«مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٢١

الحديث رقم ١٥٢١ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل الحج المبرور.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٢١ في صحيح البخاري

«مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٥٢١

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ١٥٢٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"

[الحديث ١٥٢١ - أطرافه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْمَبْرُورُ الْمَقْبُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِهِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجُّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامُهُ وَوَقَعَ مَوْقِعًا لِمَا طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ مَعَ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، مِنْهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ بِآخِرِهِ، فَإِنْ رَجَعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ عُرِفَ أَنَّهُ مَبْرُورٌ. وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَصْرِيٌّ وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: (نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ) وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ نَعْتَقِدُ وَنَعْلَمُ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُسْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ) اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ لَكُنَّ فَالْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْكَافِ خِطَابٌ لِلنِّسْوَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسِي. وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ لَكِنْ بِكَسْرِ الْكَافِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ فَضْلِ الْحَجِّ وَعَلَى جَوَابِ سُؤَالِهَا عَنِ الْجِهَادِ، وَسَمَّاهُ جِهَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ حَجِّ النِّسَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا كَوْنُهُ جَعَلَ الْحَجَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ، وَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ صَاحِبُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَّارٍ، أَبُو الْحَكَمِ الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ جَزَاءِ الصَّيْدِ: مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ. وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ لَكِنْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْأَعْمَشِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْفُثْ) الرَّفَثُ الْجِمَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخُصُّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاءُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ: فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ.

(فَائِدَةٌ): فَاءُ الرَّفَثِ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي، وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَفْسُقْ) أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْفِسْقِ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيٌّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَحِكَايَتُهُ عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ انْفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ، فَسُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) أَيْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّياق، أي: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكنْ (١) أفضل منه في حقِّكن حجٌّ مبرورٌّ، وقول الزَّركشيِّ: «لكُنَّ»: بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، والوجه حينئذٍ رفع «أفضلُ» على أنَّه مبتدأٌ خبره: «حجٌّ مبرورٌ»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه ظنَّ أنَّ «لَكُنَّ» ظرف فهو متعلِّقٌ بـ «أفضل» أي: أفضل الجهاد لكُنَّ حجٌّ مبرورٌ، والمانع من ذلك قائمٌ، فالصَّواب أنَّ الخبر قوله: «لَكُنَّ»، وأمَّا «حجٌّ مبرورٌ» فخبرٌ لمبتدأٍ (٢) محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية المرأة عن خالتها، فإنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين خالةُ عائشة بنت طلحة لأنَّ أمَّها أمُّ كلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٦١] و «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

١٥٢١ - وبه قال (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (أَبُو الحَكَمِ) العَنَزِيُّ -بنونٍ وزايٍ- وأبوه يُكنَّى أبا سيَّارٍ، واسمه: وردان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلْمان -بفتح السِّين وسكون اللَّام- الأشجعيَّ، وليس هو أبا حازمٍ سلمة بن دينارٍ، صاحب سهل بن سعدٍ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) بلفظ الماضي كالذي (٤) قبله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) وللمؤلِّف فيما يأتي: «من حجَّ هذا البيت» [خ¦١٨١٩] ولمسلمٍ: «من أتى هذا البيت»، وهو يشمل الإتيان للحجِّ والعمرة، وللدَّارقطنيِّ من طريق الأعمش عن أبي حازمٍ بسندٍ فيه ضعفٌ إلى الأعمش: «من حجَّ أو اعتمر» (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء في المضارع والماضي، لكنَّ الأفصحَ الضَّمُّ في المضارع، والفتح في الماضي، أي:

الجماع أو الفحش في القول، أو خطاب الرَّجل المرأة فيما يتعلَّق بالجماع، وقال الأزهريُّ: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريده الرَّجل من المرأة (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يأتِ بسيِّئةٍ ولا معصيةٍ، وقال سعيد بن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الرَّفث: إتيان النِّساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المراء؛ يعني: مع الرُّفقاء والمُكَارِين (١)، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحجِّ اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأنَّ وجوده لا يؤثِّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجِّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجِّ لما يظهر من الأدلَّة، أو المجادلة بطريق التَّعميم لا تؤثِّر أيضًا لأنَّ الفاحش منها دخل في عموم الرَّفث، والحسن منها ظاهرٌ في عدم التَّأثير، والمستوي الطَّرفين لا يؤثِّر أيضًا، قاله في «فتح الباري». والفاء في قوله: «فلم يرفث» عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رَجَعَ) أي: من ذنوبه (كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) بجرِّ «يومِ»: على الإعراب، وبفتحه: على البناء، وهو المختار في مثله لأنَّ صدر الجملة المضاف إليها مبنيٌّ، أي: رجع مشابهًا لنفسه في أنَّه يخرج بلا ذنبٍ كما خرج بالولادة، وهو يشمل الصَّغائر والكبائر والتَّبعات، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبَّاس بن مِرْداسٍ المصرِّح بذلك، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر في «تفسير الطَّبريِّ». انتهى. لكن قال الطَّبريُّ: إنَّه محمولٌ بالنِّسبة إلى المظالم على من تاب (٢) وعجز عن وفائها، وقال التِّرمذيُّ: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله خاصَّةً دون العباد، ولا (٣) تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاةٌ أو كفَّارةٌ ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنَّها حقوقٌ لا ذنوبٌ، إنَّما الذُّنوب تأخيرها، فنفس التَّأخير يسقط بالحجِّ، لا هي أنفسها، فلو أخَّرها بعده تجدَّد إثمٌ آخر، فالحجَّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق.

(٥) (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) المكانيَّة، جمع ميقاتٍ «مِفْعَالٍ» من الوقت المحدود،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

[الحديث ١٥٢٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦]

١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"

[الحديث ١٥٢١ - أطرافه في: ١٨١٩، ١٨٢٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: الْمَبْرُورُ الْمَقْبُولُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الْإِثْمِ، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَقْوَالُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيرِهِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجُّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامُهُ وَوَقَعَ مَوْقِعًا لِمَا طُلِبَ مِنَ الْمُكَلَّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ مَعَ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ، مِنْهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ بِآخِرِهِ، فَإِنْ رَجَعَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ عُرِفَ أَنَّهُ مَبْرُورٌ. وَلِأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، فَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ) هُوَ الْعَيْشِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَصْرِيٌّ وَلَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ.

قَوْلُهُ: (نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ) وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ، أَيْ نَعْتَقِدُ وَنَعْلَمُ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يُسْمَعُ مِنْ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ رَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ صُهَيْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ: فَإِنِّي لَا أَرَى عَمَلًا فِي الْقُرْآنِ أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ.

قَوْلُهُ: (لَكُنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ) اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ لَكُنَّ فَالْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْكَافِ خِطَابٌ لِلنِّسْوَةِ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: وَهُوَ الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسِي. وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ لَكِنْ بِكَسْرِ الْكَافِ وَزِيَادَةِ أَلِفٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ فَضْلِ الْحَجِّ وَعَلَى جَوَابِ سُؤَالِهَا عَنِ الْجِهَادِ، وَسَمَّاهُ جِهَادًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ حَجِّ النِّسَاءِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا كَوْنُهُ جَعَلَ الْحَجَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ.

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

قَوْلُهُ: (سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) هُوَ سَلْمَانُ، وَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ صَاحِبُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَيَّارٍ، أَبُو الْحَكَمِ الرَّاوِي عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ قُبَيْلَ جَزَاءِ الصَّيْدِ: مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَنْصُورٍ: مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ. وَهُوَ يَشْمَلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ بِلَفْظِ: مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ لَكِنْ فِي الْإِسْنَادِ إِلَى الْأَعْمَشِ ضَعْفٌ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَرْفُثْ) الرَّفَثُ الْجِمَاعُ، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيضِ بِهِ وَعَلَى الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخُصُّهُ بِمَا خُوطِبَ بِهِ النِّسَاءُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ. انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ: فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ.

(فَائِدَةٌ): فَاءُ الرَّفَثِ مُثَلَّثَةٌ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ، وَالْأَفْصَحُ الْفَتْحُ فِي الْمَاضِي، وَالضَّمُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَفْسُقْ) أَيْ لَمْ يَأْتِ بِسَيِّئَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ لَفْظَ الْفِسْقِ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي أَشْعَارِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ إِسْلَامِيٌّ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ، وَحِكَايَتُهُ عَمَّنْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُهُ انْفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ، فَسُمِّيَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ فَاسِقًا.

قَوْلُهُ: (رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) أَيْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

السِّياق، أي: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكنْ (١) أفضل منه في حقِّكن حجٌّ مبرورٌّ، وقول الزَّركشيِّ: «لكُنَّ»: بضمِّ الكاف وتشديد النُّون، والوجه حينئذٍ رفع «أفضلُ» على أنَّه مبتدأٌ خبره: «حجٌّ مبرورٌ»، تعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ بأنَّه ظنَّ أنَّ «لَكُنَّ» ظرف فهو متعلِّقٌ بـ «أفضل» أي: أفضل الجهاد لكُنَّ حجٌّ مبرورٌ، والمانع من ذلك قائمٌ، فالصَّواب أنَّ الخبر قوله: «لَكُنَّ»، وأمَّا «حجٌّ مبرورٌ» فخبرٌ لمبتدأٍ (٢) محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ.

ورواة هذا الحديث ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه (٣): رواية المرأة عن خالتها، فإنَّ عائشةَ أمَّ المؤمنين خالةُ عائشة بنت طلحة لأنَّ أمَّها أمُّ كلثومٍ بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وأخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦١٨٦١] و «الجهاد» [خ¦٢٧٨٤]، والنَّسائيُّ في «الحجِّ»، وكذا ابن ماجه.

١٥٢١ - وبه قال (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي أياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا سَيَّارٌ) بفتح السِّين المهملة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة (أَبُو الحَكَمِ) العَنَزِيُّ -بنونٍ وزايٍ- وأبوه يُكنَّى أبا سيَّارٍ، واسمه: وردان (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، سَلْمان -بفتح السِّين وسكون اللَّام- الأشجعيَّ، وليس هو أبا حازمٍ سلمة بن دينارٍ، صاحب سهل بن سعدٍ لأنَّه لم يسمع من أبي هريرة (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) بلفظ الماضي كالذي (٤) قبله: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: مَنْ حَجَّ لِلَّهِ) وللمؤلِّف فيما يأتي: «من حجَّ هذا البيت» [خ¦١٨١٩] ولمسلمٍ: «من أتى هذا البيت»، وهو يشمل الإتيان للحجِّ والعمرة، وللدَّارقطنيِّ من طريق الأعمش عن أبي حازمٍ بسندٍ فيه ضعفٌ إلى الأعمش: «من حجَّ أو اعتمر» (فَلَمْ يَرْفَُِثْ) بتثليث الفاء في المضارع والماضي، لكنَّ الأفصحَ الضَّمُّ في المضارع، والفتح في الماضي، أي:

الجماع أو الفحش في القول، أو خطاب الرَّجل المرأة فيما يتعلَّق بالجماع، وقال الأزهريُّ: كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يريده الرَّجل من المرأة (وَلَمْ يَفْسُقْ) لم يأتِ بسيِّئةٍ ولا معصيةٍ، وقال سعيد بن جُبيرٍ في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الرَّفث: إتيان النِّساء، والفسوق: السِّباب، والجدال: المراء؛ يعني: مع الرُّفقاء والمُكَارِين (١)، ولم يذكر في الحديث الجدال في الحجِّ اعتمادًا على الآية، ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا لأنَّ وجوده لا يؤثِّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجِّ إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحجِّ لما يظهر من الأدلَّة، أو المجادلة بطريق التَّعميم لا تؤثِّر أيضًا لأنَّ الفاحش منها دخل في عموم الرَّفث، والحسن منها ظاهرٌ في عدم التَّأثير، والمستوي الطَّرفين لا يؤثِّر أيضًا، قاله في «فتح الباري». والفاء في قوله: «فلم يرفث» عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رَجَعَ) أي: من ذنوبه (كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) بجرِّ «يومِ»: على الإعراب، وبفتحه: على البناء، وهو المختار في مثله لأنَّ صدر الجملة المضاف إليها مبنيٌّ، أي: رجع مشابهًا لنفسه في أنَّه يخرج بلا ذنبٍ كما خرج بالولادة، وهو يشمل الصَّغائر والكبائر والتَّبعات، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو من أقوى الشَّواهد لحديث العبَّاس بن مِرْداسٍ المصرِّح بذلك، وله شاهدٌ من حديث ابن عمر في «تفسير الطَّبريِّ». انتهى. لكن قال الطَّبريُّ: إنَّه محمولٌ بالنِّسبة إلى المظالم على من تاب (٢) وعجز عن وفائها، وقال التِّرمذيُّ: هو مخصوصٌ بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله خاصَّةً دون العباد، ولا (٣) تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاةٌ أو كفَّارةٌ ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه لأنَّها حقوقٌ لا ذنوبٌ، إنَّما الذُّنوب تأخيرها، فنفس التَّأخير يسقط بالحجِّ، لا هي أنفسها، فلو أخَّرها بعده تجدَّد إثمٌ آخر، فالحجَّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق.

(٥) (بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) المكانيَّة، جمع ميقاتٍ «مِفْعَالٍ» من الوقت المحدود،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل