«أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٤

الحديث رقم ١٨٤ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا…

«أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ. فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَيْ نَعَمْ. فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَِ وَالنَّارَِ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، أَوِ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ».

سند حديث: ١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ…

١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا…

تخبر أسماء بنت أبي بكر الصديق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوماً يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم الدّار الآخرة، حتى تطرّق إلى القبر وأحواله، وذكر فتنة القبر، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين منكر ونكير للعبد عن ربه ونبيّه ودينه، وسمي بذلك؛ لأنه فتنة عظيمة يختبر بها إيمان العبد ويقينه، فمن وُفِّق في هذا الاختبار فاز، ومن فشل هلك. فلما ذكر ذلك صاح المسلمون صيحة عظيمة؛ خوفاً من فتنة القبر، فمنعت هذه الصيحة أسماء من أن تسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما هدأ الصوت، قالت أسماء لرجل قريب منها: -بارك الله لك- ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر قوله؟ فأخبرها أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى أوحى إليه أن الناس يُفتنون ويُمتحنون في القبور قريبًا من فتنة المسيح الدَّجَّال؛ فإن فتنة الدجال شديدة صعبة وكذلك فتنة القبر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن من السنة تذكير الناس بما هم مقبلون عليه من فتن للاستعداد لها بالعمل الصالح.
  • إثبات سؤال الملكين للعبد في قبره.
  • بيان لما كان عليه الصحابة من شدة الخوف من الله ومن فتنة القبر.
  • ينبغي للسائل أن يقدم قبل سؤاله ما يدل على تبجيل العالم، وتعظيمه، من الدعاء له، وندائه بما يحب أن ينادى به.
  • إثبات فتنة المسيح الدجال.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أتيت عائشة زوج النبي ﷺ حين خسفت الشمس، فإذا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فَاضْطَجَعْتُ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ أُسْلُوبَ الْكَلَامِ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَاضْطَجَعَ؛ لِأَنَّهُ قال قَبْلَ ذَلِكَ: إِنَّهُ بَاتَ.

قَوْلُهُ: (فِي عَرْضِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِالضَّمِّ أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، قال:؛ لِأَنَّ الْعُرْضَ بِالضَّمِّ هُوَ الْجَانِبُ وَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ. قُلْتُ: لَكِنْ لَمَّا قال: فِي طُولِهَا تَعَيَّنَ الْمُرَادُ، وَقَدْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ.

قَوْلُهُ: (يَمْسَحُ النَّوْمَ)؛ أَيْ: يَمْسَحُ بِيَدِهِ عَيْنَيْهِ، مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ، أَوْ أَثَرَ النَّوْمِ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ أَوَّلَهَا) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قال ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ مَنْ كَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، لِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي حَقِّهِ يَنْقُضُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ قال: تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي وَأَمَّا كَوْنُهُ تَوَضَّأَ عَقِبَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ جَدَّدَ الْوُضُوءَ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَوَضَّأَ. قُلْتُ: وَهُوَ تَعْقِيبٌ جَيِّدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ: بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ أَحْدَثَ فِي النَّوْمِ، لَكِنْ لَمَّا عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ كَانَ ظَاهِرًا فِي كَوْنِهِ أَحْدَثَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَوْمِهِ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ حَدَثٌ وَهُوَ نَائِمٌ، نَعَمْ خُصُوصِيَّتُهُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ شَعَرَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَمَا ادَّعَوْهُ مِنَ التَّجْدِيدِ وَغَيْرِهِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ.

وَقَدْ سَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُضَاجَعَةَ الْأَهْلِ فِي الْفِرَاشِ لَا تَخْلُو مِنَ الْمُلَامَسَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ وَلَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مُجَرَّدَ نَوْمِهِ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ فِي بَابِ التَّخْفِيفِ فِي الْوُضُوءِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْحَلَبِيَّاتِ لِلسُّبْكِيِّ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اعْتِرَاضَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ احْتَجَّ بِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ، أَوِ اعْتَبَرَ اضْطِجَاعَ النَّبِيِّ مَعَ أَهْلِهِ وَاللَّمْسَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَوْجِيهُ مَا قَيَّدْتُ الْحَدِيثَ بِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَصْغَرُ، إِذْ لَوْ كَانَ الْأَكْبَرَ لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّى بَلْ كَانَ يَغْتَسِلُ.

قَوْلُهُ: (إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ)، قال الْخَطَّابِيُّ: الشَّنُّ الْقِرْبَةُ الَّتِي تَبَدَّتْ لِلْبَلَاءِ، وَلِذَلِكَ قال: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُعَلَّقَةٍ فَأَنَّثَ لِإِرَادَةِ الْقِرْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي بَابِ تَخْفِيفِ الْوُضُوءِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ ثَمَّ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَرَاهَةَ ذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الْمُصَنِّفِ.

٣٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنْ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ

١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٧) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ) لا من الغشيِ غير المُثقِل، وليس المُراد من توضَّأ من الغشيِ المُثقِل لا من سببٍ آخر من أسباب الحدث، و «الغَشْي» بفتح الغَيْن وسكون الشِّين المُعجَمَتين: ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنَّه أخفُّ منه، و «المُثقِل» بضمِّ الميم وكسر القاف: صفةٌ للغشيِ.

١٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر (١): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير بنِ العوَّام القرشيِّ

(عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بنِ الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق، وهي زوجة الزُّبير بنِ العوَّام، وفي بعض النُّسخ: «عن جدَّته» بتذكير الضَّمير، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ أسماء جدَّةٌ لهشامٍ ولفاطمة (١) كليهما لأنَّها أمُّ أبيه عروة، كما أنَّها أمُّ المنذر أبي فاطمة (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (٢)، أي: ذهب ضوؤها كلُّه أو بعضه (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ) أي: عائشة (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقالت»: (سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة برأسها (أَنْ) ولكريمة: «أي» (نَعَمْ) وهي الرِّواية المتقدِّمة في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد و (٣) الرَّأس» [خ¦٨٦] وهما حرفا تفسيرٍ، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي) بالجيم، أي: غطَّاني (الغَشْيُ) من طول تعب الوقوف (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) مُدافَعةً للغشي، وهذا يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مدركةً، وإِلَّا فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ) مِنَ الصَّلاة، أو من المسجد (٤) (حَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من باب عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ) : (مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (حَتَّى الجَنَّةَُِ وَالنَّارَُِ) برفعهما ونصبهما وجرِّهما، وتقدَّم توجيهها مع استشكال البدرِ الدَّمامينيِّ وجهَ الجرِّ، فليُراجَع (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ) وفي رواية الأَصيليِّ: «في قبوركم» (مِثْلَ) فتنة المسيح

الدَّجَّال (أَوْ قَرِيبًا) وفي رواية الأربعة: «قريبَ» (١) (مِنْ فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) (يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: النَّبيّ (فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ) بنبوَّته ، قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) المؤمن أو الموقن (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الموصل للمُراد (فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا) بحذف ضمير المفعول في الثَّلاثة (فَيُقَالُ: نَمْ) وفي رواية الحَمُّويي والأَصيليِّ: «فيُقال له: نَمْ» حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا (٢)) به (٣)، وفي همزة «إِنْ»: الكسر، والفتح ورجَّحه البدر الدَّمامينيُّ، بل قال: إنَّه المتعيّن كما سبق تقريره في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» من «كتاب العلم» [خ¦٨٦] (وَأَمَّا المُنَافِقُ) غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (٤) (أَوِ المُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) ومحلُّ استدلال المؤلِّف للتَّرجمة من هذا الحديث فعلُ أسماءَ، من جهة أنَّها كانت تصلِّي خلف النَّبيِّ ، فكان يرى الذين خلفه وهو في الصَّلاة، ولم يُنقَل أنَّه أنكر عليها، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث هذا الحديث في «باب العلم» [خ¦٨٦] ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب صلاة الخسوف» [خ¦١٠٥٣].

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأقران: هشامٍ وزوجته فاطمة، وفيه: التَّحديث

بالإفراد والجمع والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦٨٦] و «الطَّهارة» [خ¦٩٢٢] و «الكسوف» [خ¦١٠٥٣] و «الاعتصام» و «الاجتهاد» [خ¦٧٢٨٧] و «السَّهو» [خ¦١٢٣٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

(٣٨) (باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ) في الوضوء، وفي رواية المُستملي: الاقتصار على «مسح الرَّأس»، وإسقاط لفظ: «كلِّه» (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وفي رواية ابن عساكر: «» وفي رواية الأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]) أي: امسحوا رؤوسكم كلَّها، فـ «الباء» زائدةٌ عند المؤلِّف كمالكٍ (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) سعيدٌ: (المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، ولفظه: «المرأة والرِّجال (١) في المسح سواء»، وعن أحمد: يكفي المرأة مسح مُقدَّم رأسها (وَسُئِلَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، والسَّائل له: إسحاق بن عيسى ابن (٢) الطَّبَّاع، كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» (٣): (أَيُجْزِئُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الإجزاء وهو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد به، وبفتح الياء (٤) من جزى يجزي، أي: يكفي (٥)، والهمزة فيه للاستفهام (أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ) وفي رواية ابن عساكر: «ببعض» (الرَّأْسِ؟) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مثْلَ أوْ قَرِيباً من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْمَاءُ يُؤْتَي أحَدُكُمْ فَيُقَال مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فأَما المُؤْمِنُ أوِ المُوقِنُ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ جاءَنَا بالبَيِّنَاتِ والهُدَى فَاجَبْنَا وآمنَّا واتَّبَعْنَا فَيُقالُ نَمْ صَالِحاً فَقَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَمُؤْمِناً وأمَّا المُنَافِقُ أوِ المُرْتَابُ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالتْ أْسمَاءُ فَيقُولُ لَا أدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شيْئاً فقلْتُهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (حَتَّى تجلاني الغشي) ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُثقلًا لَكَانَ إنتقض الْوضُوء مِنْهَا، لِأَنَّهُ كالإغماء حِينَئِذٍ، وَالدَّلِيل على أَنه لم يكن مُثقلًا لِأَنَّهَا صبَّتْ المَاء على رَأسهَا ليزول الغشي، وَذَلِكَ يدل على أَن حواسها كَانَت حَاضِرَة، وَهُوَ يدل على عدم انْتِقَاض وضوئها.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَقد مر عَن قريب. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام القريشي؛ وَالرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: جدَّتهَا أَسمَاء، على وزن حَمْرَاء، بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنْهُم، وَزَوْجَة الزبير بن الْعَوام، وَفِي بعض النّسخ عَن: جدته، بتذكير الضَّمِير، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ بِلَا تفَاوت فِي الْمَعْنى، لِأَن أَسمَاء جدة لهشام ولفاطمة كليهمَا، وَتقدم ذكر الثَّلَاثَة فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله عَنْهَا.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد والعنعنة وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران هِشَام وَامْرَأَته فَاطِمَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي الطَّهَارَة عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْكُسُوف عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الِاعْتِصَام عَن القعْنبِي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي الْعلم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب، وَفِي الْجِهَاد، وَقَالَ مَحْمُود: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَفِي السمر عَن يحيى ابْن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن هِشَام بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد وَالرَّأْس، وَكَانَت تَرْجَمَة الْبَاب فِيهِ.

٣٨ - (بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مسح كل الرَّأْس فِي الْوضُوء وَلَفظ: (كُله) ، مَوْجُود عِنْدهم إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي فَإِنَّهُ سَاقِط.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْبَاب الأول مترجم بترك الْوضُوء من الغشي إلَاّ إِذا كَانَ مُثقلًا، وَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على مسح جَمِيع الرَّأْس، وَهُوَ جُزْء من الْوضُوء.

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالىَ وامْسَحُوا بِرُوسِكُمْ

احْتج البُخَارِيّ فِي وجوب مسح جَمِيع الرَّأْس بقوله تَعَالَى {وامسحو برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) واحتجاجه بِهِ إِنَّمَا يتم إِذا كَانَت: الْبَاء، زَائِدَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى.

وقالَ ابنُ المُسَيَّبِ المَرْأةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا

أَي: قَالَ ابْن الْمسيب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْكَرِيم يعْنى ابْن مَالك عَن سعيد بن الْمسيب الْمَرْأَة وَالرجل فِي مسح الرَّأْس سَوَاء. قَوْله: (بِمَنْزِلَة الرجل) أَي: فِي وجوب مسح جَمِيع الرَّأْس، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَنه بِمَنْزِلَة الرجل فِي وجوب أصل الْمسْح، فَحِينَئِذٍ هَذَا الْأَثر لَا يساعد البُخَارِيّ فِي تبويبه لمسح كل الرَّأْس، وَنقل عَن أَحْمد أَنه قَالَ: يَكْفِي الْمَرْأَة مسح مقدم رَأسهَا.

وَسُئِلَ مالِكٌ: أيُجْزِىءُ أنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ فاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ

أيجزىء: يجوز فِيهِ الوجان: احدهما: بِفَتْح الْيَاء من جزى أَي كفى، والهمزة فِيهِ للاستفهام. وَالثَّانِي: بِضَم الْيَاء من الْإِجْزَاء وَهُوَ الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، وَفِي بعض النّسخ: بِبَعْض رَأسه، وَفِي بَعْضهَا: بعض الرَّأْس، والسائل عَن مَالك فِي مسح الرَّأْس هُوَ إِسْحَاق بن عِيسَى ابْن الطباع، بَينه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه، وَلَفظه: سَأَلت مَالِكًا عَن الرجل يمسح مقدم رَأسه فِي وضوئِهِ أيجزيه؟ فَقَالَ: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زيد، قَالَ: (مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وضوئِهِ من ناصيته إِلَى قَفاهُ، ثمَّ رد يَدَيْهِ إِلَى ناصيته فَمسح رَأسه كُله) . وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الدّلَالَة من الحَدِيث وَالْآيَة: ان لفظ الْآيَة مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مسح الْكل، عَن أَن: الْبَاء، زَائِدَة، أَو مسح الْبَعْض على أَنَّهَا تبعيضية، فَتبين بِفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن المُرَاد الأول. قلت: لَا إِجْمَال فِي الْآيَة، وَإِنَّمَا الْإِجْمَال فِي الْمِقْدَار دون الْمحل، لِأَن الرَّأْس وَهُوَ مَعْلُوم، وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَيَانا للإجمال الَّذِي فِي الْمِقْدَار، وَهَذَا الْقَائِل لَو علم معنى الْإِجْمَال لما قَالَ لفظ الْآيَة مُجمل. قَوْله: (فاحتج) اي: مَالك احْتج بِحَدِيث عبد الله بن زيد الَّذِي سَاقه هُنَا على عدم الْإِجْزَاء فِي مسح بعض الرَّأْس، وَالْمعْنَى: أَنه لما سُئِلَ عَن مسح الرَّأْس روى هَذَا الحَدِيث وَاحْتج بِهِ على أَنه لَا يجوز أَن يقْتَصر بِبَعْض الرَّأْس.

١٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ عَمرِو بن يَحْيىَ المَازِنيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلاً قالَ لَعْبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ وَهوَ جَدُّ عَمْرِو بنِ يَحْيىَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّا فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ نَعَمْ فَدَعًّ بِماءٍ فَأفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثاً ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلاثاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن مَرَّتَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رأْسَهُ بِيَدَيْهِ فأقْبَلَ بِهِمَا وَأدْبَرَ بَدَأَ بِمقَدَّم رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ مسح رَأسه) . إِلَى آخِره.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: عبد الله يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: مَالك بن انس. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَقد تقدمُوا. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن، واسْمه تَمِيم بن عبد بن عَمْرو بن قيس، وَأَبُو حسن لَهُ صُحْبَة، وَكَذَا لعمارة فِيمَا جزم بِهِ ابْن عبد الْبر. وَقَالَ أَبُو نعيم: فِيهِ نظر. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عمَارَة بن أبي حسن الْأنْصَارِيّ الْمَازِني، لَهُ صُحْبَة، وَقيل: ابوه بَدْرِي وعقبي. الْخَامِس: الرجل السَّائِل هُوَ عمر بن يحيى، وَإِنَّمَا قَالَ: جد عَمْرو بن يحيى تجوزاً لِأَنَّهُ عَم أَبِيه، وَسَماهُ جَداً لكَونه فِي مَنْزِلَته. وَقيل: إِن المُرَاد بقوله هُوَ عبد الله بن زيد وَهَذَا وهم، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَداً لعَمْرو بن يحيى لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَذكر فِي (الْكَمَال) فِي تَرْجَمَة عَمْرو بن يحيى أَنه ابْن بنت عبد الله بن زيد. قَالُوا: إِنَّه غلط، وَقد ذكر مُحَمَّد بن سعد أَن أم عَمْرو بن يحيى هِيَ حميدة بنت مُحَمَّد بن إِيَاس بن بكير، وَقَالَ غَيره: هِيَ أم النُّعْمَان بنت أبي حَيَّة. وَالله اعْلَم. وَقد اخْتلف رُوَاة (الْمُوَطَّأ) فِي تعْيين هَذَا السَّائِل فأبهمه أَكْثَرهم. قَالَ معن بن عِيسَى فِي رِوَايَته عَن عَمْرو عَن ابيه يحيى: إِنَّه سمع أَبَا مُحَمَّد بن حسن، وَهُوَ جد عَمْرو بن يحيى. قَالَ لعبد الله بن زيد، وَكَانَ من الصَّحَابَة فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ: عَن مَالك حَدثنَا عَمْرو عَن أَبِيه يحيى أَنه سمع جده أَبَا حسن يسْأَل عبد الله بن زيد، وَكَذَا سَاقه سَحْنُون فِي (الْمُدَوَّنَة) . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : عَن مَالك عَن عَمْرو عَن أَبِيه. فَإِن قلت: هَل يُمكن أَن يجمع هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: يُمكن أَن يُقَال: اجْتمع عِنْد عبد الله بن زيد بن ابي حسن الْأنْصَارِيّ وَابْنه عَمْرو وَابْن ابْنه عمَارَة بن أبي حسن، فَسَأَلُوهُ عَن صفة وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتَوَلَّى السُّؤَال مِنْهُم لَهُ عمَارَة بن أبي حسن، فَحَيْثُ نسب إِلَيْهِ السُّؤَال كَانَ على الْحَقِيقَة، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد البُخَارِيّ فِي بَاب الْوضُوء من التور، قَالَ: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عمي، يعْنى عَمْرو بن أبي حسن، يكثر الْوضُوء، فَقَالَ لعبد الله ابْن زيد: أَخْبرنِي، فَذكره. وَحَيْثُ نسب السُّؤَال إِلَى أبي حسن فعلى الْمجَاز لكَونه كَانَ الْأَكْبَر وَكَانَ حَاضرا، وَحَيْثُ نسب السُّؤَال ليحيى بن عمَارَة فعلى الْمجَاز أَيْضا لكَونه ناقل الحَدِيث، وَقد حضر السُّؤَال، وَكَانُوا كلهم متفقين على السُّؤَال،

غير أَن السَّائِل مِنْهُم كَانَ عَمْرو بن أبي حسن، ويوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من حَدِيث الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن عَمه عَمْرو بن أبي حسن. قَالَ: كنت كثير الْوضُوء فَقلت لعبد الله بن زيد ... الحَدِيث السَّادِس: من الرِّجَال عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالْأَخْبَار، كَذَلِك والعنعنة وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مذنيون إلَاّ عبد الله بن يُوسُف وَقد دَخلهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة فِي خَمْسَة مَوَاضِع عَن عبد الله بن يُوسُف هُنَا، وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَسليمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن وهيب، وَعَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَعَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله وَعَن أَحْمد ابْن يُونُس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون، خمستهم عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا، وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا فِي الطَّهَارَة: فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد وَعَن القعْنبِي وَعَن الْحسن بن عَليّ، وَالتِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ بِهِ مُخْتَصرا. وَالنَّسَائِيّ عَن عقبَة بن عبد الله بن الْيَعْمرِي وَعَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور؛ وَابْن مَاجَه عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان وحرملة بن عِيسَى كِلَاهُمَا عَن الشَّافِعِي عَن مَالك وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة مُخْتَصرا، وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا.

بَيَان اللُّغَات والمعاني قَوْله: (فأفرغ على يَده) أَي: فصب المَاء على يَده، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (يَدَيْهِ) . قَوْله: وَفِي رِوَايَة مُوسَى عَن وهيب: فأكفأ، بهمزتين. وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب فِي بَاب مسح الرَّأْس مرّة عَن وهيب: فكفأ، بِفَتْح الْكَاف وهما لُغَتَانِ بِمَعْنى. يُقَال: كفأ الْإِنَاء وأكفأه إِذا أماله. وَقَالَ الْكسَائي: كفأت الْإِنَاء كببته، وأكفأته أملته، وَالْمرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ أفراغ المَاء من الْإِنَاء على الْيَد. قَوْله: (فَغسل يَده مرَّتَيْنِ) بإفراد الْيَد فِي رِوَايَة مَالك، وتثنية الْيَد فِي رِوَايَة وهيب وَسليمَان بن بِلَال عِنْد البُخَارِيّ، وَكَذَا الدراورذي عِنْد ابي نعيم، وَفِي رِوَايَة مَالك: (فَغسل يَده مرَّتَيْنِ) . بإفراد الْيَد، يحمل على الْجِنْس، ثمَّ إِنَّه عِنْد مَالك مرَّتَيْنِ، وَعند هَؤُلَاءِ ثَلَاثًا، وَكَذَا لخَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم فان قلت: لِمَ لَا يحمل هَذَا على الوقعتين؟ قلت: الْمخْرج وَاحِد وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. قَوْله: (ثمَّ تمضمض واستنثر) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مضمض واستنشق) وَمعنى استنثر: استنشق المَاء ثمَّ اسْتِخْرَاج ذَلِك بِنَفس الْأنف، والنثرة الخيشوم وَمَا ولاه وتشق واستنشق المَاء فِي أَنفه صبه فِيهِ وَيُقَال نشر وانتشر واستنشر إِذا حرك النشرة، وَهِي طرف الْأنف. وَقَالَ بَعضهم: الاستنثار يسْتَلْزم الِاسْتِنْشَاق بِلَا عكس. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة: الِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَاحِد. قَوْله: (ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات فِي ذَلِك. قَوْله: (ثمَّ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ) كَذَا بتكرار: مرَّتَيْنِ، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات عَن عَمْرو بن يحيى فِي غسل الْيَدَيْنِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حبَان بن وَاسع عَن عبد الله بن زيد: (انه رأى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، تَوَضَّأ وَفِيه يَده الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا) فَيحمل عل أَنه وضوء آخر لكَون مخرج الْحَدِيثين غير مُتحد. قَوْله: (إِلَى الْمرْفقين) كَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: إِلَى الْمرْفق، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس. قَوْله: (ثمَّ مسح رَأسه) زَاد ابْن الطباع لَفظه: كُله، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رِوَايَة خَالِد بن عبد الله: (مسح بِرَأْسِهِ) ، بِزِيَادَة: الْبَاء. قَوْله: (ثمَّ غسل رجلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة وهيب الْآتِيَة إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

بَيَان الْإِعْرَاب قَوْله: (أتستطيع) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أَن تريني) فكلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول: تَسْتَطِيع، وَالتَّقْدِير: هَل تَسْتَطِيع الإراءة إيَّايَ كَيفَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ؟ قَوْله: (يتَوَضَّأ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، وَيجوز أَن تكون تَامَّة وَيكون قَوْله: (يتَوَضَّأ) حَالا. قَوْله: (نعم) ، مقول القَوْل، وَهُوَ يكون جملَة، وَالتَّقْدِير: نعم أَسْتَطِيع أَن أريك. قَوْله: (فَدَعَا بِمَاء) الْفَاء: للتعقيب، وَكَذَا: الْفَاء فِي: فافرغ، وَفِي: فَغسل يَدَيْهِ، وَأما كلمة: ثمَّ، فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي الحَدِيث بِمَعْنى: الْوَاو، وَلَيْسَت على مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ، وَهُوَ: الْإِمْهَال. كَذَا قَالَ ابْن بطال. قلت: ثمَّ،

فِي هَذِه الْمَوَاضِع للتَّرْتِيب لِأَن: ثمَّ، تسْتَعْمل لثَلَاثَة معَان: التَّشْرِيك فِي الحكم، وَالتَّرْتِيب، والمهلة. مَعَ أَن فِي كل وَاحِد خلافًا، وَالْمرَاد من التَّرْتِيب هُوَ التَّرْتِيب فِي الْإِخْبَار لَا التَّرْتِيب فِي الحكم مثل مَا يُقَال بَلغنِي مَا صنعت الْيَوْم ثمَّ مَا صنعت أمس أعجب! أَي: ثمَّ أخْبرك أَن الَّذِي صَنعته أمس أعجب. قَوْله: (بَدَأَ بِمقدم رَأسه) إِلَى قَوْله: (مِنْهُ) بَيَان لقَوْله: (فَأقبل بهما وَأدبر) ، وَلذَلِك لم تدخل الْوَاو عَلَيْهِ. قَوْله: (بَدَأَ مِنْهُ) إِلَى آخِره من الحَدِيث، وَلَيْسَ مدرجاً من كَلَام مَالك.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ غسل الْيَد قبل شُرُوعه فِي الْوضُوء، وَذكر هُنَا مرَّتَيْنِ، وَذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، ثمَّ إِن هَذَا الْغسْل لَيْسَ من سنَن الْوضُوء وَلَا من الْفُرُوض، وَذهب دَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى إِيجَاب ذَلِك، وَأَن المَاء ينجس إِن لم تكن الْيَد مغسولة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: غسلهمَا عبَادَة؛ وَقَالَ مَالك: السّنة أَن يغسل يَدَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي الْوضُوء مرَّتَيْنِ، كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث. قلت: فِيهِ أَقْوَال خَمْسَة: الأول: إِنَّه سنة، وَهُوَ الْمَشْهُور عندنَا، كَذَا فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) وَيدل عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يتَوَضَّأ قطّ إلَاّ غسل يَدَيْهِ. وَفِي (الْمَنَافِع) تَقْدِيم غسلهمَا إِلَى الرسغين سنة تنوب عَن الْفَرْض، كالفاتحة تنوب عَن الْوَاجِب وَفرض الْقِرَاءَة. الثَّانِي: إِنَّه مُسْتَحبّ للشَّاكِّ فِي طَهَارَة يَده، كَذَا رُوِيَ عَن مَالك. الثَّالِث: إِنَّه وَاجِب على المنتبه من نوم اللَّيْل دون نوم النَّهَار، قَالَ أَحْمد. الرَّابِع: إِن من شكّ: هَل أَصَابَت يَده نَجَاسَة أم لَا؟ يجب غسلهمَا فِي مَشْهُور مَذْهَب مَالك. الْخَامِس: إِنَّه وَاجِب على المنتبه من النّوم مُطلقًا، وَبِه قَالَ دَاوُد وَأَصْحَابه. وَفِي الْحَوَاشِي تَقْدِيم غسل الْيَدَيْنِ للمستيقظ يتْرك بِالْحَدِيثِ، وإلَاّ فسببه شَامِل لَهُ وَلغيره.

الثَّانِي: فِيهِ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وهما سنتَانِ فِي الْوضُوء، فرضان فِي الْغسْل. وَبِه قَالَ الثَّوْريّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: سنتَانِ فيهمَا، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَالْحكم وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث، وَهُوَ رِوَايَة عَن عَطاء وَأحمد، وَعنهُ أَنَّهُمَا واجبتان فيهمَا، وَهُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَحَمَّاد وَإِسْحَاق. وَالْمذهب الرَّابِع: أَن الِاسْتِنْشَاق وَاجِب فِي الْوضُوء وَالْغسْل دون الْمَضْمَضَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد.

الثَّالِث: فِيهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مضمض واستنشق ثَلَاثًا بِثَلَاث غرفات، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَفِي (الرَّوْضَة) . فِي كيفيته وَجْهَان: أصَحهمَا: يتمضمض من غرفَة ثَلَاثًا، ويستنشق من أُخْرَى ثَلَاثًا. وَالثَّانِي: بست غرفات. وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا بِحَدِيث التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي: (مضمض ثَلَاثًا، واستنشق ثَلَاثًا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قلت: لَمْ يحكِ فِيهِ ان كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِدَة بل حكى انه تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا قلت مضمونه ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ أَن يَأْخُذ لكل وَاحِد مِنْهُمَا مَاء جَدِيدا، وَكَذَا روى الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة، وَثَلَاث غرفات للاستنشاق.

الرَّابِع: فِيهِ غسل الْوَجْه ثَلَاث مَرَّات، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف.

الْخَامِس: فِيهِ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاثًا. فَإِن قلت: هَل هَذَا يغسل يَدَيْهِ هَهُنَا من أول الْأَصَابِع أَو يغسل ذِرَاعَيْهِ؟ قلت: ذكر فِي الأَصْل غسل ذِرَاعَيْهِ لَا غير لتقدم غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغ مرّة، وَفِي (الذَّخِيرَة) : الْأَصَح عِنْدِي أَن يُعِيد غسل الْيَدَيْنِ ظاهرهما وباطنهما، لِأَن الأول كَانَ سنة افْتِتَاح الْوضُوء، فَلَا يَنُوب عَن فرض الْوضُوء.

السَّادِس: فِيهِ أَن الْمرْفقين هما يدخلَانِ فِي غسل الْيَدَيْنِ عِنْد الْجُمْهُور، خلافًا لزفَر وَمَالك فِي رِوَايَة، وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث جَابر: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تَوَضَّأ أدَار المَاء على مرفقيه) ، وروى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر: (وَغسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوز الْمرْفق) ، وروى الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ثَعْلَبَة بن عباد الْعَبْدي عَن أَبِيه مَرْفُوعا: (ثمَّ غسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء على مرفقيه) .

السَّابِع: فِيهِ مسح رَأسه، احْتج بِهِ مَالك وَابْن علية وَأحمد فِي رِوَايَة عَليّ أَن مسح جَمِيع الرَّأْس فرض؛ وَلَكِن أَصْحَاب مَالك اخْتلفُوا، فَقَالَ أَشهب: يجوز مسح بعض الرَّأْس، وَقَالَ غَيره: الثُّلُث فَصَاعِدا، وَعِنْدنَا وَعند الشَّافِعِي: الْفَرْض مسح بعض الرَّأْس. فَقَالَ أَصْحَابنَا: ذَلِك الْبَعْض هُوَ ربع الرَّأْس، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة لِأَن الْكتاب مُجمل فِي حق الْمِقْدَار فَقَط، لِأَن: الْبَاء، فِي (وامسحو برؤوسكم) للإلصاق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع، فَإِذا قرنت بِآلَة الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى مَحل الْمسْح فَيتَنَاوَل جَمِيعه، كَمَا تَقول: مسحت الْحَائِط بيَدي، ومسحت رَأس الْيَتِيم بيَدي، فَيتَنَاوَل كُله،

وَإِذا قرنت بِمحل الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى الْآلَة فَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَاب، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلصاق الْآلَة بِالْمحل، وَذَلِكَ يستوعب الْكل عَادَة بل أَكثر الْآلَة ينزل منزلَة الْكل فيتأدى الْمسْح بإلصاق ثَلَاثَة أَصَابِع بِمحل الْمسْح، وَمعنى التَّبْعِيض إِنَّمَا يثبت بِهَذَا الطَّرِيق لَا بِمَعْنى أَن: الْبَاء، للتَّبْعِيض، كَمَا قَالَه الْبَعْض. وَقد أنكر بعض أهل الْعَرَبيَّة كَون: الْبَاء، للتَّبْعِيض، وَقَالَ ابْن برهَان: من زعم أَن: الْبَاء، تفِيد التَّبْعِيض فقد جَاءَ أهل اللُّغَة بِمَا لَا يعْرفُونَ، وَقد جعل الْجِرْجَانِيّ معنى الإلصاق فِي: الْبَاء، أصلا وَإِن كَانَت تَجِيء لمعانٍ كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن هَاشم: أثبت مَجِيء: الْبَاء، للتَّبْعِيض الْأَصْمَعِي والفارسي والقتبي وَابْن مَالك. قيل: والكوفيون، وَجعلُوا مِنْهُ: {عينا يشرب بهَا عباد الله} (الْإِنْسَان: ٦) قيل وَمِنْه: {وامسحوا برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) فَالظَّاهِر

أَن: الْبَاء، فيهمَا للإلصاق. وَقيل: هِيَ فِي آيَة الْوضُوء للاستعانة، وَإِن فِي الْكَلَام حذفا وَقَلْبًا، فَإِن: مسح، يتَعَدَّى إِلَى المزال عَنهُ بِنَفسِهِ، وَإِلَى المزيل: بِالْبَاء، فَالْأَصْل امسحوا رؤوسكم بِالْمَاءِ. فان قلت: أَلَيْسَ أَن فِي التَّيَمُّم حكم الْمسْح ثَبت بقوله: {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (النِّسَاء: ٤٣) ، ثمَّ الإستيعاب فِيهِ شَرط؟ قلت: عرف الِاسْتِيعَاب فِيهِ إِمَّا بِإِشَارَة الْكتاب، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أَقَامَ التَّيَمُّم فِي هذَيْن العضوين مقَام الْغسْل عِنْد تعذره، والاستيعاب فرض بِالنَّصِّ، وَكَذَا فِيمَا قَامَ مقَامه، أَو عرف ذَلِك بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (يَكْفِيك ضربتان: ضَرْبَة للْوَجْه وضربه للذراعين) . وَأما على رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّه لَا يشْتَرط الِاسْتِيعَاب فَلَا يرد شَيْء. فَإِن قلت: الْمسْح فرض، والمفروض مِقْدَار الناصية، وَمن حكم الْفَرْض أَن يكفر جاحده، وجاحد الْمِقْدَار لَا يكفر، فَكيف يكون فرضا؟ قلت: بل جَاحد، أصل الْمسْح كَافِر لِأَنَّهُ قَطْعِيّ، وجاحد الْمِقْدَار لَا يكفر لِأَنَّهُ فِي حق الْمِقْدَار ظَنِّي. فان قلت: أَيهَا الْحَنَفِيّ! إِنَّك استدللت بِحَدِيث الْمُغيرَة على أَن الْمِقْدَار فِي الْمسْح هُوَ قدر الناصية، وَتركت بَقِيَّة الحَدِيث وَهُوَ: الْمسْح على الْعِمَامَة. قلت: لَو عَملنَا بِكُل الحَدِيث يلْزم بِهِ الزِّيَادَة على النَّص، لِأَن هَذَا خبر الْوَاحِد، وَالزِّيَادَة بِهِ على الْكتاب نسخ، فَلَا يجوز. وَأما الْمسْح على الرَّأْس فقد ثَبت بِالْكتاب فَلَا يلْزم ذَلِك، وَأما مَسحه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الْعِمَامَة فأوله الْبَعْض بَان المُرَاد بِهِ مَا تَحْتَهُ من قبيل إِطْلَاق اسْم الْحَال على الْمحل، وأوله الْبَعْض بِأَن الرَّاوِي كَانَ بَعيدا عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَمسح على رَأسه وَلم يضع الْعِمَامَة من رَأسه، فَظن الرَّاوِي أَنه مسح على الْعِمَامَة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأحسن مَا حمل عَلَيْهِ أَصْحَابنَا حَدِيث الْمسْح على الْعِمَامَة أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَعَلَّه كَانَ بِهِ مرض مَنعه كشف رَأسه، فَصَارَت الْعِمَامَة كالجبيرة الَّتِي يمسح عَلَيْهَا للضَّرُورَة. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن قيل: فَلَعَلَّهُ اقْتصر على مسح الناصية لعذر لِأَنَّهُ كَانَ فِي سفر، وَهُوَ مَظَنَّة الْعذر، وَلِهَذَا مسح على الْعِمَامَة بعد مسح الناصية، كَمَا هُوَ ظَاهر سِيَاق مُسلم من حَدِيث الْمُغيرَة. قُلْنَا: قد رُوِيَ عَنهُ مسح مقدم الرَّأْس من غير مسح على الْعِمَامَة. وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي من حَدِيث عَطاء: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فحسر الْعِمَامَة عَن رَأسه وَمسح مقدم رَأسه) ، وَهُوَ مُرْسل، لكنه اعتضد من وَجه آخر مَوْصُولا، أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس. وَفِي إِسْنَاده أَبُو معقل لَا يعرف حَاله، فقد اعتضد كل من الْمُرْسل والموصول بِالْآخرِ، وحصلت الْقُوَّة من الصُّورَة الْمَجْمُوعَة. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل من أعجب الْعَجَائِب لِأَنَّهُ يَدعِي أَن الْمُرْسل غير حجَّة عِنْد إِمَامه، ثمَّ يَدعِي أَنه اعتضد بِحَدِيث مَوْصُول ضَعِيف باعترافه هُوَ، ثمَّ يَقُول: وحصلت الْقُوَّة من الصُّورَة الْمَجْمُوعَة، فَكيف تحصل الْقُوَّة من شَيْء لَيْسَ بِحجَّة وَشَيْء ضَعِيف؟ فَإِذا كَانَ الْمُرْسل غير حجَّة يكون فِي حكم الْعَدَم، وَلَا يبْقى إلَاّ الحَدِيث الضَّعِيف وَحده، فَكيف تكون الصُّورَة الْمَجْمُوعَة؟ .

الثَّامِن: فِيهِ الْبدَاءَة فِي مسح الرَّأْس بمقدمه، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة. فَعِنْدَ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن زيد: (ثمَّ مسح رَأسه بيدَيْهِ، فَأقبل بهما وادبر، بَدَأَ بِمقدم رَأسه ثمَّ ذهب بهما إِلَى قَفاهُ، ثمَّ ردهما حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) . وَعند ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الرّبيع: (بَدَأَ بمؤخره ثمَّ مد يَدَيْهِ على ناصيته) . وَعند الطَّبَرَانِيّ: (بَدَأَ بمؤخر رَأسه ثمَّ جَرّه إِلَى مؤخره) . وَعند أبي دَاوُد: (يبْدَأ بمؤخره ثمَّ بمقدمه وبإذنه كليهمَا) . وَفِي لفظ: (مسح الراس كُله من قرن الشّعْر كل ناحيته لمنصب الشّعْر لَا يُحَرك الشّعْر عَن هَيئته) . وَفِي لفظ: (مسح رَأسه كُله وَمَا أقبل وَمَا أدبر وصدغيه) . وَعند الْبَزَّار من حَدِيث أبي بكرَة يرفعهُ: (تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) وَفِيه: (مسح بِرَأْسِهِ يقبل بِيَدِهِ من مقدمه إِلَى مؤخره وَمن مؤخره إِلَى مقدمه) . وَعند ابْن نَافِع من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (وضع يَدَيْهِ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (مَخْرَمَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (فَاضْطَجَعْتُ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَفِيهِ الْتِفَاتٌ لِأَنَّ أُسْلُوبَ الْكَلَامِ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ فَاضْطَجَعَ؛ لِأَنَّهُ قال قَبْلَ ذَلِكَ: إِنَّهُ بَاتَ.

قَوْلُهُ: (فِي عَرْضِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِالضَّمِّ أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، قال:؛ لِأَنَّ الْعُرْضَ بِالضَّمِّ هُوَ الْجَانِبُ وَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ. قُلْتُ: لَكِنْ لَمَّا قال: فِي طُولِهَا تَعَيَّنَ الْمُرَادُ، وَقَدْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ.

قَوْلُهُ: (يَمْسَحُ النَّوْمَ)؛ أَيْ: يَمْسَحُ بِيَدِهِ عَيْنَيْهِ، مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ، أَوْ أَثَرَ النَّوْمِ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ.

قَوْلُهُ (ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ أَوَّلَهَا) ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قال ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رَدِّ مَنْ كَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، لِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَاتِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي حَقِّهِ يَنْقُضُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ قال: تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي وَأَمَّا كَوْنُهُ تَوَضَّأَ عَقِبَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّهُ جَدَّدَ الْوُضُوءَ أَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَتَوَضَّأَ. قُلْتُ: وَهُوَ تَعْقِيبٌ جَيِّدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ بَطَّالٍ: بَعْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ أَحْدَثَ فِي النَّوْمِ، لَكِنْ لَمَّا عَقَّبَ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ كَانَ ظَاهِرًا فِي كَوْنِهِ أَحْدَثَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ نَوْمِهِ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ حَدَثٌ وَهُوَ نَائِمٌ، نَعَمْ خُصُوصِيَّتُهُ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ شَعَرَ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَمَا ادَّعَوْهُ مِنَ التَّجْدِيدِ وَغَيْرِهِ الْأَصْلُ عَدَمُهُ.

وَقَدْ سَبَقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُنَاسَبَةَ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُضَاجَعَةَ الْأَهْلِ فِي الْفِرَاشِ لَا تَخْلُو مِنَ الْمُلَامَسَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ وَلَمْ يُرِدِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ مُجَرَّدَ نَوْمِهِ يَنْقُضُ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُ فِي بَابِ التَّخْفِيفِ فِي الْوُضُوءِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْحَلَبِيَّاتِ لِلسُّبْكِيِّ الْكَبِيرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اعْتِرَاضَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ احْتَجَّ بِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ، أَوِ اعْتَبَرَ اضْطِجَاعَ النَّبِيِّ مَعَ أَهْلِهِ وَاللَّمْسَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَوْجِيهُ مَا قَيَّدْتُ الْحَدِيثَ بِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَصْغَرُ، إِذْ لَوْ كَانَ الْأَكْبَرَ لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّى بَلْ كَانَ يَغْتَسِلُ.

قَوْلُهُ: (إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ)، قال الْخَطَّابِيُّ: الشَّنُّ الْقِرْبَةُ الَّتِي تَبَدَّتْ لِلْبَلَاءِ، وَلِذَلِكَ قال: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُعَلَّقَةٍ فَأَنَّثَ لِإِرَادَةِ الْقِرْبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي بَابِ تَخْفِيفِ الْوُضُوءِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَلْيُرَاجَعْ مِنْ ثَمَّ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(تَنْبِيهٌ): رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَرَاهَةَ ذِكْرِ اللَّهِ بَعْدَ الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الْمُصَنِّفِ.

٣٧ - بَاب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنْ الْغَشْيِ الْمُثْقِلِ

١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ حِينَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٧) هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ) لا من الغشيِ غير المُثقِل، وليس المُراد من توضَّأ من الغشيِ المُثقِل لا من سببٍ آخر من أسباب الحدث، و «الغَشْي» بفتح الغَيْن وسكون الشِّين المُعجَمَتين: ضربٌ من الإغماء، إلَّا أنَّه أخفُّ منه، و «المُثقِل» بضمِّ الميم وكسر القاف: صفةٌ للغشيِ.

١٨٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أُويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية ابن عساكر (١): «حدَّثنا» (مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، الإمام (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بنِ الزُّبير بنِ العوَّام القرشيِّ

(عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ) بنت المنذر بنِ الزُّبير بنِ العوَّام (عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق، وهي زوجة الزُّبير بنِ العوَّام، وفي بعض النُّسخ: «عن جدَّته» بتذكير الضَّمير، وهو صحيحٌ؛ لأنَّ أسماء جدَّةٌ لهشامٍ ولفاطمة (١) كليهما لأنَّها أمُّ أبيه عروة، كما أنَّها أمُّ المنذر أبي فاطمة (أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء والسِّين (٢)، أي: ذهب ضوؤها كلُّه أو بعضه (فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ) أي: عائشة (قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ) عائشة (بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «فقالت»: (سُبْحَانَ اللهِ! فَقُلْتُ: آيَةٌ) هي؟ أي: علامةٌ لعذاب النَّاس؟ (فَأَشَارَتْ) عائشة برأسها (أَنْ) ولكريمة: «أي» (نَعَمْ) وهي الرِّواية المتقدِّمة في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد و (٣) الرَّأس» [خ¦٨٦] وهما حرفا تفسيرٍ، قالت أسماءُ: (فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي) بالجيم، أي: غطَّاني (الغَشْيُ) من طول تعب الوقوف (وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً) مُدافَعةً للغشي، وهذا يدلُّ على أنَّ حواسَّها كانت مدركةً، وإِلَّا فالإغماء الشَّديد المستغرق ينقض الوضوء بالإجماع (فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ) مِنَ الصَّلاة، أو من المسجد (٤) (حَمِدَ اللهَ) تعالى (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) من باب عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ) : (مَا مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء (كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) رؤية عينٍ حقيقةً حال كوني (فِي مَقَامِي هَذَا) بفتح الميم (حَتَّى الجَنَّةَُِ وَالنَّارَُِ) برفعهما ونصبهما وجرِّهما، وتقدَّم توجيهها مع استشكال البدرِ الدَّمامينيِّ وجهَ الجرِّ، فليُراجَع (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ) وفي رواية الأَصيليِّ: «في قبوركم» (مِثْلَ) فتنة المسيح

الدَّجَّال (أَوْ قَرِيبًا) وفي رواية الأربعة: «قريبَ» (١) (مِنْ فِتْنَةِ) المسيح (الدَّجَّالِ. لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) (يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟) أي: النَّبيّ (فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ) بنبوَّته ، قالت فاطمة بنت المنذر: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ) المؤمن أو الموقن (قَالَتْ أَسْمَاءُ، فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بِالبَيِّنَاتِ) الدَّالَّة على نبوَّته (وَالهُدَى) أي: الموصل للمُراد (فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا) بحذف ضمير المفعول في الثَّلاثة (فَيُقَالُ: نَمْ) وفي رواية الحَمُّويي والأَصيليِّ: «فيُقال له: نَمْ» حال كونك (صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا (٢)) به (٣)، وفي همزة «إِنْ»: الكسر، والفتح ورجَّحه البدر الدَّمامينيُّ، بل قال: إنَّه المتعيّن كما سبق تقريره في «باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرَّأس» من «كتاب العلم» [خ¦٨٦] (وَأَمَّا المُنَافِقُ) غير المصدِّق بقلبه لنبوَّته (٤) (أَوِ المُرْتَابُ) الشَّاكُّ، قالت فاطمة: (لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) (فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ) ومحلُّ استدلال المؤلِّف للتَّرجمة من هذا الحديث فعلُ أسماءَ، من جهة أنَّها كانت تصلِّي خلف النَّبيِّ ، فكان يرى الذين خلفه وهو في الصَّلاة، ولم يُنقَل أنَّه أنكر عليها، وقد تقدَّم شيءٌ من مباحث هذا الحديث في «باب العلم» [خ¦٨٦] ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «كتاب صلاة الخسوف» [خ¦١٠٥٣].

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأقران: هشامٍ وزوجته فاطمة، وفيه: التَّحديث

بالإفراد والجمع والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «العلم» [خ¦٨٦] و «الطَّهارة» [خ¦٩٢٢] و «الكسوف» [خ¦١٠٥٣] و «الاعتصام» و «الاجتهاد» [خ¦٧٢٨٧] و «السَّهو» [خ¦١٢٣٥]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

(٣٨) (باب مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ) في الوضوء، وفي رواية المُستملي: الاقتصار على «مسح الرَّأس»، وإسقاط لفظ: «كلِّه» (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) وفي رواية ابن عساكر: «» وفي رواية الأَصيليِّ: «﷿»: (﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]) أي: امسحوا رؤوسكم كلَّها، فـ «الباء» زائدةٌ عند المؤلِّف كمالكٍ (وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّب) سعيدٌ: (المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، ولفظه: «المرأة والرِّجال (١) في المسح سواء»، وعن أحمد: يكفي المرأة مسح مُقدَّم رأسها (وَسُئِلَ مَالِكٌ) الإمام الأعظم، والسَّائل له: إسحاق بن عيسى ابن (٢) الطَّبَّاع، كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» (٣): (أَيُجْزِئُ) بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مِنَ الإجزاء وهو الأداء الكافي لسقوط التَّعبُّد به، وبفتح الياء (٤) من جزى يجزي، أي: يكفي (٥)، والهمزة فيه للاستفهام (أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ) وفي رواية ابن عساكر: «ببعض» (الرَّأْسِ؟) وفي رواية أبوَي ذَرٍّ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مثْلَ أوْ قَرِيباً من فِتْنَةِ الدَّجَّالِ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْمَاءُ يُؤْتَي أحَدُكُمْ فَيُقَال مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ فأَما المُؤْمِنُ أوِ المُوقِنُ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ جاءَنَا بالبَيِّنَاتِ والهُدَى فَاجَبْنَا وآمنَّا واتَّبَعْنَا فَيُقالُ نَمْ صَالِحاً فَقَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَمُؤْمِناً وأمَّا المُنَافِقُ أوِ المُرْتَابُ لَا أدْرِي أيَّ ذَلِكَ قالتْ أْسمَاءُ فَيقُولُ لَا أدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شيْئاً فقلْتُهُ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (حَتَّى تجلاني الغشي) ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُثقلًا لَكَانَ إنتقض الْوضُوء مِنْهَا، لِأَنَّهُ كالإغماء حِينَئِذٍ، وَالدَّلِيل على أَنه لم يكن مُثقلًا لِأَنَّهَا صبَّتْ المَاء على رَأسهَا ليزول الغشي، وَذَلِكَ يدل على أَن حواسها كَانَت حَاضِرَة، وَهُوَ يدل على عدم انْتِقَاض وضوئها.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، وَقد مر عَن قريب. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام القريشي؛ وَالرَّابِع: فَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: جدَّتهَا أَسمَاء، على وزن حَمْرَاء، بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله عَنْهُم، وَزَوْجَة الزبير بن الْعَوام، وَفِي بعض النّسخ عَن: جدته، بتذكير الضَّمِير، وَكِلَاهُمَا صَحِيحَانِ بِلَا تفَاوت فِي الْمَعْنى، لِأَن أَسمَاء جدة لهشام ولفاطمة كليهمَا، وَتقدم ذكر الثَّلَاثَة فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد. السَّادِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله عَنْهَا.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد والعنعنة وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الأقران هِشَام وَامْرَأَته فَاطِمَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي الطَّهَارَة عَن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْكُسُوف عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الِاعْتِصَام عَن القعْنبِي، ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك، وَفِي الْعلم عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن وهيب، وَفِي الْجِهَاد، وَقَالَ مَحْمُود: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَفِي السمر عَن يحيى ابْن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن هِشَام بِهِ مُخْتَصرا. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن أبي كريب عَن عبد الله بن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة بِهِ، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب، كِلَاهُمَا عَن أبي أُسَامَة نَحوه، وَقد مر الْكَلَام فِي هَذَا الحَدِيث مُسْتَوفى فِي كتاب الْعلم فِي بَاب: من أجَاب الْفتيا بِإِشَارَة الْيَد وَالرَّأْس، وَكَانَت تَرْجَمَة الْبَاب فِيهِ.

٣٨ - (بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مسح كل الرَّأْس فِي الْوضُوء وَلَفظ: (كُله) ، مَوْجُود عِنْدهم إلَاّ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي فَإِنَّهُ سَاقِط.

والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْبَاب الأول مترجم بترك الْوضُوء من الغشي إلَاّ إِذا كَانَ مُثقلًا، وَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على مسح جَمِيع الرَّأْس، وَهُوَ جُزْء من الْوضُوء.

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالىَ وامْسَحُوا بِرُوسِكُمْ

احْتج البُخَارِيّ فِي وجوب مسح جَمِيع الرَّأْس بقوله تَعَالَى {وامسحو برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) واحتجاجه بِهِ إِنَّمَا يتم إِذا كَانَت: الْبَاء، زَائِدَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، رَحمَه الله تَعَالَى.

وقالَ ابنُ المُسَيَّبِ المَرْأةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا

أَي: قَالَ ابْن الْمسيب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَوَصله ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الْكَرِيم يعْنى ابْن مَالك عَن سعيد بن الْمسيب الْمَرْأَة وَالرجل فِي مسح الرَّأْس سَوَاء. قَوْله: (بِمَنْزِلَة الرجل) أَي: فِي وجوب مسح جَمِيع الرَّأْس، هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَمَعَ هَذَا يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَنه بِمَنْزِلَة الرجل فِي وجوب أصل الْمسْح، فَحِينَئِذٍ هَذَا الْأَثر لَا يساعد البُخَارِيّ فِي تبويبه لمسح كل الرَّأْس، وَنقل عَن أَحْمد أَنه قَالَ: يَكْفِي الْمَرْأَة مسح مقدم رَأسهَا.

وَسُئِلَ مالِكٌ: أيُجْزِىءُ أنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ فاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ

أيجزىء: يجوز فِيهِ الوجان: احدهما: بِفَتْح الْيَاء من جزى أَي كفى، والهمزة فِيهِ للاستفهام. وَالثَّانِي: بِضَم الْيَاء من الْإِجْزَاء وَهُوَ الْأَدَاء الْكَافِي لسُقُوط التَّعَبُّد بِهِ، وَفِي بعض النّسخ: بِبَعْض رَأسه، وَفِي بَعْضهَا: بعض الرَّأْس، والسائل عَن مَالك فِي مسح الرَّأْس هُوَ إِسْحَاق بن عِيسَى ابْن الطباع، بَينه ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) من طَرِيقه، وَلَفظه: سَأَلت مَالِكًا عَن الرجل يمسح مقدم رَأسه فِي وضوئِهِ أيجزيه؟ فَقَالَ: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن عبد الله بن زيد، قَالَ: (مسح رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي وضوئِهِ من ناصيته إِلَى قَفاهُ، ثمَّ رد يَدَيْهِ إِلَى ناصيته فَمسح رَأسه كُله) . وَقَالَ بَعضهم: مَوضِع الدّلَالَة من الحَدِيث وَالْآيَة: ان لفظ الْآيَة مُجمل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يُرَاد بهَا مسح الْكل، عَن أَن: الْبَاء، زَائِدَة، أَو مسح الْبَعْض على أَنَّهَا تبعيضية، فَتبين بِفعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن المُرَاد الأول. قلت: لَا إِجْمَال فِي الْآيَة، وَإِنَّمَا الْإِجْمَال فِي الْمِقْدَار دون الْمحل، لِأَن الرَّأْس وَهُوَ مَعْلُوم، وَفعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بَيَانا للإجمال الَّذِي فِي الْمِقْدَار، وَهَذَا الْقَائِل لَو علم معنى الْإِجْمَال لما قَالَ لفظ الْآيَة مُجمل. قَوْله: (فاحتج) اي: مَالك احْتج بِحَدِيث عبد الله بن زيد الَّذِي سَاقه هُنَا على عدم الْإِجْزَاء فِي مسح بعض الرَّأْس، وَالْمعْنَى: أَنه لما سُئِلَ عَن مسح الرَّأْس روى هَذَا الحَدِيث وَاحْتج بِهِ على أَنه لَا يجوز أَن يقْتَصر بِبَعْض الرَّأْس.

١٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ عَمرِو بن يَحْيىَ المَازِنيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلاً قالَ لَعْبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ وَهوَ جَدُّ عَمْرِو بنِ يَحْيىَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَوَضَّا فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ نَعَمْ فَدَعًّ بِماءٍ فَأفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثاً ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلاثاً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْن مَرَّتَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رأْسَهُ بِيَدَيْهِ فأقْبَلَ بِهِمَا وَأدْبَرَ بَدَأَ بِمقَدَّم رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ مسح رَأسه) . إِلَى آخِره.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: عبد الله يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: مَالك بن انس. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَقد تقدمُوا. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى بن عمَارَة بن أبي حسن، واسْمه تَمِيم بن عبد بن عَمْرو بن قيس، وَأَبُو حسن لَهُ صُحْبَة، وَكَذَا لعمارة فِيمَا جزم بِهِ ابْن عبد الْبر. وَقَالَ أَبُو نعيم: فِيهِ نظر. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: عمَارَة بن أبي حسن الْأنْصَارِيّ الْمَازِني، لَهُ صُحْبَة، وَقيل: ابوه بَدْرِي وعقبي. الْخَامِس: الرجل السَّائِل هُوَ عمر بن يحيى، وَإِنَّمَا قَالَ: جد عَمْرو بن يحيى تجوزاً لِأَنَّهُ عَم أَبِيه، وَسَماهُ جَداً لكَونه فِي مَنْزِلَته. وَقيل: إِن المُرَاد بقوله هُوَ عبد الله بن زيد وَهَذَا وهم، لِأَنَّهُ لَيْسَ جَداً لعَمْرو بن يحيى لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا، وَذكر فِي (الْكَمَال) فِي تَرْجَمَة عَمْرو بن يحيى أَنه ابْن بنت عبد الله بن زيد. قَالُوا: إِنَّه غلط، وَقد ذكر مُحَمَّد بن سعد أَن أم عَمْرو بن يحيى هِيَ حميدة بنت مُحَمَّد بن إِيَاس بن بكير، وَقَالَ غَيره: هِيَ أم النُّعْمَان بنت أبي حَيَّة. وَالله اعْلَم. وَقد اخْتلف رُوَاة (الْمُوَطَّأ) فِي تعْيين هَذَا السَّائِل فأبهمه أَكْثَرهم. قَالَ معن بن عِيسَى فِي رِوَايَته عَن عَمْرو عَن ابيه يحيى: إِنَّه سمع أَبَا مُحَمَّد بن حسن، وَهُوَ جد عَمْرو بن يحيى. قَالَ لعبد الله بن زيد، وَكَانَ من الصَّحَابَة فَذكر الحَدِيث، وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ: عَن مَالك حَدثنَا عَمْرو عَن أَبِيه يحيى أَنه سمع جده أَبَا حسن يسْأَل عبد الله بن زيد، وَكَذَا سَاقه سَحْنُون فِي (الْمُدَوَّنَة) . وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الْأُم) : عَن مَالك عَن عَمْرو عَن أَبِيه. فَإِن قلت: هَل يُمكن أَن يجمع هَذَا الِاخْتِلَاف؟ قلت: يُمكن أَن يُقَال: اجْتمع عِنْد عبد الله بن زيد بن ابي حسن الْأنْصَارِيّ وَابْنه عَمْرو وَابْن ابْنه عمَارَة بن أبي حسن، فَسَأَلُوهُ عَن صفة وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَتَوَلَّى السُّؤَال مِنْهُم لَهُ عمَارَة بن أبي حسن، فَحَيْثُ نسب إِلَيْهِ السُّؤَال كَانَ على الْحَقِيقَة، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة سُلَيْمَان بن بِلَال عِنْد البُخَارِيّ فِي بَاب الْوضُوء من التور، قَالَ: حَدثنِي عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ عمي، يعْنى عَمْرو بن أبي حسن، يكثر الْوضُوء، فَقَالَ لعبد الله ابْن زيد: أَخْبرنِي، فَذكره. وَحَيْثُ نسب السُّؤَال إِلَى أبي حسن فعلى الْمجَاز لكَونه كَانَ الْأَكْبَر وَكَانَ حَاضرا، وَحَيْثُ نسب السُّؤَال ليحيى بن عمَارَة فعلى الْمجَاز أَيْضا لكَونه ناقل الحَدِيث، وَقد حضر السُّؤَال، وَكَانُوا كلهم متفقين على السُّؤَال،

غير أَن السَّائِل مِنْهُم كَانَ عَمْرو بن أبي حسن، ويوضح ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من حَدِيث الدَّرَاورْدِي عَن عَمْرو بن يحيى عَن أَبِيه عَن عَمه عَمْرو بن أبي حسن. قَالَ: كنت كثير الْوضُوء فَقلت لعبد الله بن زيد ... الحَدِيث السَّادِس: من الرِّجَال عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالْأَخْبَار، كَذَلِك والعنعنة وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مذنيون إلَاّ عبد الله بن يُوسُف وَقد دَخلهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الابْن عَن الْأَب.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي الطَّهَارَة فِي خَمْسَة مَوَاضِع عَن عبد الله بن يُوسُف هُنَا، وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَسليمَان بن حَرْب، كِلَاهُمَا عَن وهيب، وَعَن خَالِد بن مخلد عَن سُلَيْمَان بن بِلَال، وَعَن مُسَدّد عَن خَالِد بن عبد الله وَعَن أَحْمد ابْن يُونُس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون، خمستهم عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني عَن أَبِيه بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَعَن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا، وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن بشر. وَأخرجه الْأَرْبَعَة أَيْضا فِي الطَّهَارَة: فَأَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد وَعَن القعْنبِي وَعَن الْحسن بن عَليّ، وَالتِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ بِهِ مُخْتَصرا. وَالنَّسَائِيّ عَن عقبَة بن عبد الله بن الْيَعْمرِي وَعَن مُحَمَّد بن مسلمة والْحَارث بن مِسْكين وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور؛ وَابْن مَاجَه عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان وحرملة بن عِيسَى كِلَاهُمَا عَن الشَّافِعِي عَن مَالك وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة مُخْتَصرا، وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد مُخْتَصرا.

بَيَان اللُّغَات والمعاني قَوْله: (فأفرغ على يَده) أَي: فصب المَاء على يَده، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (يَدَيْهِ) . قَوْله: وَفِي رِوَايَة مُوسَى عَن وهيب: فأكفأ، بهمزتين. وَفِي رِوَايَة سُلَيْمَان بن حَرْب فِي بَاب مسح الرَّأْس مرّة عَن وهيب: فكفأ، بِفَتْح الْكَاف وهما لُغَتَانِ بِمَعْنى. يُقَال: كفأ الْإِنَاء وأكفأه إِذا أماله. وَقَالَ الْكسَائي: كفأت الْإِنَاء كببته، وأكفأته أملته، وَالْمرَاد فِي الْمَوْضِعَيْنِ أفراغ المَاء من الْإِنَاء على الْيَد. قَوْله: (فَغسل يَده مرَّتَيْنِ) بإفراد الْيَد فِي رِوَايَة مَالك، وتثنية الْيَد فِي رِوَايَة وهيب وَسليمَان بن بِلَال عِنْد البُخَارِيّ، وَكَذَا الدراورذي عِنْد ابي نعيم، وَفِي رِوَايَة مَالك: (فَغسل يَده مرَّتَيْنِ) . بإفراد الْيَد، يحمل على الْجِنْس، ثمَّ إِنَّه عِنْد مَالك مرَّتَيْنِ، وَعند هَؤُلَاءِ ثَلَاثًا، وَكَذَا لخَالِد بن عبد الله عِنْد مُسلم فان قلت: لِمَ لَا يحمل هَذَا على الوقعتين؟ قلت: الْمخْرج وَاحِد وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. قَوْله: (ثمَّ تمضمض واستنثر) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مضمض واستنشق) وَمعنى استنثر: استنشق المَاء ثمَّ اسْتِخْرَاج ذَلِك بِنَفس الْأنف، والنثرة الخيشوم وَمَا ولاه وتشق واستنشق المَاء فِي أَنفه صبه فِيهِ وَيُقَال نشر وانتشر واستنشر إِذا حرك النشرة، وَهِي طرف الْأنف. وَقَالَ بَعضهم: الاستنثار يسْتَلْزم الِاسْتِنْشَاق بِلَا عكس. قلت: لَا نسلم ذَلِك، فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَابْن قُتَيْبَة: الِاسْتِنْشَاق والاستنثار وَاحِد. قَوْله: (ثمَّ غسل وَجهه ثَلَاثًا) أَي: ثَلَاث مَرَّات، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات فِي ذَلِك. قَوْله: (ثمَّ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ) كَذَا بتكرار: مرَّتَيْنِ، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات عَن عَمْرو بن يحيى فِي غسل الْيَدَيْنِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق حبَان بن وَاسع عَن عبد الله بن زيد: (انه رأى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، تَوَضَّأ وَفِيه يَده الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا) فَيحمل عل أَنه وضوء آخر لكَون مخرج الْحَدِيثين غير مُتحد. قَوْله: (إِلَى الْمرْفقين) كَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والحموي: إِلَى الْمرْفق، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس. قَوْله: (ثمَّ مسح رَأسه) زَاد ابْن الطباع لَفظه: كُله، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رِوَايَة خَالِد بن عبد الله: (مسح بِرَأْسِهِ) ، بِزِيَادَة: الْبَاء. قَوْله: (ثمَّ غسل رجلَيْهِ) ، وَفِي رِوَايَة وهيب الْآتِيَة إِلَى الْكَعْبَيْنِ.

بَيَان الْإِعْرَاب قَوْله: (أتستطيع) ؟ الْهمزَة فِيهِ للاستفهام. قَوْله: (أَن تريني) فكلمة أَن، مَصْدَرِيَّة، وَالْجُمْلَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول: تَسْتَطِيع، وَالتَّقْدِير: هَل تَسْتَطِيع الإراءة إيَّايَ كَيفَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتَوَضَّأ؟ قَوْله: (يتَوَضَّأ) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا خبر: كَانَ، وَيجوز أَن تكون تَامَّة وَيكون قَوْله: (يتَوَضَّأ) حَالا. قَوْله: (نعم) ، مقول القَوْل، وَهُوَ يكون جملَة، وَالتَّقْدِير: نعم أَسْتَطِيع أَن أريك. قَوْله: (فَدَعَا بِمَاء) الْفَاء: للتعقيب، وَكَذَا: الْفَاء فِي: فافرغ، وَفِي: فَغسل يَدَيْهِ، وَأما كلمة: ثمَّ، فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي الحَدِيث بِمَعْنى: الْوَاو، وَلَيْسَت على مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ، وَهُوَ: الْإِمْهَال. كَذَا قَالَ ابْن بطال. قلت: ثمَّ،

فِي هَذِه الْمَوَاضِع للتَّرْتِيب لِأَن: ثمَّ، تسْتَعْمل لثَلَاثَة معَان: التَّشْرِيك فِي الحكم، وَالتَّرْتِيب، والمهلة. مَعَ أَن فِي كل وَاحِد خلافًا، وَالْمرَاد من التَّرْتِيب هُوَ التَّرْتِيب فِي الْإِخْبَار لَا التَّرْتِيب فِي الحكم مثل مَا يُقَال بَلغنِي مَا صنعت الْيَوْم ثمَّ مَا صنعت أمس أعجب! أَي: ثمَّ أخْبرك أَن الَّذِي صَنعته أمس أعجب. قَوْله: (بَدَأَ بِمقدم رَأسه) إِلَى قَوْله: (مِنْهُ) بَيَان لقَوْله: (فَأقبل بهما وَأدبر) ، وَلذَلِك لم تدخل الْوَاو عَلَيْهِ. قَوْله: (بَدَأَ مِنْهُ) إِلَى آخِره من الحَدِيث، وَلَيْسَ مدرجاً من كَلَام مَالك.

بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ غسل الْيَد قبل شُرُوعه فِي الْوضُوء، وَذكر هُنَا مرَّتَيْنِ، وَذكر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، ثمَّ إِن هَذَا الْغسْل لَيْسَ من سنَن الْوضُوء وَلَا من الْفُرُوض، وَذهب دَاوُد وَابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَى إِيجَاب ذَلِك، وَأَن المَاء ينجس إِن لم تكن الْيَد مغسولة. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: غسلهمَا عبَادَة؛ وَقَالَ مَالك: السّنة أَن يغسل يَدَيْهِ قبل الشُّرُوع فِي الْوضُوء مرَّتَيْنِ، كَمَا هُوَ فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث. قلت: فِيهِ أَقْوَال خَمْسَة: الأول: إِنَّه سنة، وَهُوَ الْمَشْهُور عندنَا، كَذَا فِي (الْمُحِيط) و (الْمَبْسُوط) وَيدل عَلَيْهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يتَوَضَّأ قطّ إلَاّ غسل يَدَيْهِ. وَفِي (الْمَنَافِع) تَقْدِيم غسلهمَا إِلَى الرسغين سنة تنوب عَن الْفَرْض، كالفاتحة تنوب عَن الْوَاجِب وَفرض الْقِرَاءَة. الثَّانِي: إِنَّه مُسْتَحبّ للشَّاكِّ فِي طَهَارَة يَده، كَذَا رُوِيَ عَن مَالك. الثَّالِث: إِنَّه وَاجِب على المنتبه من نوم اللَّيْل دون نوم النَّهَار، قَالَ أَحْمد. الرَّابِع: إِن من شكّ: هَل أَصَابَت يَده نَجَاسَة أم لَا؟ يجب غسلهمَا فِي مَشْهُور مَذْهَب مَالك. الْخَامِس: إِنَّه وَاجِب على المنتبه من النّوم مُطلقًا، وَبِه قَالَ دَاوُد وَأَصْحَابه. وَفِي الْحَوَاشِي تَقْدِيم غسل الْيَدَيْنِ للمستيقظ يتْرك بِالْحَدِيثِ، وإلَاّ فسببه شَامِل لَهُ وَلغيره.

الثَّانِي: فِيهِ الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وهما سنتَانِ فِي الْوضُوء، فرضان فِي الْغسْل. وَبِه قَالَ الثَّوْريّ. وَقَالَ الشَّافِعِي: سنتَانِ فيهمَا، وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَقَتَادَة وَالْحكم وَرَبِيعَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث، وَهُوَ رِوَايَة عَن عَطاء وَأحمد، وَعنهُ أَنَّهُمَا واجبتان فيهمَا، وَهُوَ مَذْهَب ابْن أبي ليلى وَحَمَّاد وَإِسْحَاق. وَالْمذهب الرَّابِع: أَن الِاسْتِنْشَاق وَاجِب فِي الْوضُوء وَالْغسْل دون الْمَضْمَضَة، وَبِه قَالَ أَبُو ثَوْر وَأَبُو عبيد، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد.

الثَّالِث: فِيهِ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مضمض واستنشق ثَلَاثًا بِثَلَاث غرفات، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَفِي (الرَّوْضَة) . فِي كيفيته وَجْهَان: أصَحهمَا: يتمضمض من غرفَة ثَلَاثًا، ويستنشق من أُخْرَى ثَلَاثًا. وَالثَّانِي: بست غرفات. وَاسْتدلَّ أَصْحَابنَا بِحَدِيث التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي: (مضمض ثَلَاثًا، واستنشق ثَلَاثًا) ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. فَإِن قلت: لَمْ يحكِ فِيهِ ان كل وَاحِدَة من المضامض والاستنشاقات بِمَاء وَاحِدَة بل حكى انه تمضمض ثَلَاثًا واستنشق ثَلَاثًا قلت مضمونه ظَاهرا مَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ أَن يَأْخُذ لكل وَاحِد مِنْهُمَا مَاء جَدِيدا، وَكَذَا روى الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي أَنه يَأْخُذ ثَلَاث غرفات للمضمضة، وَثَلَاث غرفات للاستنشاق.

الرَّابِع: فِيهِ غسل الْوَجْه ثَلَاث مَرَّات، وَلَيْسَ فِيهِ خلاف.

الْخَامِس: فِيهِ غسل يَدَيْهِ مرَّتَيْنِ، وَجَاء فِي رِوَايَة مُسلم: ثَلَاثًا. فَإِن قلت: هَل هَذَا يغسل يَدَيْهِ هَهُنَا من أول الْأَصَابِع أَو يغسل ذِرَاعَيْهِ؟ قلت: ذكر فِي الأَصْل غسل ذِرَاعَيْهِ لَا غير لتقدم غسل الْيَدَيْنِ إِلَى الرسغ مرّة، وَفِي (الذَّخِيرَة) : الْأَصَح عِنْدِي أَن يُعِيد غسل الْيَدَيْنِ ظاهرهما وباطنهما، لِأَن الأول كَانَ سنة افْتِتَاح الْوضُوء، فَلَا يَنُوب عَن فرض الْوضُوء.

السَّادِس: فِيهِ أَن الْمرْفقين هما يدخلَانِ فِي غسل الْيَدَيْنِ عِنْد الْجُمْهُور، خلافًا لزفَر وَمَالك فِي رِوَايَة، وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث جَابر: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا تَوَضَّأ أدَار المَاء على مرفقيه) ، وروى الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر: (وَغسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوز الْمرْفق) ، وروى الطَّحَاوِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ثَعْلَبَة بن عباد الْعَبْدي عَن أَبِيه مَرْفُوعا: (ثمَّ غسل ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يسيل المَاء على مرفقيه) .

السَّابِع: فِيهِ مسح رَأسه، احْتج بِهِ مَالك وَابْن علية وَأحمد فِي رِوَايَة عَليّ أَن مسح جَمِيع الرَّأْس فرض؛ وَلَكِن أَصْحَاب مَالك اخْتلفُوا، فَقَالَ أَشهب: يجوز مسح بعض الرَّأْس، وَقَالَ غَيره: الثُّلُث فَصَاعِدا، وَعِنْدنَا وَعند الشَّافِعِي: الْفَرْض مسح بعض الرَّأْس. فَقَالَ أَصْحَابنَا: ذَلِك الْبَعْض هُوَ ربع الرَّأْس، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة لِأَن الْكتاب مُجمل فِي حق الْمِقْدَار فَقَط، لِأَن: الْبَاء، فِي (وامسحو برؤوسكم) للإلصاق بِاعْتِبَار أصل الْوَضع، فَإِذا قرنت بِآلَة الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى مَحل الْمسْح فَيتَنَاوَل جَمِيعه، كَمَا تَقول: مسحت الْحَائِط بيَدي، ومسحت رَأس الْيَتِيم بيَدي، فَيتَنَاوَل كُله،

وَإِذا قرنت بِمحل الْمسْح يتَعَدَّى الْفِعْل بهَا إِلَى الْآلَة فَلَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَاب، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي إلصاق الْآلَة بِالْمحل، وَذَلِكَ يستوعب الْكل عَادَة بل أَكثر الْآلَة ينزل منزلَة الْكل فيتأدى الْمسْح بإلصاق ثَلَاثَة أَصَابِع بِمحل الْمسْح، وَمعنى التَّبْعِيض إِنَّمَا يثبت بِهَذَا الطَّرِيق لَا بِمَعْنى أَن: الْبَاء، للتَّبْعِيض، كَمَا قَالَه الْبَعْض. وَقد أنكر بعض أهل الْعَرَبيَّة كَون: الْبَاء، للتَّبْعِيض، وَقَالَ ابْن برهَان: من زعم أَن: الْبَاء، تفِيد التَّبْعِيض فقد جَاءَ أهل اللُّغَة بِمَا لَا يعْرفُونَ، وَقد جعل الْجِرْجَانِيّ معنى الإلصاق فِي: الْبَاء، أصلا وَإِن كَانَت تَجِيء لمعانٍ كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن هَاشم: أثبت مَجِيء: الْبَاء، للتَّبْعِيض الْأَصْمَعِي والفارسي والقتبي وَابْن مَالك. قيل: والكوفيون، وَجعلُوا مِنْهُ: {عينا يشرب بهَا عباد الله} (الْإِنْسَان: ٦) قيل وَمِنْه: {وامسحوا برؤوسكم} (الْمَائِدَة: ٦) فَالظَّاهِر

أَن: الْبَاء، فيهمَا للإلصاق. وَقيل: هِيَ فِي آيَة الْوضُوء للاستعانة، وَإِن فِي الْكَلَام حذفا وَقَلْبًا، فَإِن: مسح، يتَعَدَّى إِلَى المزال عَنهُ بِنَفسِهِ، وَإِلَى المزيل: بِالْبَاء، فَالْأَصْل امسحوا رؤوسكم بِالْمَاءِ. فان قلت: أَلَيْسَ أَن فِي التَّيَمُّم حكم الْمسْح ثَبت بقوله: {فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (النِّسَاء: ٤٣) ، ثمَّ الإستيعاب فِيهِ شَرط؟ قلت: عرف الِاسْتِيعَاب فِيهِ إِمَّا بِإِشَارَة الْكتاب، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى أَقَامَ التَّيَمُّم فِي هذَيْن العضوين مقَام الْغسْل عِنْد تعذره، والاستيعاب فرض بِالنَّصِّ، وَكَذَا فِيمَا قَامَ مقَامه، أَو عرف ذَلِك بِالسنةِ وَهُوَ قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لعُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (يَكْفِيك ضربتان: ضَرْبَة للْوَجْه وضربه للذراعين) . وَأما على رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّه لَا يشْتَرط الِاسْتِيعَاب فَلَا يرد شَيْء. فَإِن قلت: الْمسْح فرض، والمفروض مِقْدَار الناصية، وَمن حكم الْفَرْض أَن يكفر جاحده، وجاحد الْمِقْدَار لَا يكفر، فَكيف يكون فرضا؟ قلت: بل جَاحد، أصل الْمسْح كَافِر لِأَنَّهُ قَطْعِيّ، وجاحد الْمِقْدَار لَا يكفر لِأَنَّهُ فِي حق الْمِقْدَار ظَنِّي. فان قلت: أَيهَا الْحَنَفِيّ! إِنَّك استدللت بِحَدِيث الْمُغيرَة على أَن الْمِقْدَار فِي الْمسْح هُوَ قدر الناصية، وَتركت بَقِيَّة الحَدِيث وَهُوَ: الْمسْح على الْعِمَامَة. قلت: لَو عَملنَا بِكُل الحَدِيث يلْزم بِهِ الزِّيَادَة على النَّص، لِأَن هَذَا خبر الْوَاحِد، وَالزِّيَادَة بِهِ على الْكتاب نسخ، فَلَا يجوز. وَأما الْمسْح على الرَّأْس فقد ثَبت بِالْكتاب فَلَا يلْزم ذَلِك، وَأما مَسحه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، على الْعِمَامَة فأوله الْبَعْض بَان المُرَاد بِهِ مَا تَحْتَهُ من قبيل إِطْلَاق اسْم الْحَال على الْمحل، وأوله الْبَعْض بِأَن الرَّاوِي كَانَ بَعيدا عَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَمسح على رَأسه وَلم يضع الْعِمَامَة من رَأسه، فَظن الرَّاوِي أَنه مسح على الْعِمَامَة. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأحسن مَا حمل عَلَيْهِ أَصْحَابنَا حَدِيث الْمسْح على الْعِمَامَة أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَعَلَّه كَانَ بِهِ مرض مَنعه كشف رَأسه، فَصَارَت الْعِمَامَة كالجبيرة الَّتِي يمسح عَلَيْهَا للضَّرُورَة. وَقَالَ بَعضهم: فَإِن قيل: فَلَعَلَّهُ اقْتصر على مسح الناصية لعذر لِأَنَّهُ كَانَ فِي سفر، وَهُوَ مَظَنَّة الْعذر، وَلِهَذَا مسح على الْعِمَامَة بعد مسح الناصية، كَمَا هُوَ ظَاهر سِيَاق مُسلم من حَدِيث الْمُغيرَة. قُلْنَا: قد رُوِيَ عَنهُ مسح مقدم الرَّأْس من غير مسح على الْعِمَامَة. وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي من حَدِيث عَطاء: (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ فحسر الْعِمَامَة عَن رَأسه وَمسح مقدم رَأسه) ، وَهُوَ مُرْسل، لكنه اعتضد من وَجه آخر مَوْصُولا، أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث أنس. وَفِي إِسْنَاده أَبُو معقل لَا يعرف حَاله، فقد اعتضد كل من الْمُرْسل والموصول بِالْآخرِ، وحصلت الْقُوَّة من الصُّورَة الْمَجْمُوعَة. قلت: قَول هَذَا الْقَائِل من أعجب الْعَجَائِب لِأَنَّهُ يَدعِي أَن الْمُرْسل غير حجَّة عِنْد إِمَامه، ثمَّ يَدعِي أَنه اعتضد بِحَدِيث مَوْصُول ضَعِيف باعترافه هُوَ، ثمَّ يَقُول: وحصلت الْقُوَّة من الصُّورَة الْمَجْمُوعَة، فَكيف تحصل الْقُوَّة من شَيْء لَيْسَ بِحجَّة وَشَيْء ضَعِيف؟ فَإِذا كَانَ الْمُرْسل غير حجَّة يكون فِي حكم الْعَدَم، وَلَا يبْقى إلَاّ الحَدِيث الضَّعِيف وَحده، فَكيف تكون الصُّورَة الْمَجْمُوعَة؟ .

الثَّامِن: فِيهِ الْبدَاءَة فِي مسح الرَّأْس بمقدمه، وَرُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة. فَعِنْدَ النَّسَائِيّ من حَدِيث عبد الله بن زيد: (ثمَّ مسح رَأسه بيدَيْهِ، فَأقبل بهما وادبر، بَدَأَ بِمقدم رَأسه ثمَّ ذهب بهما إِلَى قَفاهُ، ثمَّ ردهما حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَان الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) . وَعند ابْن أبي شيبَة من حَدِيث الرّبيع: (بَدَأَ بمؤخره ثمَّ مد يَدَيْهِ على ناصيته) . وَعند الطَّبَرَانِيّ: (بَدَأَ بمؤخر رَأسه ثمَّ جَرّه إِلَى مؤخره) . وَعند أبي دَاوُد: (يبْدَأ بمؤخره ثمَّ بمقدمه وبإذنه كليهمَا) . وَفِي لفظ: (مسح الراس كُله من قرن الشّعْر كل ناحيته لمنصب الشّعْر لَا يُحَرك الشّعْر عَن هَيئته) . وَفِي لفظ: (مسح رَأسه كُله وَمَا أقبل وَمَا أدبر وصدغيه) . وَعند الْبَزَّار من حَدِيث أبي بكرَة يرفعهُ: (تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) وَفِيه: (مسح بِرَأْسِهِ يقبل بِيَدِهِ من مقدمه إِلَى مؤخره وَمن مؤخره إِلَى مقدمه) . وَعند ابْن نَافِع من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (وضع يَدَيْهِ

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.4 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
أستغفر الله