«أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ: كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ عَبْدَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٠٠

الحديث رقم ١٧٠٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من قلد القلائد بيده.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن زياد بن أبي سفيان: كتب إلى عائشة ﵂: إن…

«أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ: كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ : إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ».

سند حديث: ١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن زياد بن أبي سفيان: كتب إلى عائشة ﵂: إن…

نهى النبي صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس وترتفع عن خط الأفق في نظر العين بقدر طول رمح مركوز في الأفق، وهذا يقدر ببِضْع دقائق، تفاوت العلماء في تحديدها، من 5 إلى 15 دقيقة.
ونهى أيضا عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس، أي قبل أذان المغرب بدقائق؛ لأن في الصلاة في هذين الوقتين تشبهًا بالمشركين الذين يعبدونها عند طلوعها وغروبها، وقد نهينا عن مشابهتهم في عباداتهم؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الرد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت النبوي وبين أكابر الصحابة؛ لقول ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو ابن عم المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: (وأرضاهم عندي عمر).
  • النهي عن نوافل الصلاة المطلقة، بعد صلاة الصبح، حتى تشرق الشمس وترتفع.
  • النهي عن نوافل الصلاة المطلقة بعد صلاة العصر، حتى تغيب الشمس.
  • فهم من بعض الأحاديث أن علة النهي هي خشية مشابهة الكفار، فيؤخذ من هذا تحريم التشبه بهم وتقليدهم في عباداتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم.
  • توكيد الخبر بكثرة ناقليه وقوة الثقة بهم.
  • تحريم صلاة النافلة بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس إلا ما له سبب كتحية المسجد وسنة الوضوء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن زياد بن أبي سفيان: كتب إلى عائشة ﵂: إن…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ. وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى مَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ.

(تَنْبِيهٌ): اتَّفَقَ مَنْ قَالَ بِالْإِشْعَارِ بِإِلْحَاقِ الْبَقَرِ فِي ذَلِكَ بِالْإِبِلِ، إِلَّا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُشْعَرُ لِضَعْفِهَا، وَلِكَوْنِ صُوفِهَا أَوْ شَعْرِهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ الْإِشْعَارِ، وَأَمَّا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ فَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ ذَاتَ أَسْنِمَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٠٩ - بَاب مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ

١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ) أَيِ الْهَدَايَا، وَلَهُ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ وَيَقْصِدَ النُّسُكَ فَإِنَّمَا يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَسُوقَهُ وَيُقِيمَ فَيُقَلِّدَهَا مِنْ مَكَانِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَابِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يُقَلِّدُ بِهِ بَعْدَ بَابٍ، وَالْغَرَضُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِابْتِدَاءِ التَّقْلِيدِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَائِشَةَ ثُمَّ قَلَّدَهَا بِيَدِهِ بَيَانًا لِحِفْظِهَا لِلْأَمْرِ وَمَعْرِفَتِهَا بِهِ ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَعَلِمَ وَقْتَ التَّقْلِيدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ عَمْرٌو مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرَةُ هِيَ خَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهَا، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) كَذَا وَقَعَ فِي: الْمُوَطَّأِ وَكَأَنَّ شَيْخَ مَالِكٍ حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَمَا كَانَ يُقَالُ لَهُ إِلَّا زِيَادُ ابْنُ أَبِيهِ وَقَبْلَ اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ لَهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدٍ وَكَانَتْ أُمُّهُ سُمَيَّةُ مَوْلَاةَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الثَّقَفِيِّ تَحْتَ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورِ فَوَلَدَتْ زِيَادًا عَلَى فِرَاشِهِ فَكَانَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ شَهِدَ جَمَاعَةٌ عَلَى إِقْرَارِ أَبِي سُفْيَانَ بِأَنَّ زِيَادًا وَلَدَهُ فَاسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ لِذَلِكَ وَزَوَّجَ ابْنَهُ ابْنَتَهُ وَأَمَّرَ زِيَادًا عَلَى الْعِرَاقَيْنِ - الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ - جَمَعَهُمَا لَهُ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ بَدَلَ قَوْلِهِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ وَهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ. زَادَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ. أَيِ الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ أَيْ بِمَا يَصْنَعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَمْرَةُ) هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ عَنْ عَائِشَةَ الْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ كَمَا مَضَى قَرِيبًا مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ عَنْهَا أَيْضًا مَسْرُوقٌ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ فِي الضَّحَايَا مُطَوَّلًا وَتَرْجَمَ هُنَاكَ عَلَى حُكْمِ مَنْ أَهْدَى وَأَقَامَ هَلْ يَصِيرُ مُحْرِمًا أَوْ لَا؟ وَلَمْ يُتَرْجِمْ

بِهِ هُنَا، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ فِي حَدِيثِ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: إِنَّ رِجَالًا هَاهُنَا يَبْعَثُونَ بِالْهَدْيِ إِلَى الْبَيْتِ وَيَأْمُرُونَ الَّذِي يَبْعَثُونَ مَعَهُ بِمُعَلِّمٍ لَهُمْ يُقَلِّدُهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا يَزَالُونَ مُحْرِمِينَ حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ الْحَدِيثَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَدِّثٌ عَنْ عَائِشَةَ وَقِيلَ لَهَا إِنَّ زِيَادًا إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَوَلَهُ كَعْبَةٌ يَطُوفُ بِهَا. قَالَ وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ زِيَادًا بَعَثَ بِالْهَدْيِ وَتَجَرَّدَ فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَهُوَ مُقِيمٌ عِنْدَنَا مَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا. وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، قَالَ رَبِيعَةُ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَذَكَرَهُ، فَعُرِفَ بِهَذَا اسْمُ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ، وَاحْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ وَمَا رَوَتْهُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْهُ. انْتَهَى. وَفِيهِ قُصُورٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلَبِّي وَمِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ بِبَدَنَتِهِ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ وَآخَرُونَ: مَنْ أَرْسَلَ الْهَدْيَ وَأَقَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةُ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَمِنْ حُجَّةِ الْأَوَّلِينَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْنِيَ الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ عَلَى مَكَانِ كَذَا فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسِيتُ فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي: الْحَدِيثَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ نِسْبَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى التَّفَرُّدِ بِذَلِكَ خَطَأٌ. وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا الْجِمَاعَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

نَعَمْ جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَفِي نُسْخَةِ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ أَوَّلُ مَنْ كَشَفَ الْعَمَى عَنِ النَّاسِ وَبَيَّنَ لَهُمُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عَائِشَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْهَا قَالَ فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ قَوْلُ عَائِشَةَ أَخَذُوا بِهِ وَتَرَكُوا فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُكَ صَارَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِهِ الْهَدْيَ مُحْرِمًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَأَمَّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَلَّدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، قَالَ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَصِيرُ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مُحْرِمًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِمْ فالطَّحَاوِيُّ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُ. وَلَعَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٠٠ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، و «عَمرو» بفتح العين، وهو ساقطٌ لأبي ذرٍّ (عَنْ) خالته (عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) هو الذي استلحقه معاوية، وإنَّما كان يُقال له: زياد بن أبيه، أو ابن عبيدٍ، لأنَّ أمَّه سميَّة مولاة الحارث بن كلدة، ولدته على فراش عبيدٍ، فلمَّا كان في خلافة معاوية شهد جماعةٌ على إقرار أبي سفيان بأنَّ زيادًا ولده، فاستلحقه معاوية لذلك وأمَّره على العراقَين (كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ : إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ) بكسر همزة «إنَّ» في الفرع، وفي غيره بالفتح (قَالَ: مَنْ أَهْدَى) أي: بعث إلى مكَّة (هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ) (٢) من محظورات الإحرام (حَتَّى يُنْحَرَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، و (هَدْيُهُ) رفع نائبٍ عن الفاعل (قَالَتْ عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بالسَّند المذكور: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «قلائد هدي (٣) النبي» ( بِيَدَيَّ) بفتح الدَال وتشديد الياء، وفي أخرى: بالإفراد (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ بِيَدَيْهِ) الشَّريفتين (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي: بالبدن إلى مكَّة (مَعَ أَبِي) أبي بكرٍ الصِّدِّيق لمَّا حجَّ بالنَّاس سنة تسعٍ (فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «له» (حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: «حتَّى نَحَرَ الهديَ» مبنيًّا للفاعل، أي: حتَّى نحر أبو بكرٍ الهديَ، وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: عدم الحرمة ليس مُغَيًّا إلى النَّحر إذ هو باقٍ بعده، فلا مخالفة بين حكم ما بعد الغاية وما قبلها؛ وأجاب بأنَّه غايةٌ لـ «نحر»، لا لـ «لم يحرم» (٤) أي: الحرمة المنتهية إلى النَّحر. انتهى. وقد وافق ابنَ عبَّاسٍ جماعةٌ من الصَّحابة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يَعْنِي حَلَالا فَمَا حرم عَلَيْهِ شَيْء من مَحْظُورَات الْإِحْرَام. قَوْله: (كَانَ لَهُ حل) أَي: حَلَال، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لقَوْله شَيْء، وَهُوَ مَرْفُوع بقول: (فَمَا حرم) بِضَم الرَّاء.

٩٠١ - (بابُ منْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قلد القلائد على الْهَدْي بِيَدِهِ بِدُونِ استنابة لغيره بذلك.

٠٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَن عبْدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفْيانَ كتَبَ إِلَى عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهاأنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَنْ أهْدَى هَدْيا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ قالَتْ عَمْرَةُ فقالَتْ عائِشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَيْسَ كَما قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ إِنَّا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِهَا معَ أبي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيءٌ أحَلَّهُ الله حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قلدها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيدَيْهِ) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَعبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم قد مر فِي: بَاب الْوضُوء مرَّتَيْنِ، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، سقط عَمْرو، وَعمرَة هِيَ خَالَة عبد الله الرَّاوِي عَنْهَا، وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ، وَزِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف دَال مُهْملَة: ابْن أبي سُفْيَان أَبُو الْمُغيرَة، وَهُوَ الَّذِي ادَّعَاهُ مُعَاوِيَة أَخا لَهُ لِأَبِيهِ فألحقه بنسبه، وَقيل لَهُ: زِيَاد بن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة.

قَوْله: (إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان) ، كَذَا وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) وَكَانَ شيخ مَالك حدث بِهِ كَذَلِك فِي زمن بني أُميَّة. وَأما بعدهمْ فَمَا كَانَ يُقَال لَهُ إلَاّ زِيَاد بن أَبِيه. وَقيل: استلحاق مُعَاوِيَة لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال لَهُ: زِيَاد بن عبيد، وَكَانَت أمه سميَّة مولاة الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ تَحت عبيد الْمَذْكُور، فَولدت زيادا على فرَاشه، فَكَانَ ينْسب إِلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة شهد جمَاعَة على إِقْرَار أبي سُفْيَان بِأَن زيادا وَلَده، فاستلحقه مُعَاوِيَة لذَلِك وزوى ابْنه ابْنَته، وَأمر زيادا على العراقين: الْبَصْرَة والكوفة، جَمعهمَا لَهُ، وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَخمسين، وَوَقع عِنْد مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك: أَن ابْن زِيَاد، بدل قَوْله: إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان، قَالُوا: إِنَّه وهم نبه عَلَيْهِ الغساني وَمن تبعه مِمَّن يتَكَلَّم على صَحِيح مُسلم وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُود عِنْد جَمِيع رُوَاة الْمُوَطَّأ وَكَذَا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وغيرهامن الْكتب الْمُعْتَمدَة، وَلِأَن ابْن زِيَاد لم يدْرك عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أهْدى) أَي: من بعث الْهَدْي إِلَى مَكَّة. قَوْله: (على الْحَاج) ويروى: (من الْحَاج) . قَوْله: (حَتَّى ينْحَر هَدْيه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قَالَت عمْرَة) أَي: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُورَة فِي السَّنَد، وَإِنَّمَا قَالَت بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ثمَّ بعث بهَا) أَي: ثمَّ بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْهَدْي، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْبَدنَة لِأَن هَدْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ كَانَ بَدَنَة. قَوْله: (مَعَ أبي) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة: وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ بَعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهديه مَعَ أبي بكر سنة تسع عَام حج أَبُو بكر بِالنَّاسِ. قَوْله: (حَتَّى نحر الْهَدْي) أَي حَتَّى نحر أَبُو بكر الْهَدْي، ويروي: (حَتَّى نحر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: عدم الْحُرْمَة لَيْسَ مغيا إِلَى النَّحْر إِذْ هُوَ بَاقٍ بعده، فَلَا مُخَالفَة بَين حكم مَا بعد الْغَايَة وَمَا قبلهَا؟ قلت: هُوَ غَايَة النَّحْر لَا لما يحرم أَي: الْحُرْمَة المنتهية أَي: النَّحْر لم يكن، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رد لكَلَام ابْن عَبَّاس، وَهُوَ كَانَ مثبتا للْحُرْمَة إِلَى النَّحْر انْتهى. وَوَقعت زِيَادَة فِي رِوَايَة مُسلم هُنَا عَن يحيى بن يحيى بعد قَوْله: (حَتَّى ينْحَر الْهَدْي) ، وَهِي: وَقد بعث بهديي فأكتبي إِلَيّ بِأَمْرك، وَوَقعت فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ زِيَادَة أُخْرَى، وَهِي بعد قَوْله: (فاكتبي إليَّ بِأَمْرك أَو مري صَاحب الْهَدْي) ، أَي: الَّذِي مَعَه الْهَدْي، يَعْنِي: مري بِمَا يصنع، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَمَانِيَة

عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله: (إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا.

وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية.

٠١١ - (بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم.

١٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّةً غنَما..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم

لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة.

٢٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً..

هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام.

٣٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً..

هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم.

وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة.

٤٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ..

هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَعَقُّبٌ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ. وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى مَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ.

(تَنْبِيهٌ): اتَّفَقَ مَنْ قَالَ بِالْإِشْعَارِ بِإِلْحَاقِ الْبَقَرِ فِي ذَلِكَ بِالْإِبِلِ، إِلَّا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُشْعَرُ لِضَعْفِهَا، وَلِكَوْنِ صُوفِهَا أَوْ شَعْرِهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ الْإِشْعَارِ، وَأَمَّا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ فَلِكَوْنِهَا لَيْسَتْ ذَاتَ أَسْنِمَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٠٩ - بَاب مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ

١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ) أَيِ الْهَدَايَا، وَلَهُ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَسُوقَ الْهَدْيَ وَيَقْصِدَ النُّسُكَ فَإِنَّمَا يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَسُوقَهُ وَيُقِيمَ فَيُقَلِّدَهَا مِنْ مَكَانِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَابِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يُقَلِّدُ بِهِ بَعْدَ بَابٍ، وَالْغَرَضُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِابْتِدَاءِ التَّقْلِيدِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَائِشَةَ ثُمَّ قَلَّدَهَا بِيَدِهِ بَيَانًا لِحِفْظِهَا لِلْأَمْرِ وَمَعْرِفَتِهَا بِهِ ويُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَعَلِمَ وَقْتَ التَّقْلِيدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَسَقَطَ عَمْرٌو مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَعَمْرَةُ هِيَ خَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْهَا، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) كَذَا وَقَعَ فِي: الْمُوَطَّأِ وَكَأَنَّ شَيْخَ مَالِكٍ حَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَمَا كَانَ يُقَالُ لَهُ إِلَّا زِيَادُ ابْنُ أَبِيهِ وَقَبْلَ اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ لَهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدٍ وَكَانَتْ أُمُّهُ سُمَيَّةُ مَوْلَاةَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الثَّقَفِيِّ تَحْتَ عُبَيْدٍ الْمَذْكُورِ فَوَلَدَتْ زِيَادًا عَلَى فِرَاشِهِ فَكَانَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ شَهِدَ جَمَاعَةٌ عَلَى إِقْرَارِ أَبِي سُفْيَانَ بِأَنَّ زِيَادًا وَلَدَهُ فَاسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ لِذَلِكَ وَزَوَّجَ ابْنَهُ ابْنَتَهُ وَأَمَّرَ زِيَادًا عَلَى الْعِرَاقَيْنِ - الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ - جَمَعَهُمَا لَهُ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ بَدَلَ قَوْلِهِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ وَهْمٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ: وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ. زَادَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ: أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ. أَيِ الَّذِي مَعَهُ الْهَدْيُ أَيْ بِمَا يَصْنَعُ.

قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَمْرَةُ) هُوَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ عَنْ عَائِشَةَ الْقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ كَمَا مَضَى قَرِيبًا مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ عَنْهَا أَيْضًا مَسْرُوقٌ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ فِي الضَّحَايَا مُطَوَّلًا وَتَرْجَمَ هُنَاكَ عَلَى حُكْمِ مَنْ أَهْدَى وَأَقَامَ هَلْ يَصِيرُ مُحْرِمًا أَوْ لَا؟ وَلَمْ يُتَرْجِمْ

بِهِ هُنَا، وَلَفْظُهُ هُنَاكَ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَجُلًا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إِلَى الْكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ فِي الْمِصْرِ فَيُوصِي أَنْ تُقَلَّدَ بَدَنَتُهُ فَلَا يَزَالُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُحْرِمًا حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ. وَلَفْظُ الطَّحَاوِيِّ فِي حَدِيثِ مَسْرُوقٍ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: إِنَّ رِجَالًا هَاهُنَا يَبْعَثُونَ بِالْهَدْيِ إِلَى الْبَيْتِ وَيَأْمُرُونَ الَّذِي يَبْعَثُونَ مَعَهُ بِمُعَلِّمٍ لَهُمْ يُقَلِّدُهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا يَزَالُونَ مُحْرِمِينَ حَتَّى يَحِلَّ النَّاسُ الْحَدِيثَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَدِّثٌ عَنْ عَائِشَةَ وَقِيلَ لَهَا إِنَّ زِيَادًا إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَوَلَهُ كَعْبَةٌ يَطُوفُ بِهَا. قَالَ وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ زِيَادًا بَعَثَ بِالْهَدْيِ وَتَجَرَّدَ فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتُ لَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَهُوَ مُقِيمٌ عِنْدَنَا مَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا. وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا إِنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، قَالَ رَبِيعَةُ: فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَذَكَرَهُ، فَعُرِفَ بِهَذَا اسْمُ الْمُبْهَمِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ.

قَالَ ابْنُ التِّينِ: خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا جَمِيعَ الْفُقَهَاءِ، وَاحْتَجَّتْ عَائِشَةُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ وَمَا رَوَتْهُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجَعَ عَنْهُ. انْتَهَى. وَفِيهِ قُصُورٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُلَبِّي وَمِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ بِبَدَنَتِهِ أَنَّهُ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ وَآخَرُونَ: مَنْ أَرْسَلَ الْهَدْيَ وَأَقَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةُ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَآخَرُونَ: لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا وَإِلَى ذَلِكَ صَارَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَمِنْ حُجَّةِ الْأَوَّلِينَ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْنِيَ الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ عَلَى مَكَانِ كَذَا فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسِيتُ فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي: الْحَدِيثَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِضَعْفِ إِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّ نِسْبَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى التَّفَرُّدِ بِذَلِكَ خَطَأٌ. وَقَدْ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ إِلَّا الْجِمَاعَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

نَعَمْ جَاءَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ اسْتَقَرَّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَفِي نُسْخَةِ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ أَوَّلُ مَنْ كَشَفَ الْعَمَى عَنِ النَّاسِ وَبَيَّنَ لَهُمُ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عَائِشَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ عَنْهَا قَالَ فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ قَوْلُ عَائِشَةَ أَخَذُوا بِهِ وَتَرَكُوا فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ النُّسُكَ صَارَ بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِهِ الْهَدْيَ مُحْرِمًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَأَمَّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَلَّدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، قَالَ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَصِيرُ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مُحْرِمًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِمْ فالطَّحَاوِيُّ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُ. وَلَعَلَّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٠٠ - وبالسَّند (١) قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، و «عَمرو» بفتح العين، وهو ساقطٌ لأبي ذرٍّ (عَنْ) خالته (عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريَّة (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) هو الذي استلحقه معاوية، وإنَّما كان يُقال له: زياد بن أبيه، أو ابن عبيدٍ، لأنَّ أمَّه سميَّة مولاة الحارث بن كلدة، ولدته على فراش عبيدٍ، فلمَّا كان في خلافة معاوية شهد جماعةٌ على إقرار أبي سفيان بأنَّ زيادًا ولده، فاستلحقه معاوية لذلك وأمَّره على العراقَين (كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ : إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ) بكسر همزة «إنَّ» في الفرع، وفي غيره بالفتح (قَالَ: مَنْ أَهْدَى) أي: بعث إلى مكَّة (هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ) (٢) من محظورات الإحرام (حَتَّى يُنْحَرَ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، و (هَدْيُهُ) رفع نائبٍ عن الفاعل (قَالَتْ عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن بالسَّند المذكور: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) (أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «قلائد هدي (٣) النبي» ( بِيَدَيَّ) بفتح الدَال وتشديد الياء، وفي أخرى: بالإفراد (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ بِيَدَيْهِ) الشَّريفتين (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا) أي: بالبدن إلى مكَّة (مَعَ أَبِي) أبي بكرٍ الصِّدِّيق لمَّا حجَّ بالنَّاس سنة تسعٍ (فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ) زاد أبوا ذرٍّ والوقت: «له» (حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: «حتَّى نَحَرَ الهديَ» مبنيًّا للفاعل، أي: حتَّى نحر أبو بكرٍ الهديَ، وقال الكِرمانيُّ: فإن قلت: عدم الحرمة ليس مُغَيًّا إلى النَّحر إذ هو باقٍ بعده، فلا مخالفة بين حكم ما بعد الغاية وما قبلها؛ وأجاب بأنَّه غايةٌ لـ «نحر»، لا لـ «لم يحرم» (٤) أي: الحرمة المنتهية إلى النَّحر. انتهى. وقد وافق ابنَ عبَّاسٍ جماعةٌ من الصَّحابة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

يَعْنِي حَلَالا فَمَا حرم عَلَيْهِ شَيْء من مَحْظُورَات الْإِحْرَام. قَوْله: (كَانَ لَهُ حل) أَي: حَلَال، وَهَذِه الْجُمْلَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لقَوْله شَيْء، وَهُوَ مَرْفُوع بقول: (فَمَا حرم) بِضَم الرَّاء.

٩٠١ - (بابُ منْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من قلد القلائد على الْهَدْي بِيَدِهِ بِدُونِ استنابة لغيره بذلك.

٠٠٧١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَن عبْدِ الله بنِ أبي بَكْرِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْم عنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفْيانَ كتَبَ إِلَى عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهاأنَّ عَبْدَ الله بنَ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَنْ أهْدَى هَدْيا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ قالَتْ عَمْرَةُ فقالَتْ عائِشةُ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَيْسَ كَما قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ إِنَّا فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدَيَّ ثُمَّ قَلَّدَهَا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدَيْهِ ثُمَّ بعَثَ بِهَا معَ أبي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلى رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَيءٌ أحَلَّهُ الله حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ قلدها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيدَيْهِ) ، وَرِجَاله قد ذكرُوا، وَعبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم قد مر فِي: بَاب الْوضُوء مرَّتَيْنِ، وَهَذِه رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر، سقط عَمْرو، وَعمرَة هِيَ خَالَة عبد الله الرَّاوِي عَنْهَا، وَرِجَال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ، وَزِيَاد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبعد الْألف دَال مُهْملَة: ابْن أبي سُفْيَان أَبُو الْمُغيرَة، وَهُوَ الَّذِي ادَّعَاهُ مُعَاوِيَة أَخا لَهُ لِأَبِيهِ فألحقه بنسبه، وَقيل لَهُ: زِيَاد بن أَبِيه.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوكَالَة عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بِالْحَدِيثِ دون الْقِصَّة.

قَوْله: (إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان) ، كَذَا وَقع فِي (الْمُوَطَّأ) وَكَانَ شيخ مَالك حدث بِهِ كَذَلِك فِي زمن بني أُميَّة. وَأما بعدهمْ فَمَا كَانَ يُقَال لَهُ إلَاّ زِيَاد بن أَبِيه. وَقيل: استلحاق مُعَاوِيَة لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يُقَال لَهُ: زِيَاد بن عبيد، وَكَانَت أمه سميَّة مولاة الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ تَحت عبيد الْمَذْكُور، فَولدت زيادا على فرَاشه، فَكَانَ ينْسب إِلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة شهد جمَاعَة على إِقْرَار أبي سُفْيَان بِأَن زيادا وَلَده، فاستلحقه مُعَاوِيَة لذَلِك وزوى ابْنه ابْنَته، وَأمر زيادا على العراقين: الْبَصْرَة والكوفة، جَمعهمَا لَهُ، وَمَات فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة ثَلَاث وَخمسين، وَوَقع عِنْد مُسلم عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك: أَن ابْن زِيَاد، بدل قَوْله: إِن زِيَاد بن أبي سُفْيَان، قَالُوا: إِنَّه وهم نبه عَلَيْهِ الغساني وَمن تبعه مِمَّن يتَكَلَّم على صَحِيح مُسلم وَالصَّوَاب مَا وَقع فِي البُخَارِيّ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُود عِنْد جَمِيع رُوَاة الْمُوَطَّأ وَكَذَا وَقع فِي سنَن أبي دَاوُد وغيرهامن الْكتب الْمُعْتَمدَة، وَلِأَن ابْن زِيَاد لم يدْرك عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. قَوْله: (من أهْدى) أَي: من بعث الْهَدْي إِلَى مَكَّة. قَوْله: (على الْحَاج) ويروى: (من الْحَاج) . قَوْله: (حَتَّى ينْحَر هَدْيه) على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قَالَت عمْرَة) أَي: عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُورَة فِي السَّنَد، وَإِنَّمَا قَالَت بالسند الْمَذْكُور. قَوْله: (ثمَّ بعث بهَا) أَي: ثمَّ بعث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْهَدْي، وَإِنَّمَا أنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْبَدنَة لِأَن هَدْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي بعث بِهِ كَانَ بَدَنَة. قَوْله: (مَعَ أبي) ، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة المخففة: وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَكَانَ بَعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بهديه مَعَ أبي بكر سنة تسع عَام حج أَبُو بكر بِالنَّاسِ. قَوْله: (حَتَّى نحر الْهَدْي) أَي حَتَّى نحر أَبُو بكر الْهَدْي، ويروي: (حَتَّى نحر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: عدم الْحُرْمَة لَيْسَ مغيا إِلَى النَّحْر إِذْ هُوَ بَاقٍ بعده، فَلَا مُخَالفَة بَين حكم مَا بعد الْغَايَة وَمَا قبلهَا؟ قلت: هُوَ غَايَة النَّحْر لَا لما يحرم أَي: الْحُرْمَة المنتهية أَي: النَّحْر لم يكن، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رد لكَلَام ابْن عَبَّاس، وَهُوَ كَانَ مثبتا للْحُرْمَة إِلَى النَّحْر انْتهى. وَوَقعت زِيَادَة فِي رِوَايَة مُسلم هُنَا عَن يحيى بن يحيى بعد قَوْله: (حَتَّى ينْحَر الْهَدْي) ، وَهِي: وَقد بعث بهديي فأكتبي إِلَيّ بِأَمْرك، وَوَقعت فِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ زِيَادَة أُخْرَى، وَهِي بعد قَوْله: (فاكتبي إليَّ بِأَمْرك أَو مري صَاحب الْهَدْي) ، أَي: الَّذِي مَعَه الْهَدْي، يَعْنِي: مري بِمَا يصنع، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من ثَمَانِيَة

عشر طَرِيقا كلهَا فِي بَيَان حجَّة من قَالَ: لَا يجب على من بعث بِهَدي أَن يتجرد عَن ثِيَابه وَلَا يتْرك شَيْء مِمَّا يتْركهُ الْمحرم إلَاّ بِدُخُولِهِ فِي الْإِحْرَام، إِمَّا بِحَجّ وَإِمَّا بِعُمْرَة، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً فِي: بَاب من أشعر وقلد بِذِي الحليفة، وَقد ذكرنَا أَنهم ردوا قَول ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من قَوْله: (إِن من بعث بهديه إِلَى مَكَّة وَأقَام هُوَ، فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يجْتَنب مَا يجتنبه الْمحرم حَتَّى ينْحَر هَدْيه) . وَقَالَ ابْن التِّين: خَالف ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي هَذَا جَمِيع الْفُقَهَاء، واحتجت عَائِشَة بِفعل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَمَا روته فِي ذَلِك يجب أَن يُصَار إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَجَعَ عَنهُ. انْتهى قلت: ابْن عَبَّاس لم ينْفَرد بذلك، بل ثَبت ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. مِنْهُم: ابْن عمر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن ابْن علية عَن أَيُّوب وَابْن الْمُنْذر من طَرِيق ابْن جريج عَن نَافِع عَن ابْن عمر، كَانَ إِذا بعث بِالْهَدْي يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم إلَاّ أَنه لَا يُلَبِّي. وَمِنْهُم: قيس بن سعد بن عبَادَة، أخرج سعيد بن مَنْصُور من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَنهُ نَحْو ذَلِك. وروى ابْن أبي شيبَة من طَرِيق مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن عَن عمر، وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الرجل يُرْسل ببدنته: إِنَّه يمسك عَمَّا يمسك عَنهُ الْمحرم، وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه رد عَائِشَة على ابْن عَبَّاس؟ قلت: حَاصله أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك قِيَاسا للتوكيل فِي أَمر الْهَدْي على الْمُبَاشرَة لَهُ، فَقَالَت لَهُ عَائِشَة: لَا اعْتِبَار للْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة الظَّاهِرَة. انْتهى. قلت: لَا نسلم أَن ابْن عَبَّاس قَالَ ذَلِك، قِيَاسا، بل الظَّاهِر أَنه إِنَّمَا قَالَه لقِيَام دَلِيل من السّنة عِنْده، وَلم يقل ابْن عَبَّاس هَذَا وَحده، كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن، ألَا يرى أَن جمَاعَة من التَّابِعين وهم: الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمُحَمّد بن سِيرِين وَمُجاهد وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَسَعِيد بن جُبَير وافقوا ابْن عَبَّاس فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك؟ وَاحْتج لَهُم الطَّحَاوِيّ فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا فقد قَمِيصه حَتَّى أخرجه من رجلَيْهِ، فَنظر الْقَوْم إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أمرت ببدني الَّتِي بعثت بهَا أَن تقلد الْيَوْم وتشعر على مَكَان كَذَا وَكَذَا، فَلبِست قَمِيصِي ونسيت، فَلم أكن لأخرج قَمِيصِي من رَأْسِي، وَكَانَ بعث ببدنة وَأقَام بِالْمَدِينَةِ، وَإِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَبُو عمر أَيْضا.

وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد: تنَاول الْكَبِير الشَّيْء بِنَفسِهِ، وَإِن كَانَ لَهُ من يَكْفِيهِ إِذا كَانَ مِمَّا يهتم بِهِ، وَلَا سِيمَا مَا كَانَ من إِقَامَة الشَّرَائِع وَأُمُور الدّيانَة. وَفِيه: رد بعض الْعلمَاء على بعض. وَفِيه: رد الِاجْتِهَاد بِالنَّصِّ. وَفِيه: أَن الأَصْل فِي أَفعَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم التأسي حَتَّى تثبت الخصوصية.

٠١١ - (بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَقْلِيد الْغنم.

١٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ إبْراهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ أهْدَي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّةً غنَما..

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن من لَوَازِم الْهَدْي التَّقْلِيد شرعا، وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالْأسود ابْن يزِيد.

وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَأبي كريب. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن هناد عَن وَكِيع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن هناد وَعَن ابْن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن ابْن أبي شيبَة وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد. وَاحْتج الشَّافِعِي بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْغنم تقلد، وَبِه قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حبيب، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة: لَا تقلد لِأَنَّهَا تضعف عَن التَّقْلِيد. وَقَالَ أَبُو عمر: احْتج من لم يره بِأَن الشَّارِع إِنَّمَا حج حجَّة وَاحِدَة لم يهد فِيهَا غنما، وأنكروا حَدِيث الْأسود الَّذِي فِي البُخَارِيّ فِي تَقْلِيد الْغنم، قَالُوا هُوَ حَدِيث لَا يعرفهُ أهل بَيت عَائِشَة. وَقَالَ بَعضهم: مَا أَدْرِي مَا وَجه الْحجَّة مِنْهُ، لِأَن حَدِيث الْبَاب دلّ على أَنه أرسلها وَأقَام، فَكَانَ ذَلِك قبل حجَّته قطعا، فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك، لِأَن مُجَرّد التّرْك لَا يدل على نسخ الْجَوَاز، ثمَّ من الَّذِي صرح بِهِ من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بِأَنَّهُ لم يكن فِي هداياه فِي حجَّته غنم حَتَّى يسوغ الِاحْتِجَاج بذلك؟ انْتهى قلت: الْهَدْي الَّذِي أرسل بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْغنم

لَيْسَ هدي الْإِحْرَام، وَلِهَذَا أَقَامَ حَلَالا بعد إرْسَاله، وَلم ينْقل أَنه أهْدى غنما فِي إِحْرَامه. وَقَوله: فَلَا تعَارض بَين الْفِعْل وَالتّرْك كَلَام واهٍ، لِأَن من ادّعى التَّعَارُض بَينهمَا والتعارض تقَابل الحجتين، وَهَهُنَا الْفِعْل لم يُوجد، فَكيف يتَصَوَّر التَّعَارُض حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَفعه. وَقَوله: ثمَّ من الَّذِي صرح من الصَّحَابَة ... إِلَى آخِره، يرد بِأَن يُقَال من الَّذِي صرح مِنْهُم بِأَنَّهُ كَانَ فِي هداياه فِي حجَّته غنم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَالْحَنَفِيَّة فِي الأَصْل يَقُولُونَ لَيست الْغنم من الْهَدْي، فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. قلت: هَذَا افتراء على الْحَنَفِيَّة، فَفِي أَي مَوضِع قَالَت الْحَنَفِيَّة: إِن الْغنم لَيست من الْهَدْي؟ بل كتبهمْ مشحونه بِأَن الْهَدْي اسْم لما يهدى من الْغنم إِلَى الْحرم ليتقرب بِهِ. قَالُوا: وَأَدْنَاهُ شَاة، لقَوْل ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي شَاة، وَعَن هَذَا قَالُوا: الْهَدْي إبل وبقر وغنم، ذكورها وإناثها، حَتَّى قَالُوا هَذَا بِالْإِجْمَاع، وَإِنَّمَا مَذْهَبهم أَن التَّقْلِيد فِي الْبَدنَة وَالْغنم لَيست من الْبَدنَة فَلَا تقلد لعدم التعارف بتقليدها، إِذْ لَو كَانَ تقليدها سنة لما تركوها، وَقَالُوا فِي الحَدِيث الْمَذْكُور: تفرد بِهِ الْأسود وَلم يذكرهُ غَيره على مَا ذكرنَا، وَادّعى صَاحب الْمَبْسُوط أَنه أثر شَاذ. فَإِن قلت: كَيفَ يُقَال: تركوها؟ وَقد ذكر ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) أَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: لقد رَأَيْت الْغنم يُؤْتى بهَا مقلدة؟ وَعَن أبي جَعْفَر: رَأَيْت الكباش مقلدة، وَعَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: أَن الشَّاة كَانَت تقلد، وَعَن عَطاء: رَأَيْت أُنَاسًا من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يسوقون الْغنم مقلدة؟ قلت: لَيْسَ فِي ذَلِك كُله أَن التَّقْلِيد كَانَ فِي الْغنم الَّتِي سيقت فِي الْإِحْرَام، وَأَن أَصْحَابهَا كَانُوا محرمين، على أنَّا نقُول: إِنَّهُم مَا منعُوا الْجَوَاز، وَإِنَّمَا قَالُوا بِأَن التَّقْلِيد فِي الْغنم لَيْسَ بِسنة.

٢٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثنا إبْرَاهِيمُ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهَا قالَتْ كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلائِدَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويُقِيمُ فِي أهْلِهِ حَلَالاً..

هَذَا طَرِيق آخر للْحَدِيث الْمَذْكُور عَن أبي النُّعْمَان، بِضَم النُّون، وَهُوَ مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي عَن عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، وَإِنَّمَا أرْدف الطَّرِيق السَّابِق بِهَذَا الطَّرِيق لِأَن فِيهِ تَصْرِيح الْأَعْمَش بِالتَّحْدِيثِ عَن إِبْرَاهِيم. وَفِي هَذَا الطَّرِيق أَيْضا زِيَادَة، وَهُوَ التَّقْلِيد، وَذكر إِقَامَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي أَهله حَلَالا، وللحنفية أَن يحتجوا بِالزِّيَادَةِ الثَّانِيَة فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن تَقْلِيد الْغنم إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ فِي الأحرام.

٣٠٧١ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قَالَ حدَّثنا حَمَّادٌ قَالَ حدَّثنا منْصُورُ بنُ المُعْتَمِرِ قَالَ (ح) وحدَّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنَا سُفْيانُ عنْ مَنْصُورٍ عنْ إبْرَاهِيمَ عنِ الأسْوَدِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الْغَنَمُ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَبْعَثُ بِهَا ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالاً..

هَذَانِ طَرِيقَانِ آخرَانِ: أَحدهمَا: عَن أبي النُّعْمَان الْمَذْكُور عَن حَمَّاد بن زيد عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، وَالْآخر: عَن مُحَمَّد بن كثير عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر عَن إِبْرَاهِيم.

وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن بنْدَار عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم عَن الْأسود عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفتل قلائد هدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كلهَا غنما، ثمَّ لَا يحرم. وَقَالَ بَعضهم: أرْدف رِوَايَة عبد الْوَاحِد بِرِوَايَة مَنْصُور عَن إِبْرَاهِيم استظهارا لرِوَايَة عبد الْوَاحِد، لما فِي حفظ عبد الْوَاحِد عِنْدهم، وَأَن كَانَ هُوَ عِنْده حجَّة.

٤٠٧١ - حدَّثنا أبُو نُعَيْمٍ قَالَ حدَّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ فتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَعْنِي الْقَلائِدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ..

هَذَا طَرِيق آخر لحَدِيث عَائِشَة الْمَذْكُور عَن أبي نعيم الْفضل بن دُكَيْن عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن عَامر الشّعبِيّ عَن مَسْرُوق بن الأجدع عَنْهَا.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الضَّحَايَا عَن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن إِسْمَاعِيل عَن

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد