«أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٥٤

الحديث رقم ١٤٥٤ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب زكاة الغنم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن أبا بكر ﵁، كتب له هذا الكتاب، لما وجهه…

«أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ، الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، مِنَ الْغَنَمِ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.»

سند حديث: ١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ…

١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ : أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن أبا بكر ﵁، كتب له هذا الكتاب، لما وجهه…

أخبر أنس رضي الله عنه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب عندما جعله عاملًا على البحرين في شرق الجزيرة العربية: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه نسخة فريضة الزكاة التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين، والتي أمر الله رسوله بتبليغها، فمن سئل الزكاة من المسلمين على الكيفية المذكورة من غير تعدٍّ فليعطها، ومن سئل قدرًا زائدًا على الفريضة المعينة في السن أو العدد فلا يعط الزائد على الواجب، وقيل لا يعط شيئًا من الزكاة، وإنما يخرجها بنفسه، ثم شرع في بيان كيفية الفريضة وكيفية أخذها، وبدأ بزكاة الإبل لأنها غالب أموالهم، فقال: ليعط في أربع وعشرين من الإبل شاة من الغنم في كل خمس من الإبل، فإذا بلغت إبله خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، وهي بنت الناقة إذا استكملت السنة ودخلت في الثانية، فإذا بلغت إبله ستًّا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، وهي بنت الناقة التي دخلت في السنة الثالثة، فإذا بلغت إبله ستًا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّة، وهي ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة، طروقة الجمل، أي استحقت أن يغشاها الفحل، فإذا بلغت إبله واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، وهي ما استكمل السنة الرابعة ودخل في الخامسة، فإذا بلغت إبله ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إبله إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت الإبل على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، أي إذا زاد يجعل الكل على عدد الأربعينات والخمسينات، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فلا يجب عليه فيها إعطاء شيء؛ لكونها دون النصاب إلا أن يريد صاحب الإبل الأربع أن يتصدق بشيء منها تبرعًا فله ذلك، فإذا وصلت خمسًا من الإبل ففيها شاة.
والواجب في صدقة الغنم التي ترعى ولا تُعْلَف إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة واحدة؛ لأنها أصغر وأقل ثمنًا من الإبل، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاةٌ، وإذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك، إلا إذا أراد صاحب تلك السائمة الناقصة أن يتطوع بالتصدق منها، فله ذلك وله الأجر.
وفي زكاة الفضة الخالصة ربع العشر، فإلم تكن إلا تسعين ومائة أي ناقصة عن مائتي درهم، فليس فيها شيء إلا أن يريد مالكها أن يعطي على سبيل التبرع فله ذلك، وذلك يعادل 595 غرامًا من الفضة الخالصة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان الحقوق للناس، ليعرفوا هل ظلمهم الساعي أو طلب الحق الذي عليهم.
  • بيان حكم زكاة الإبل ونصابها، وزكاة الغنم، وزكاة الفضة.
  • زكاة المواشي ونحوها من الأموال الظاهرة تُدفع للإمام.
  • لا طاعة للإمام فيما خالف الشرع، كأن يأخذ الزكاة ممن لم تجب عليه.
  • السوم شرط في وجوب زكاة بهيمة الأنعام، فمن كان يطعمها ويسقيها بماله فلا زكاة عليه.
  • الفضة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها ربع العشر، خمسة دراهم، وما كان ناقصًا من ذلك فلا شيء فيه، إلا أن يتطوع صاحبه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن أبا بكر ﵁، كتب له هذا الكتاب، لما وجهه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) أَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحُكْمَ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ فِي بَابِ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ، وَحَذَفَهُ هُنَا، فَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ وَقَالَ: بَلْ هِيَ غَفْلَةٌ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ الْغَفْلَةَ، وَإِنَّمَا مَقْصِدُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ هِيَ وَلَا ابْنُ لَبُونٍ، لَكِنْ عِنْدَهُ مَثَلًا حِقَّةٌ، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بِنْتَ لَبُونٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ بَيْنَ بِنْتِ اللَّبُونِ وَبِنْتِ الْمَخَاضِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ سِنٍّ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ مَا يَلِيهَا لَا مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا بِتَفَاوُتِ دَرَجَةٍ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ وَالْمُنْفَصِلِ مَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا بِحِسَابِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمُصَدِّقُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَ شِيَاهٍ جُبْرَانًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَوْ ذَكَرَ اللَّفْظَ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ لَمَا أَفْهَمَ هَذَا الْغَرَضَ، فَتَدَبَّرْهُ.

انْتَهَى، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي تَرَاجِمِ هَذَا الْكِتَابِ وَمَا أَوْدَعَهُ فِيهَا مِنْ أَسْرَارِ الْمَقَاصِدِ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَغْفُلَ أَوْ يُهْمِلَ أَوْ يَضَعَ لَفْظًا بِغَيْرِ مَعْنًى أَوْ يَرْسُمَ فِي الْبَابِ خَبَرًا يَكُونُ غَيْرُهُ بِهِ أَقْعَدَ وَأَوْلَى، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذِكْرِ مَا لَمْ يُتَرْجِمْ بِهِ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ الْمَفْقُودَ إِذَا وَجَدَ الْأَكْمَلَ مِنْهُ أَوِ الْأَنْقَصَ شُرِعَ الْجُبْرَانُ كَمَا شُرِعَ ذَلِكَ فِيمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْنَانِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا، قَالَ: وَلَوْ جُعِلَ الْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ الْخَبَرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى ذِكْرِ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ لَكَانَ نَصًّا فِي التَّرْجَمَةِ ظَاهِرًا، فَلَمَّا تَرَكَهُ وَاسْتَدَلَّ بِنَظِيرِهِ أَفْهَمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِنَفْيِ الْفَرْقِ وَتَسْوِيَتِهِ بَيْنَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا وَبَيْنَ فَقْدِ الْحِقَّةِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب زَكَاةِ الْغَنَمِ

١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ أُنْثَى، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ - يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ - إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ

عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ،

فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ زَكَاةِ الْغَنَمِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَذَفَ وَصْفَ الْغَنَمِ بِالسَّائِمَةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الْمَفْهُومَ أَوْ لِتَرَدُّدِهِ مِنْ جِهَةِ تَعَارُضِ وُجُوهِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ شَهِيرَةٌ، وَالرَّاجِحُ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ تُنَاسِبُ الْحُكْمَ مُنَاسَبَةَ الْعِلَّةِ لِمَعْلُولِهَا اعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّوْمَ يُشْعِرُ بِخِفَّةِ الْمُؤْنَةَ وَدَرْءِ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْعَلَفِ فَالرَّاجِحُ اعْتِبَارُهُ هُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ) هُوَ عَمُّ الرَّاوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْبَصْرِيِّينَ مِنْ آلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فَقَالَ مَرَّةً: صَالِحٌ، وَمَرَّةً: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْعِجْلِيُّ، وَأَمَّا النَّسَائِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُتَابَعُ فِي أَكْثَرِ حَدِيثِهِ. انْتَهَى، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى حَدِيثِهِ هَذَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَرَوَاهُ عَنْ ثُمَامَةَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لِأَنَسٍ، وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخَذْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ فَذَكَرَهُ، فَوَضَحَ أَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ ثُمَامَةَ وَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ فَانْتَفَى تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِهِ مُكَاتَبَةً، وَانْتَفَى تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرِينِ) أَيْ: عَامِلًا عَلَيْهَا، وَهِيَ اسْمٌ لِإِقْلِيمٍ مَشْهُورٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُدُنٍ مَعْرُوفَةٍ قَاعِدَتُهَا هَجَرُ، وَهَكَذَا يَنْطِقُ بِهِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ بَحْرَانِيٌّ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِثباتِ الْبَسْمَلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ، وَعَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَمْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ) أَيْ: نُسْخَةُ فَرِيضَةِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ظَاهِرٌ فِي رَفْعِ الْخَبَرِ إِلَى النَّبِيِّ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَمَعْنَى فَرَضَ هُنَا أَوْجَبَ أَوْ شَرَعَ؛ يَعْنِي بأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قُدِّرَ، لِأَنَّ إِيجَابَهَا ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ، فَفَرْضُ النَّبِيِّ لَهَا بَيَانُهُ لِلْمُجْمَلِ مِنَ الْكِتَابِ بِتَقْدِيرِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ، وَأَصْلُ الْفَرْضِ قَطْعُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التَّقْدِيرِ لِكَوْنِهِ مُقْتَطَعًا مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُقَدَّرُ مِنْهُ، وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَبِمَعْنَى الْإِنْزَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ وَبِمَعْنَى الْحِلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَوَقَعَ اسْتِعْمَالُ الْفَرْضِ بِمَعْنَى اللُّزُومِ حَتَّى كَادَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ أَيْضًا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَقَدْ قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَرَضَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَرَضَ لَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى لَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِ.

وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ: أَوْجَبَ عَلَيْكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْفَرْضَ مُرَادِفٌ لِلْوُجُوبِ، وَتَفْرِيقُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ مَا يَثْبُتَانِ بِهِ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَمْلِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ السَّابِقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ

الْكَافِرَ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كَوْنُهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، لَا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا وَهُوَ مَحِلُّ النِّزَاعِ.

قَوْلُهُ: (وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا بِحَذْفِ بِهَا وَأَنْكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا الَّتِي أَمَرَ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) أَيْ: عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى دَفْعِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ) أَيْ: مَنْ سُئِلَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فِي سِنٍّ أَوْ عَدَدٍ فَلَهُ الْمَنْعُ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى تَرْجِيحِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلْيُمْنَعِ السَّاعِي، وَلْيَتَوَلَّ هُوَ إِخْرَاجَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَاعٍ آخَرَ، فَإِنَّ السَّاعِيَ الَّذِي طَلَبَ الزِّيَادَةَ يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، لَكِنَّ مَحِلَّ هَذَا إِذَا طَلَبَ الزِّيَادَةَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا) أَيْ: إِلَى خَمْسٍ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْغَنَمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَصَوَّبَهَا بَعْضُهُمْ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَنْ أَثْبَتَهَا فَمَعْنَاهُ زَكَاتُهَا أَيِ الْإِبِلُ: مِنَ الْغَنَمِ، وَمِنْ لِلْبَيَانِ لَا لِلتَّبْعِيضِ. وَمَنْ حَذَفَهَا فَالْغَنَمُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ فِي قَوْلِهِ: فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْمَقَادِيرِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ فَحَسُنَ التَّقْدِيمُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ إِخْرَاجِ الْغَنَمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ لَمْ يُجْزِهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَمَا دُونَهَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَجِبَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، فَإِذَا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الْأَصْلِ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَعِيرِ مَثَلًا دُونَ قِيمَةِ أَرْبَعِ شِيَاهٍ فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْبَعُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ وَقَصًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: إِنَّهُ عَفْوٌ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَهُ - مَثَلًا - تِسْعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَتَلِفَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ - حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: التَّمَكُّنُ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ، وَقُلْنَا: الْوَقَصُ عَفْوٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ وَجَبَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً كَالْأَوَّلِ.

(تَنْبِيهٌ): الْوَقَصُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْقَافِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ: هُوَ مَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) فِيهِ أَنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَ شِيَاهٍ، فَإِذَا صَارَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَإِسْنَادُ الْمَرْفُوعِ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: (إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيمَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ شَيْءٌ غَيْرَ بِنْتِ مَخَاضٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: كَالْحَنَفِيَّةِ تَسْتَأْنِفُ الْفَرِيضَةَ فَيَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ مُضَافَةٌ إِلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ.

قَوْلُهُ: (فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) زَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَقَوْلُهُ أُنْثَى، وَكَذَا قَوْلُهُ ذَكَرٌ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِتَنْبِيهِ رَبِّ الْمَالِ لِيَطِيبَ نَفْسًا بِالزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: احْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنَ الْخُنْثَى وَفِيهِ بُعْدٌ. وَبِنْتُ الْمَخَاضِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي، وَحَمَلَتْ أُمُّهَا، وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ، أَيْ: دَخْلَ وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ. وَابْنُ اللَّبُونِ الَّذِي دَخَلَ فِي ثَالِثِ سَنَةٍ فَصَارَتْ أُمُّهُ لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) إِلَى للْغَايَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ بَيَانُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا فَلَا يَدْخُلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ

دَخَلَتْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَا قَبْلَهَا.

قَوْلُهُ: (حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ) حِقَّةٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَالْجَمْعُ حِقَاقٌ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ، وَطَرُوقَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: مَطْرُوقَةٌ وَهِيَ فَعُولَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كَحَلُوبَةٍ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ.

قَوْلُهُ: (جَذَعَةٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ، وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي، وَكَأَنَّ الْعَدَدَ حُذِفَ مِنَ الْأَصْلِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَذَكَرَهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ وَأَتَى بِلَفْظِ يَعْنِي لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ مَزِيدٌ، أَوْ شَكَّ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِيهِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ لَفْظِ يَعْنِي فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِإِثْبَاتِهِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أَيْ: وَاحِدَةً فَصَاعِدًا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِزِيَادَةِ بَعْضٍ وَاحِدَةً، لِصِدْقِ الزِّيَادَةِ، وَتُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّرِكَةِ، وَيَرُدُّهُ مَا فِي كِتَابِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ: إِذَا كَانَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَكَاتُهُ بِالْإِبِلِ خَاصَّةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ رَجَعَتْ إِلَى فَرِيضَةِ الْغَنَمِ، فَيَكُونُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَشَاةٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ إِلَخْ)

(تَنْبِيهٌ): اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلَهُ: وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ آخِرُهُ فِي بَابِ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيهِ: يُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيُّهُمَا شَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَقَوْلُهُ: وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَشْرَةً وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ، وَعَنْ مَالِكٍ يُلْزَمُ رَبُّ الْمَالِ بِشِرَاءِ ذَلِكَ السِّنِّ بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ جَعَلَ الشَّاتَيْنِ أَوِ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا تَقْدِيرًا فِي الْجُبْرَانِ لِئَلَّا يَكِلَ الْأَمْرَ إِلَى اجْتِهَادِ السَّاعِي لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْمِيَاهِ حَيْثُ لَا حَاكِمَ وَلَا مُقَوِّمَ غَالِبًا، فَضَبَطَهُ بِشَيْءٍ يَرْفَعُ التَّنَازُعَ كَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ: (وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ) وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ مِنْهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَتْ) فِي رِوَايَةٍ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِذَا بَلَغَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فِي كِتَابِ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي ذَلِكَ وَالتَّعْقِبُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الشَّاةُ الرَّابِعَةُ حَتَّى تُوَفَّى أَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قَالُوا: فَائِدَةُ ذِكْرِ الثَّلَاثِمِائَةِ لِبَيَانِ النِّصَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لِكَوْنِ مَا قَبْلَهُ مُخْتَلِفًا، وَعَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ كَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ وَاحِدَةً وَجَبَ الْأَرْبَعُ.

قَوْلُهُ: (فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةَ الرَّجُلِ).

(تَنْبِيهٌ): اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلَهُ: وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَاقْتَطَعَ مِنْهُ أَيْضًا قَوْلَهُ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ، وَكَذَا قَوْلَهُ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ، وَيَلِي هَذَا قَوْلُهُ هُنَا: فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةَ الرَّجُلِ إِلَخْ. وَهَذَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فَرَّقَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٨) (باب زَكَاةِ الغَنَمِ).

١٤٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا) (حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ( كَتَبَ لَهُ) أي: لأنسٍ (هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ) عاملًا عليها، وهو اسمٌ لإقليمٍ مشهورٍ يشتمل على مدنٍ معروفةٍ، قاعدتها هجر: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ) أي: نسخة فريضة (الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ عَلَى المُسْلِمِينَ) بفرض الله (وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا) بحرف العطف، ولأبي داود: «التي» بدونه، على أنَّ الجملة بدلٌ من الجملة الأولى، ولغير أبي ذرٍّ: «به» (رَسُولَهُ) ، أي: بتبليغها، وأُضيف الفرض إليه لأنَّه دعا إليه وحمل النَّاس عليه، أو معنى «فَرَضَ» قَدَّرَ؛ لأنَّ الإيجاب بنصِّ القرآن على سبيل الإجمال، وبيَّن مُجمَله بتقدير الأنواع والأجناس (فَمَنْ سُئِلَهَا) بضمِّ السِّين، أي: فمن سُئِلَ الزَّكاة (مِنَ المُسْلِمِينَ) حال كونها (عَلَى (١) وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) على الكيفيَّة المذكورة في الحديث من غير تعدٍّ، بدليل قوله (٢): (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أي: زائدًا على الفريضة المعيَّنة في السِّنِّ أو العدد (فَلَا يُعْطِ) الزَّائد على الواجب، وقِيلَ: لا يعط شيئًا من الزَّكاة لهذا المصَدِّق، لأنَّه خان بطلبه فوق الزَّائد، فإذا ظهرت خيانتهُ سقطت طاعته، وحينئذٍ يتولَّى إخراجه أو يعطيه لساعٍ آخر، ثمَّ شرع في بيان كيفيَّة الفريضة وكيفيَّة أخذها، وبدأ بزكاة الإبل؛ لأنَّها غالب أموالهم فقال: (فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ) زكاةٌ (فَمَا دُونَهَا) أي: فما دون أربعٍ وعشرين (مِنَ الغَنَمِ) يتعلَّق بالمبتدأ المُقدَّر (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ) خبر المبتدأ الذي هو (شَاةٌ) وكلمة «من» للتَّعليل، أي: لأجل كلِّ خمسٍ من الإبل، وسقط في رواية ابن السَّكن كلمة «من» الدَّاخلة على الغنم، وصوَّبه بعضهم، وقال القاضي عياضٌ: كلٌّ صوابٌ، فمن أثبتها فمعناه (٣): زكاتها من الغنم، و «من» للبيان لا للتَّبعيض، وعلى إسقاطها فـ «الغنم» مبتدأٌ خبرُه «في أربعٍ وعشرين»، وإنَّما قُدِّم الخبر لأنَّ المراد بيان النُّصب (٤)؛ إذ الزَّكاة إنَّما تجب بعد

النِّصاب، فكان تقديمه أهمَّ لأنَّه السَّابق في التَّسبُّب (إِذَا) وفي نسخةٍ «فإذا» (بَلَغَتْ) إبله (خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) قيَّد بالأنثى للتَّأكيد، كما يُقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (١) (سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى) آن لأمِّها أن تلد (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ (٢) فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ) بفتح الطَّاء، «فعولةٌ» بمعنى: «مفعولةٌ»، صفةٌ لـ «حقَّةٌ»، استحقَّت أن يغشاها الفحل (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ) بفتح الجيم والذَّال (٣) المعجمة، سُمِّيت بذلك لأنَّها أجذعت (٤) مُقدَّم أسنانها، أي: أسقطته (٥)، وهي غاية أسنان الزَّكاة (٦) (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (-يَعْنِي- سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ) بزيادة «يعني» وكأنَّ العدد حُذِف من الأصل؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه فذكره بعض رواته، وأتى بلفظ: «يعني» لينبِّه على أنَّه مزيدٌ، أو شكَّ أحد رواته فيه (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ) إبله (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) فواجبُ مئةٍ وثلاثين بنتا لبونٍ وحقَّةٌ، وواجبُ مئةٍ وأربعين بنتُ لبونٍ وحقَّتان، وهكذا (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن (٧) يتبرَّع ويتطوَّع (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَ) فرض (فِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا) أي: راعيتها، لا (٨) المعلوفة، و «في سائمتها» -كما قاله في «شرح المشكاة» - بدلٌ من «الغنم» بإعادة الجارِّ المُبدَل في حكم الطَّرح، فلا يجب في مطلق الغنم شيءٌ، وهذا

أقوى في الدَّلالة من أن لو قِيلَ ابتداءً في سائمة الغنم أو في (١) الغنم السَّائمة؛ لأنَّ دلالة البدل على المقصود بالمنطوق، ودلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجارِّ إشارةٌ إلى أنَّ للسَّوم في هذا الجنس مدخلًا قويًّا وأصلًا يُقاس عليه بخلاف جنسي (٢) الإبل والبقر. انتهى. (إِذَا كَانَتْ) غنم الرَّجل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذا بلغت» (أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) فزكاتها (شَاةٌ) جذعةُ ضأنٍ، لها سنةٌ ودخلت في الثَّانية، وقِيلَ: ستَّة أشهرٍ، أو ثنيَّة معزٍ، لها سنتان، ودخلت في الثَّالثة، وقِيلَ: سنةٌ، و «شاةٌ» رُفِعَ، خبر مبتدأٍ مُضمَرٍ، أو مبتدأٌ، و «في صدقة الغنم» خبرُه (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (إِلَى مئتين) فزكاتها (شَاتَانِ) مرفوعٌ على الخبريَّة أو الابتدائيَّة كما مرَّ (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى مئتين) ولو واحدةً (إِلَى ثلاث مئةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاث شياهٍ» (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى ثلاث مئةٍ) مئةً أخرى لا دونها (فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ) ففي أربع مئةٍ أربعُ شياهٍ، وفي خمس مئةٍ خمسٌ، وفي ستِّ مئةٍ ستٌّ، وهكذا (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً) نُصِبَ، خبر «كان» (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً) صفة «شاةً» الذي هو تمييز «أربعين» كذا أعربه في «التَّنقيح»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا فائدة في هذا (٣) الوصف مع كون الشَّاة تمييزًا، وإنَّما «واحدةً» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ بـ «ناقصةً» أي: إذا كان عند الرَّجل سائمةٌ تنقص واحدةً من أربعين فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا (٤) على ذلك، ويحتمل أن يكون «شاةً» مفعولًا بـ «ناقصةً»، و «واحدةً» وصفٌ لها، والتَّمييز محذوفٌ للدَّلالة عليه. انتهى. (فَلَيْسَ فِيهَا) أي: النَّاقصة عن الأربعين (صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن يتطوَّع (وَفِي) مئتي درهمٍ من (الرِّقَةِ) بكسر الرَّاء وتخفيف القاف: الوَرِق، والهاء عوضٌ عن الواو؛ نحو: العِدَة والوعد؛ الفضَّة المضروبة وغيرها (رُبْعُ العُشْرِ) خمسة دراهم، وما زاد على المئتين فبحسابه، فيجب ربع عُشْره، وقال أبو حنيفة: لها وقصٌ فلا شيء على ما زاد على مئتي درهمٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على كتاب الله تَعَالَى، وَأَنه يجْرِي مجْرى النّسخ فَلَا يجوز ذَلِك بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس، وَأما مَا ورد من ذكر علين الشَّاة وَذكر عين صنف من أَصْنَاف الْإِبِل وَالْبَقر فلبيان الْوَاجِب بِمَا سمى، وَتَخْصِيص الْمُسَمّى لبَيَان أَنه أبسر على صَاحب الْمَاشِيَة أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ: فِي الْخمس من الْإِبِل شَاة، وحرف، فِي، حَقِيقَة للظرف، وَعين الشَّاة لَا تُوجد فِي الْإِبِل، عرفنَا أَن المُرَاد قدرهَا من المَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه: دَلِيل على أَن كل وَاحِدَة من الشَّاة وَالْعِشْرين درهما أصل فِي نَفسه لَيست بِبَدَل، وَذَلِكَ أَنه خَيره بِحرف: أَو. قُلْنَا: لَا دَلِيل لَهُ على هَذَا الْكَلَام، بل التَّخْيِير يدل على أَن الأَصْل قدرهَا من المَال، كَمَا قَرَّرْنَاهُ.

٨٣ - (بابُ زَكَاةِ الغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَيَان زَكَاة الْغنم. الْغنم، جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَعَن أبي حَاتِم: هِيَ أُنْثَى، وَعَن صَاحب (الْعين) : الْجمع أَغْنَام وأغانم وغنوم، وَوَاحِد الْغنم من غير لَفظهَا: شَاة، وَهُوَ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْأَصْل: شاهة، حذفت الْهَاء لِاجْتِمَاع الهاءين، وَالْجمع: شَاءَ وشياه وشيه وشوي وشواه وأشاوه. وَعَن سيبوه: شِيَاه، بِالْألف وَالتَّاء، وَأَرْض مشاهة من الشَّاء، وَرجل شاوي ذُو شَاءَ، والضائنة مِنْهَا ذَوَات الصُّوف، والضأن والضان والضئن والضين: اسْم للْجمع، وَعَن صَاحب (الْعين) : أضؤن، جمع ضَأْن. وَعَن أبي حَاتِم: الضَّأْن مُؤَنّثَة، الْوَاحِد ضائن وضائنة. وَقَالَ ابْن سَيّده: الضَّأْن، اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع، والماعز والمعز والمعيز اسْم للْجمع، والمعزاة لُغَة فِي المعزى. وَعَن أبي حَاتِم السجسْتانِي: يُقَال: شَاة من الظباء، وَمن بقر الْوَحْش، وَمن حمره، أنْشد أَبُو زيد:

(كَأَنَّهُ شَاة من النعام)

زَاد هِشَام، وَيُسمى الظبي والظبية والثور وَالْبَقَرَة شَاة، كَمَا يُقَال للْمَرْأَة: إِنْسَان، وَيُقَال: شَاة للتيس وَالْغنم والكبش. وَذكر النّحاس: أَن الشَّاة يكنى بهَا عَن الْمَرْأَة، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الشَّاء إسم للْجمع.

٤٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثَمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنسا حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَتَبَ لَهُ هاذا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى البَحْرَيْنِ:

بِسْمَ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ هاذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أمَرَ الله بِهَا رَسولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمينَ عَلى وجْهِهَا ومَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ إذَا بَلَغَتْ خَمْسا وعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِذا بَلَغَتْ سِتّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى فإذَا بَلَغَتْ سِتّا وَأرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ فإذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وسَبْعِينَ فِفِيهَا جذَعَةٌ فإذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتّا وسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَ لَبُونٍ فإذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ فإذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ فَفِي كلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسينَ حِقَّةٌ ومَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَاّ أرْبَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ

إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا فإذَا بَلَغَتْ خَمْسا مِنَ الإبِلِ فَفِيهَا شَاة وَفي صدَقَةِ الغَنَمُ فِي سائِمَتِهَا إذَا كانَتْ أرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةَ شاةٌ فإذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ شاتانِ فإذَا زَادتْ عَلَى مائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ فإذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِي كلِّ مائَةِ شاةٌ فإذَا كانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ ناقِصَةً مِنْ أرْبَعِين شَاة وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صدَقَةٌ إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفي الرِّقة رُبْعُ العُشْرِ فإنْ لَمْ تَكُنْ إلَاّ تِسْعِينَ وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شيءٌ إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا..

حَدِيث أنس هَذَا قد تقدم مقطعا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَهُوَ مُشْتَمل على بَيَان زَكَاة الْإِبِل وَالْغنم وَالْوَرق، وَعبد الله بن الْمثنى أَبُو شيخ البُخَارِيّ احتلف فِيهِ، قَول ابْن معِين، فَقَالَ مرّة: صَالح، وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: قوي، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم وَالْعجلِي. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِقَوي، وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع فِي أَكثر حَدِيثه. قلت: قد تَابعه على حَدِيثه هَذَا حَمَّاد ابْن سَلمَة فَرَوَاهُ عَن ثُمَامَة أَنه أعطَاهُ كتابا، زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا، هَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي سَلمَة عَنهُ، وَقد سقناه بِتَمَامِهِ فِي: بَاب مَا كَانَ من خليطين، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا أَبُو كَامِل، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد قَالَ أخذت هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس عَن أنس: أَن أَبَا بكر. . فَذكره، وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) : أخبرنَا النَّضر بن شُمَيْل حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة أَخذنَا هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة يحدثه عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكره، فَظهر من هَذَا أَن حمادا سَمعه من ثُمَامَة وأقرأه الْكتاب، فَانْتفى بذلك تَعْلِيل من أعله بِكَوْنِهِ مُكَاتبَة، وَكَذَا انْتَفَى تَعْلِيل من أعله بِكَوْن عبد الله بن الْمثنى لم يُتَابع عَلَيْهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كتب لَهُ هَذَا الْكتاب) أَي: كتب لأنس، وَكَانَ ذَلِك مَا وَجهه عَاملا على الْبَحْرين وَهُوَ تَثْنِيَة: بَحر، خلاف الْبر مَوضِع مَعْرُوف بَين بحري: فَارس والهند، ومقارب جَزِيرَة الْعَرَب، وَيُقَال: هُوَ اسْم لإقليم مَشْهُور يشْتَمل على مدن مَعْرُوفَة قاعدتها هجر، وَهَكَذَا يتَلَفَّظ بِلَفْظ التَّثْنِيَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا بحراني. قَوْله: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ذكر التَّسْمِيَة فِي أول كِتَابه لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله أَبتر) . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: يسْتَدلّ بِهِ على إِثْبَات الْبَسْمَلَة فِي ابْتِدَاء الْكتب، وعَلى أَن الِابْتِدَاء بِالْحَمْد لَيْسَ بِشَرْط. قلت: كَمَا ورد الِابْتِدَاء بالبسملة فِي أول كل أَمر، ورد الِابْتِدَاء بِالْحَمْد أَيْضا، وَلَكِن الْجمع بَينهمَا بِأَن الأولية أَمر نسبي فَكل ثَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَالِث أول. فَافْهَم. قَوْله: (هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة) ، أَي: نُسْخَة فَرِيضَة الصَّدَقَة، فَحذف الْمُضَاف للْعلم بِهِ. قَوْله: (الَّتِي) ، كَذَا فِي غير مَا نُسْخَة. وَفِي بَعْضهَا: (الَّذِي) ، وَمعنى الْفَرْض: الْإِيجَاب، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أوجبهَا وَأحكم فَرضهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز، ثمَّ أَمر رَسُوله بالتبليغ فأضيف الْفَرْض إِلَيْهِ بِمَعْنى الدُّعَاء إِلَيْهِ، وَحمل النَّاس عَلَيْهِ، وَقد فرض الله طَاعَته على الْخلق فَجَاز أَن يُسمى أمره وتبليغه عَن الله فرضا على هَذَا الْمَعْنى. وَقيل: معنى الْفَرْض هُنَا معنى التَّقْدِير، وَمِنْه: فرض القَاضِي نَفَقَة الْأزْوَاج، وَفرض الإِمَام أرزاق الْجند، وَمَعْنَاهُ رَاجع إِلَى قَوْله: {لنبين للنَّاس مَا نُزِّل إِلَيْهِم} (النَّحْل: ٤٤) . وَقيل: معنى الْفَرْض هُنَا السّنة، وَمِنْه مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض كَذَا أَي: سنه، وَعَن ثَعْلَب: الْفَرْض الْوَاجِب، وَالْفَرْض الْقِرَاءَة، يُقَال: فرضت حزبي، أَي: قرأته، وَالْفَرْض السّنة. قَوْله: (وَالَّتِي أَمر الله بهَا) ، كَذَا فِي كثير من النّسخ: بهَا، بِالْبَاء وَوَقع أَيْضا: مِنْهَا، بِحرف: من، وَقيل: وَقع فِي كثير من النّسخ بِحَذْف: بهَا، وأنكرها النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) . وَقَوله: (وَالَّتِي) وَقع هُنَا بِحرف الْعَطف، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: الَّتِي، قد ذَكرْنَاهُ: الَّتِي، بِدُونِ حرف الْعَطف على أَنَّهَا بدل من الْجُمْلَة الأولى. قَوْله: (فَمن سئلها) ، بِضَم السِّين أَي: فَمن سُئِلَ الصَّدَقَة من الْمُسلمين، وَهِي الزَّكَاة. قَوْله: (على وَجههَا) ، أَي: على حسب مَا سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من فرض مقاديرها. قَوْله: (فليعطها) ، أَي: على هَذِه الْكَيْفِيَّة المبينة فِي الحَدِيث. قَوْله: (وَمن سُئِلَ فَوْقهَا) ، أَي: زَائِدا على الْفَرِيضَة الْمعينَة أما فِي السن أَو الْعدَد. قَوْله: (فَلَا يُعْط) ، ويروى: (فَلَا يُعْطه) ، بالضمير أَي: فَلَا يُعْطي الزَّائِد على الْوَاجِب. وَقيل: لَا يُعْطي شَيْئا من الزَّكَاة لهَذَا الْمُصدق لِأَنَّهُ خَان بِطَلَبِهِ فَوق الْوَاجِب، فَإِذا ظَهرت خيانته سَقَطت طَاعَته، فَعِنْدَ ذَلِك هُوَ يتَوَلَّى إِخْرَاجه أَو يُعْطي لساع آخر. قَوْله: (فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل) إِلَى آخِره شُرُوع فِي بَيَان كَيْفيَّة الْفَرِيضَة، وَبَيَان كَيْفيَّة أَخذهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فِي أَربع وَعشْرين اسْتِئْنَاف بَيَان لقَوْله: (هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ إِلَى مَا فِي الذِّهْن، ثمَّ أَتَى بِهِ بَيَانا لَهُ. قَوْله: (فِي أَربع) خبر مُبْتَدأ مُقَدّر مقدما تَقْدِيره فِي أبع وَعشْرين من الْإِبِل زَكَاة وَكلمَة من بَيَانه قَوْله: (فَمَا دونهَا) أَي: فَمَا دون أَربع وَعشْرين. وَقَوله: (من الْغنم) ، مُتَعَلق بالمبتدأ الْمُقدر. قَوْله: (من كل خمس) ، خبر لقَوْله: (شَاة) ، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، أَي: لأجل كل خمس من الْإِبِل. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: من الْغنم من كل خمس

شَاة. من الأولى ظرف مُسْتَقر لِأَنَّهُ بَيَان لشاة توكيدا كَمَا فِي قَوْله: (فِي كل خمس ذود من الْإِبِل) و: من، الثَّانِيَة لَغوا ابتدائية مُتَّصِلَة بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوف، أَي: ليعط فِي أَربع وَعشْرين شَاة كائنة من الْغنم لأجل كل خمس من الْإِبِل. قَوْله: (من الْغنم) ، كَذَا هُوَ بِكَلِمَة: من، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن بِإِسْقَاط: من. قيل: هُوَ الصَّوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فعلى قَوْله: (الْغنم) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: فِي أَربع وَعشْرين، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: (من كل خمس شَاة) ، ويروى: (فِي كل خمس) ، بِكَلِمَة: فِي، عوض: من، وَقَالَ ابْن بطال: وَفِي نُسْخَة البُخَارِيّ بِزِيَادَة لفظ: من الْغنم، وَهُوَ غلط عَن بعض الكتبة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ الْفُقَهَاء: فِيهِ تَفْسِير من وَجه وإجمال من وَجه، فالتفسير أَنه لَا يجب فِي أَربع وَعشْرين إلَاّ الْغنم، والإجمال أَنه لَا يدْرِي قدر الْوَاجِب. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك مُفَسرًا لهَذَا الْإِجْمَال: فِي كل خمس شَاة، فَكَانَ هَذَا بَيَانا لابتداء النّصاب، وَقدر الْوَاجِب فِيهِ، فَأول نِصَاب الْإِبِل خمس، وَقَالَ: إِنَّمَا بَدَأَ بِزَكَاة الْإِبِل لِأَنَّهَا غَالب أَمْوَالهم وتعم الْحَاجة إِلَيْهَا، وَلِأَن أعداد نصبها وأسنان الْوَاجِب فِيهَا يصعب ضَبطهَا، وَتَقْدِيم الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ لِأَن الْمَقْصُود بَيَان النصب إِذْ الزَّكَاة إِنَّمَا تجب بعد النّصاب فَكَانَ تَقْدِيمه أهم لِأَنَّهُ السَّابِق فِي السَّبَب، وَكَذَا تَقْدِيم الْخَبَر فِي قَوْله: (بنت مَخَاض انثى) ، قَوْله: (انثى) للتَّأْكِيد، وَقيل: احْتِرَاز عَن الْخُنْثَى، وَفِيه نظر. قَوْله: (بنت لبون) ، انثى، الْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي: (بنت مَخَاض أُنْثَى) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وصفهَا بِالْأُنْثَى تَأْكِيدًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نفخة وَاحِدَة} (الحاقة: ٣١) . أَو لِئَلَّا يفهم أَن الْبِنْت هُنَا وَالِابْن فِي ابْن لبون كالبنت فِي: بنت طبق، وَالِابْن فِي: ابْن آوى، يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (طروقة الْجمل) ، صفة لقَوْله: (حقة) ، وَقد فسرنا الطروقة من: طرقها الْفَحْل إِذا ضربهَا، يَعْنِي جَامعهَا. قَوْله: (فَإِذا بلغت يَعْنِي سِتا وَسبعين) ، كَذَا فِي الأَصْل بِزِيَادَة: يَعْنِي، وَكَأن الْعدَد حذف من الأَصْل اكْتِفَاء بِدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، فَذكره بعض رُوَاته وأتى بِلَفْظ: يَعْنِي، لينبه على أَنه مزبدا، وَشك أحد رُوَاته فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ الْمَكْتُوب لم يكن فِيهِ لفظ: سِتا وَسبعين، أَو ترك الرَّاوِي ذكره لظُهُور المُرَاد ففسره الرَّاوِي عَنهُ توضيحا. وَقَالَ: يَعْنِي. فَإِن قلت: لم غير الأسلوب حَيْثُ لم يقل فِي جَوَابه مثل ذَلِك؟ قلت: إشعارا بانتهاء أَسْنَان الْإِبِل فِيهِ، وتعدد الْوَاجِب عِنْده فَغير اللَّفْظ عِنْد مُغَايرَة الحكم. قَوْله: (إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا) ، أَي: إلَاّ أَن يتَبَرَّع صَاحبهَا ويتطوع، وَهُوَ كَمَا ذكر فِي حَدِيث الْأَعرَابِي فِي الْإِيمَان: (إلَاّ أَن تطوع) . قَوْله: (وَإِذا كَانَت) فِي رِوَايَة الْكشميهني (إِذا بلغت) قَوْله (فازدادت على عشْرين وَمِائَة) أَي وَاحِدَة فصاعد قَوْله (فِي سائمتها) أَي: راعيتها. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ دَلِيل على أَن لَا زَكَاة فِي المعلوفة، أما من جِهَة اعْتِبَار مَفْهُوم الصّفة، وَأما من جِهَة أَن لفظ: فِي سائمتها، بدل عَنهُ بِإِعَادَة الْجَار، والمبدل فِي حكم الطرح فَلَا يجب فِي مُطلق الْغنم. فَإِن قلت: لَا يجوز أَن يكون: شَاة، مُبْتَدأ و: فِي صَدَقَة الْغنم، خَبره لِأَن لفظ الصَّدَقَة يأباه، فَمَا وَجه إعرابه؟ قلت: لَا نسلم، وَلَئِن سلمنَا فَلفظ: فِي صَدَقَة، يتَعَلَّق بِفَرْض أَو كتب مُقَدرا، أَي: فرض فِي صدقتها شَاة أَو كتب فِي شَأْن صَدَقَة الْغنم هَذَا، وَهُوَ إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى آخِره، وَحِينَئِذٍ يكون شَاة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: فزكاتها شَاة أَو بِالْعَكْسِ، أَي: فَفِيهَا شَاة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: شَاة، رفع بِالِابْتِدَاءِ، و: فِي صَدَقَة الْغنم، فِي مَوضِع الْخَبَر، وكذك: شَاتَان، وَالتَّقْدِير: فِيهَا شَاتَان، وَالْخَبَر مَحْذُوف. قَوْله: (وَاحِدَة) ، إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِوَاحِدَة، وَإِمَّا حَال من ضمير النَّاقِصَة، وَفِي بعض الرِّوَايَة: بِشَاة وَاحِدَة، بِالْجَرِّ. قَوْله: (وَفِي الرقة) ، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف: الْوَرق، وَالْهَاء عوض عَن الْوَاو، نَحْو: الْعدة والوعد، وَهِي: الْفضة المضروبة، وَيجمع على: رقين. مثل: أرة وأرين. قَوْله: (فَإِن لم تكن) ، أَي: الرقة، قَوْله: (إِلَّا تسعين وَمِائَة) ، قَالَ الْخطابِيّ: هَذَا يُوهم أَنَّهَا إِذا زَاد عَلَيْهِ شَيْء قبل أَن يتم مِائَتَيْنِ كَانَ فِيهَا الصَّدَقَة، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن نصابها المئتان. وَإِنَّمَا ذكر التسعين لِأَنَّهُ آخر فصل من فُصُول الْمِائَة، والحساب إِذا جَاوز الْآحَاد كَانَ تركيبه بِالْعُقُودِ كالعشرات والمئات والألوف، فَذكر التسعين ليدل بذلك على أَن لَا صَدَقَة فِيمَا نقص عَن كَمَال الْمِائَتَيْنِ، يدل على صِحَّته حَدِيث: (لَا صَدَقَة إِلَّا فِي خمس أَوَاقٍ) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فِي قَوْله: (فَلَا يُعْط) ، دَلِيل على أَن الإِمَام وَالْحَاكِم إِذا ظهر فسقهما بَطل حكمهمَا، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: فِي قَوْله: (من الْمُسلمين) ، دلَالَة على أَن الْكَافِر لَا يُخَاطب بذلك. وَفِيه: فِي قَوْله: (فليعطها) دلَالَة على دفع الْأَمْوَال الظَّاهِرَة إِلَى الْأَمَام. وَفِيه: من أول الحَدِيث إِلَى قَوْله: (فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة) ، لَا خلاف فِيهِ بَين الْأَئِمَّة، وَعَلَيْهَا اتّفقت

الْأَخْبَار عَن كتب الصَّدقَات الَّتِي كتبهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْخلاف فِيمَا إِذا زَادَت على مائَة وَعشْرين، فَعِنْدَ الشَّافِعِي: فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة. وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث، ومذهبه أَنه إِذا زَادَت على مائَة وَعشْرين وَاحِدَة فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون، فَإِذا صَارَت مائَة وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حقة وبنتا لبون، ثمَّ يَدُور الْحساب على الأربعينات والخمسينات، فَيجب فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن (إِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأحمد فِي رِوَايَة: لَا يتَغَيَّر الْفَرْض إِلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَة، فَيكون فِيهَا حقة وبنتا لبون. وَعَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رِوَايَتَانِ روى عَنهُ ابْن الْقَاسِم وَابْن عبد الحكم، رحمهمَا الله تَعَالَى: أَن السَّاعِي بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذ ثَلَاث بَنَات لبون أَو حقتين، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن أبي حَازِم وَابْن دِينَار وَأصبغ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم، رَحمَه الله تَعَالَى: فِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون، وَلَا يُخَيّر السَّاعِي إِلَى أَن يبلغ ثَلَاثِينَ وَمِائَة، فَيكون فِيهَا حَقه وابنتا لبون، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وروى عبد الْملك وَأَشْهَب وَابْن نَافِع عَن مَالك: أَن الْفَرِيضَة لَا تَتَغَيَّر بِزِيَادَة وَاحِدَة حَتَّى تزيد عشرا، فَيكون فِيهَا بِنْتا لبون وحقة، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد. وَعند أهل الظَّاهِر: إِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة ربع بعير أَو ثمنه أَو عشره، فَفِي كل خمسين حقة، وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَهُوَ قَول الاصطخري. وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير: يتَخَيَّر بَين الاسئناف وَعَدَمه لوُرُود الْأَخْبَار بهما. وَوَقع فِي (النِّهَايَة) للشَّافِعِيَّة، وَفِي (الْوَسِيط) أَيْضا أَنه قَول ابْن جُبَير، أَن بدل، ابْن جرير، وَهُوَ تَصْحِيف، وَحكى السفاقسي عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْحكم بن عتيبة أَن فِي مائَة وَخمْس وَعشْرين حقتين وَبنت مَخَاض، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه: تسْتَأْنف الْفَرِيضَة فَيكون فِي الْخمس شَاة مَعَ الحقتين، وَفِي الْعشْر شَاتَان، وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه، وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون فَإِذا بلغت مائَة وستا وَتِسْعين فَفِيهَا أَربع حقاق إِلَى مِائَتَيْنِ، ثمَّ تسْتَأْنف الْفَرِيضَة أبدا كَمَا تسْتَأْنف فِي الْخمسين الَّتِي بعد الْمِائَة وَالْخمسين، وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأهل الْعرَاق، وَحكى السفاقسي أَنه قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لكنه غير مَشْهُور عَنهُ. وَاحْتج أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (الْمَرَاسِيل) وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) والطَّحَاوِي فِي (مشكله) عَن حَمَّاد بن سَلمَة. قلت: لقيس بن سعد: خُذ لي كتاب مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، فَأَعْطَانِي كتابا أخبر أَنه من أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتبه لجده، فَقَرَأته فَكَانَ فِيهِ ذكر مَا يخرج من فَرَائض الْإِبِل، فَقص الحَدِيث إِلَى: أَن تبلغ عشْرين وَمِائَة، فَإِذا كَانَت أَكثر من عشْرين وَمِائَة فَإِنَّهُ يُعَاد إِلَى أول فَرِيضَة الْإِبِل وَمَا كَانَ أقل من خمس وَعشْرين فَفِيهِ الْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة.

وَأما الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي فَنحْن قد عَملنَا بِهِ لأَنا قد أَوجَبْنَا فِي الْأَرْبَعين بنت لبون، فَإِن الْوَاجِب فِي الْأَرْبَعين مَا هُوَ الْوَاجِب فِي سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَكَذَلِكَ أَوجَبْنَا فِي خمسين حقة، وَهَذَا الحَدِيث لَا يتَعَرَّض لنفي الْوَاجِب عَمَّا دونه، وَإِنَّمَا هُوَ عمل بِمَفْهُوم النَّص فَنحْن عَملنَا بالنصين، وَهُوَ أعرض عَن الْعَمَل بِمَا روينَاهُ. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا الحَدِيث مُرْسل، وَقَالَ هبة الله الطَّبَرِيّ: هَذَا الْكتاب صحيفَة لَيْسَ بِسَمَاع وَلَا يعرف أهل الْمَدِينَة كلهم عَن كتاب عَمْرو بن حزم إلَاّ مثل روايتنا، رَوَاهَا الزُّهْرِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأَبُو أويس، كلهم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده مثل قَوْلنَا، ثمَّ لَو تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ عَن عَمْرو بن حزم بقيت روايتنا عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهِي فِي (الصَّحِيح) وَبهَا عمل الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا حَدِيث مُنْقَطع بَين أبي بكر بن حزم إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيس بن سعد، أَخذه عَن كتاب لَا عَن سَماع، وَكَذَلِكَ حَمَّاد بن سَلمَة أَخذه عَن كتاب لَا عَن سَماع، وَقيس بن سعد وَحَمَّاد بن سَلمَة، وَإِن كَانَا من الثِّقَات، فروايتهما هَذِه تخَالف رِوَايَة الْحفاظ عَن كتاب عَمْرو بن حزم وَغَيره، وَحَمَّاد بَين سَلمَة سَاءَ حفظه فِي آخر عمره فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ، ويتجنبون مَا ينْفَرد بِهِ، وخاصة عَن قيس بن سعد وَأَمْثَاله. قلت: الْأَخْذ من الْكتاب حجَّة، صرح الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمدْخل) : أَن الْحجَّة تقوم بِالْكتاب، وَإِن كَانَ السماع أولى مِنْهُ بِالْقبُولِ، وَالْعجب من الْبَيْهَقِيّ أَنه يُصَرح بِمثل هَذَا القَوْل ثمَّ يَنْفِيه فِي الْموضع الَّذِي تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة. وَقَوله: وَعمل بهَا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، غير مُسلم لِأَن ابْن أبي شيبَة روى فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم بن حَمْزَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِذا زَادَت الْإِبِل على عشْرين وَمِائَة يسْتَقْبل بهَا الْفَرِيضَة، وَحدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إبراهي مثله. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ:

قَالَ الشَّافِعِي فِي كِتَابه الْقَدِيم: رَاوِي هَذَا مَجْهُول عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأكْثر الروَاة عَن ذَلِك الْمَجْهُول يزْعم أَن الَّذِي روى هَذَا عَنهُ غلط عَلَيْهِ، وَأَن هَذَا لَيْسَ فِي حَدِيثه. قلت: الَّذِي رَوَاهُ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ عَاصِم بن حَمْزَة كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَجْهُول بل مَعْرُوف، روى عَنهُ الحكم وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَغَيرهمَا، وَوَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَالْعجلِي، وَأخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَإِن أَرَادَ الشَّافِعِي بقوله: يزْعم أَن الَّذِي يرْوى هَذَا عَنهُ غلط عَلَيْهِ، أَبَا إِسْحَاق السبيعِي فَلم يقل أحد غَيره إِنَّه غلط، وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن يَعْقُوب الْفَارِسِي وَغَيره من الْأَئِمَّة أَنهم أحالوا بالغلط على عَاصِم، وَأما قَول الْبَيْهَقِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة: سَاءَ حفظه فِي آخر عمره، فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ، فصادر عَن تعسف وتمحل لِأَنَّهُ لم ير أحد من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن ذكر حمادا بِشَيْء من ذَلِك، وَالْعجب مِنْهُ أَنه أقتصر فِيهِ فِيهِ على هَذَا الْمِقْدَار، لِأَنَّهُ ذكره فِي غير هَذَا الْموضع بِأَسْوَأ مِنْهُ. وَقَوله: وخاصة عَن قيس بن سعد، بَاطِل، وَمَا لقيس بن سعد فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ وَأخرج لَهُ مُسلم على أَن روايتهم الَّتِي يستدلون بهَا غير سَالِمَة عَن النزاع، فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ ذكر فِي كتاب (التتبع على الصَّحِيحَيْنِ) أَن ثُمَامَة لم يسمعهُ من أنس وَلَا سَمعه عبد الله بن الْمثنى من ثُمَامَة. انْتهى. وَكَيف يَقُول الْبَيْهَقِيّ: وروينا الحَدِيث من حَدِيث ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس عَن أنس من أوجه صَحِيحَة، وَفِي (الْأَطْرَاف) للمقدسي: قيل لِابْنِ معِين: حَدِيث ثُمَامَة عَن أنس فِي الصَّدقَات؟ قَالَ: لَا يَصح وَلَيْسَ بِشَيْء، وَلَا يَصح فِي هَذَا حَدِيث فِي الصَّدقَات، وَفِي إِحْدَى رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ: عبد الله بن الْمثنى، قَالَ السَّاجِي: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أخرج حَدِيثه، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء) وَقَالَ: قَالَ أَبُو سَلمَة: كَانَ ضَعِيفا فِي الحَدِيث. وَأما قَول الظَّاهِرِيَّة، الَّذِي قَالَ بِهِ ابْن حزم أَيْضا فَبَاطِل بِلَا شُبْهَة إِذْ لم يرد الشَّرْع بِجعْل السَّائِمَة نِصَابا بِربع بعير أَو ثمنه أَو عشره، وتعلقوا بقوله: فَإِذا زَادَت، وَقَالُوا: الزِّيَادَة تحصل بِالثّمن وَالْعشر.

وَفِيه: فِي قَوْله: (فِي كل خمس شَاة) تعلق مَالك وَأحمد على تعين إِخْرَاج الْغنم فِي مثل ذَلِك حَتَّى لَو أخرج بَعِيرًا عَن الْأَرْبَع وَالْعِشْرين لم يجزه عِنْدهمَا، وَعند الْجُمْهُور، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِنَّه يجْزِيه لِأَنَّهُ يجزىء عَن خمس وَعشْرين فَمَا دونهَا إولى لِأَن الأَصْل أَن يجب من جنس المَال، وَإِنَّمَا عدل عَنهُ رفقا بالمالك، فَإِذا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الأَصْل أَجزَأَهُ، فَإِن كَانَت قيمَة الْبَعِير مثلا دون قيمَة أَربع شِيَاه فَفِيهِ خلاف عِنْد الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم، والأقيس أَنه لَا يجزىء.

وَفِيه: فِي قَوْله: (فِي أَربع وَعشْرين) دلَالَة على أَن الْأَرْبَع مَأْخُوذَة عَن الْجَمِيع، وَإِن كَانَت الْأَرْبَع الزَّائِدَة على الْعشْرين وقصا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي (الْبُوَيْطِيّ) وَقَالَ فِي غَيره: إِنَّه عَفْو، وَيظْهر أثر الْخلاف فِيمَن لَهُ تسع من الْإِبِل فَتلف مِنْهَا أَرْبَعَة بعد الْحول، وَقبل التَّمَكُّن حَيْثُ قَالُوا: إِنَّه شَرط فِي الْوُجُوب، وَجَبت عَلَيْهِ شَاة بِلَا خلاف، وَكَذَا إِذا قَالُوا: التَّمَكُّن شَرط فِي الضَّمَان، وَقَالُوا: الوقص عَفْو. فَإِن قَالُوا يتَعَلَّق بِهِ الْفَرْض وَجب خَمْسَة أتساع شَاة، وَالْأول قَول الْجُمْهُور كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر، وَعَن مَالك رِوَايَة كَالْأولِ.

وَفِيه: أَن مَا دون خمس من الْإِبِل لَا زَكَاة فِيهِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاع.

وَفِيه: فِي قَوْله: (إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ) دَلِيل على أَن الأوقاص لَيست بِعَفْو، وَأَن الْفَرْض يتَعَلَّق بِالْجَمِيعِ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَالأَصَح خِلَافه.

وَفِيه: أَن زَكَاة الْغنم فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة، وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن لَا شَيْء فِي أقل من الْأَرْبَعين من الْغنم، وَأَن فِي الْأَرْبَعين شَاة، وَفِي مائَة وَعشْرين شَاتين وثلاثمائة ثَلَاث شِيَاه، وَإِذا زَادَت وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إِلَى أَرْبَعمِائَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه، ثمَّ فِي كل مائَة شَاة، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي (الصَّحِيح) عَنهُ، وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ وَجَمَاعَة أهل الْأَثر، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود. وَقَالَ الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن بن حَيّ: إِذا زَادَت على ثَلَاثمِائَة وَاحِدَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه إِلَى أَرْبَعمِائَة، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة يجب فِيهَا خمس شِيَاه، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد، وَهُوَ مُخَالف للآثار. وَقيل: إِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَان حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَكَاهُ ابْن التِّين وفقهاء الْأَمْصَار على خِلَافه.

وَفِيه: أَن شَرط وجوب الزَّكَاة فِي الْغنم السّوم عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهِي الراعية فِي كلأ مُبَاح، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَبَعض أَصْحَابنَا: تزكّى السوائم والمعلوفة والمتخذة للرُّكُوب وللحرث وَغير ذَلِك من الْإِبِل وَالْغنم، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: أما الْإِبِل فَنعم، وَأما الْبَقر وَالْغنم فَلَا زَكَاة إلَاّ فِي سائمتها، وَهُوَ قَول أبي الْحسن بن الْمُفلس، وَقَالَ بَعضهم: أما الْإِبِل وَالْغنم فتزكى سائمتها وَغير سائمتها، وَأما الْبَقر فَلَا يزكّى إلَاّ سائمتها، وَهُوَ قَول أبي بكر بن دَاوُد، وَلم يخْتَلف أحد من أَصْحَابنَا فِي أَن سَائِمَة الْإِبِل وَغير سَائِمَة الْإِبِل مِنْهَا

تزكّى سَوَاء. وَقَالَ بَعضهم: تزكّى غير السَّائِمَة عَن كل وَاحِدَة مرّة وَاحِدَة فِي الدَّهْر، ثمَّ لَا يُعِيد الزَّكَاة فِيهَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَلَيْسَ فِي العوامل والحوامل والمعلوفة صَدَقَة، هَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم كعطاء وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد وَابْن الْمُنْذر، ويروى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ قَتَادَة وَمَكْحُول وَمَالك: تجب الزَّكَاة فِي الْمَعْلُومَة والنواضح بالعمومات، وَهُوَ مَذْهَب معَاذ وَجَابِر بن عبد الله وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ ومعاذ أَنه: لَا زَكَاة فِيهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَحجَّة من اشْتَرَطَهُ كتاب الصّديق وَحَدِيث عَمْرو بن حزم مثله، وَشرط فِي الْإِبِل حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده. مَرْفُوعا: (فِي كل سَائِمَة من كل أَرْبَعِينَ من الْإِبِل ابْنة لبون) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقد ورد تَقْيِيد السّوم وَهُوَ مَفْهُوم الصّفة، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد إِذا كَانَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة، وَالصّفة إِذا قرنت بالإسم الْعلم تنزل منزلَة الْعلَّة لإِيجَاب الحكم. وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي العوامل صَدَقَة) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَححهُ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، وَعَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (قَالَ: لَا يُؤْخَذ من الْبَقر الَّتِي يحرث عَلَيْهَا من الزَّكَاة شَيْء) ، وَرَفعه حجاج عَن ابْن جريج عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزبير، عَنهُ بِلَفْظ: (لَيْسَ فِي المثيرة صَدَقَة) ، وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة من حَدِيث لَيْث عَن طَاوُوس عَن معَاذ أَنه: كَانَ لَا يَأْخُذ من الْبَقر العوامل صَدَقَة، حَدثنَا هَاشم عَن مُغيرَة ابْن إِبْرَاهِيم وَمُجاهد، قَالَا: لَيْسَ فِي الْبَقَرَة العوامل صَدَقَة، وَمن حَدِيث حجاج عَن الحكم أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَيْسَ فِي العوامل شَيْء) ، وَكَذَا قَالَه سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَمْرو بن دِينَار وَعَطَاء، وَفِي (الْأَسْرَار) للدبوسي وَعلي وَجَابِر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: وَحجَّة من مَنعه مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (مبسوطه) عَن اللَّيْث، قَالَ: رَأَيْت الْإِبِل الَّتِي تكرى لِلْحَجِّ تزكّى بِالْمَدِينَةِ، وَيحيى بن سعيد وَرَبِيعَة وَغَيرهمَا من أهل الْمَدِينَة حُضُور لَا ينكرونه، ويرون ذَلِك من السّنة إِذا لم تكن مُتَفَرِّقَة وَعَن طَلْحَة بن أبي سعيد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب، وَهُوَ خَليفَة: أَن تُؤْخَذ الصَّدَقَة من الَّتِي تعْمل فِي الرِّيف. قَالَ طَلْحَة: حضرت ذَلِك وعاينته. وَعند أبي حنيفَة وَأحمد: أَن السَّائِمَة هِيَ الَّتِي تكتفي بالرعي فِي أَكثر الْحول لِأَن اسْم السّوم لَا يَزُول عَنْهَا بالعلف الْيَسِير وَلِأَن الْعلف البسير لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ، وَلِأَن الضَّرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ فِي بعض الأحيان لعدم المرعى فِيهِ، وَاعْتبر الشَّافِعِي السّوم فِي جَمِيع الْحول وَلَو علفت قدرا أتعيش بِدُونِهِ بِلَا ضَرَر بيِّن وَجَبت الزَّكَاة. وَفِي (الْبَدَائِع) : إِن أسيمت الْإِبِل أَو الْبَقر أَو الْغنم للْحَمْل أَو الرّكُوب أَو اللَّحْم فَلَا زَكَاة فِيهَا، وَإِن أسيمت للتِّجَارَة فَفِيهَا زَكَاة التِّجَارَة حَتَّى لَو كَانَت أَرْبعا من الْإِبِل أَو أقل تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم يجب فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَإِن كَانَت خمْسا لَا تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم لَا يجب فِيهَا الزَّكَاة. وَفِي (الذَّخِيرَة) : من اشْترى إبِلا سَائِمَة بنية التِّجَارَة وَحَال عَلَيْهَا الْحول وَهِي سَائِمَة تجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة دون زَكَاة السَّائِمَة.

وَفِيه: أَن الزَّكَاة فِي الْفضة ربع عشرهَا، مثلا إِذا كَانَت مِائَتَا دِرْهَم فزكاتها خَمْسَة دَرَاهِم، وَفِي أَرْبَعمِائَة عشرَة دَرَاهِم وَفِي ألف خَمْسَة وَعِشْرُونَ، وَفِي عشرَة آلَاف مِائَتَان وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي عشْرين ألفا خَمْسمِائَة، وَفِي أَرْبَعِينَ ألفا ألف، وَفِي مائَة ألف أَلفَانِ وَخَمْسمِائة. . وهلم جرا.

وَفِيه: أَن الْفضة إِن لم تكن إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء لعدم النّصاب، إلَاّ أَن يتَطَوَّع صَاحبهَا.

٩٣ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة) أَي: فِي الزَّكَاة (هرمة) بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء: أَي: كَبِيرَة سَقَطت أسنانها، وَعَن الْأَصْمَعِي: الْهَرم، الَّذِي قد بلغ إقصى السن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: امْرَأَة هرمة وَرِجَال هرمون وهرائم، وَنسَاء هرمات، وَرُبمَا قيل: شُيُوخ هرمى، وَقد هرم هرما مِثَال: حذر، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : ومهرما وَنسَاء هرمى. وَفِي (الْكَامِل) لأبي الْعَبَّاس: وَقد أهرمه الدَّهْر وهرمه. قَوْله: (عوار) ، بِفَتْح الْعين وَبِضَمِّهَا: وَهُوَ الْعَيْب أَي: وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة ذَات عيب. وَقيل: بِالْفَتْح الْعَيْب وبالضم: العور. قَوْله: (وَلَا تَيْس) ، وَهُوَ فَحل الْغنم، وَقَيده ابْن التِّين أَنه من الْمعز أَي: وَلَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة تَيْس، مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا أَو بَعْضهَا إِنَاثًا لَا يُؤْخَذ مِنْهُ الذّكر، إِنَّمَا تُؤْخَذ الْأُنْثَى إلَاّ فِي موضِعين وَردت بهما السّنة. أَحدهمَا:

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) أَوْرَدَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا تَرْجَمَ بِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحُكْمَ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ فِي بَابِ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ، وَحَذَفَهُ هُنَا، فَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْهُ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ وَقَالَ: بَلْ هِيَ غَفْلَةٌ مِمَّنْ ظَنَّ بِهِ الْغَفْلَةَ، وَإِنَّمَا مَقْصِدُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ هِيَ وَلَا ابْنُ لَبُونٍ، لَكِنْ عِنْدَهُ مَثَلًا حِقَّةٌ، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بِنْتَ لَبُونٍ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ بَيْنَ بِنْتِ اللَّبُونِ وَبِنْتِ الْمَخَاضِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا وَقَعَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ سِنٍّ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ إِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ مَا يَلِيهَا لَا مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا بِتَفَاوُتِ دَرَجَةٍ، فَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ وَالْمُنْفَصِلِ مَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا بِحِسَابِ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا مَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمُصَدِّقُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَ شِيَاهٍ جُبْرَانًا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَوْ ذَكَرَ اللَّفْظَ الَّذِي تَرْجَمَ بِهِ لَمَا أَفْهَمَ هَذَا الْغَرَضَ، فَتَدَبَّرْهُ.

انْتَهَى، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مَنْ أَمْعَنَ النَّظَرَ فِي تَرَاجِمِ هَذَا الْكِتَابِ وَمَا أَوْدَعَهُ فِيهَا مِنْ أَسْرَارِ الْمَقَاصِدِ اسْتَبْعَدَ أَنْ يَغْفُلَ أَوْ يُهْمِلَ أَوْ يَضَعَ لَفْظًا بِغَيْرِ مَعْنًى أَوْ يَرْسُمَ فِي الْبَابِ خَبَرًا يَكُونُ غَيْرُهُ بِهِ أَقْعَدَ وَأَوْلَى، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذِكْرِ مَا لَمْ يُتَرْجِمْ بِهِ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ الْمَفْقُودَ إِذَا وَجَدَ الْأَكْمَلَ مِنْهُ أَوِ الْأَنْقَصَ شُرِعَ الْجُبْرَانُ كَمَا شُرِعَ ذَلِكَ فِيمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْنَانِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا، قَالَ: وَلَوْ جُعِلَ الْعُمْدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ الْخَبَرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى ذِكْرِ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ لَكَانَ نَصًّا فِي التَّرْجَمَةِ ظَاهِرًا، فَلَمَّا تَرَكَهُ وَاسْتَدَلَّ بِنَظِيرِهِ أَفْهَمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِنَفْيِ الْفَرْقِ وَتَسْوِيَتِهِ بَيْنَ فَقْدِ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا وَبَيْنَ فَقْدِ الْحِقَّةِ وَوُجُودِ الْأَكْمَلِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٣٨ - بَاب زَكَاةِ الْغَنَمِ

١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ أُنْثَى، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ - يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ - إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ

عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ،

فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ زَكَاةِ الْغَنَمِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَذَفَ وَصْفَ الْغَنَمِ بِالسَّائِمَةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الْمَفْهُومَ أَوْ لِتَرَدُّدِهِ مِنْ جِهَةِ تَعَارُضِ وُجُوهِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ شَهِيرَةٌ، وَالرَّاجِحُ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ تُنَاسِبُ الْحُكْمَ مُنَاسَبَةَ الْعِلَّةِ لِمَعْلُولِهَا اعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّوْمَ يُشْعِرُ بِخِفَّةِ الْمُؤْنَةَ وَدَرْءِ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْعَلَفِ فَالرَّاجِحُ اعْتِبَارُهُ هُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ) هُوَ عَمُّ الرَّاوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْبَصْرِيِّينَ مِنْ آلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فَقَالَ مَرَّةً: صَالِحٌ، وَمَرَّةً: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَوَّاهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْعِجْلِيُّ، وَأَمَّا النَّسَائِيُّ فَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُتَابَعُ فِي أَكْثَرِ حَدِيثِهِ. انْتَهَى، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى حَدِيثِهِ هَذَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَرَوَاهُ عَنْ ثُمَامَةَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ كِتَابًا زَعَمَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ لِأَنَسٍ، وَعَلَيْهِ خَاتَمُ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخَذْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ فَذَكَرَهُ، فَوَضَحَ أَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ ثُمَامَةَ وَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ فَانْتَفَى تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِهِ مُكَاتَبَةً، وَانْتَفَى تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرِينِ) أَيْ: عَامِلًا عَلَيْهَا، وَهِيَ اسْمٌ لِإِقْلِيمٍ مَشْهُورٍ يَشْتَمِلُ عَلَى مُدُنٍ مَعْرُوفَةٍ قَاعِدَتُهَا هَجَرُ، وَهَكَذَا يَنْطِقُ بِهِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ بَحْرَانِيٌّ.

قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إِثباتِ الْبَسْمَلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْكُتُبِ، وَعَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْحَمْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

قَوْلُهُ: (هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ) أَيْ: نُسْخَةُ فَرِيضَةِ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَفِيهِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ظَاهِرٌ فِي رَفْعِ الْخَبَرِ إِلَى النَّبِيِّ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا، وَمَعْنَى فَرَضَ هُنَا أَوْجَبَ أَوْ شَرَعَ؛ يَعْنِي بأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ قُدِّرَ، لِأَنَّ إِيجَابَهَا ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ، فَفَرْضُ النَّبِيِّ لَهَا بَيَانُهُ لِلْمُجْمَلِ مِنَ الْكِتَابِ بِتَقْدِيرِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ، وَأَصْلُ الْفَرْضِ قَطْعُ الشَّيْءِ الصُّلْبِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي التَّقْدِيرِ لِكَوْنِهِ مُقْتَطَعًا مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُقَدَّرُ مِنْهُ، وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وَبِمَعْنَى الْإِنْزَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ وَبِمَعْنَى الْحِلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَوَقَعَ اسْتِعْمَالُ الْفَرْضِ بِمَعْنَى اللُّزُومِ حَتَّى كَادَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ أَيْضًا عَنْ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَقَدْ قَالَ الرَّاغِبُ: كُلُّ شَيْءٍ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فَرَضَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَرَضَ لَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى لَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِ.

وَذَكَرَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أَيْ: أَوْجَبَ عَلَيْكَ الْعَمَلَ بِهِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ: إِنَّ الْفَرْضَ مُرَادِفٌ لِلْوُجُوبِ، وَتَفْرِيقُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ مَا يَثْبُتَانِ بِهِ لَا مُشَاحَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَمْلِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ السَّابِقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ

الْكَافِرَ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِذَلِكَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كَوْنُهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ، لَا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا وَهُوَ مَحِلُّ النِّزَاعِ.

قَوْلُهُ: (وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا بِحَذْفِ بِهَا وَأَنْكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا الَّتِي أَمَرَ بِغَيْرِ وَاوٍ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) أَيْ: عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى دَفْعِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ) أَيْ: مَنْ سُئِلَ زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فِي سِنٍّ أَوْ عَدَدٍ فَلَهُ الْمَنْعُ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى تَرْجِيحِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلْيُمْنَعِ السَّاعِي، وَلْيَتَوَلَّ هُوَ إِخْرَاجَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَاعٍ آخَرَ، فَإِنَّ السَّاعِيَ الَّذِي طَلَبَ الزِّيَادَةَ يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، لَكِنَّ مَحِلَّ هَذَا إِذَا طَلَبَ الزِّيَادَةَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا) أَيْ: إِلَى خَمْسٍ.

قَوْلُهُ: (مِنَ الْغَنَمِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَصَوَّبَهَا بَعْضُهُمْ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَنْ أَثْبَتَهَا فَمَعْنَاهُ زَكَاتُهَا أَيِ الْإِبِلُ: مِنَ الْغَنَمِ، وَمِنْ لِلْبَيَانِ لَا لِلتَّبْعِيضِ. وَمَنْ حَذَفَهَا فَالْغَنَمُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مُضْمَرٌ فِي قَوْلِهِ: فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيَانُ الْمَقَادِيرِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ فَحَسُنَ التَّقْدِيمُ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ إِخْرَاجِ الْغَنَمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، فَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ لَمْ يُجْزِهِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَمَا دُونَهَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَجِبَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ رِفْقًا بِالْمَالِكِ، فَإِذَا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الْأَصْلِ أَجْزَأَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَعِيرِ مَثَلًا دُونَ قِيمَةِ أَرْبَعِ شِيَاهٍ فَفِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَ مَأْخُوذَةٌ عَنِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْبَعُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ وَقَصًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: إِنَّهُ عَفْوٌ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَنْ لَهُ - مَثَلًا - تِسْعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَتَلِفَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ - حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: التَّمَكُّنُ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ، وَقُلْنَا: الْوَقَصُ عَفْوٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفَرْضُ وَجَبَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً كَالْأَوَّلِ.

(تَنْبِيهٌ): الْوَقَصُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْقَافِ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الصَّادِ: هُوَ مَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) فِيهِ أَنَّ فِي هَذَا الْقَدْرِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسَ شِيَاهٍ، فَإِذَا صَارَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ كَانَ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَإِسْنَادُ الْمَرْفُوعِ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: (إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيمَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ شَيْءٌ غَيْرَ بِنْتِ مَخَاضٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: كَالْحَنَفِيَّةِ تَسْتَأْنِفُ الْفَرِيضَةَ فَيَجِبُ فِي كُلِّ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ مُضَافَةٌ إِلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ.

قَوْلُهُ: (فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) زَادَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَقَوْلُهُ أُنْثَى، وَكَذَا قَوْلُهُ ذَكَرٌ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِتَنْبِيهِ رَبِّ الْمَالِ لِيَطِيبَ نَفْسًا بِالزِّيَادَةِ، وَقِيلَ: احْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنَ الْخُنْثَى وَفِيهِ بُعْدٌ. وَبِنْتُ الْمَخَاضِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ هِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ، وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِي، وَحَمَلَتْ أُمُّهَا، وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ، أَيْ: دَخْلَ وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ. وَابْنُ اللَّبُونِ الَّذِي دَخَلَ فِي ثَالِثِ سَنَةٍ فَصَارَتْ أُمُّهُ لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ.

قَوْلُهُ: (إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) إِلَى للْغَايَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ بَيَانُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا فَلَا يَدْخُلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ

دَخَلَتْ هُنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَا قَبْلَهَا.

قَوْلُهُ: (حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ) حِقَّةٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ، وَالْجَمْعُ حِقَاقٌ بِالْكَسْرِ وَالتَّخْفِيفِ، وَطَرُوقَةٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: مَطْرُوقَةٌ وَهِيَ فَعُولَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ كَحَلُوبَةٍ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ، وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ، وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ.

قَوْلُهُ: (جَذَعَةٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا أَرْبَعٌ، وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ) كَذَا فِي الْأَصْلِ بِزِيَادَةِ يَعْنِي، وَكَأَنَّ الْعَدَدَ حُذِفَ مِنَ الْأَصْلِ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَذَكَرَهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ وَأَتَى بِلَفْظِ يَعْنِي لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ مَزِيدٌ، أَوْ شَكَّ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِيهِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ لَفْظِ يَعْنِي فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِيهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِإِثْبَاتِهِ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أَيْ: وَاحِدَةً فَصَاعِدًا، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ تَجِبُ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِزِيَادَةِ بَعْضٍ وَاحِدَةً، لِصِدْقِ الزِّيَادَةِ، وَتُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ فِي الشَّرِكَةِ، وَيَرُدُّهُ مَا فِي كِتَابِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ: إِذَا كَانَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَزَكَاتُهُ بِالْإِبِلِ خَاصَّةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ رَجَعَتْ إِلَى فَرِيضَةِ الْغَنَمِ، فَيَكُونُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَشَاةٌ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ إِلَخْ)

(تَنْبِيهٌ): اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلَهُ: وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ ذُكِرَ آخِرُهُ فِي بَابِ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِيهِ: يُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَيُّهُمَا شَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَقَوْلُهُ: وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَشْرَةً وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ، وَعَنْ مَالِكٍ يُلْزَمُ رَبُّ الْمَالِ بِشِرَاءِ ذَلِكَ السِّنِّ بِغَيْرِ جُبْرَانٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ جَعَلَ الشَّاتَيْنِ أَوِ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا تَقْدِيرًا فِي الْجُبْرَانِ لِئَلَّا يَكِلَ الْأَمْرَ إِلَى اجْتِهَادِ السَّاعِي لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْمِيَاهِ حَيْثُ لَا حَاكِمَ وَلَا مُقَوِّمَ غَالِبًا، فَضَبَطَهُ بِشَيْءٍ يَرْفَعُ التَّنَازُعَ كَالصَّاعِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلُهُ: (وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ) وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى مَا حَذَفَهُ مِنْهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَرِيبًا.

قَوْلُهُ: (إِذَا كَانَتْ) فِي رِوَايَةٍ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِذَا بَلَغَتْ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فِي كِتَابِ عُمَرَ: فَإِذَا كَانَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي ذَلِكَ وَالتَّعْقِبُ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الشَّاةُ الرَّابِعَةُ حَتَّى تُوَفَّى أَرْبَعَمِائَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، قَالُوا: فَائِدَةُ ذِكْرِ الثَّلَاثِمِائَةِ لِبَيَانِ النِّصَابِ الَّذِي بَعْدَهُ لِكَوْنِ مَا قَبْلَهُ مُخْتَلِفًا، وَعَنْ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ كَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ وَاحِدَةً وَجَبَ الْأَرْبَعُ.

قَوْلُهُ: (فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةَ الرَّجُلِ).

(تَنْبِيهٌ): اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ بَيْنِ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ قَوْلَهُ: وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ، وَاقْتَطَعَ مِنْهُ أَيْضًا قَوْلَهُ: وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ، وَكَذَا قَوْلَهُ: وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِهِ، وَيَلِي هَذَا قَوْلُهُ هُنَا: فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةَ الرَّجُلِ إِلَخْ. وَهَذَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي فَرَّقَهَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٣٨) (باب زَكَاةِ الغَنَمِ).

١٤٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبدُ الله (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ) جدَّه (أَنَسًا) (حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق ( كَتَبَ لَهُ) أي: لأنسٍ (هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ) عاملًا عليها، وهو اسمٌ لإقليمٍ مشهورٍ يشتمل على مدنٍ معروفةٍ، قاعدتها هجر: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ) أي: نسخة فريضة (الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ عَلَى المُسْلِمِينَ) بفرض الله (وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا) بحرف العطف، ولأبي داود: «التي» بدونه، على أنَّ الجملة بدلٌ من الجملة الأولى، ولغير أبي ذرٍّ: «به» (رَسُولَهُ) ، أي: بتبليغها، وأُضيف الفرض إليه لأنَّه دعا إليه وحمل النَّاس عليه، أو معنى «فَرَضَ» قَدَّرَ؛ لأنَّ الإيجاب بنصِّ القرآن على سبيل الإجمال، وبيَّن مُجمَله بتقدير الأنواع والأجناس (فَمَنْ سُئِلَهَا) بضمِّ السِّين، أي: فمن سُئِلَ الزَّكاة (مِنَ المُسْلِمِينَ) حال كونها (عَلَى (١) وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا) على الكيفيَّة المذكورة في الحديث من غير تعدٍّ، بدليل قوله (٢): (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا) أي: زائدًا على الفريضة المعيَّنة في السِّنِّ أو العدد (فَلَا يُعْطِ) الزَّائد على الواجب، وقِيلَ: لا يعط شيئًا من الزَّكاة لهذا المصَدِّق، لأنَّه خان بطلبه فوق الزَّائد، فإذا ظهرت خيانتهُ سقطت طاعته، وحينئذٍ يتولَّى إخراجه أو يعطيه لساعٍ آخر، ثمَّ شرع في بيان كيفيَّة الفريضة وكيفيَّة أخذها، وبدأ بزكاة الإبل؛ لأنَّها غالب أموالهم فقال: (فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ) زكاةٌ (فَمَا دُونَهَا) أي: فما دون أربعٍ وعشرين (مِنَ الغَنَمِ) يتعلَّق بالمبتدأ المُقدَّر (مِنْ كُلِّ خَمْسٍ) خبر المبتدأ الذي هو (شَاةٌ) وكلمة «من» للتَّعليل، أي: لأجل كلِّ خمسٍ من الإبل، وسقط في رواية ابن السَّكن كلمة «من» الدَّاخلة على الغنم، وصوَّبه بعضهم، وقال القاضي عياضٌ: كلٌّ صوابٌ، فمن أثبتها فمعناه (٣): زكاتها من الغنم، و «من» للبيان لا للتَّبعيض، وعلى إسقاطها فـ «الغنم» مبتدأٌ خبرُه «في أربعٍ وعشرين»، وإنَّما قُدِّم الخبر لأنَّ المراد بيان النُّصب (٤)؛ إذ الزَّكاة إنَّما تجب بعد

النِّصاب، فكان تقديمه أهمَّ لأنَّه السَّابق في التَّسبُّب (إِذَا) وفي نسخةٍ «فإذا» (بَلَغَتْ) إبله (خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى) قيَّد بالأنثى للتَّأكيد، كما يُقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (١) (سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى) آن لأمِّها أن تلد (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ (٢) فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ) بفتح الطَّاء، «فعولةٌ» بمعنى: «مفعولةٌ»، صفةٌ لـ «حقَّةٌ»، استحقَّت أن يغشاها الفحل (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ) بفتح الجيم والذَّال (٣) المعجمة، سُمِّيت بذلك لأنَّها أجذعت (٤) مُقدَّم أسنانها، أي: أسقطته (٥)، وهي غاية أسنان الزَّكاة (٦) (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (-يَعْنِي- سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ) بزيادة «يعني» وكأنَّ العدد حُذِف من الأصل؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه فذكره بعض رواته، وأتى بلفظ: «يعني» لينبِّه على أنَّه مزيدٌ، أو شكَّ أحد رواته فيه (فَإِذَا بَلَغَتْ) إبله (إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ) إبله (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) فواجبُ مئةٍ وثلاثين بنتا لبونٍ وحقَّةٌ، وواجبُ مئةٍ وأربعين بنتُ لبونٍ وحقَّتان، وهكذا (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن (٧) يتبرَّع ويتطوَّع (فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَ) فرض (فِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا) أي: راعيتها، لا (٨) المعلوفة، و «في سائمتها» -كما قاله في «شرح المشكاة» - بدلٌ من «الغنم» بإعادة الجارِّ المُبدَل في حكم الطَّرح، فلا يجب في مطلق الغنم شيءٌ، وهذا

أقوى في الدَّلالة من أن لو قِيلَ ابتداءً في سائمة الغنم أو في (١) الغنم السَّائمة؛ لأنَّ دلالة البدل على المقصود بالمنطوق، ودلالة غيره عليه بالمفهوم، وفي تكرار الجارِّ إشارةٌ إلى أنَّ للسَّوم في هذا الجنس مدخلًا قويًّا وأصلًا يُقاس عليه بخلاف جنسي (٢) الإبل والبقر. انتهى. (إِذَا كَانَتْ) غنم الرَّجل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إذا بلغت» (أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) فزكاتها (شَاةٌ) جذعةُ ضأنٍ، لها سنةٌ ودخلت في الثَّانية، وقِيلَ: ستَّة أشهرٍ، أو ثنيَّة معزٍ، لها سنتان، ودخلت في الثَّالثة، وقِيلَ: سنةٌ، و «شاةٌ» رُفِعَ، خبر مبتدأٍ مُضمَرٍ، أو مبتدأٌ، و «في صدقة الغنم» خبرُه (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ) واحدةً فصاعدًا (إِلَى مئتين) فزكاتها (شَاتَانِ) مرفوعٌ على الخبريَّة أو الابتدائيَّة كما مرَّ (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى مئتين) ولو واحدةً (إِلَى ثلاث مئةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «ثلاث شياهٍ» (فَإِذَا زَادَتْ) غنمه (عَلَى ثلاث مئةٍ) مئةً أخرى لا دونها (فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ) ففي أربع مئةٍ أربعُ شياهٍ، وفي خمس مئةٍ خمسٌ، وفي ستِّ مئةٍ ستٌّ، وهكذا (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً) نُصِبَ، خبر «كان» (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً) صفة «شاةً» الذي هو تمييز «أربعين» كذا أعربه في «التَّنقيح»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه لا فائدة في هذا (٣) الوصف مع كون الشَّاة تمييزًا، وإنَّما «واحدةً» منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ بـ «ناقصةً» أي: إذا كان عند الرَّجل سائمةٌ تنقص واحدةً من أربعين فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا (٤) على ذلك، ويحتمل أن يكون «شاةً» مفعولًا بـ «ناقصةً»، و «واحدةً» وصفٌ لها، والتَّمييز محذوفٌ للدَّلالة عليه. انتهى. (فَلَيْسَ فِيهَا) أي: النَّاقصة عن الأربعين (صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أن يتطوَّع (وَفِي) مئتي درهمٍ من (الرِّقَةِ) بكسر الرَّاء وتخفيف القاف: الوَرِق، والهاء عوضٌ عن الواو؛ نحو: العِدَة والوعد؛ الفضَّة المضروبة وغيرها (رُبْعُ العُشْرِ) خمسة دراهم، وما زاد على المئتين فبحسابه، فيجب ربع عُشْره، وقال أبو حنيفة: لها وقصٌ فلا شيء على ما زاد على مئتي درهمٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على كتاب الله تَعَالَى، وَأَنه يجْرِي مجْرى النّسخ فَلَا يجوز ذَلِك بِخَبَر الْوَاحِد وَالْقِيَاس، وَأما مَا ورد من ذكر علين الشَّاة وَذكر عين صنف من أَصْنَاف الْإِبِل وَالْبَقر فلبيان الْوَاجِب بِمَا سمى، وَتَخْصِيص الْمُسَمّى لبَيَان أَنه أبسر على صَاحب الْمَاشِيَة أَلا ترى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما قَالَ: فِي الْخمس من الْإِبِل شَاة، وحرف، فِي، حَقِيقَة للظرف، وَعين الشَّاة لَا تُوجد فِي الْإِبِل، عرفنَا أَن المُرَاد قدرهَا من المَال. قَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه: دَلِيل على أَن كل وَاحِدَة من الشَّاة وَالْعِشْرين درهما أصل فِي نَفسه لَيست بِبَدَل، وَذَلِكَ أَنه خَيره بِحرف: أَو. قُلْنَا: لَا دَلِيل لَهُ على هَذَا الْكَلَام، بل التَّخْيِير يدل على أَن الأَصْل قدرهَا من المَال، كَمَا قَرَّرْنَاهُ.

٨٣ - (بابُ زَكَاةِ الغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَيَان زَكَاة الْغنم. الْغنم، جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَعَن أبي حَاتِم: هِيَ أُنْثَى، وَعَن صَاحب (الْعين) : الْجمع أَغْنَام وأغانم وغنوم، وَوَاحِد الْغنم من غير لَفظهَا: شَاة، وَهُوَ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْأَصْل: شاهة، حذفت الْهَاء لِاجْتِمَاع الهاءين، وَالْجمع: شَاءَ وشياه وشيه وشوي وشواه وأشاوه. وَعَن سيبوه: شِيَاه، بِالْألف وَالتَّاء، وَأَرْض مشاهة من الشَّاء، وَرجل شاوي ذُو شَاءَ، والضائنة مِنْهَا ذَوَات الصُّوف، والضأن والضان والضئن والضين: اسْم للْجمع، وَعَن صَاحب (الْعين) : أضؤن، جمع ضَأْن. وَعَن أبي حَاتِم: الضَّأْن مُؤَنّثَة، الْوَاحِد ضائن وضائنة. وَقَالَ ابْن سَيّده: الضَّأْن، اسْم للْجمع وَلَيْسَ بِجمع، والماعز والمعز والمعيز اسْم للْجمع، والمعزاة لُغَة فِي المعزى. وَعَن أبي حَاتِم السجسْتانِي: يُقَال: شَاة من الظباء، وَمن بقر الْوَحْش، وَمن حمره، أنْشد أَبُو زيد:

(كَأَنَّهُ شَاة من النعام)

زَاد هِشَام، وَيُسمى الظبي والظبية والثور وَالْبَقَرَة شَاة، كَمَا يُقَال للْمَرْأَة: إِنْسَان، وَيُقَال: شَاة للتيس وَالْغنم والكبش. وَذكر النّحاس: أَن الشَّاة يكنى بهَا عَن الْمَرْأَة، وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: الشَّاء إسم للْجمع.

٤٥٤١ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني أبي قَالَ حدَّثني ثَمَامَةُ بنُ عَبْدِ الله بنِ أنَسٍ أنَّ أنسا حدَّثَهُ أنَّ أبَا بَكْرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ كَتَبَ لَهُ هاذا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى البَحْرَيْنِ:

بِسْمَ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ هاذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أمَرَ الله بِهَا رَسولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمينَ عَلى وجْهِهَا ومَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ إذَا بَلَغَتْ خَمْسا وعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى فَإِذا بَلَغَتْ سِتّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى فإذَا بَلَغَتْ سِتّا وَأرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ فإذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وسَبْعِينَ فِفِيهَا جذَعَةٌ فإذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتّا وسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَ لَبُونٍ فإذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ فإذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ فَفِي كلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسينَ حِقَّةٌ ومَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَاّ أرْبَعٌ مِنَ الإبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ

إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا فإذَا بَلَغَتْ خَمْسا مِنَ الإبِلِ فَفِيهَا شَاة وَفي صدَقَةِ الغَنَمُ فِي سائِمَتِهَا إذَا كانَتْ أرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةَ شاةٌ فإذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ شاتانِ فإذَا زَادتْ عَلَى مائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ فإذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِي كلِّ مائَةِ شاةٌ فإذَا كانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ ناقِصَةً مِنْ أرْبَعِين شَاة وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صدَقَةٌ إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفي الرِّقة رُبْعُ العُشْرِ فإنْ لَمْ تَكُنْ إلَاّ تِسْعِينَ وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شيءٌ إلَاّ أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا..

حَدِيث أنس هَذَا قد تقدم مقطعا بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وَهُوَ مُشْتَمل على بَيَان زَكَاة الْإِبِل وَالْغنم وَالْوَرق، وَعبد الله بن الْمثنى أَبُو شيخ البُخَارِيّ احتلف فِيهِ، قَول ابْن معِين، فَقَالَ مرّة: صَالح، وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: قوي، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم وَالْعجلِي. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِقَوي، وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع فِي أَكثر حَدِيثه. قلت: قد تَابعه على حَدِيثه هَذَا حَمَّاد ابْن سَلمَة فَرَوَاهُ عَن ثُمَامَة أَنه أعطَاهُ كتابا، زعم أَن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كتبه لأنس وَعَلِيهِ خَاتم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين بَعثه مُصدقا، هَكَذَا أخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي سَلمَة عَنهُ، وَقد سقناه بِتَمَامِهِ فِي: بَاب مَا كَانَ من خليطين، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) قَالَ: حَدثنَا أَبُو كَامِل، قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد قَالَ أخذت هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس عَن أنس: أَن أَبَا بكر. . فَذكره، وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) : أخبرنَا النَّضر بن شُمَيْل حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة أَخذنَا هَذَا الْكتاب من ثُمَامَة يحدثه عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكره، فَظهر من هَذَا أَن حمادا سَمعه من ثُمَامَة وأقرأه الْكتاب، فَانْتفى بذلك تَعْلِيل من أعله بِكَوْنِهِ مُكَاتبَة، وَكَذَا انْتَفَى تَعْلِيل من أعله بِكَوْن عبد الله بن الْمثنى لم يُتَابع عَلَيْهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (كتب لَهُ هَذَا الْكتاب) أَي: كتب لأنس، وَكَانَ ذَلِك مَا وَجهه عَاملا على الْبَحْرين وَهُوَ تَثْنِيَة: بَحر، خلاف الْبر مَوضِع مَعْرُوف بَين بحري: فَارس والهند، ومقارب جَزِيرَة الْعَرَب، وَيُقَال: هُوَ اسْم لإقليم مَشْهُور يشْتَمل على مدن مَعْرُوفَة قاعدتها هجر، وَهَكَذَا يتَلَفَّظ بِلَفْظ التَّثْنِيَة، وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا بحراني. قَوْله: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ذكر التَّسْمِيَة فِي أول كِتَابه لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله أَبتر) . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: يسْتَدلّ بِهِ على إِثْبَات الْبَسْمَلَة فِي ابْتِدَاء الْكتب، وعَلى أَن الِابْتِدَاء بِالْحَمْد لَيْسَ بِشَرْط. قلت: كَمَا ورد الِابْتِدَاء بالبسملة فِي أول كل أَمر، ورد الِابْتِدَاء بِالْحَمْد أَيْضا، وَلَكِن الْجمع بَينهمَا بِأَن الأولية أَمر نسبي فَكل ثَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَالِث أول. فَافْهَم. قَوْله: (هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة) ، أَي: نُسْخَة فَرِيضَة الصَّدَقَة، فَحذف الْمُضَاف للْعلم بِهِ. قَوْله: (الَّتِي) ، كَذَا فِي غير مَا نُسْخَة. وَفِي بَعْضهَا: (الَّذِي) ، وَمعنى الْفَرْض: الْإِيجَاب، وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى قد أوجبهَا وَأحكم فَرضهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز، ثمَّ أَمر رَسُوله بالتبليغ فأضيف الْفَرْض إِلَيْهِ بِمَعْنى الدُّعَاء إِلَيْهِ، وَحمل النَّاس عَلَيْهِ، وَقد فرض الله طَاعَته على الْخلق فَجَاز أَن يُسمى أمره وتبليغه عَن الله فرضا على هَذَا الْمَعْنى. وَقيل: معنى الْفَرْض هُنَا معنى التَّقْدِير، وَمِنْه: فرض القَاضِي نَفَقَة الْأزْوَاج، وَفرض الإِمَام أرزاق الْجند، وَمَعْنَاهُ رَاجع إِلَى قَوْله: {لنبين للنَّاس مَا نُزِّل إِلَيْهِم} (النَّحْل: ٤٤) . وَقيل: معنى الْفَرْض هُنَا السّنة، وَمِنْه مَا رُوِيَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرض كَذَا أَي: سنه، وَعَن ثَعْلَب: الْفَرْض الْوَاجِب، وَالْفَرْض الْقِرَاءَة، يُقَال: فرضت حزبي، أَي: قرأته، وَالْفَرْض السّنة. قَوْله: (وَالَّتِي أَمر الله بهَا) ، كَذَا فِي كثير من النّسخ: بهَا، بِالْبَاء وَوَقع أَيْضا: مِنْهَا، بِحرف: من، وَقيل: وَقع فِي كثير من النّسخ بِحَذْف: بهَا، وأنكرها النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) . وَقَوله: (وَالَّتِي) وَقع هُنَا بِحرف الْعَطف، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: الَّتِي، قد ذَكرْنَاهُ: الَّتِي، بِدُونِ حرف الْعَطف على أَنَّهَا بدل من الْجُمْلَة الأولى. قَوْله: (فَمن سئلها) ، بِضَم السِّين أَي: فَمن سُئِلَ الصَّدَقَة من الْمُسلمين، وَهِي الزَّكَاة. قَوْله: (على وَجههَا) ، أَي: على حسب مَا سنّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من فرض مقاديرها. قَوْله: (فليعطها) ، أَي: على هَذِه الْكَيْفِيَّة المبينة فِي الحَدِيث. قَوْله: (وَمن سُئِلَ فَوْقهَا) ، أَي: زَائِدا على الْفَرِيضَة الْمعينَة أما فِي السن أَو الْعدَد. قَوْله: (فَلَا يُعْط) ، ويروى: (فَلَا يُعْطه) ، بالضمير أَي: فَلَا يُعْطي الزَّائِد على الْوَاجِب. وَقيل: لَا يُعْطي شَيْئا من الزَّكَاة لهَذَا الْمُصدق لِأَنَّهُ خَان بِطَلَبِهِ فَوق الْوَاجِب، فَإِذا ظَهرت خيانته سَقَطت طَاعَته، فَعِنْدَ ذَلِك هُوَ يتَوَلَّى إِخْرَاجه أَو يُعْطي لساع آخر. قَوْله: (فِي أَربع وَعشْرين من الْإِبِل) إِلَى آخِره شُرُوع فِي بَيَان كَيْفيَّة الْفَرِيضَة، وَبَيَان كَيْفيَّة أَخذهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فِي أَربع وَعشْرين اسْتِئْنَاف بَيَان لقَوْله: (هَذِه فَرِيضَة الصَّدَقَة) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذِهِ إِلَى مَا فِي الذِّهْن، ثمَّ أَتَى بِهِ بَيَانا لَهُ. قَوْله: (فِي أَربع) خبر مُبْتَدأ مُقَدّر مقدما تَقْدِيره فِي أبع وَعشْرين من الْإِبِل زَكَاة وَكلمَة من بَيَانه قَوْله: (فَمَا دونهَا) أَي: فَمَا دون أَربع وَعشْرين. وَقَوله: (من الْغنم) ، مُتَعَلق بالمبتدأ الْمُقدر. قَوْله: (من كل خمس) ، خبر لقَوْله: (شَاة) ، وَكلمَة: من، للتَّعْلِيل، أَي: لأجل كل خمس من الْإِبِل. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: من الْغنم من كل خمس

شَاة. من الأولى ظرف مُسْتَقر لِأَنَّهُ بَيَان لشاة توكيدا كَمَا فِي قَوْله: (فِي كل خمس ذود من الْإِبِل) و: من، الثَّانِيَة لَغوا ابتدائية مُتَّصِلَة بِالْفِعْلِ الْمَحْذُوف، أَي: ليعط فِي أَربع وَعشْرين شَاة كائنة من الْغنم لأجل كل خمس من الْإِبِل. قَوْله: (من الْغنم) ، كَذَا هُوَ بِكَلِمَة: من، فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن بِإِسْقَاط: من. قيل: هُوَ الصَّوَاب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فعلى قَوْله: (الْغنم) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَخَبره: فِي أَربع وَعشْرين، ثمَّ بَين ذَلِك بقوله: (من كل خمس شَاة) ، ويروى: (فِي كل خمس) ، بِكَلِمَة: فِي، عوض: من، وَقَالَ ابْن بطال: وَفِي نُسْخَة البُخَارِيّ بِزِيَادَة لفظ: من الْغنم، وَهُوَ غلط عَن بعض الكتبة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ الْفُقَهَاء: فِيهِ تَفْسِير من وَجه وإجمال من وَجه، فالتفسير أَنه لَا يجب فِي أَربع وَعشْرين إلَاّ الْغنم، والإجمال أَنه لَا يدْرِي قدر الْوَاجِب. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك مُفَسرًا لهَذَا الْإِجْمَال: فِي كل خمس شَاة، فَكَانَ هَذَا بَيَانا لابتداء النّصاب، وَقدر الْوَاجِب فِيهِ، فَأول نِصَاب الْإِبِل خمس، وَقَالَ: إِنَّمَا بَدَأَ بِزَكَاة الْإِبِل لِأَنَّهَا غَالب أَمْوَالهم وتعم الْحَاجة إِلَيْهَا، وَلِأَن أعداد نصبها وأسنان الْوَاجِب فِيهَا يصعب ضَبطهَا، وَتَقْدِيم الْخَبَر على الْمُبْتَدَأ لِأَن الْمَقْصُود بَيَان النصب إِذْ الزَّكَاة إِنَّمَا تجب بعد النّصاب فَكَانَ تَقْدِيمه أهم لِأَنَّهُ السَّابِق فِي السَّبَب، وَكَذَا تَقْدِيم الْخَبَر فِي قَوْله: (بنت مَخَاض انثى) ، قَوْله: (انثى) للتَّأْكِيد، وَقيل: احْتِرَاز عَن الْخُنْثَى، وَفِيه نظر. قَوْله: (بنت لبون) ، انثى، الْكَلَام فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي: (بنت مَخَاض أُنْثَى) . وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: وصفهَا بِالْأُنْثَى تَأْكِيدًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {نفخة وَاحِدَة} (الحاقة: ٣١) . أَو لِئَلَّا يفهم أَن الْبِنْت هُنَا وَالِابْن فِي ابْن لبون كالبنت فِي: بنت طبق، وَالِابْن فِي: ابْن آوى، يشْتَرك فِيهِ الذّكر وَالْأُنْثَى. قَوْله: (طروقة الْجمل) ، صفة لقَوْله: (حقة) ، وَقد فسرنا الطروقة من: طرقها الْفَحْل إِذا ضربهَا، يَعْنِي جَامعهَا. قَوْله: (فَإِذا بلغت يَعْنِي سِتا وَسبعين) ، كَذَا فِي الأَصْل بِزِيَادَة: يَعْنِي، وَكَأن الْعدَد حذف من الأَصْل اكْتِفَاء بِدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ، فَذكره بعض رُوَاته وأتى بِلَفْظ: يَعْنِي، لينبه على أَنه مزبدا، وَشك أحد رُوَاته فِيهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَعَلَّ الْمَكْتُوب لم يكن فِيهِ لفظ: سِتا وَسبعين، أَو ترك الرَّاوِي ذكره لظُهُور المُرَاد ففسره الرَّاوِي عَنهُ توضيحا. وَقَالَ: يَعْنِي. فَإِن قلت: لم غير الأسلوب حَيْثُ لم يقل فِي جَوَابه مثل ذَلِك؟ قلت: إشعارا بانتهاء أَسْنَان الْإِبِل فِيهِ، وتعدد الْوَاجِب عِنْده فَغير اللَّفْظ عِنْد مُغَايرَة الحكم. قَوْله: (إِلَّا أَن يَشَاء رَبهَا) ، أَي: إلَاّ أَن يتَبَرَّع صَاحبهَا ويتطوع، وَهُوَ كَمَا ذكر فِي حَدِيث الْأَعرَابِي فِي الْإِيمَان: (إلَاّ أَن تطوع) . قَوْله: (وَإِذا كَانَت) فِي رِوَايَة الْكشميهني (إِذا بلغت) قَوْله (فازدادت على عشْرين وَمِائَة) أَي وَاحِدَة فصاعد قَوْله (فِي سائمتها) أَي: راعيتها. قَالَ الْكرْمَانِي: وَهُوَ دَلِيل على أَن لَا زَكَاة فِي المعلوفة، أما من جِهَة اعْتِبَار مَفْهُوم الصّفة، وَأما من جِهَة أَن لفظ: فِي سائمتها، بدل عَنهُ بِإِعَادَة الْجَار، والمبدل فِي حكم الطرح فَلَا يجب فِي مُطلق الْغنم. فَإِن قلت: لَا يجوز أَن يكون: شَاة، مُبْتَدأ و: فِي صَدَقَة الْغنم، خَبره لِأَن لفظ الصَّدَقَة يأباه، فَمَا وَجه إعرابه؟ قلت: لَا نسلم، وَلَئِن سلمنَا فَلفظ: فِي صَدَقَة، يتَعَلَّق بِفَرْض أَو كتب مُقَدرا، أَي: فرض فِي صدقتها شَاة أَو كتب فِي شَأْن صَدَقَة الْغنم هَذَا، وَهُوَ إِذا كَانَت أَرْبَعِينَ إِلَى آخِره، وَحِينَئِذٍ يكون شَاة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: فزكاتها شَاة أَو بِالْعَكْسِ، أَي: فَفِيهَا شَاة. وَقَالَ التَّيْمِيّ: شَاة، رفع بِالِابْتِدَاءِ، و: فِي صَدَقَة الْغنم، فِي مَوضِع الْخَبَر، وكذك: شَاتَان، وَالتَّقْدِير: فِيهَا شَاتَان، وَالْخَبَر مَحْذُوف. قَوْله: (وَاحِدَة) ، إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: بِوَاحِدَة، وَإِمَّا حَال من ضمير النَّاقِصَة، وَفِي بعض الرِّوَايَة: بِشَاة وَاحِدَة، بِالْجَرِّ. قَوْله: (وَفِي الرقة) ، بِكَسْر الرَّاء وَتَخْفِيف الْقَاف: الْوَرق، وَالْهَاء عوض عَن الْوَاو، نَحْو: الْعدة والوعد، وَهِي: الْفضة المضروبة، وَيجمع على: رقين. مثل: أرة وأرين. قَوْله: (فَإِن لم تكن) ، أَي: الرقة، قَوْله: (إِلَّا تسعين وَمِائَة) ، قَالَ الْخطابِيّ: هَذَا يُوهم أَنَّهَا إِذا زَاد عَلَيْهِ شَيْء قبل أَن يتم مِائَتَيْنِ كَانَ فِيهَا الصَّدَقَة، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن نصابها المئتان. وَإِنَّمَا ذكر التسعين لِأَنَّهُ آخر فصل من فُصُول الْمِائَة، والحساب إِذا جَاوز الْآحَاد كَانَ تركيبه بِالْعُقُودِ كالعشرات والمئات والألوف، فَذكر التسعين ليدل بذلك على أَن لَا صَدَقَة فِيمَا نقص عَن كَمَال الْمِائَتَيْنِ، يدل على صِحَّته حَدِيث: (لَا صَدَقَة إِلَّا فِي خمس أَوَاقٍ) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: فِي قَوْله: (فَلَا يُعْط) ، دَلِيل على أَن الإِمَام وَالْحَاكِم إِذا ظهر فسقهما بَطل حكمهمَا، قَالَه الْخطابِيّ. وَفِيه: فِي قَوْله: (من الْمُسلمين) ، دلَالَة على أَن الْكَافِر لَا يُخَاطب بذلك. وَفِيه: فِي قَوْله: (فليعطها) دلَالَة على دفع الْأَمْوَال الظَّاهِرَة إِلَى الْأَمَام. وَفِيه: من أول الحَدِيث إِلَى قَوْله: (فَإِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة) ، لَا خلاف فِيهِ بَين الْأَئِمَّة، وَعَلَيْهَا اتّفقت

الْأَخْبَار عَن كتب الصَّدقَات الَّتِي كتبهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْخلاف فِيمَا إِذا زَادَت على مائَة وَعشْرين، فَعِنْدَ الشَّافِعِي: فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة. وَاسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث، ومذهبه أَنه إِذا زَادَت على مائَة وَعشْرين وَاحِدَة فَفِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون، فَإِذا صَارَت مائَة وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حقة وبنتا لبون، ثمَّ يَدُور الْحساب على الأربعينات والخمسينات، فَيجب فِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَفِي كل خمسين حقة، وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأحمد فِي رِوَايَة، وَقَالَ مُحَمَّد بن (إِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأحمد فِي رِوَايَة: لَا يتَغَيَّر الْفَرْض إِلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَة، فَيكون فِيهَا حقة وبنتا لبون. وَعَن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رِوَايَتَانِ روى عَنهُ ابْن الْقَاسِم وَابْن عبد الحكم، رحمهمَا الله تَعَالَى: أَن السَّاعِي بِالْخِيَارِ بَين أَن يَأْخُذ ثَلَاث بَنَات لبون أَو حقتين، وَهُوَ قَول مطرف وَابْن أبي حَازِم وَابْن دِينَار وَأصبغ. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم، رَحمَه الله تَعَالَى: فِيهَا ثَلَاث بَنَات لبون، وَلَا يُخَيّر السَّاعِي إِلَى أَن يبلغ ثَلَاثِينَ وَمِائَة، فَيكون فِيهَا حَقه وابنتا لبون، وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي ثَوْر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. وروى عبد الْملك وَأَشْهَب وَابْن نَافِع عَن مَالك: أَن الْفَرِيضَة لَا تَتَغَيَّر بِزِيَادَة وَاحِدَة حَتَّى تزيد عشرا، فَيكون فِيهَا بِنْتا لبون وحقة، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد. وَعند أهل الظَّاهِر: إِذا زَادَت على عشْرين وَمِائَة ربع بعير أَو ثمنه أَو عشره، فَفِي كل خمسين حقة، وَفِي كل أَرْبَعِينَ بنت لبون، وَهُوَ قَول الاصطخري. وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير: يتَخَيَّر بَين الاسئناف وَعَدَمه لوُرُود الْأَخْبَار بهما. وَوَقع فِي (النِّهَايَة) للشَّافِعِيَّة، وَفِي (الْوَسِيط) أَيْضا أَنه قَول ابْن جُبَير، أَن بدل، ابْن جرير، وَهُوَ تَصْحِيف، وَحكى السفاقسي عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْحكم بن عتيبة أَن فِي مائَة وَخمْس وَعشْرين حقتين وَبنت مَخَاض، وَعند أبي حنيفَة وَأَصْحَابه: تسْتَأْنف الْفَرِيضَة فَيكون فِي الْخمس شَاة مَعَ الحقتين، وَفِي الْعشْر شَاتَان، وَفِي خمس عشرَة ثَلَاث شِيَاه وَفِي عشْرين أَربع شِيَاه، وَفِي خمس وَعشْرين بنت مَخَاض، وَفِي سِتّ وَثَلَاثِينَ بنت لبون فَإِذا بلغت مائَة وستا وَتِسْعين فَفِيهَا أَربع حقاق إِلَى مِائَتَيْنِ، ثمَّ تسْتَأْنف الْفَرِيضَة أبدا كَمَا تسْتَأْنف فِي الْخمسين الَّتِي بعد الْمِائَة وَالْخمسين، وَهَذَا قَول ابْن مَسْعُود وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأهل الْعرَاق، وَحكى السفاقسي أَنه قَول عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لكنه غير مَشْهُور عَنهُ. وَاحْتج أَصْحَابنَا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (الْمَرَاسِيل) وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) والطَّحَاوِي فِي (مشكله) عَن حَمَّاد بن سَلمَة. قلت: لقيس بن سعد: خُذ لي كتاب مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، فَأَعْطَانِي كتابا أخبر أَنه من أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كتبه لجده، فَقَرَأته فَكَانَ فِيهِ ذكر مَا يخرج من فَرَائض الْإِبِل، فَقص الحَدِيث إِلَى: أَن تبلغ عشْرين وَمِائَة، فَإِذا كَانَت أَكثر من عشْرين وَمِائَة فَإِنَّهُ يُعَاد إِلَى أول فَرِيضَة الْإِبِل وَمَا كَانَ أقل من خمس وَعشْرين فَفِيهِ الْغنم، فِي كل خمس ذود شَاة.

وَأما الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ الشَّافِعِي فَنحْن قد عَملنَا بِهِ لأَنا قد أَوجَبْنَا فِي الْأَرْبَعين بنت لبون، فَإِن الْوَاجِب فِي الْأَرْبَعين مَا هُوَ الْوَاجِب فِي سِتّ وَثَلَاثِينَ، وَكَذَلِكَ أَوجَبْنَا فِي خمسين حقة، وَهَذَا الحَدِيث لَا يتَعَرَّض لنفي الْوَاجِب عَمَّا دونه، وَإِنَّمَا هُوَ عمل بِمَفْهُوم النَّص فَنحْن عَملنَا بالنصين، وَهُوَ أعرض عَن الْعَمَل بِمَا روينَاهُ. فَإِن قلت: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: هَذَا الحَدِيث مُرْسل، وَقَالَ هبة الله الطَّبَرِيّ: هَذَا الْكتاب صحيفَة لَيْسَ بِسَمَاع وَلَا يعرف أهل الْمَدِينَة كلهم عَن كتاب عَمْرو بن حزم إلَاّ مثل روايتنا، رَوَاهَا الزُّهْرِيّ وَابْن الْمُبَارك وَأَبُو أويس، كلهم عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم عَن أَبِيه عَن جده مثل قَوْلنَا، ثمَّ لَو تَعَارَضَت الرِّوَايَتَانِ عَن عَمْرو بن حزم بقيت روايتنا عَن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهِي فِي (الصَّحِيح) وَبهَا عمل الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة.

وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا حَدِيث مُنْقَطع بَين أبي بكر بن حزم إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيس بن سعد، أَخذه عَن كتاب لَا عَن سَماع، وَكَذَلِكَ حَمَّاد بن سَلمَة أَخذه عَن كتاب لَا عَن سَماع، وَقيس بن سعد وَحَمَّاد بن سَلمَة، وَإِن كَانَا من الثِّقَات، فروايتهما هَذِه تخَالف رِوَايَة الْحفاظ عَن كتاب عَمْرو بن حزم وَغَيره، وَحَمَّاد بَين سَلمَة سَاءَ حفظه فِي آخر عمره فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ، ويتجنبون مَا ينْفَرد بِهِ، وخاصة عَن قيس بن سعد وَأَمْثَاله. قلت: الْأَخْذ من الْكتاب حجَّة، صرح الْبَيْهَقِيّ فِي (كتاب الْمدْخل) : أَن الْحجَّة تقوم بِالْكتاب، وَإِن كَانَ السماع أولى مِنْهُ بِالْقبُولِ، وَالْعجب من الْبَيْهَقِيّ أَنه يُصَرح بِمثل هَذَا القَوْل ثمَّ يَنْفِيه فِي الْموضع الَّذِي تقوم عَلَيْهِ الْحجَّة. وَقَوله: وَعمل بهَا الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة، غير مُسلم لِأَن ابْن أبي شيبَة روى فِي (مُصَنفه) : حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن أبي إِسْحَاق عَن عَاصِم بن حَمْزَة عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: إِذا زَادَت الْإِبِل على عشْرين وَمِائَة يسْتَقْبل بهَا الْفَرِيضَة، وَحدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إبراهي مثله. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ:

قَالَ الشَّافِعِي فِي كِتَابه الْقَدِيم: رَاوِي هَذَا مَجْهُول عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأكْثر الروَاة عَن ذَلِك الْمَجْهُول يزْعم أَن الَّذِي روى هَذَا عَنهُ غلط عَلَيْهِ، وَأَن هَذَا لَيْسَ فِي حَدِيثه. قلت: الَّذِي رَوَاهُ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، هُوَ عَاصِم بن حَمْزَة كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَجْهُول بل مَعْرُوف، روى عَنهُ الحكم وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي وَغَيرهمَا، وَوَثَّقَهُ ابْن الْمَدِينِيّ وَالْعجلِي، وَأخرج لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَإِن أَرَادَ الشَّافِعِي بقوله: يزْعم أَن الَّذِي يرْوى هَذَا عَنهُ غلط عَلَيْهِ، أَبَا إِسْحَاق السبيعِي فَلم يقل أحد غَيره إِنَّه غلط، وَقد ذكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيره عَن يَعْقُوب الْفَارِسِي وَغَيره من الْأَئِمَّة أَنهم أحالوا بالغلط على عَاصِم، وَأما قَول الْبَيْهَقِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة: سَاءَ حفظه فِي آخر عمره، فالحفاظ لَا يحتجون بِمَا يُخَالف فِيهِ، فصادر عَن تعسف وتمحل لِأَنَّهُ لم ير أحد من أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن ذكر حمادا بِشَيْء من ذَلِك، وَالْعجب مِنْهُ أَنه أقتصر فِيهِ فِيهِ على هَذَا الْمِقْدَار، لِأَنَّهُ ذكره فِي غير هَذَا الْموضع بِأَسْوَأ مِنْهُ. وَقَوله: وخاصة عَن قيس بن سعد، بَاطِل، وَمَا لقيس بن سعد فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ كَثِيرُونَ وَأخرج لَهُ مُسلم على أَن روايتهم الَّتِي يستدلون بهَا غير سَالِمَة عَن النزاع، فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ ذكر فِي كتاب (التتبع على الصَّحِيحَيْنِ) أَن ثُمَامَة لم يسمعهُ من أنس وَلَا سَمعه عبد الله بن الْمثنى من ثُمَامَة. انْتهى. وَكَيف يَقُول الْبَيْهَقِيّ: وروينا الحَدِيث من حَدِيث ثُمَامَة بن عبد الله بن أنس عَن أنس من أوجه صَحِيحَة، وَفِي (الْأَطْرَاف) للمقدسي: قيل لِابْنِ معِين: حَدِيث ثُمَامَة عَن أنس فِي الصَّدقَات؟ قَالَ: لَا يَصح وَلَيْسَ بِشَيْء، وَلَا يَصح فِي هَذَا حَدِيث فِي الصَّدقَات، وَفِي إِحْدَى رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ: عبد الله بن الْمثنى، قَالَ السَّاجِي: ضَعِيف مُنكر الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا أخرج حَدِيثه، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الضُّعَفَاء) وَقَالَ: قَالَ أَبُو سَلمَة: كَانَ ضَعِيفا فِي الحَدِيث. وَأما قَول الظَّاهِرِيَّة، الَّذِي قَالَ بِهِ ابْن حزم أَيْضا فَبَاطِل بِلَا شُبْهَة إِذْ لم يرد الشَّرْع بِجعْل السَّائِمَة نِصَابا بِربع بعير أَو ثمنه أَو عشره، وتعلقوا بقوله: فَإِذا زَادَت، وَقَالُوا: الزِّيَادَة تحصل بِالثّمن وَالْعشر.

وَفِيه: فِي قَوْله: (فِي كل خمس شَاة) تعلق مَالك وَأحمد على تعين إِخْرَاج الْغنم فِي مثل ذَلِك حَتَّى لَو أخرج بَعِيرًا عَن الْأَرْبَع وَالْعِشْرين لم يجزه عِنْدهمَا، وَعند الْجُمْهُور، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي إِنَّه يجْزِيه لِأَنَّهُ يجزىء عَن خمس وَعشْرين فَمَا دونهَا إولى لِأَن الأَصْل أَن يجب من جنس المَال، وَإِنَّمَا عدل عَنهُ رفقا بالمالك، فَإِذا رَجَعَ بِاخْتِيَارِهِ إِلَى الأَصْل أَجزَأَهُ، فَإِن كَانَت قيمَة الْبَعِير مثلا دون قيمَة أَربع شِيَاه فَفِيهِ خلاف عِنْد الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم، والأقيس أَنه لَا يجزىء.

وَفِيه: فِي قَوْله: (فِي أَربع وَعشْرين) دلَالَة على أَن الْأَرْبَع مَأْخُوذَة عَن الْجَمِيع، وَإِن كَانَت الْأَرْبَع الزَّائِدَة على الْعشْرين وقصا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي فِي (الْبُوَيْطِيّ) وَقَالَ فِي غَيره: إِنَّه عَفْو، وَيظْهر أثر الْخلاف فِيمَن لَهُ تسع من الْإِبِل فَتلف مِنْهَا أَرْبَعَة بعد الْحول، وَقبل التَّمَكُّن حَيْثُ قَالُوا: إِنَّه شَرط فِي الْوُجُوب، وَجَبت عَلَيْهِ شَاة بِلَا خلاف، وَكَذَا إِذا قَالُوا: التَّمَكُّن شَرط فِي الضَّمَان، وَقَالُوا: الوقص عَفْو. فَإِن قَالُوا يتَعَلَّق بِهِ الْفَرْض وَجب خَمْسَة أتساع شَاة، وَالْأول قَول الْجُمْهُور كَمَا نَقله ابْن الْمُنْذر، وَعَن مَالك رِوَايَة كَالْأولِ.

وَفِيه: أَن مَا دون خمس من الْإِبِل لَا زَكَاة فِيهِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاع.

وَفِيه: فِي قَوْله: (إِلَى خمس وَثَلَاثِينَ إِلَى خمس وَأَرْبَعين إِلَى سِتِّينَ) دَلِيل على أَن الأوقاص لَيست بِعَفْو، وَأَن الْفَرْض يتَعَلَّق بِالْجَمِيعِ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَالأَصَح خِلَافه.

وَفِيه: أَن زَكَاة الْغنم فِي كل أَرْبَعِينَ شَاة، وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن لَا شَيْء فِي أقل من الْأَرْبَعين من الْغنم، وَأَن فِي الْأَرْبَعين شَاة، وَفِي مائَة وَعشْرين شَاتين وثلاثمائة ثَلَاث شِيَاه، وَإِذا زَادَت وَاحِدَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إِلَى أَرْبَعمِائَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه، ثمَّ فِي كل مائَة شَاة، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد فِي (الصَّحِيح) عَنهُ، وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ وَجَمَاعَة أهل الْأَثر، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود. وَقَالَ الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن بن حَيّ: إِذا زَادَت على ثَلَاثمِائَة وَاحِدَة فَفِيهَا أَربع شِيَاه إِلَى أَرْبَعمِائَة، فَإِذا زَادَت وَاحِدَة يجب فِيهَا خمس شِيَاه، وَهِي رِوَايَة عَن أَحْمد، وَهُوَ مُخَالف للآثار. وَقيل: إِذا زَادَت على مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَان حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَكَاهُ ابْن التِّين وفقهاء الْأَمْصَار على خِلَافه.

وَفِيه: أَن شَرط وجوب الزَّكَاة فِي الْغنم السّوم عِنْد أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَهِي الراعية فِي كلأ مُبَاح، وَقَالَ ابْن حزم: قَالَ مَالك وَاللَّيْث وَبَعض أَصْحَابنَا: تزكّى السوائم والمعلوفة والمتخذة للرُّكُوب وللحرث وَغير ذَلِك من الْإِبِل وَالْغنم، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: أما الْإِبِل فَنعم، وَأما الْبَقر وَالْغنم فَلَا زَكَاة إلَاّ فِي سائمتها، وَهُوَ قَول أبي الْحسن بن الْمُفلس، وَقَالَ بَعضهم: أما الْإِبِل وَالْغنم فتزكى سائمتها وَغير سائمتها، وَأما الْبَقر فَلَا يزكّى إلَاّ سائمتها، وَهُوَ قَول أبي بكر بن دَاوُد، وَلم يخْتَلف أحد من أَصْحَابنَا فِي أَن سَائِمَة الْإِبِل وَغير سَائِمَة الْإِبِل مِنْهَا

تزكّى سَوَاء. وَقَالَ بَعضهم: تزكّى غير السَّائِمَة عَن كل وَاحِدَة مرّة وَاحِدَة فِي الدَّهْر، ثمَّ لَا يُعِيد الزَّكَاة فِيهَا. وَقَالَ أَصْحَابنَا الْحَنَفِيَّة: وَلَيْسَ فِي العوامل والحوامل والمعلوفة صَدَقَة، هَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم كعطاء وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَابْن جُبَير وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر وَأبي عبيد وَابْن الْمُنْذر، ويروى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، وَقَالَ قَتَادَة وَمَكْحُول وَمَالك: تجب الزَّكَاة فِي الْمَعْلُومَة والنواضح بالعمومات، وَهُوَ مَذْهَب معَاذ وَجَابِر بن عبد الله وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ، وَرُوِيَ عَن عَليّ ومعاذ أَنه: لَا زَكَاة فِيهَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَحجَّة من اشْتَرَطَهُ كتاب الصّديق وَحَدِيث عَمْرو بن حزم مثله، وَشرط فِي الْإِبِل حَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده. مَرْفُوعا: (فِي كل سَائِمَة من كل أَرْبَعِينَ من الْإِبِل ابْنة لبون) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقد ورد تَقْيِيد السّوم وَهُوَ مَفْهُوم الصّفة، وَالْمُطلق يحمل على الْمُقَيد إِذا كَانَا فِي حَادِثَة وَاحِدَة، وَالصّفة إِذا قرنت بالإسم الْعلم تنزل منزلَة الْعلَّة لإِيجَاب الحكم. وَعَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَيْسَ فِي العوامل صَدَقَة) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَححهُ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، وَعَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (قَالَ: لَا يُؤْخَذ من الْبَقر الَّتِي يحرث عَلَيْهَا من الزَّكَاة شَيْء) ، وَرَفعه حجاج عَن ابْن جريج عَن زِيَاد بن سعد عَن أبي الزبير، عَنهُ بِلَفْظ: (لَيْسَ فِي المثيرة صَدَقَة) ، وَفِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة من حَدِيث لَيْث عَن طَاوُوس عَن معَاذ أَنه: كَانَ لَا يَأْخُذ من الْبَقر العوامل صَدَقَة، حَدثنَا هَاشم عَن مُغيرَة ابْن إِبْرَاهِيم وَمُجاهد، قَالَا: لَيْسَ فِي الْبَقَرَة العوامل صَدَقَة، وَمن حَدِيث حجاج عَن الحكم أَن عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: (لَيْسَ فِي العوامل شَيْء) ، وَكَذَا قَالَه سعيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَعَمْرو بن دِينَار وَعَطَاء، وَفِي (الْأَسْرَار) للدبوسي وَعلي وَجَابِر وَابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: وَحجَّة من مَنعه مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل القَاضِي فِي (مبسوطه) عَن اللَّيْث، قَالَ: رَأَيْت الْإِبِل الَّتِي تكرى لِلْحَجِّ تزكّى بِالْمَدِينَةِ، وَيحيى بن سعيد وَرَبِيعَة وَغَيرهمَا من أهل الْمَدِينَة حُضُور لَا ينكرونه، ويرون ذَلِك من السّنة إِذا لم تكن مُتَفَرِّقَة وَعَن طَلْحَة بن أبي سعيد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب، وَهُوَ خَليفَة: أَن تُؤْخَذ الصَّدَقَة من الَّتِي تعْمل فِي الرِّيف. قَالَ طَلْحَة: حضرت ذَلِك وعاينته. وَعند أبي حنيفَة وَأحمد: أَن السَّائِمَة هِيَ الَّتِي تكتفي بالرعي فِي أَكثر الْحول لِأَن اسْم السّوم لَا يَزُول عَنْهَا بالعلف الْيَسِير وَلِأَن الْعلف البسير لَا يُمكن التَّحَرُّز عَنهُ، وَلِأَن الضَّرُورَة تَدْعُو إِلَيْهِ فِي بعض الأحيان لعدم المرعى فِيهِ، وَاعْتبر الشَّافِعِي السّوم فِي جَمِيع الْحول وَلَو علفت قدرا أتعيش بِدُونِهِ بِلَا ضَرَر بيِّن وَجَبت الزَّكَاة. وَفِي (الْبَدَائِع) : إِن أسيمت الْإِبِل أَو الْبَقر أَو الْغنم للْحَمْل أَو الرّكُوب أَو اللَّحْم فَلَا زَكَاة فِيهَا، وَإِن أسيمت للتِّجَارَة فَفِيهَا زَكَاة التِّجَارَة حَتَّى لَو كَانَت أَرْبعا من الْإِبِل أَو أقل تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم يجب فِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَإِن كَانَت خمْسا لَا تَسَاوِي مِائَتي دِرْهَم لَا يجب فِيهَا الزَّكَاة. وَفِي (الذَّخِيرَة) : من اشْترى إبِلا سَائِمَة بنية التِّجَارَة وَحَال عَلَيْهَا الْحول وَهِي سَائِمَة تجب فِيهَا زَكَاة التِّجَارَة دون زَكَاة السَّائِمَة.

وَفِيه: أَن الزَّكَاة فِي الْفضة ربع عشرهَا، مثلا إِذا كَانَت مِائَتَا دِرْهَم فزكاتها خَمْسَة دَرَاهِم، وَفِي أَرْبَعمِائَة عشرَة دَرَاهِم وَفِي ألف خَمْسَة وَعِشْرُونَ، وَفِي عشرَة آلَاف مِائَتَان وَخَمْسُونَ درهما، وَفِي عشْرين ألفا خَمْسمِائَة، وَفِي أَرْبَعِينَ ألفا ألف، وَفِي مائَة ألف أَلفَانِ وَخَمْسمِائة. . وهلم جرا.

وَفِيه: أَن الْفضة إِن لم تكن إِلَّا تسعين وَمِائَة فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء لعدم النّصاب، إلَاّ أَن يتَطَوَّع صَاحبهَا.

٩٣ - (بابٌ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إلَاّ مَا شاءَ المُصَدِّقُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: (لَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة) أَي: فِي الزَّكَاة (هرمة) بِفَتْح الْهَاء وَكسر الرَّاء: أَي: كَبِيرَة سَقَطت أسنانها، وَعَن الْأَصْمَعِي: الْهَرم، الَّذِي قد بلغ إقصى السن، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: امْرَأَة هرمة وَرِجَال هرمون وهرائم، وَنسَاء هرمات، وَرُبمَا قيل: شُيُوخ هرمى، وَقد هرم هرما مِثَال: حذر، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : ومهرما وَنسَاء هرمى. وَفِي (الْكَامِل) لأبي الْعَبَّاس: وَقد أهرمه الدَّهْر وهرمه. قَوْله: (عوار) ، بِفَتْح الْعين وَبِضَمِّهَا: وَهُوَ الْعَيْب أَي: وَلَا تُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة ذَات عيب. وَقيل: بِالْفَتْح الْعَيْب وبالضم: العور. قَوْله: (وَلَا تَيْس) ، وَهُوَ فَحل الْغنم، وَقَيده ابْن التِّين أَنه من الْمعز أَي: وَلَا يُؤْخَذ فِي الصَّدَقَة تَيْس، مَعْنَاهُ: إِذا كَانَت مَاشِيَة كلهَا أَو بَعْضهَا إِنَاثًا لَا يُؤْخَذ مِنْهُ الذّكر، إِنَّمَا تُؤْخَذ الْأُنْثَى إلَاّ فِي موضِعين وَردت بهما السّنة. أَحدهمَا:

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.4 / 29.5
الإضاءة 78%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
لا إله إلا الله