الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٦
الحديث رقم ١٤٦ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب خروج النساء إلى البراز.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَآهُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهِ حَتَّى سَاغَ لَهُ تَأَمُّلُ الْكَيْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شِدَّةِ حِرْصِ الصَّحَابِيِّ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَّبِعَهَا، وَكَذَا كَانَ ﵁.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (لَعَلَّكَ)، الْخِطَابُ لِوَاسِعٍ، وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ. وَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ أَيْ: مَنْ يُلْصِقُ بَطْنَهُ بِوَرِكَيْهِ إِذَا سَجَدَ، وَهُوَ خِلَافُ هَيْئَةِ السُّجُودِ الْمَشْرُوعَةِ وَهِيَ التَّجَافِي وَالتَّجَنُّحُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ يُفَرِّجُ رُكْبَتَيْهِ فَيَصِيرُ مُعْتَمِدًا عَلَى وَرِكَيْهِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا مَعَ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ خَاطَبَهُ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ ; إِذْ لَوْ كَانَ عَارِفًا بِهَا لَعَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ، أَوِ الْفَرْقَ بَيْنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ بِالَّذِي يُصَلِّي عَلَى وَرِكَيْهِ لِأَنَّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلْكَرْمَانِيِّ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ أَنَّ وَاسِعًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَتَّى يَنْسِبَهُ إِلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهَا.
ثُمَّ الْحَصْرُ الْأَخِيرُ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْجُدُ عَلَى وَرِكَيْهِ مَنْ يَكُونُ عَارِفًا بِسُنَنِ الْخَلَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ مُسْلِمٍ، فَفِي أَوَّلِهِ عِنْدَهُ عَنْ وَاسِعٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ النَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى مِنْهُ فِي حَالِ سُجُودِهِ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَأَنَّهُ بَدَأَ بِالْقِصَّةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَتِهِ الْمَرْفُوعَةِ الْمُحَقَّقَةِ عِنْدَهُ فَقَدَّمَهَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِقَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ مَا نَقَلَ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعَرِّفَ الْحُكْمَ لِهَذَا التَّابِعِيِّ لِيَنْقُلَهُ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا وَأَنَّ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى تَعَلُّقًا بِأَنْ يُقَالُ: لَعَلَّ الَّذِي كَانَ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بَطْنَهُ بِوَرِكَيْهِ كَانَ يَظُنُّ امْتِنَاعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِفَرْجِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى مَثَارِ النَّهْيِ.
وَأَحْوَالُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةٌ: قِيَامٌ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَقُعُودٌ، وَانْضِمَامُ الْفَرْجِ فِيهَا بَيْنَ الْوَرِكَيْنِ مُمْكِنٌ إِلَّا إِذَا جَافَى فِي السُّجُودِ فَرَأَى أَنَّ فِي الْإِلْصَاقِ ضَمًّا لِلْفَرْجِ فَفَعَلَهُ ابْتِدَاعًا وَتَنَطُّعًا، وَالسُّنَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالتَّسَتُّرُ بِالثِّيَابِ كَافٍ فِي ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْجِدَارَ كَافٍ فِي كَوْنِهِ حَائِلًا بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَالْقِبْلَةِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَثَارَ النَّهْيِ الِاسْتِقْبَالُ بِالْعَوْرَةِ، فَلَمَّا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ التَّابِعِيَّ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَشَارَ لَهُ إِلَى الْحُكْمِ الثَّانِي؛ مُنَبِّهًا لَهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي رَآهُ صَلَّاهَا. وَأَمَّا قَوْلُ وَاسِعٍ لَا أَدْرِي فَدَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا شُعُورَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ظَنَّهُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُغْلِظِ ابْنُ عُمَرَ لَهُ فِي الزَّجْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٣ - بَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
[الحديث ١٤٦ - أطرافه في ٦٢٤٠، ٥٢٣٧، ٤٧٩٥، ١٤٧]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساترٍ، كما رواه أبو داودَ وغيره، وهذا الحديث -مع حديث جابرٍ عند أبي داود وغيره- مُخصِّصٌ لعموم حديث أبي أيُّوب السَّابق، ولم يقصد ابن عمر ﵄ الإشراف على النَّبيِّ ﷺ في تلك الحالة، وإنَّما صعد على (١) السَّطح لضرورةٍ، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦١٤٨] فكانت منه التفاتةٌ، كما في رواية البيهقيِّ. نعم؛ لمَّا اتَّفق له رؤيته في تلك الحالة من غير قصدٍ أحبَّ ألَّا يُخْلِيْ ذلك من فائدةٍ، فحفظ هذا الحكم الشَّرعيَّ. انتهى. (وَقَالَ) أي: ابن عمر لواسعٍ (٢): (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) أي: من الجاهلين بالسُّنَّة في السُّجود من تجافي البطن عن الوركين فيه إذ لو كنت ممَّن لا يجهلها لَعرفت الفرق بين الفضاء وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس؟! قال واسعٌ: (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ) أنا منهم أم لا؟ أو: لا أدري السُّنَّة في استقبال الكعبة، أو (٣) بيت المقدس (قَالَ مَالِكٌ) الإمام في تفسير الصَّلاة على الورك: (يَعْنِي: الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ).
(١٣) هذا (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ) بفتح المُوحَّدة: الفضاء الواسع من الأرض، وكُنِّيَ به عنِ الخارج، من باب إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ.
١٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام أهل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ) أي: في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ) أي: إذا خرجن إلى البَرَاز (١) للبول والغائط (إِلَى المَنَاصِعِ) بفتح الميم والنُّون وكسر الصَّاد آخره عينٌ مُهمَلَةٌ (٢): مواضع آخر المدينة من ناحية (٣) البقيع (وَهُوَ) أي: المناصع: (صَعِيدٌ أَفْيَحُ) بالفاء والحاء المُهمَلَة، أي: واسعٌ (فَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ) أي: امنعهنَّ من الخروج من البيوت (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ) ما قاله عمر ﵁ (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَْعَةَ) بالزَّايِ والميم والعين المُهمَلَة المفتوحات، أو بسكون الميم، قال في «النِّهاية»: وهو أكثر ما سمعنا من (٤) أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشيَّة العامريَّة ﵂، هي (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ) المُتوفَّاة آخر خلافة عمر ﵁، وقِيلَ: في خلافة معاوية (٥) بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين (لَيْلَةً) أي: خرجت في ليلةٍ (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً) بكسر العَيْن وبالمدِّ (٦) والنَّصب، بدلٌ من قوله: «ليلةً» (وَكَانَتِ) أي: سودةُ (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، حرف استفتاح يُنبَّه به على تحقيق ما بعده (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ (حِرْصًا) بالنَّصب، مفعولٌ له لقوله: «فناداها» (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ) بضمِّ المُثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ «على» للأَصيليِّ، وفي نسخةٍ في الفرع: «أن يَنزل» بفتحها مبنيًّا للفاعل، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: على نزول (الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ)
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
رَآهُ مِنْ جِهَةِ ظَهْرِهِ حَتَّى سَاغَ لَهُ تَأَمُّلُ الْكَيْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شِدَّةِ حِرْصِ الصَّحَابِيِّ عَلَى تَتَبُّعِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَّبِعَهَا، وَكَذَا كَانَ ﵁.
قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (لَعَلَّكَ)، الْخِطَابُ لِوَاسِعٍ، وَغَلِطَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ. وَقَدْ فَسَّرَ مَالِكٌ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ أَيْ: مَنْ يُلْصِقُ بَطْنَهُ بِوَرِكَيْهِ إِذَا سَجَدَ، وَهُوَ خِلَافُ هَيْئَةِ السُّجُودِ الْمَشْرُوعَةِ وَهِيَ التَّجَافِي وَالتَّجَنُّحُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَفِي النِّهَايَةِ: وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ يُفَرِّجُ رُكْبَتَيْهِ فَيَصِيرُ مُعْتَمِدًا عَلَى وَرِكَيْهِ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَتْ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا مَعَ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِيَ خَاطَبَهُ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ ; إِذْ لَوْ كَانَ عَارِفًا بِهَا لَعَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَغَيْرِهِ، أَوِ الْفَرْقَ بَيْنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِنَّمَا كَنَّى عَمَّنْ لَا يَعْرِفُ السُّنَّةَ بِالَّذِي يُصَلِّي عَلَى وَرِكَيْهِ لِأَنَّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا الْجَوَابُ لِلْكَرْمَانِيِّ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ أَنَّ وَاسِعًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَتَّى يَنْسِبَهُ إِلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهَا.
ثُمَّ الْحَصْرُ الْأَخِيرُ مَرْدُودٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْجُدُ عَلَى وَرِكَيْهِ مَنْ يَكُونُ عَارِفًا بِسُنَنِ الْخَلَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ مُسْلِمٍ، فَفِي أَوَّلِهِ عِنْدَهُ عَنْ وَاسِعٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ، فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي انْصَرَفْتُ إِلَيْهِ مِنْ شِقِّي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَقُولُ النَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى مِنْهُ فِي حَالِ سُجُودِهِ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ بِالْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَأَنَّهُ بَدَأَ بِالْقِصَّةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَتِهِ الْمَرْفُوعَةِ الْمُحَقَّقَةِ عِنْدَهُ فَقَدَّمَهَا عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِقَوْلِ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ مَا نَقَلَ، فَأَحَبَّ أَنْ يُعَرِّفَ الْحُكْمَ لِهَذَا التَّابِعِيِّ لِيَنْقُلَهُ عَنْهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا وَأَنَّ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى تَعَلُّقًا بِأَنْ يُقَالُ: لَعَلَّ الَّذِي كَانَ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بَطْنَهُ بِوَرِكَيْهِ كَانَ يَظُنُّ امْتِنَاعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِفَرْجِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى مَثَارِ النَّهْيِ.
وَأَحْوَالُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةٌ: قِيَامٌ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَقُعُودٌ، وَانْضِمَامُ الْفَرْجِ فِيهَا بَيْنَ الْوَرِكَيْنِ مُمْكِنٌ إِلَّا إِذَا جَافَى فِي السُّجُودِ فَرَأَى أَنَّ فِي الْإِلْصَاقِ ضَمًّا لِلْفَرْجِ فَفَعَلَهُ ابْتِدَاعًا وَتَنَطُّعًا، وَالسُّنَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَالتَّسَتُّرُ بِالثِّيَابِ كَافٍ فِي ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْجِدَارَ كَافٍ فِي كَوْنِهِ حَائِلًا بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَالْقِبْلَةِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ مَثَارَ النَّهْيِ الِاسْتِقْبَالُ بِالْعَوْرَةِ، فَلَمَّا حَدَّثَ ابْنُ عُمَرَ التَّابِعِيَّ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَشَارَ لَهُ إِلَى الْحُكْمِ الثَّانِي؛ مُنَبِّهًا لَهُ عَلَى مَا ظَنَّهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ الَّتِي رَآهُ صَلَّاهَا. وَأَمَّا قَوْلُ وَاسِعٍ لَا أَدْرِي فَدَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا شُعُورَ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ظَنَّهُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُغْلِظِ ابْنُ عُمَرَ لَهُ فِي الزَّجْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٣ - بَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
[الحديث ١٤٦ - أطرافه في ٦٢٤٠، ٥٢٣٧، ٤٧٩٥، ١٤٧]
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يرى المنع من الاستقبال في الفضاء إلَّا بساترٍ، كما رواه أبو داودَ وغيره، وهذا الحديث -مع حديث جابرٍ عند أبي داود وغيره- مُخصِّصٌ لعموم حديث أبي أيُّوب السَّابق، ولم يقصد ابن عمر ﵄ الإشراف على النَّبيِّ ﷺ في تلك الحالة، وإنَّما صعد على (١) السَّطح لضرورةٍ، كما في الرِّواية الآتية إن شاء الله تعالى [خ¦١٤٨] فكانت منه التفاتةٌ، كما في رواية البيهقيِّ. نعم؛ لمَّا اتَّفق له رؤيته في تلك الحالة من غير قصدٍ أحبَّ ألَّا يُخْلِيْ ذلك من فائدةٍ، فحفظ هذا الحكم الشَّرعيَّ. انتهى. (وَقَالَ) أي: ابن عمر لواسعٍ (٢): (لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ) أي: من الجاهلين بالسُّنَّة في السُّجود من تجافي البطن عن الوركين فيه إذ لو كنت ممَّن لا يجهلها لَعرفت الفرق بين الفضاء وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس؟! قال واسعٌ: (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ) أنا منهم أم لا؟ أو: لا أدري السُّنَّة في استقبال الكعبة، أو (٣) بيت المقدس (قَالَ مَالِكٌ) الإمام في تفسير الصَّلاة على الورك: (يَعْنِي: الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ).
(١٣) هذا (بابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ) بفتح المُوحَّدة: الفضاء الواسع من الأرض، وكُنِّيَ به عنِ الخارج، من باب إطلاق اسم المحلِّ على الحالِّ.
١٤٦ - وبالسَّند إلى المؤلِّف ﵀ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف (قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، إمام أهل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين ﵂: (أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ) أي: في اللَّيل (إِذَا تَبَرَّزْنَ) أي: إذا خرجن إلى البَرَاز (١) للبول والغائط (إِلَى المَنَاصِعِ) بفتح الميم والنُّون وكسر الصَّاد آخره عينٌ مُهمَلَةٌ (٢): مواضع آخر المدينة من ناحية (٣) البقيع (وَهُوَ) أي: المناصع: (صَعِيدٌ أَفْيَحُ) بالفاء والحاء المُهمَلَة، أي: واسعٌ (فَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁ (يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: احْجُبْ نِسَاءَكَ) أي: امنعهنَّ من الخروج من البيوت (فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ) ما قاله عمر ﵁ (فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَْعَةَ) بالزَّايِ والميم والعين المُهمَلَة المفتوحات، أو بسكون الميم، قال في «النِّهاية»: وهو أكثر ما سمعنا من (٤) أهل الحديث والفقهاء يقولونه، القرشيَّة العامريَّة ﵂، هي (زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ) المُتوفَّاة آخر خلافة عمر ﵁، وقِيلَ: في خلافة معاوية (٥) بالمدينة سنة أربعٍ وخمسين (لَيْلَةً) أي: خرجت في ليلةٍ (مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً) بكسر العَيْن وبالمدِّ (٦) والنَّصب، بدلٌ من قوله: «ليلةً» (وَكَانَتِ) أي: سودةُ (امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب ﵁: (أَلَا) بفتح الهمزة وتخفيف اللَّام، حرف استفتاح يُنبَّه به على تحقيق ما بعده (قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لأنَّه منادًى مُفرَدٌ معرفةٌ (حِرْصًا) بالنَّصب، مفعولٌ له لقوله: «فناداها» (عَلَى أَنْ يُنْزَلَ) بضمِّ المُثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، وسقط لفظ «على» للأَصيليِّ، وفي نسخةٍ في الفرع: «أن يَنزل» بفتحها مبنيًّا للفاعل، و «أن»: مصدريَّةٌ، أي: على نزول (الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ)