الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٦٩
الحديث رقم ١٦٩ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٢ - بَاب الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ إِذَا حَانَتْ الصَّلَاةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتْ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ.
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قال: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
[الحديث ١٦٩ - أطرافه في: ٣٥٧٥، ٣٥٧٤، ٣٥٧٣، ٣٥٧٢، ٢٠٠، ١٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ أَيْ: طَلَبِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ (إِذَا حَانَتِ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ: قَرُبَتِ (الصَّلَاةُ)، وَالْمُرَادُ وَقْتُهَا الَّذِي تُوقَعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَاقَهُ هُنَا بِلَفْظِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، قال ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ لِلتَّطْهِيرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ التَّأْخِيرَ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (فَالْتُمِسَ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَالْتَمَسُوا.
قَوْلُهُ: (وَحَانَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحَانَتْ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
قَوْلُهُ: (الْوَضُوءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيِ: الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدُوا) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يَجِدُوهُ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ سُوقٌ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (بِوَضُوءٍ) بِالْفَتْحِ؛ أَيْ: بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَجَاءَ رَجُلٌ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَصَغُرَ أَنْ يَبْسُطَ ﷺ فِيهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمِخْضَبِ.
قَوْلُهُ: (يَنْبُعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدَ آخِرِهِمْ)، قال: الْكِرْمَانِيُّ حَتَّى لِلتَّدْرِيجِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ؛ أَيْ: تَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّأَ الَّذِينَ عِنْدَ آخِرِهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ، قال: وَعِنْدَ بِمَعْنَى فِي؛ لِأَنَّ عِنْدَ وَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِمُطْلَقِ الظَّرْفِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قال: الَّذِينَ هُمْ فِي آخِرِهِمْ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ: الْمَعْنَى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى وَصَلَتِ النَّوْبَةُ إِلَى الْآخِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِلَى وَهِيَ لُغَةٌ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ، قال: ثُمَّ إِنَّ إِلَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عِنْدَ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا قال التَّيْمِيُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأَخِيرُ، لَكِنْ مَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ إِلَى لَا تَدْخُلُ عَلَى عِنْدَ، لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي مِنْ إِذَا وَقَعَتْ بِمَعْنَى إِلَى، وَعَلَى تَوْجِيهِ النَّوَوِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدَ زَائِدَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْلٌ عَنْ وُضُوئِهِ. وَفِيهِ أَنَّ اغْتِرَافَ الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ أَمْرُ نَدْبٍ لَا حَتْمٍ.
(تَنْبِيهٌ):، قال ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ - يَعْنِي حَدِيثَ نَبْعِ الْمَاءِ - شَهِدَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا
أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ؛ وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْرِهِ وَلِطَلَبِ النَّاسِ عُلُوَّ السَّنَدِ. كَذَا قال. وَقَدْ قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، انْتَهَى. فَانْظُرْ كَمْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ وَسَنُحَرِّرُ هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٣ - بَاب الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ. وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ وَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وَهَذَا مَاءٌ. وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَاءِ)؛ أَيْ: حُكْمِ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعْرُ الْإِنْسَانِ. أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَسِلَ قَدْ يَقَعُ فِي مَاءِ غُسْلِهِ مِنْ شَعْرِهِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَنَّبَ ذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ، بَلْ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَلِكَ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى تَنَاثُرِ بَعْضِهِ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْقَوْلَ بِتَنْجِيسِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى طَهَارَتِهِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُكَرَّمٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَنَقَضَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالُوا: وَيَلْزَمُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَحْتَجَّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِهِ ﷺ لِإِمْكَانِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَنِيُّهُ طَاهِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ إِلَّا فِيمَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى طَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ وَعَدَّ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ فِي خَصَائِصِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَ أَئِمَّتُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ
وَهَذَا كُلُّهُ فِي شَعْرِ الْآدَمِيِّ.
أَمَّا شَعْرُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ الْمَأْكُولِ الْمُذَكَّى فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ هَلْ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا؟ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى خِلَافِهِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالِانْفِصَالٍ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى طَهَارَةِ مَا يُجَزُّ مِنَ الشَّاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَعَلَى نَجَاسَةِ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَعْضَائِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَعَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حَالَتَيِ الْمَوْتِ وَالِانْفِصَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا يُؤْكَلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ اهـ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رِيشِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَطَاءٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ النَّاسِ الَّتِي تُحْلَقُ بِمِنًى.
قَوْلُهُ: (وَسُؤْرِ الْكِلَابِ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ وَبَابُ سُؤْرِ الْكِلَابِ؛ أَيْ: مَا حُكْمُهُ؟ وَالسُّؤْرُ الْبَقِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَكْلُهَا وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ) جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حديثها في «قصَّة ضياع عِقْدِها المذكور» في مواضع منها: «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤] وساقه هنا بلفظ عمرو بن الحارث في «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٠٧] فقال: (حَضَرَتِ الصُّبْحُ) أنَّثه باعتبار صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ) بضمِّ المُثنَّاة مبنيًّا للمفعول، أي: طلب (المَاءُ) بالرَّفع مفعول نائبٌ (١) عن الفاعل (فَلَمْ يُوجَدْ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فالتمسوا الماءَ» بالجمع والنَّصب على المفعوليَّة «فلم يجدوه» بالجمع (٢) (فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ) أي: آيتُه، وإسناد «التَّيمُّم» إلى «النُّزول» مجازٌ عقليٌّ.
١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁
(أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «النَّبيَّ» (ﷺ وَ) الحال أنَّه قد (حَانَتْ) بالمُهمَلَة، أي: قَرُبَتْ (صَلَاةُ العَصْرِ) وهو بالزَّوراء -كما زاده (١) قتادة عند المؤلِّف [خ¦٣٥٧٢]- سوقٌ بالمدينة (فَالتَمَسَ) أي: طلب (النَّاسُ الوَضُوءَ) بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يجدوا» (٢) بغير الضَّمير المنصوب، أي: فلم يصيبوا الماء (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع مفعولٌ نائبٌ (٣) عن الفاعل (ﷺ بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بإناءٍ فيه ماءٌ؛ ليتوضَّأ به، وفي رواية ابن المُبَارك: فجاء رجلٌ بقدحٍ فيه ماءٌ يسيرٌ، وروى المُهلَّب: أنَّه كان مقدار وضوء رجلٍ واحدٍ (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ) ﵊ (النَّاسَ أَنْ) أي: بأن (يَتَوَضَّؤُوا) أي: بالتَّوضُّؤ (مِنْهُ) أي: من ذلك الإناء (قَالَ) أنسٌ ﵁: (فَرَأَيْتُ) أي: أبصرت (المَاءَ) حال كونه (يَنْبَُِعُ) بتثليث المُوحَّدة، أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ) وفي روايةٍ: «يفور من بين» (أَصَابِعِهِ) فتوضَّؤوا (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) أي: توضَّأ النَّاس ابتداءً من أوَّلهم حتَّى انتهَوا إلى آخرهم ولم يبقَ منهم أحدٌ، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي العموم والمُبالَغَة؛ لأنَّ «عندَ» هنا تُجعَل لمُطلَق الظَّرفيَّة حتَّى تكون بمعنى: «في»، كأنَّه قال: حتَّى توضَّأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المُخاطِب -بكسر الطَّاء- في عموم خطابه، أمرًا أو (٤) نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: «حتَّى»: حرف ابتداءٍ، مستأنفٌ بعده جملةٌ اسميَّةٌ، أو فعليَّةٌ فعلها ماضٍ نحو: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥] وحتَّى توضَّؤوا، أو مضارعٌ نحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافعٍ، و «من»: للغاية لا للبيان خلافًا للكِرمانيِّ؛ لأنَّها لا تكون للبيان (٥) إلَّا إذا كان فيما قبلَها إبهامٌ، ولا إبهامَ هنا.
وبقيَّة المباحث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣] واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارةٍ، والرَّدُّ على من أنكر المعجزة من المَلَاحِدة، واغتراف المتوضِّئ من الماء القليل. وهو من الرُّباعيَّات، ورجاله ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المصنِّف (١) في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣]، ومسلمٌ في الفضائل (٢)، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، والله تعالى أعلم.
(٣٣) هذا (بابُ) حكم (المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ (٣) في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ (لَا يَرَى بِهِ) أي: بالشَّعر (بَأْسًا) وفي رواية ابن عساكر: «لا يرى بأسًا» (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا) أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: «منه» أي: من الشَّعر (الخُيُوطُ وَالحِبَالُ) جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ (وَ) باب (سُؤْرِ الكِلَابِ) بالهمز (٤)، أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها (وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ) وفي روايةٍ هنا زيادة: «وأكلها» أي: حكم أكلها (٥)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة.
(وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه (٦) الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ
فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «في الإناء» أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ) أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ) بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به (غَيْرُهُ) أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «حتَّى يتوضَّأ بها» (١) أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: «منه».
(وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا) أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الفِقْهُ بِعَيْنِهِ) أي: المُستفاد من القرآن (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي الوقت: «لقول الله تعالى»: (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦]) وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: «يقول الله: فإن لم تجدوا» وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: ﴿مَاء﴾ نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال (وَهَذَا) أي: المذكور (مَاءٌ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فهذا ماءٌ» وتنجيسه بولوغ الكلب (٢) فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ) لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: «منه» (وَيَتَيَمَّمُ) لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه -لأجل اختلاف العلماء ﵃ كالعدم (٣)، فيحتاط للعبادة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الابط وَحلق الراس وَالسَّلَام من الصَّلَاة وَغسل أَعْضَاء الطَّهَارَة وَالْخُرُوج إِلَى الْخَلَاء وَالْأكل وَالشرب والمصافحة واستلام الْحجر الْأسود، وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، يسْتَحبّ التَّيَامُن فِيهِ؛ وَأما مَا كَانَ بضده: كدخول الْخَلَاء وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثَّوْب والسراويل والخف وَمَا أشبه ذَلِك، فَيُسْتَحَب التياسر فِيهِ، وَيُقَال: حَقِيقَة الشَّأْن مَا كَانَ فعلا مَقْصُودا، وَمَا يسْتَحبّ فِيهِ التياسر لَيْسَ من الْأَفْعَال الْمَقْصُودَة، بل هِيَ إِمَّا تروك وَإِمَّا غير مَقْصُودَة.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ الدّلَالَة على شرف الْيَمين وَقد مر فِي معنى الحَدِيث السَّابِق. الثَّانِي: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبدَاءَة بشق الرَّأْس الْأَيْمن فِي الرتجل وَالْغسْل وَالْحلق. فَإِن قلت: هُوَ من بَاب الْإِزَالَة، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يبْدَأ بالأيسر. قلت: لَا، بل هُوَ من بَاب التزيين والتجميل. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبِدَايَة فِي التنعل والتخفف كَذَلِك. الرَّابِع: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي الْوضُوء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن لَا إِعَادَة على من بَدَأَ بيساره فِي وضوئِهِ قبل يَمِينه وروينا عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا: (لَا تبالي بِأَيّ شَيْء بدأت) . زَاد الدَّارَقُطْنِيّ: أَبَا هُرَيْرَة، وَنقل المرتضى الشِّيعَة عَن الشَّافِعِي فِي (الْقَدِيم) : وجوب تَقْدِيم الْيَمين على الْيُسْرَى، وَنسب المرتضى فِي ذَلِك إِلَى الْغَلَط، فَكَأَنَّهُ ظن أَن ذَلِك لَازم من وجوب التَّرْتِيب عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ [قع النَّوَوِيّ [/ قع: أجمع الْعلمَاء على أَن تَقْدِيم الْيَمين فِي الْوضُوء سنة من خالفها فَاتَهُ الْفضل وَتمّ وضوؤه، وَالْمرَاد من قَوْله: الْعلمَاء أهل السّنة، لِأَن مَذْهَب الشِّيعَة الْوُجُوب، وَقد صحف العمراني فِي (الْبَيَان) والبندنيجي فِي (التَّجْرِيد) . الشِّيعَة، بالشين الْمُعْجَمَة، بالسبعة من الْعدَد فِي نسبتها القَوْل بِالْوُجُوب إِلَى الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَفِي كَلَام الرَّافِعِيّ أَيْضا مَا يُوهم أَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن صَاحب (الْمُغنِي) قَالَ: لَا نعلم فِي عدم الْوُجُوب خلافًا. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (إِذا توضأتم فابدأوا بميامنكم) . وَفِي أَكثر طرقه: (بأيامنكم) ، جمع: أَيمن، (إِذا لبستم وَإِذا توضأتم) . قلت: الْأَمر فِيهِ للاستحباب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَاعْلَم أَن الِابْتِدَاء باليسار، وَإِن كَانَ مجزئاً، فَهُوَ مَكْرُوه، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي، رَضِي الله عَنهُ فِي (الام) ، وَقَالَ ايضا: ثمَّ اعْلَم أَن من الْأَعْضَاء فِي وَالْوُضُوء مَا لَا يسْتَحبّ فِيهِ التَّيَامُن وَهُوَ: الأذنان والكفان والخدان، بل يطهران دفْعَة وَاحِدَة، فَإِن تعذر ذَلِك كَمَا فِي حق الأقطع وَنَحْوه قدم الْيَمين، وَمِمَّا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن عمر قَالَ: خير الْمَسْجِد الْمقَام ثمَّ ميامن الْمَسْجِد. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب، يُصَلِّي فِي الشق الْأَيْمن من الْمَسْجِد، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُعجبهُ أَن يقوم عَن يَمِين الإِمَام، وَكَانَ أنس يُصَلِّي فِي الشق الْأَيْمن، وَكَذَا عَن الْحسن وَابْن سِيرِين.
٣٢ - (بابُ الْتِمَاسِ الوَضُوءِ إِذا حانَتِ الصَّلاةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التمَاس الْوضُوء إِذا حانت الصَّلَاة. وَالْوُضُوء، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (اذا حانت) أَي: قربت، يُقَال: حَان حِينه أَي: قرب وقته.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ مَا يَأْتِي إلَاّ بِالْجَرِّ الثقيل، وَهُوَ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق طلب التَّيَمُّن لأجل الْوضُوء وَالْغسْل، وَهَهُنَا طلب المَاء لأجل الْوضُوء.
وقالَتْ عائِشَةُ حضَرَتِ الصبْحُ فالتُمِسَ المَاءُ فلمْ يُوجَدْ فَنْزَلَ التَّيَمُّمُ
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فالتمس المَاء) . وَفِي قَوْله: (فالتمس النَّاس الْوضُوء) ، وَهَذَا تَعْلِيق صَحِيح لِأَنَّهُ أخرجه فِي كِتَابه مُسْندًا فِي مَوَاضِع شَتَّى، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيثهَا فِي قصَّة نزُول آيَة التَّيَمُّم، ذكره فِي كتاب التَّيَمُّم. قَوْله: (حضرت الصُّبْح) ، الْقيَاس: حضر الصُّبْح، لِأَنَّهُ مُذَكّر، والتأنيث بِاعْتِبَار صَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (فالتمس) بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَنزل التَّيَمُّم) أَي: فَنزلت آيَة التَّيَمُّم، وَإسْنَاد النُّزُول إِلَى التَّيَمُّم مجَاز عَقْلِي.
١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فالْتَمَسَ
النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُوتِيَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَضُوءِ فَوَضَعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِكَ الاِناءِ يَدَهُ وأَمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّؤُا مِنْهُ قالَ فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبِعُ مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤُا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. قد ذكرُوا كلهم، وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين تنيسي ومدني وبصري، فعبد الله بن يُوسُف شَامي نزل تنيس، بَلْدَة بساحل الْبَحْر الْملح، بِالْقربِ من دمياط، وَالْيَوْم خراب: وَمَالك بن أنس وَإِسْحَاق مدنيان، وَأنس بن مَالك يعد من أهل الْبَصْرَة. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده قريب إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن، وَعَن أبي الطَّاهِر أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح عَن ابْن وهب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَنهُ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
بَيَان لغاته وَإِعْرَابه قَوْله: (حانت) بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: قرب وَقت صَلَاة الْعَصْر، وَزَاد قَتَادَة: (وَهُوَ بالزوراء) ، وَهُوَ سوق بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (فالتمس النَّاس) الالتماس: الطّلب. قَوْله: (الْوضُوء) ، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ، وَكَذَا قَوْله: (فاتوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوضُوء) بِالْفَتْح، قَوْله: (يَنْبع) فِيهِ ثَلَاث لُغَات: ضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا وَفتحهَا، وَمَعْنَاهُ: يخرج مثل مَا يخرج من الْعين. قَوْله: (من بَين أَصَابِعه) جمع: أصْبع، فِيهِ لُغَات: إِصْبَع، بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، وَالْبَاء مَفْتُوحَة فيهمَا، وَلَك أَن تتبع الضمة الضمة والكسرة الكسرة.
وَأما الْإِعْرَاب: فَقَوله: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِمَعْنى: أَبْصرت، فَلذَلِك اقْتصر على مفعول وَاحِد. قَوْله: (وحانت) الْوَاو، فِيهِ للْحَال، وَالتَّقْدِير: وَالْحَال أَنه قد حانت صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (فَلم يجدوه) بالضمير الْمَنْصُوب، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَلم يَجدوا) ، بِدُونِ الضَّمِير، وَهُوَ من الوجدان بِمَعْنى الْإِصَابَة. قَوْله: (فاتوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَالصَّحِيح من الرِّوَايَة: (فأُتي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِصِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي ذَلِك الْإِنَاء) مُتَعَلق بقوله: (فَوضع) ، و (يَده) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (أَن يتوضؤا) أَي: بَان يتوضؤا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة اي: بالتوضىء مِنْهُ، أَي: من ذَلِك الْإِنَاء. قَوْله: (قَالَ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (يَنْبع) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي هُوَ فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى المَاء، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْجُمْلَة أَن الْجُمْلَة الفعلية إِذا وَقعت حَالا تَأتي بِلَا، وَاو إِذا كَانَ فعلهَا مضارعاً. فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون مَفْعُولا ثَانِيًا لرأيت؟ قلت: قد قلت لَك إِن: رَأَيْت، هُنَا بِمَعْنى: أَبْصرت، فَلَا تَقْتَضِي إلَاّ مَفْعُولا وَاحِدًا. قَوْله: (حَتَّى توضؤا) قَالَ الْكرْمَانِي: حَتَّى، للتدريج: وَمن، للْبَيَان أَي: تَوَضَّأ النَّاس حَتَّى تَوَضَّأ الَّذين من عِنْد آخِرهم ... وَهُوَ كِنَايَة عَن جَمِيعهم، ثمَّ نقل عَن النَّوَوِيّ أَن: من، فِي: من عِنْد آخِرهم، بِمَعْنى إِلَى، وَهِي لُغَة. ثمَّ قَالَ: أَقُول وُرُود: من، بِمَعْنى إِلَى شَاذ قل مَا، يَقع فِي فصيح الْكَلَام. قلت: حَتَّى، هَهُنَا حرف ابْتِدَاء، يَعْنِي حرف يبتدأ بعده جملَة، أَي: تسْتَأْنف فَتكون إسمية أَو فعلية، والفعلية يكون فعلهَا مَاضِيا ومضارعاً، وَمِثَال الإسمية قَول جرير.
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماؤها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
وَمِثَال الفعلية الَّتِي فعلهَا مَاض: {حَتَّى عفوا} (الْأَعْرَاف: ٩٥) . و: (حَتَّى توضؤا) ، وَمِثَال الفعلية الَّتِي فعلهَا مضارع: {حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فِي قِرَاءَة نَافِع. قَوْله: (من) ، للْبَيَان. قلت: إِنَّمَا تكون من للْبَيَان إِذا كَانَ فِيمَا قبلهَا إِبْهَام، وَلَا إِبْهَام هَهُنَا، لِأَن التَّقْدِير: وَأمر النَّاس أَن يتوضؤا فتوضؤا حَتَّى تَوَضَّأ من عِنْد آخِرهم، على ان: من، الَّتِي للْبَيَان كثيرا مَا يَقع بعد: مَا، وَمهما. الإفراط إبها مهما، نَحْو: {مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا} (فاطر: ٢) {وَمهما تأتنا بِهِ من آيَة} (الْأَعْرَاف: ١٣٢) وَمَعَ هَذَا أنكر قوم مجىء: من، لبَيَان الْجِنْس. وَالظَّاهِر ان: من، هَهُنَا للغاية، تَوَضَّأ النَّاس ابْتِدَاء من أَوَّلهمْ حَتَّى انْتَهوا إِلَى آخِرهم. على أَن: من، تَأتي على خَمْسَة عشر وَجها،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٢ - بَاب الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ إِذَا حَانَتْ الصَّلَاةُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتْ الصُّبْحُ فَالْتُمِسَ الْمَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ.
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ، قال: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
[الحديث ١٦٩ - أطرافه في: ٣٥٧٥، ٣٥٧٤، ٣٥٧٣، ٣٥٧٢، ٢٠٠، ١٩٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ الْتِمَاسِ الْوَضُوءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ؛ أَيْ: طَلَبِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ (إِذَا حَانَتِ) بِالْمُهْمَلَةِ؛ أَيْ: قَرُبَتِ (الصَّلَاةُ)، وَالْمُرَادُ وَقْتُهَا الَّذِي تُوقَعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَاقَهُ هُنَا بِلَفْظِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا، وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ، قال ابْنُ الْمُنِيرِ: أَرَادَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ لِلتَّطْهِيرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ التَّأْخِيرَ فَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (فَالْتُمِسَ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَالْتَمَسُوا.
قَوْلُهُ: (وَحَانَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحَانَتْ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ.
قَوْلُهُ: (الْوَضُوءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيِ: الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدُوا) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَمْ يَجِدُوهُ بِزِيَادَةِ الضَّمِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ) بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ وَهُوَ سُوقٌ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (بِوَضُوءٍ) بِالْفَتْحِ؛ أَيْ: بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَجَاءَ رَجُلٌ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ يَسِيرٌ، فَصَغُرَ أَنْ يَبْسُطَ ﷺ فِيهِ كَفَّهُ فَضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمِخْضَبِ.
قَوْلُهُ: (يَنْبُعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُسْتَوْعَبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدَ آخِرِهِمْ)، قال: الْكِرْمَانِيُّ حَتَّى لِلتَّدْرِيجِ وَمِنْ لِلْبَيَانِ؛ أَيْ: تَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّأَ الَّذِينَ عِنْدَ آخِرِهِمْ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ، قال: وَعِنْدَ بِمَعْنَى فِي؛ لِأَنَّ عِنْدَ وَإِنْ كَانَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ الْخَاصَّةِ لَكِنَّ الْمُبَالَغَةَ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِمُطْلَقِ الظَّرْفِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ قال: الَّذِينَ هُمْ فِي آخِرِهِمْ. وَقَالَ التَّيْمِيُّ: الْمَعْنَى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ حَتَّى وَصَلَتِ النَّوْبَةُ إِلَى الْآخِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مِنْ هُنَا بِمَعْنَى إِلَى وَهِيَ لُغَةٌ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهَا شَاذَّةٌ، قال: ثُمَّ إِنَّ إِلَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عِنْدَ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا قال التَّيْمِيُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأَخِيرُ، لَكِنْ مَا قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ إِلَى لَا تَدْخُلُ عَلَى عِنْدَ، لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي مِنْ إِذَا وَقَعَتْ بِمَعْنَى إِلَى، وَعَلَى تَوْجِيهِ النَّوَوِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدَ زَائِدَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُوَاسَاةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَنْ كَانَ فِي مَائِهِ فَضْلٌ عَنْ وُضُوئِهِ. وَفِيهِ أَنَّ اغْتِرَافَ الْمُتَوَضِّئِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُ الْمَاءَ مُسْتَعْمَلًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا الْإِنَاءَ أَمْرُ نَدْبٍ لَا حَتْمٍ.
(تَنْبِيهٌ):، قال ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ - يَعْنِي حَدِيثَ نَبْعِ الْمَاءِ - شَهِدَهُ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا
أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ؛ وَذَلِكَ لِطُولِ عُمْرِهِ وَلِطَلَبِ النَّاسِ عُلُوَّ السَّنَدِ. كَذَا قال. وَقَدْ قال الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذِهِ الْقِصَّةُ رَوَاهَا الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنَ الثِّقَاتِ عَنِ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَنِ الْكَافَّةِ مُتَّصِلًا عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَارُ ذَلِكَ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْقَطْعِيِّ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، انْتَهَى. فَانْظُرْ كَمْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ وَسَنُحَرِّرُ هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كِتَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٣٣ - بَاب الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الْإِنْسَانِ. وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ وَسُؤْرِ الْكِلَابِ وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وَهَذَا مَاءٌ. وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْمَاءِ)؛ أَيْ: حُكْمِ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعْرُ الْإِنْسَانِ. أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَسِلَ قَدْ يَقَعُ فِي مَاءِ غُسْلِهِ مِنْ شَعْرِهِ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَنَّبَ ذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ، بَلْ كَانَ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَذَلِكَ يُفْضِي غَالِبًا إِلَى تَنَاثُرِ بَعْضِهِ فَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْقَوْلَ بِتَنْجِيسِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى طَهَارَتِهِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُكَرَّمٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَنَقَضَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالُوا: وَيَلْزَمُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَحْتَجَّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَنِيِّ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِهِ ﷺ لِإِمْكَانِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: مَنِيُّهُ طَاهِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ إِلَّا فِيمَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى طَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ وَعَدَّ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ فِي خَصَائِصِهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ بَيْنَ أَئِمَّتُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ
وَهَذَا كُلُّهُ فِي شَعْرِ الْآدَمِيِّ.
أَمَّا شَعْرُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ الْمَأْكُولِ الْمُذَكَّى فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ هَلْ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَوْ لَا؟ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى خِلَافِهِ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَلَى أَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالِانْفِصَالٍ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى طَهَارَةِ مَا يُجَزُّ مِنَ الشَّاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَعَلَى نَجَاسَةِ مَا يُقْطَعُ مِنْ أَعْضَائِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَعَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ حَالَتَيِ الْمَوْتِ وَالِانْفِصَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا يُؤْكَلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ اهـ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رِيشِ الْمَيْتَةِ وَعَظْمِهَا فِي بَابٍ مُفْرَدٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَطَاءٌ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالِانْتِفَاعِ بِشُعُورِ النَّاسِ الَّتِي تُحْلَقُ بِمِنًى.
قَوْلُهُ: (وَسُؤْرِ الْكِلَابِ) هُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ الْمَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ وَبَابُ سُؤْرِ الْكِلَابِ؛ أَيْ: مَا حُكْمُهُ؟ وَالسُّؤْرُ الْبَقِيَّةُ. وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَكْلُهَا وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ) جَمَعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حديثها في «قصَّة ضياع عِقْدِها المذكور» في مواضع منها: «التَّيمُّم» [خ¦٣٣٤] وساقه هنا بلفظ عمرو بن الحارث في «تفسير المائدة» [خ¦٤٦٠٧] فقال: (حَضَرَتِ الصُّبْحُ) أنَّثه باعتبار صلاة الصُّبح (فَالتُمِسَ) بضمِّ المُثنَّاة مبنيًّا للمفعول، أي: طلب (المَاءُ) بالرَّفع مفعول نائبٌ (١) عن الفاعل (فَلَمْ يُوجَدْ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فالتمسوا الماءَ» بالجمع والنَّصب على المفعوليَّة «فلم يجدوه» بالجمع (٢) (فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ) أي: آيتُه، وإسناد «التَّيمُّم» إلى «النُّزول» مجازٌ عقليٌّ.
١٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ ﵁
(أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ) أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ) وفي رواية أبي ذَرٍّ: «النَّبيَّ» (ﷺ وَ) الحال أنَّه قد (حَانَتْ) بالمُهمَلَة، أي: قَرُبَتْ (صَلَاةُ العَصْرِ) وهو بالزَّوراء -كما زاده (١) قتادة عند المؤلِّف [خ¦٣٥٧٢]- سوقٌ بالمدينة (فَالتَمَسَ) أي: طلب (النَّاسُ الوَضُوءَ) بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فلم يجدوا» (٢) بغير الضَّمير المنصوب، أي: فلم يصيبوا الماء (فَأُتِيَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع مفعولٌ نائبٌ (٣) عن الفاعل (ﷺ بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، أي: بإناءٍ فيه ماءٌ؛ ليتوضَّأ به، وفي رواية ابن المُبَارك: فجاء رجلٌ بقدحٍ فيه ماءٌ يسيرٌ، وروى المُهلَّب: أنَّه كان مقدار وضوء رجلٍ واحدٍ (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ) ﵊ (النَّاسَ أَنْ) أي: بأن (يَتَوَضَّؤُوا) أي: بالتَّوضُّؤ (مِنْهُ) أي: من ذلك الإناء (قَالَ) أنسٌ ﵁: (فَرَأَيْتُ) أي: أبصرت (المَاءَ) حال كونه (يَنْبَُِعُ) بتثليث المُوحَّدة، أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ) وفي روايةٍ: «يفور من بين» (أَصَابِعِهِ) فتوضَّؤوا (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) أي: توضَّأ النَّاس ابتداءً من أوَّلهم حتَّى انتهَوا إلى آخرهم ولم يبقَ منهم أحدٌ، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي العموم والمُبالَغَة؛ لأنَّ «عندَ» هنا تُجعَل لمُطلَق الظَّرفيَّة حتَّى تكون بمعنى: «في»، كأنَّه قال: حتَّى توضَّأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المُخاطِب -بكسر الطَّاء- في عموم خطابه، أمرًا أو (٤) نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: «حتَّى»: حرف ابتداءٍ، مستأنفٌ بعده جملةٌ اسميَّةٌ، أو فعليَّةٌ فعلها ماضٍ نحو: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥] وحتَّى توضَّؤوا، أو مضارعٌ نحو: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾ في قراءة نافعٍ، و «من»: للغاية لا للبيان خلافًا للكِرمانيِّ؛ لأنَّها لا تكون للبيان (٥) إلَّا إذا كان فيما قبلَها إبهامٌ، ولا إبهامَ هنا.
وبقيَّة المباحث تأتي -إن شاء الله تعالى- في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣] واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارةٍ، والرَّدُّ على من أنكر المعجزة من المَلَاحِدة، واغتراف المتوضِّئ من الماء القليل. وهو من الرُّباعيَّات، ورجاله ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المصنِّف (١) في «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٧٣]، ومسلمٌ في الفضائل (٢)، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة»، والله تعالى أعلم.
(٣٣) هذا (بابُ) حكم (المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ (٣) في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ (لَا يَرَى بِهِ) أي: بالشَّعر (بَأْسًا) وفي رواية ابن عساكر: «لا يرى بأسًا» (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا) أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: «منه» أي: من الشَّعر (الخُيُوطُ وَالحِبَالُ) جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ (وَ) باب (سُؤْرِ الكِلَابِ) بالهمز (٤)، أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها (وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ) وفي روايةٍ هنا زيادة: «وأكلها» أي: حكم أكلها (٥)، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة.
(وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه (٦) الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ
فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «في الإناء» أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ) أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ) بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به (غَيْرُهُ) أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «حتَّى يتوضَّأ بها» (١) أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: «منه».
(وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا) أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الفِقْهُ بِعَيْنِهِ) أي: المُستفاد من القرآن (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي الوقت: «لقول الله تعالى»: (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾ [المائدة: ٦]) وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: «يقول الله: فإن لم تجدوا» وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: ﴿مَاء﴾ نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال (وَهَذَا) أي: المذكور (مَاءٌ) وفي رواية الأَصيليِّ: «فهذا ماءٌ» وتنجيسه بولوغ الكلب (٢) فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ) لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: «منه» (وَيَتَيَمَّمُ) لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه -لأجل اختلاف العلماء ﵃ كالعدم (٣)، فيحتاط للعبادة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الابط وَحلق الراس وَالسَّلَام من الصَّلَاة وَغسل أَعْضَاء الطَّهَارَة وَالْخُرُوج إِلَى الْخَلَاء وَالْأكل وَالشرب والمصافحة واستلام الْحجر الْأسود، وَغير ذَلِك مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، يسْتَحبّ التَّيَامُن فِيهِ؛ وَأما مَا كَانَ بضده: كدخول الْخَلَاء وَالْخُرُوج من الْمَسْجِد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثَّوْب والسراويل والخف وَمَا أشبه ذَلِك، فَيُسْتَحَب التياسر فِيهِ، وَيُقَال: حَقِيقَة الشَّأْن مَا كَانَ فعلا مَقْصُودا، وَمَا يسْتَحبّ فِيهِ التياسر لَيْسَ من الْأَفْعَال الْمَقْصُودَة، بل هِيَ إِمَّا تروك وَإِمَّا غير مَقْصُودَة.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ الدّلَالَة على شرف الْيَمين وَقد مر فِي معنى الحَدِيث السَّابِق. الثَّانِي: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبدَاءَة بشق الرَّأْس الْأَيْمن فِي الرتجل وَالْغسْل وَالْحلق. فَإِن قلت: هُوَ من بَاب الْإِزَالَة، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يبْدَأ بالأيسر. قلت: لَا، بل هُوَ من بَاب التزيين والتجميل. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبِدَايَة فِي التنعل والتخفف كَذَلِك. الرَّابِع: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْبدَاءَة بِالْيَمِينِ فِي الْوضُوء، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أَجمعُوا على أَن لَا إِعَادَة على من بَدَأَ بيساره فِي وضوئِهِ قبل يَمِينه وروينا عَن عَليّ وَابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُمَا قَالَا: (لَا تبالي بِأَيّ شَيْء بدأت) . زَاد الدَّارَقُطْنِيّ: أَبَا هُرَيْرَة، وَنقل المرتضى الشِّيعَة عَن الشَّافِعِي فِي (الْقَدِيم) : وجوب تَقْدِيم الْيَمين على الْيُسْرَى، وَنسب المرتضى فِي ذَلِك إِلَى الْغَلَط، فَكَأَنَّهُ ظن أَن ذَلِك لَازم من وجوب التَّرْتِيب عِنْد الشَّافِعِي، وَقَالَ [قع النَّوَوِيّ [/ قع: أجمع الْعلمَاء على أَن تَقْدِيم الْيَمين فِي الْوضُوء سنة من خالفها فَاتَهُ الْفضل وَتمّ وضوؤه، وَالْمرَاد من قَوْله: الْعلمَاء أهل السّنة، لِأَن مَذْهَب الشِّيعَة الْوُجُوب، وَقد صحف العمراني فِي (الْبَيَان) والبندنيجي فِي (التَّجْرِيد) . الشِّيعَة، بالشين الْمُعْجَمَة، بالسبعة من الْعدَد فِي نسبتها القَوْل بِالْوُجُوب إِلَى الْفُقَهَاء السَّبْعَة، وَفِي كَلَام الرَّافِعِيّ أَيْضا مَا يُوهم أَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ بِوُجُوبِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن صَاحب (الْمُغنِي) قَالَ: لَا نعلم فِي عدم الْوُجُوب خلافًا. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ: (إِذا توضأتم فابدأوا بميامنكم) . وَفِي أَكثر طرقه: (بأيامنكم) ، جمع: أَيمن، (إِذا لبستم وَإِذا توضأتم) . قلت: الْأَمر فِيهِ للاستحباب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَاعْلَم أَن الِابْتِدَاء باليسار، وَإِن كَانَ مجزئاً، فَهُوَ مَكْرُوه، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي، رَضِي الله عَنهُ فِي (الام) ، وَقَالَ ايضا: ثمَّ اعْلَم أَن من الْأَعْضَاء فِي وَالْوُضُوء مَا لَا يسْتَحبّ فِيهِ التَّيَامُن وَهُوَ: الأذنان والكفان والخدان، بل يطهران دفْعَة وَاحِدَة، فَإِن تعذر ذَلِك كَمَا فِي حق الأقطع وَنَحْوه قدم الْيَمين، وَمِمَّا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن ابْن عمر قَالَ: خير الْمَسْجِد الْمقَام ثمَّ ميامن الْمَسْجِد. وَقَالَ سعيد بن الْمسيب، يُصَلِّي فِي الشق الْأَيْمن من الْمَسْجِد، وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُعجبهُ أَن يقوم عَن يَمِين الإِمَام، وَكَانَ أنس يُصَلِّي فِي الشق الْأَيْمن، وَكَذَا عَن الْحسن وَابْن سِيرِين.
٣٢ - (بابُ الْتِمَاسِ الوَضُوءِ إِذا حانَتِ الصَّلاةُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان التمَاس الْوضُوء إِذا حانت الصَّلَاة. وَالْوُضُوء، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (اذا حانت) أَي: قربت، يُقَال: حَان حِينه أَي: قرب وقته.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ مَا يَأْتِي إلَاّ بِالْجَرِّ الثقيل، وَهُوَ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق طلب التَّيَمُّن لأجل الْوضُوء وَالْغسْل، وَهَهُنَا طلب المَاء لأجل الْوضُوء.
وقالَتْ عائِشَةُ حضَرَتِ الصبْحُ فالتُمِسَ المَاءُ فلمْ يُوجَدْ فَنْزَلَ التَّيَمُّمُ
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فالتمس المَاء) . وَفِي قَوْله: (فالتمس النَّاس الْوضُوء) ، وَهَذَا تَعْلِيق صَحِيح لِأَنَّهُ أخرجه فِي كِتَابه مُسْندًا فِي مَوَاضِع شَتَّى، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيثهَا فِي قصَّة نزُول آيَة التَّيَمُّم، ذكره فِي كتاب التَّيَمُّم. قَوْله: (حضرت الصُّبْح) ، الْقيَاس: حضر الصُّبْح، لِأَنَّهُ مُذَكّر، والتأنيث بِاعْتِبَار صَلَاة الصُّبْح. قَوْله: (فالتمس) بِضَم التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فَنزل التَّيَمُّم) أَي: فَنزلت آيَة التَّيَمُّم، وَإسْنَاد النُّزُول إِلَى التَّيَمُّم مجَاز عَقْلِي.
١٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فالْتَمَسَ
النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُوتِيَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوَضُوءِ فَوَضَعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِكَ الاِناءِ يَدَهُ وأَمَرَ النَّاسَ أنْ يَتَوَضَّؤُا مِنْهُ قالَ فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبِعُ مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤُا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة مَا ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. قد ذكرُوا كلهم، وَهُوَ من رباعيات البُخَارِيّ، وَأَبُو طَلْحَة اسْمه زيد بن سهل الْأنْصَارِيّ.
بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين تنيسي ومدني وبصري، فعبد الله بن يُوسُف شَامي نزل تنيس، بَلْدَة بساحل الْبَحْر الْملح، بِالْقربِ من دمياط، وَالْيَوْم خراب: وَمَالك بن أنس وَإِسْحَاق مدنيان، وَأنس بن مَالك يعد من أهل الْبَصْرَة. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده قريب إِلَى النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن القعْنبِي. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَضَائِل عَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ عَن معن، وَعَن أبي الطَّاهِر أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح عَن ابْن وهب وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة، خمستهم عَنهُ بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح.
بَيَان لغاته وَإِعْرَابه قَوْله: (حانت) بِالْحَاء الْمُهْملَة، أَي: قرب وَقت صَلَاة الْعَصْر، وَزَاد قَتَادَة: (وَهُوَ بالزوراء) ، وَهُوَ سوق بِالْمَدِينَةِ. قَوْله: (فالتمس النَّاس) الالتماس: الطّلب. قَوْله: (الْوضُوء) ، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ، وَكَذَا قَوْله: (فاتوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِوضُوء) بِالْفَتْح، قَوْله: (يَنْبع) فِيهِ ثَلَاث لُغَات: ضم الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسرهَا وَفتحهَا، وَمَعْنَاهُ: يخرج مثل مَا يخرج من الْعين. قَوْله: (من بَين أَصَابِعه) جمع: أصْبع، فِيهِ لُغَات: إِصْبَع، بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا، وَالْبَاء مَفْتُوحَة فيهمَا، وَلَك أَن تتبع الضمة الضمة والكسرة الكسرة.
وَأما الْإِعْرَاب: فَقَوله: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِمَعْنى: أَبْصرت، فَلذَلِك اقْتصر على مفعول وَاحِد. قَوْله: (وحانت) الْوَاو، فِيهِ للْحَال، وَالتَّقْدِير: وَالْحَال أَنه قد حانت صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (فَلم يجدوه) بالضمير الْمَنْصُوب، رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَلم يَجدوا) ، بِدُونِ الضَّمِير، وَهُوَ من الوجدان بِمَعْنى الْإِصَابَة. قَوْله: (فاتوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَالصَّحِيح من الرِّوَايَة: (فأُتي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِصِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (فِي ذَلِك الْإِنَاء) مُتَعَلق بقوله: (فَوضع) ، و (يَده) مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (أَن يتوضؤا) أَي: بَان يتوضؤا، و: أَن، مَصْدَرِيَّة اي: بالتوضىء مِنْهُ، أَي: من ذَلِك الْإِنَاء. قَوْله: (قَالَ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَوْله: (يَنْبع) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الَّذِي هُوَ فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى المَاء، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْجُمْلَة أَن الْجُمْلَة الفعلية إِذا وَقعت حَالا تَأتي بِلَا، وَاو إِذا كَانَ فعلهَا مضارعاً. فَإِن قلت: لم لَا يجوز أَن يكون مَفْعُولا ثَانِيًا لرأيت؟ قلت: قد قلت لَك إِن: رَأَيْت، هُنَا بِمَعْنى: أَبْصرت، فَلَا تَقْتَضِي إلَاّ مَفْعُولا وَاحِدًا. قَوْله: (حَتَّى توضؤا) قَالَ الْكرْمَانِي: حَتَّى، للتدريج: وَمن، للْبَيَان أَي: تَوَضَّأ النَّاس حَتَّى تَوَضَّأ الَّذين من عِنْد آخِرهم ... وَهُوَ كِنَايَة عَن جَمِيعهم، ثمَّ نقل عَن النَّوَوِيّ أَن: من، فِي: من عِنْد آخِرهم، بِمَعْنى إِلَى، وَهِي لُغَة. ثمَّ قَالَ: أَقُول وُرُود: من، بِمَعْنى إِلَى شَاذ قل مَا، يَقع فِي فصيح الْكَلَام. قلت: حَتَّى، هَهُنَا حرف ابْتِدَاء، يَعْنِي حرف يبتدأ بعده جملَة، أَي: تسْتَأْنف فَتكون إسمية أَو فعلية، والفعلية يكون فعلهَا مَاضِيا ومضارعاً، وَمِثَال الإسمية قَول جرير.
(فَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماؤها ... بدجلة حَتَّى مَاء دجلة أشكل)
وَمِثَال الفعلية الَّتِي فعلهَا مَاض: {حَتَّى عفوا} (الْأَعْرَاف: ٩٥) . و: (حَتَّى توضؤا) ، وَمِثَال الفعلية الَّتِي فعلهَا مضارع: {حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) فِي قِرَاءَة نَافِع. قَوْله: (من) ، للْبَيَان. قلت: إِنَّمَا تكون من للْبَيَان إِذا كَانَ فِيمَا قبلهَا إِبْهَام، وَلَا إِبْهَام هَهُنَا، لِأَن التَّقْدِير: وَأمر النَّاس أَن يتوضؤا فتوضؤا حَتَّى تَوَضَّأ من عِنْد آخِرهم، على ان: من، الَّتِي للْبَيَان كثيرا مَا يَقع بعد: مَا، وَمهما. الإفراط إبها مهما، نَحْو: {مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا} (فاطر: ٢) {وَمهما تأتنا بِهِ من آيَة} (الْأَعْرَاف: ١٣٢) وَمَعَ هَذَا أنكر قوم مجىء: من، لبَيَان الْجِنْس. وَالظَّاهِر ان: من، هَهُنَا للغاية، تَوَضَّأ النَّاس ابْتِدَاء من أَوَّلهمْ حَتَّى انْتَهوا إِلَى آخِرهم. على أَن: من، تَأتي على خَمْسَة عشر وَجها،