الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٦٩
الحديث رقم ١٣٦٩ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب ما جاء في عذاب القبر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَدُوِّ لَا تُقْبَلُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِعْمَالُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. أَنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي حَقِّ شَخْصٍ يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا الْعَكْسُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا رَأَوْهُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَبِالْعَكْسِ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَجَبَتْ بَعْدَ الثَّنَاءِ حُكْمٌ عَقَّبَ وَصْفًا مُنَاسِبًا فَأَشْعَرَ بِالْعِلِّيَّةِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، فَهُوَ كَالتَّزْكِيَةِ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا يُومِئُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الْآيَةَ.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَشْهَدَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقَرَظِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ غَيْرِهِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا قَوْلُكُ: وَجَبَتْ؟ هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّنَاءَ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ - وَكَانَ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ - فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَلَا، وَكَذَا عَكْسُهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا إِلْهَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَعْيِينِهَا، وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ. انْتَهَى. وَهَذَا فِي جَانِبِ الْخَيْرِ وَاضِحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ قَوْلَكُمْ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ. وَقَالَ: ثَلَاثَةٌ بَدَلَ أَرْبَعَةٍ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ مَرَاسِيلِ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ.
وَأَمَّا جَانِبُ الشَّرِّ، فَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنْ إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ شَرُّهُ عَلَى خَيْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا أَوَّلًا فِي آخِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْغِيبَةِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَأَنَّ أَقَلَّ أَصْلِهَا اثْنَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ، وَقَبُولُهَا قَبْلَ الِاسْتِفْصَالِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الثَّنَاءِ فِي الشَّرِّ لِلْمُؤَاخَاةِ وَالْمُشَاكَلَةِ، وَحَقِيقَتُهُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْخَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٦ - بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾
: هُوَ: الْهَوَانُ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«صحيح ابن حِبَّان» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «عذاب القبر».
١٣٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة، الحضرميِّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون (١) العين في الأوَّل، وضمِّها وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، آخره هاء تأنيثٍ في الثَّاني، وصرَّح في رواية أبي الوليد الطَّيالسيِّ -الآتية إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]- بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسَّماع بين علقمة وسعد بن عُبيدة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ) بضمِّ همزة «أُقعِدَ» مبنيًّا للمفعول كهمزة (أُتِيَ) أي: حال كونه مأتيًّا إليه، والآتي: الملَكان منكرٌ ونكيرٌ (ثُمَّ شَهِدَ) بلفظ الماضي كـ «عَلِمَ»، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ كما (٢) في الفرع، وقال في «الفتح»: والمُستملي بدل الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ يشهد» بلفظ المضارع، كـ «يَعْلَم» (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي الوليد المذكورة (٣) [خ¦٤٦٩٩]: «المسلم إذا سُئِلَ في القبر: يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم، وهي كلمة التَّوحيد، وثبوتها تمكُّنها في القلب، واعتقاد حقيقتها (٤)، واطمئنان القلب بها، وزاد في رواية أبي الوليد: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتثبيتهم في الدُّنيا: أنَّهم إذا فُتِنوا في دينهم لم يزالوا عنها -وإن أُلقوا في
النَّار- ولم يرتابوا بالشُّبهات، وتثبيتهم في الآخرة: أنَّهم إذا سُئِلوا في القبر لم يتوقَّفوا في الجواب، وإذا سُئِلوا في الحشر وعند موقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم تدهشهم أهوال القيامة، وبالجملة: فالمرء على قدر ثباته في الدُّنيا يكون ثباته في القبر وما بعده (١)، وكلَّما كان أسرع إجابةً كان أسرع تخلُّصًا من الأهوال، والمسؤول عنه في قوله: «إذا سُئِلوا» -الثَّابت في رواية أبي الوليد [خ¦٤٦٩٩]- محذوفٌ، أي: عن ربِّه ونبيِّه ودينه.
وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٣٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» والنَّسائيُّ في «الجنائز» وفي «التَّفسير» (٢) وابن ماجه في «الزُّهد».
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، ويُقال له (٣): بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِهَذَا) أي: بالحديث السَّابق (وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) بالقول الثَّابت (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: فإن قلت: ليس في الآية ما يدلُّ على عذاب المؤمن في القبر، فما معنى «نزلت في عذاب القبر؟» قلت: لعلَّه سمَّى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأنَّ القبر مقام الهول والوحشة، ولأنَّ ملاقاة الملكين ممَّا يهيب المؤمن في العادة.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْعَدُوِّ لَا تُقْبَلُ. وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِعْمَالُ الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. أَنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي حَقِّ شَخْصٍ يَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِمْ، وَلَا الْعَكْسُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا رَأَوْهُ مِنْهُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَبِالْعَكْسِ. وَتَعَقَّبَهُ الطِّيبِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَجَبَتْ بَعْدَ الثَّنَاءِ حُكْمٌ عَقَّبَ وَصْفًا مُنَاسِبًا فَأَشْعَرَ بِالْعِلِّيَّةِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لِلتَّشْرِيفِ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، فَهُوَ كَالتَّزْكِيَةِ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا يُومِئُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الْآيَةَ.
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَشْهَدَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقَرَظِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ نَحْوُ حَدِيثِ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ غَيْرِهِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ، وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا قَوْلُكُ: وَجَبَتْ؟ هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّنَاءَ بِالْخَيْرِ لِمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ - وَكَانَ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ - فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُطَابِقٍ فَلَا، وَكَذَا عَكْسُهُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَهَذَا إِلْهَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَعْيِينِهَا، وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ. انْتَهَى. وَهَذَا فِي جَانِبِ الْخَيْرِ وَاضِحٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ قَوْلَكُمْ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ. وَقَالَ: ثَلَاثَةٌ بَدَلَ أَرْبَعَةٍ وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ مَرَاسِيلِ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ.
وَأَمَّا جَانِبُ الشَّرِّ، فَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ كَذَلِكَ، لَكِنْ إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ غَلَبَ شَرُّهُ عَلَى خَيْرِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّضْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا أَوَّلًا فِي آخِرِ حَدِيثِ أَنَسٍ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْغِيبَةِ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ فِي بَابِ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الْأَمْوَاتِ آخِرِ الْجَنَائِزِ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَأَنَّ أَقَلَّ أَصْلِهَا اثْنَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فِيهِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ، وَقَبُولُهَا قَبْلَ الِاسْتِفْصَالِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الثَّنَاءِ فِي الشَّرِّ لِلْمُؤَاخَاةِ وَالْمُشَاكَلَةِ، وَحَقِيقَتُهُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْخَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨٦ - بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾
: هُوَ: الْهَوَانُ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«صحيح ابن حِبَّان» من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «عذاب القبر».
١٣٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ) بفتح الميم والمثلَّثة، الحضرميِّ (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) بسكون (١) العين في الأوَّل، وضمِّها وفتح الموحَّدة مصغَّرًا، آخره هاء تأنيثٍ في الثَّاني، وصرَّح في رواية أبي الوليد الطَّيالسيِّ -الآتية إن شاء الله تعالى في «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]- بالإخبار بين شعبة وعلقمة، وبالسَّماع بين علقمة وسعد بن عُبيدة (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ) بضمِّ همزة «أُقعِدَ» مبنيًّا للمفعول كهمزة (أُتِيَ) أي: حال كونه مأتيًّا إليه، والآتي: الملَكان منكرٌ ونكيرٌ (ثُمَّ شَهِدَ) بلفظ الماضي كـ «عَلِمَ»، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ كما (٢) في الفرع، وقال في «الفتح»: والمُستملي بدل الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثمَّ يشهد» بلفظ المضارع، كـ «يَعْلَم» (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفي رواية أبي الوليد المذكورة (٣) [خ¦٤٦٩٩]: «المسلم إذا سُئِلَ في القبر: يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» (فَذَلِكَ قَوْلُهُ) تعالى: (﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) الَّذي ثبت بالحجَّة عندهم، وهي كلمة التَّوحيد، وثبوتها تمكُّنها في القلب، واعتقاد حقيقتها (٤)، واطمئنان القلب بها، وزاد في رواية أبي الوليد: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وتثبيتهم في الدُّنيا: أنَّهم إذا فُتِنوا في دينهم لم يزالوا عنها -وإن أُلقوا في
النَّار- ولم يرتابوا بالشُّبهات، وتثبيتهم في الآخرة: أنَّهم إذا سُئِلوا في القبر لم يتوقَّفوا في الجواب، وإذا سُئِلوا في الحشر وعند موقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم تدهشهم أهوال القيامة، وبالجملة: فالمرء على قدر ثباته في الدُّنيا يكون ثباته في القبر وما بعده (١)، وكلَّما كان أسرع إجابةً كان أسرع تخلُّصًا من الأهوال، والمسؤول عنه في قوله: «إذا سُئِلوا» -الثَّابت في رواية أبي الوليد [خ¦٤٦٩٩]- محذوفٌ، أي: عن ربِّه ونبيِّه ودينه.
وفي هذا الحديث التَّحديث، والعنعنة، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجنائز» [خ¦١٣٣٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٦٩٩]، ومسلمٌ في «صفة النَّار»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير» والنَّسائيُّ في «الجنائز» وفي «التَّفسير» (٢) وابن ماجه في «الزُّهد».
وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح الموحَّدة والشِّين المعجمة المشدَّدة، العبديُّ البصريُّ، ويُقال له (٣): بُنْدار قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفرٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (بِهَذَا) أي: بالحديث السَّابق (وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) بالقول الثَّابت (نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ) قال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: فإن قلت: ليس في الآية ما يدلُّ على عذاب المؤمن في القبر، فما معنى «نزلت في عذاب القبر؟» قلت: لعلَّه سمَّى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيبًا وتخويفًا، ولأنَّ القبر مقام الهول والوحشة، ولأنَّ ملاقاة الملكين ممَّا يهيب المؤمن في العادة.