ، وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ رَاوٍ آخَرُ بَصْرِيٌّ سُلَمِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)؛ أَيْ: مَفْرُوضَةٍ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَتَهُ، لَكِنَّ حَدِيثَ سُوَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغَالِبُ، قال الطَّحَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ. وَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَالنَّسْخُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ.

قَوْلُهُ: (كَيْفَ كُنْتُمْ) الْقَائِلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا أَكَانَ النَّبِيُّ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قال: نَعَمْ. وَلِابْنِ مَاجَهْ وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (يُجْزِئُ) بِالضَّمِّ مِنْ أَجْزَأَ أَيْ يَكْفِي، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَكْفِي.

٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قال: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قال: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ. وَمَبَاحِثُ الْمَتْنِ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ التَّصْرِيحَ بِالْإِخْبَارِ مِنْ يَحْيَى وَشَيْخِهِ، وَلَيْسَ لِسُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِعَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ شَهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (سُلَيْمَانُ) يعني: «ابن بلالٍ» كما (١) في رواية «عط» (٢) (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة في اللَّاحق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ) بضمِّ السِّين وفتح الواو، الأوسيُّ المدنيُّ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) وهي: أدنى خيبر (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا) منه (وَشَرِبْنَا) من الماء أو من مائع السَّويق (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ إِلَى) صلاة (المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) من السَّويق (ثُمَّ صَلَّى لَنَا) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «وصلَّى لنا» (٣) (المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) والجمع بين حديثي الباب: أنَّ فعله الأوَّل كان غالب أحواله لكونه الأفضل، وفعله الثَّاني لبيان الجواز.

وهذا حديثٌ من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، وليس للمؤلِّف حديثٌ لسُويد بن النُّعمان إلَّا هذا، وقد أخرجه في مواضع، كما مرَّ التَّنبيه عليه في «باب من مضمض من السَّويق» [خ¦٢٠٩].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي الحَدِيث السَّابِق، لِأَن ذَلِك يُوضح معنى هَذَا. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على الخضوع والخشوع، وَذَلِكَ بطرِيق الِالْتِزَام.

٥٤ - (بابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من غير حدث، وَالْمرَاد بِهِ وضوء المتوضىء يَعْنِي: يكون على ظهرة ثمَّ يتَطَهَّر ثَانِيًا من غير حدث بَينهمَا.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لكَون كل مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء.

٢١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامِرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً ح قالَ وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيىَ عَنْ سُفْيانَ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ عامِرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قالَ يُجْزِيءُ أحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة؛ وَلِلْحَدِيثِ إِسْنَاد ان: أَحدهمَا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ مر فِي بَاب: لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ تقدم فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق عَن عَمْرو، بِالْوَاو، ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ الثِّقَة الصَّالح، روى لَهُ الْجَمَاعَة عَن أنس بن مَالك. وَالْآخر عَن مُسَدّد بن مسرهد، تكَرر ذكره عَن يحيى الْقطَّان، مر ذكره، وَهَذَا تَحْويل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بعض النّسخ بعد قَوْله: سَمِعت أنسا صُورَة: ح، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل، أَو إِلَى الْحَائِل أَو إِلَى: صَحَّ، أَو إِلَى الحَدِيث، وَقد مر تَحْقِيقه.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالسَّمَاع. وَفِي الثَّانِي: التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول: بَين البُخَارِيّ وَبَين سُفْيَان رجل. وَفِي الثَّانِي: بَينهمَا رجلَانِ. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي: صرح بِسَمَاع سُفْيَان عَن عَمْرو حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عمر، وَفِي الاول: قَالَ عَن عَمْرو، وسُفْيَان من المدلسين، والمدلس لَا يحْتَج بعنعنته إِلَّا أَن يثبت سَمَاعه من طَرِيق آخر. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين فريابي وكوفي وبصري. وَمِنْهَا: أَن الْإِسْنَاد الأول عَال، وَالثَّانِي نَازل، وَذَلِكَ بِكَوْن سُفْيَان الثَّوْريّ أَتَى بِالْحَدِيثِ عَن عَمْرو، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه هُوَ الثَّوْريّ لأَنا لم نجد لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عمر رِوَايَة.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن بشار عَن يحيى وَعبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَنهُ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد ابْن سعيد عَن شريك نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَلمَة بن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن حميد عَن أنس: (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَوَضَّأ بِكُل صَلَاة، طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر. قَالَ: قلت لأنس: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حميد عَن أنس غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَالْمَشْهُور عِنْد أهل الْعلم حَدِيث عَمْرو، وَفِي (الْعِلَل) قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا ادري مَا سَلمَة هَذَا؟ وَلم يعرف مُحَمَّد هَذَا من حَدِيث حميد.

بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ) هَذِه الْعبارَة تدل على أَنه كَانَ عَادَة لَهُ. قَوْله: (عِنْد كل صَلَاة) أَرَادَ بهَا الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة من الْأَوْقَات الْخَمْسَة. قَوْله: (قلت كَيفَ تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث. الْقَائِل عَمْرو بن عَامر، وَالْخطاب للصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، وَكلمَة: كَيفَ، يسْأَل بهَا عَن الْحَال. قَوْله: (يجزىء) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: يَكْفِي من أجزأني الشَّيْء أَي: كفاني، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: يكْتَفى، وفاعله الْوضُوء بِالرَّفْع. قَوْله: (أَحَدنَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يجزىء.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب، فَذَهَبت طَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة والشيعة إِلَى وجوب الْوضُوء لكل صَلَاة فِي حق المقيمين دون الْمُسَافِرين، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب؛ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَوَضَّأ لكل صَلَاة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح صلى الصَّلَوَات الْخمس بِوضُوء وَاحِد) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وابو يعلى، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة خمس صلوَات بِوضُوء وَاحِد.

.) ، الحَدِيث، وَذَهَبت طَائِفَة، الى أَن الْوضُوء وَاجِب لكل صَلَاة مُطلقًا من غير حدث، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَأبي مُوسَى وَجَابِر أَن عبد الله، وَعبيدَة السَّلمَانِي، وَأبي الْعَالِيَة، وَسَعِيد بن الْمسيب وابراهيم وَالْحسن.

وَحكى ابْن حزم فِي (كتاب الْإِجْمَاع) هَذَا الْمَذْهَب عَن عَمْرو بن عبيد، قَالَ: وروينا عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه لَا يُصَلِّي بِوضُوء واحدٍ أَكثر من خمس صلوَات، وَمذهب أَكثر الْعلمَاء من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأكْثر أَصْحَاب الحَدِيث وَغَيرهم: أَن الْوضُوء لَا يجب إلَاّ من حدث. وَقَالُوا: لِأَن آيَة الْوضُوء نزلت فِي إِيجَاب الْوضُوء من الْحَدث عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة، لِأَن معنى قَوْله تَعَالَى: {إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون، وَاسْتدلَّ الدَّارمِيّ على ذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وضوء إِلَّا من حدث) . وَحكى الشَّافِعِي عَمَّن لقِيه من أهل الْعلم أَن التَّقْدِير: إِذا قُمْتُم من النّوم. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي التّكْرَار، لِأَن الحكم الْمَذْكُور وَهُوَ قَوْله: {فَاغْسِلُوا} (الْمَائِدَة: ٦) مُعَلّق بِالشّرطِ، وَهُوَ {إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) فَيَقْتَضِي تكْرَار الحكم عِنْد تكْرَار الشَّرْط، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَة عِنْدهم. قلت: الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ لفظا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يُوجب الْوضُوء على كل قَائِم إِلَى الصَّلَاة، مُحدث وَغير مُحدث، فَمَا وَجهه؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الْأَمر للْوُجُوب، فَيكون الْخطاب للمحدثين خَاصَّة. وَأَن يكون للنَّدْب. فان قلت: هَل يجوز أَن يكون الامر شَامِلًا للمحدثين وَغَيرهم، لهَؤُلَاء على وَجه الْإِيجَاب ولهؤلاء على وَجه النّدب؟ قلت: لَا، لِأَن تنَاول الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لمعنيين مُخْتَلفين من بَاب الإلغاز والعمية. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: قد يجوز أَن يكون وضوؤه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لكل صَلَاة على مَا روى بُرَيْدَة، كَانَ ذَلِك على التمَاس الْفضل لَا على الْوُجُوب، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي عطيف الْهُذلِيّ، قَالَ: (صليت مَعَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الظّهْر فَانْصَرف فِي مجْلِس فِي دَاره، فَانْصَرَفت مَعَه حَتَّى إِذا نُودي بالعصر دَعَا بوضؤ فَتَوَضَّأ، فَقلت لَهُ: أَي شَيْء هَذَا يَا ابا عبد الرَّحْمَن الْوضُوء عِنْد كل صَلَاة؟ فَقَالَ: وَقد فطنت لهَذَا مني، لَيست بِسنة، إِن كَانَ لكافياً وضوئي لصَلَاة الصُّبْح وصلواتي كلهَا مَا لم أحدث، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من تَوَضَّأ على طهر كتب الله لَهُ بذلك عشر حَسَنَات، فَفِي ذَلِك رغبت يَا ابْن أخي) .

وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن أنس بن مَالك مَا يدل على مَا ذكرنَا، يَعْنِي اكْتِفَاء الْمُصَلِّي بِوضُوء وَاحِد لصلوات كَثِيرَة مَا لم يحدث، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد علم حكم مَا ذكرنَا من فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ير ذَلِك فرضا، بل كَانَ ذَلِك لإصابة الْفضل، وإلَاّ لما كَانَ وَسعه، وَلَا لغيره، أَن يخالفوه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: وَيجوز أَن يكون ذَلِك فرضا أَولا ثمَّ نسخ، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أَسمَاء ابْنة زيد بن الْخطاب ابْن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر حَدثنَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالْوضُوءِ لكل صَلَاة طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر، فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ لكل صَلَاة فَهَذَا دلّ على النّسخ.

وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، وَوضع عَنهُ الْوضُوء إلَاّ من حدث. وَيُقَال فِي الْجَواب: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن شاهين: لم يبلغنَا أَن أحدا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يتعمدون الْوضُوء لكل صَلَاة إلَاّ ابْن عمر، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ روى ابْن ابي شيبَة. حَدثنَا وَكِيع عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين: كَانَ الحلفاء يتوضؤون لكل صَلَاة. وَفِي لفظ: كَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يتوضؤون لكل صَلَاة. وَقَالَ بَعضهم: يُمكن حمل الْآيَة على ظَاهرهَا من غير نسخ، وَيكون الْأَمر فِي حق الْمُحدثين على الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم للنَّدْب. قلت: هَذَا لَا يَصح لما ذكرنَا عَن قريب أَنه على هَذَا يكون من بَاب الإلغاز، فَلَا يجوز.

الثَّانِي من الاحكام: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْوضُوء لكل صَلَاة وَحدهَا.

الثَّالِث: يجوز الِاكْتِفَاء بِوضُوء وَاحِد مَا لم يحدث.

الرَّابِع: فِيهِ دلَالَة على وجوب الْوضُوء عِنْد الْحَدث لمن يُرِيد الصَّلَاة.

٢١٥ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قَالَ حدّثنا يحْيى ابنُ سَعِيدٍ قالَ أَخْبرنِي بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ قَالَ أخْبرني سُوَيْدُ بنُ النُّعْمانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كُنَّا بالصَّهْباءِ صَلي لَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العَصْرَ فَلَمَّا صلى دَعَا بالَاطْعِمَةِ فَلَم يُوتَإلَاّ بالسَّويقِ فأكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ قامَ النَّبيُّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم إلَى المَغْرِبِ فَمضْمَضَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَمَّنْ لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّقْدِيرَ: إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ: كَانَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَاجِبًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ نُسِخَ أَوِ اسْتَمَرَّ حُكْمُهُ. وَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ. وَذَهَبَ إِلَى اسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ قَوْمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَاسْتَبْعَدَهُ النَّوَوِيُّ وَجَنَحَ إِلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُمْ، وَجَزَمَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ اسْتَقَرَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.

وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِينَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ عَلَى النَّدْبِ، وَحَصَلَ بَيَانُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ) هُوَ تَحْوِيلٌ إِلَى إِسْنَادٍ ثَانٍ قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَعْلَى لِتَصْرِيحِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ، وَعَمْرُو بْنُ عَامِرٍ كُوفِيٌّ أَنْصَارِيٌّ وَقِيلَ بَجَلِيٌّ، وَصَحَّحَ الْمِزِّيُّ أَنَّ الْبَجَلِيَّ رَاوٍ آخَرُ غَيْرُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ، وَلَيْسَ لِهَذَا فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ كُلُّهَا، عَنْ أَنَسٍ، وَلَيْسَ لِلْبَجَلِيِّ عِنْدَهُ رِوَايَةٌ، وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ رَاوٍ آخَرُ بَصْرِيٌّ سُلَمِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)؛ أَيْ: مَفْرُوضَةٍ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَتَهُ، لَكِنَّ حَدِيثَ سُوَيْدٍ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغَالِبُ، قال الطَّحَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً، ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ فَقَالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ. وَقَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْرَبُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَالنَّسْخُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ.

قَوْلُهُ: (كَيْفَ كُنْتُمْ) الْقَائِلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، وَالْمُرَادُ الصَّحَابَةُ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا أَكَانَ النَّبِيُّ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ؟ قال: نَعَمْ. وَلِابْنِ مَاجَهْ وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (يُجْزِئُ) بِالضَّمِّ مِنْ أَجْزَأَ أَيْ يَكْفِي، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ يَكْفِي.

٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قال: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قال: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالْأَطْعِمَةِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ. وَمَبَاحِثُ الْمَتْنِ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ التَّصْرِيحَ بِالْإِخْبَارِ مِنْ يَحْيَى وَشَيْخِهِ، وَلَيْسَ لِسُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مَوَاضِعَ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ شَهِدَ قَبْلَ ذَلِكَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم وسكون الخاء (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: «أخبرنا» (سُلَيْمَانُ) يعني: «ابن بلالٍ» كما (١) في رواية «عط» (٢) (قَالَ: حَدَّثَنِي) ولابن عساكر: «حدَّثنا» (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة في اللَّاحق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ) بضمِّ السِّين وفتح الواو، الأوسيُّ المدنيُّ (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ) وهي: أدنى خيبر (صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا) منه (وَشَرِبْنَا) من الماء أو من مائع السَّويق (ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ إِلَى) صلاة (المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) من السَّويق (ثُمَّ صَلَّى لَنَا) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: «وصلَّى لنا» (٣) (المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) والجمع بين حديثي الباب: أنَّ فعله الأوَّل كان غالب أحواله لكونه الأفضل، وفعله الثَّاني لبيان الجواز.

وهذا حديثٌ من الخماسيَّات، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، وليس للمؤلِّف حديثٌ لسُويد بن النُّعمان إلَّا هذا، وقد أخرجه في مواضع، كما مرَّ التَّنبيه عليه في «باب من مضمض من السَّويق» [خ¦٢٠٩].

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فِي الحَدِيث السَّابِق، لِأَن ذَلِك يُوضح معنى هَذَا. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على الخضوع والخشوع، وَذَلِكَ بطرِيق الِالْتِزَام.

٥٤ - (بابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من غير حدث، وَالْمرَاد بِهِ وضوء المتوضىء يَعْنِي: يكون على ظهرة ثمَّ يتَطَهَّر ثَانِيًا من غير حدث بَينهمَا.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لكَون كل مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء.

٢١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامِرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً ح قالَ وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيىَ عَنْ سُفْيانَ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ عامِرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قالَ يُجْزِيءُ أحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة؛ وَلِلْحَدِيثِ إِسْنَاد ان: أَحدهمَا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ مر فِي بَاب: لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ تقدم فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق عَن عَمْرو، بِالْوَاو، ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ الثِّقَة الصَّالح، روى لَهُ الْجَمَاعَة عَن أنس بن مَالك. وَالْآخر عَن مُسَدّد بن مسرهد، تكَرر ذكره عَن يحيى الْقطَّان، مر ذكره، وَهَذَا تَحْويل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بعض النّسخ بعد قَوْله: سَمِعت أنسا صُورَة: ح، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل، أَو إِلَى الْحَائِل أَو إِلَى: صَحَّ، أَو إِلَى الحَدِيث، وَقد مر تَحْقِيقه.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالسَّمَاع. وَفِي الثَّانِي: التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول: بَين البُخَارِيّ وَبَين سُفْيَان رجل. وَفِي الثَّانِي: بَينهمَا رجلَانِ. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي: صرح بِسَمَاع سُفْيَان عَن عَمْرو حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عمر، وَفِي الاول: قَالَ عَن عَمْرو، وسُفْيَان من المدلسين، والمدلس لَا يحْتَج بعنعنته إِلَّا أَن يثبت سَمَاعه من طَرِيق آخر. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين فريابي وكوفي وبصري. وَمِنْهَا: أَن الْإِسْنَاد الأول عَال، وَالثَّانِي نَازل، وَذَلِكَ بِكَوْن سُفْيَان الثَّوْريّ أَتَى بِالْحَدِيثِ عَن عَمْرو، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه هُوَ الثَّوْريّ لأَنا لم نجد لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عمر رِوَايَة.

بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن بشار عَن يحيى وَعبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَنهُ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد ابْن سعيد عَن شريك نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَلمَة بن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن حميد عَن أنس: (ان النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَوَضَّأ بِكُل صَلَاة، طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر. قَالَ: قلت لأنس: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حميد عَن أنس غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَالْمَشْهُور عِنْد أهل الْعلم حَدِيث عَمْرو، وَفِي (الْعِلَل) قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا ادري مَا سَلمَة هَذَا؟ وَلم يعرف مُحَمَّد هَذَا من حَدِيث حميد.

بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ) هَذِه الْعبارَة تدل على أَنه كَانَ عَادَة لَهُ. قَوْله: (عِنْد كل صَلَاة) أَرَادَ بهَا الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة من الْأَوْقَات الْخَمْسَة. قَوْله: (قلت كَيفَ تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث. الْقَائِل عَمْرو بن عَامر، وَالْخطاب للصحابة، رَضِي الله عَنْهُم، وَكلمَة: كَيفَ، يسْأَل بهَا عَن الْحَال. قَوْله: (يجزىء) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: يَكْفِي من أجزأني الشَّيْء أَي: كفاني، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: يكْتَفى، وفاعله الْوضُوء بِالرَّفْع. قَوْله: (أَحَدنَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يجزىء.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب، فَذَهَبت طَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة والشيعة إِلَى وجوب الْوضُوء لكل صَلَاة فِي حق المقيمين دون الْمُسَافِرين، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب؛ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يتَوَضَّأ لكل صَلَاة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح صلى الصَّلَوَات الْخمس بِوضُوء وَاحِد) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وابو يعلى، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: (صلى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة خمس صلوَات بِوضُوء وَاحِد.

.) ، الحَدِيث، وَذَهَبت طَائِفَة، الى أَن الْوضُوء وَاجِب لكل صَلَاة مُطلقًا من غير حدث، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَأبي مُوسَى وَجَابِر أَن عبد الله، وَعبيدَة السَّلمَانِي، وَأبي الْعَالِيَة، وَسَعِيد بن الْمسيب وابراهيم وَالْحسن.

وَحكى ابْن حزم فِي (كتاب الْإِجْمَاع) هَذَا الْمَذْهَب عَن عَمْرو بن عبيد، قَالَ: وروينا عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه لَا يُصَلِّي بِوضُوء واحدٍ أَكثر من خمس صلوَات، وَمذهب أَكثر الْعلمَاء من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأكْثر أَصْحَاب الحَدِيث وَغَيرهم: أَن الْوضُوء لَا يجب إلَاّ من حدث. وَقَالُوا: لِأَن آيَة الْوضُوء نزلت فِي إِيجَاب الْوضُوء من الْحَدث عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة، لِأَن معنى قَوْله تَعَالَى: {إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون، وَاسْتدلَّ الدَّارمِيّ على ذَلِك بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا وضوء إِلَّا من حدث) . وَحكى الشَّافِعِي عَمَّن لقِيه من أهل الْعلم أَن التَّقْدِير: إِذا قُمْتُم من النّوم. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي التّكْرَار، لِأَن الحكم الْمَذْكُور وَهُوَ قَوْله: {فَاغْسِلُوا} (الْمَائِدَة: ٦) مُعَلّق بِالشّرطِ، وَهُوَ {إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) فَيَقْتَضِي تكْرَار الحكم عِنْد تكْرَار الشَّرْط، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَة عِنْدهم. قلت: الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ لفظا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يُوجب الْوضُوء على كل قَائِم إِلَى الصَّلَاة، مُحدث وَغير مُحدث، فَمَا وَجهه؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الْأَمر للْوُجُوب، فَيكون الْخطاب للمحدثين خَاصَّة. وَأَن يكون للنَّدْب. فان قلت: هَل يجوز أَن يكون الامر شَامِلًا للمحدثين وَغَيرهم، لهَؤُلَاء على وَجه الْإِيجَاب ولهؤلاء على وَجه النّدب؟ قلت: لَا، لِأَن تنَاول الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لمعنيين مُخْتَلفين من بَاب الإلغاز والعمية. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: قد يجوز أَن يكون وضوؤه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لكل صَلَاة على مَا روى بُرَيْدَة، كَانَ ذَلِك على التمَاس الْفضل لَا على الْوُجُوب، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي عطيف الْهُذلِيّ، قَالَ: (صليت مَعَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الظّهْر فَانْصَرف فِي مجْلِس فِي دَاره، فَانْصَرَفت مَعَه حَتَّى إِذا نُودي بالعصر دَعَا بوضؤ فَتَوَضَّأ، فَقلت لَهُ: أَي شَيْء هَذَا يَا ابا عبد الرَّحْمَن الْوضُوء عِنْد كل صَلَاة؟ فَقَالَ: وَقد فطنت لهَذَا مني، لَيست بِسنة، إِن كَانَ لكافياً وضوئي لصَلَاة الصُّبْح وصلواتي كلهَا مَا لم أحدث، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من تَوَضَّأ على طهر كتب الله لَهُ بذلك عشر حَسَنَات، فَفِي ذَلِك رغبت يَا ابْن أخي) .

وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن أنس بن مَالك مَا يدل على مَا ذكرنَا، يَعْنِي اكْتِفَاء الْمُصَلِّي بِوضُوء وَاحِد لصلوات كَثِيرَة مَا لم يحدث، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد علم حكم مَا ذكرنَا من فعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم ير ذَلِك فرضا، بل كَانَ ذَلِك لإصابة الْفضل، وإلَاّ لما كَانَ وَسعه، وَلَا لغيره، أَن يخالفوه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: وَيجوز أَن يكون ذَلِك فرضا أَولا ثمَّ نسخ، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أَسمَاء ابْنة زيد بن الْخطاب ابْن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر حَدثنَا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر بِالْوضُوءِ لكل صَلَاة طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر، فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ لكل صَلَاة فَهَذَا دلّ على النّسخ.

وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، وَوضع عَنهُ الْوضُوء إلَاّ من حدث. وَيُقَال فِي الْجَواب: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن شاهين: لم يبلغنَا أَن أحدا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يتعمدون الْوضُوء لكل صَلَاة إلَاّ ابْن عمر، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ روى ابْن ابي شيبَة. حَدثنَا وَكِيع عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين: كَانَ الحلفاء يتوضؤون لكل صَلَاة. وَفِي لفظ: كَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يتوضؤون لكل صَلَاة. وَقَالَ بَعضهم: يُمكن حمل الْآيَة على ظَاهرهَا من غير نسخ، وَيكون الْأَمر فِي حق الْمُحدثين على الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم للنَّدْب. قلت: هَذَا لَا يَصح لما ذكرنَا عَن قريب أَنه على هَذَا يكون من بَاب الإلغاز، فَلَا يجوز.

الثَّانِي من الاحكام: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْوضُوء لكل صَلَاة وَحدهَا.

الثَّالِث: يجوز الِاكْتِفَاء بِوضُوء وَاحِد مَا لم يحدث.

الرَّابِع: فِيهِ دلَالَة على وجوب الْوضُوء عِنْد الْحَدث لمن يُرِيد الصَّلَاة.

٢١٥ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قَالَ حدّثنا يحْيى ابنُ سَعِيدٍ قالَ أَخْبرنِي بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ قَالَ أخْبرني سُوَيْدُ بنُ النُّعْمانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كُنَّا بالصَّهْباءِ صَلي لَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم العَصْرَ فَلَمَّا صلى دَعَا بالَاطْعِمَةِ فَلَم يُوتَإلَاّ بالسَّويقِ فأكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ قامَ النَّبيُّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم إلَى المَغْرِبِ فَمضْمَضَ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
لا إله إلا الله