الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٨٥
الحديث رقم ١٧٨٥ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب عمرة التنعيم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الِاعْتِمَارِ بَعْدَ الْحَجِّ بِغَيْرِ هَدْيٍ
١٧٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَطَاءٍ : حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
داود بعد قوله: «من (١) التَّنعيم»: فإذا هبطتَ بها من الأَكَمة فلتُحْرِم، فإنَّها عمرةٌ مُتقبَّلةٌ، وزاد أحمد في روايةٍ له: وذلك ليلة الصَّدَر بفتح الدَّال، أي: الرُّجوع من منًى، واستدلَّ بالحديث: على تعيين الخروج إلى أدنى الحلِّ لمريد العمرة، فيلزمه الخروج من الحرم ولو بقليلٍ من أيِّ جانبٍ شاء للجمع فيها بين الحلِّ والحرم؛ كالجمع في الحجِّ بينهما بوقوفه بعرفة، ولأنَّه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحلِّ للإحرام بالعمرة، فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت؛ لأنَّه كان عند رحيل الحاجِّ، وأفضل بقاع الحلِّ للإحرام بالعمرة الجعرانة ثمَّ التَّنعيم ثمَّ الحديبية، ولو أحرم بها من مكَّة وتمَّم أفعالها ولم يخرج إلى الحلِّ قبل تلبُّسه بفرضٍ منها أجزأه ما أحرم به ولزمه الدَّم لأنَّ الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنَّما تقتضي لزوم الدَّم، لا عدم الإجزاء، فإن عاد إلى الحلِّ قبل التَّلبُّس بفرضٍ سقط عنه الدَّم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ».
١٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بن الصَّلت (٢) الثَّقفيُّ البصريُّ (عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ) البصريِّ مولى معقل بن يسارٍ، اختُلِف في اسم أبيه؛ فقِيل: زائدة، وقِيل: زيدٌ، وثَّقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة، وقال النَّسائيُّ: ليس
بالقويِّ، له في «البخاريِّ» هذا الحديث عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦١٨٦٣] وآخر عن عطاءٍ (١) عن جابرٍ [خ¦١٦٥١] وعلَّق له المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٣١٦] آخر عن عطاءٍ عن جابرٍ، والأحاديث الثَّلاثة بمتابعة ابن (٢) جريجٍ عن عطاءٍ، وروى له الجماعة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) برفع «أصحابُه»، وفي نسخة «اليونينيَّة» (٣): «وأصحابَه» بالنَّصب مفعولٌ معه (٤) (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ) بنصب «غيرَ» على الاستثناء (وَطَلْحَةَ) هو ابن عبيد الله بن عثمان التَّيميَّ القرشيَّ المدنيَّ، أحد المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكرٍ، وأحد السِّتَّة أصحاب الشُّورى، والواو للعطف، أي: لم يكن هديٌ إلَّا مع النَّبيِّ ﷺ ومع طلحة فقط، لكنَّ هذا مخالفٌ لما في «مسلمٍ» و «سنن أحمد» وغيرهما، من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂: أنَّ الهدي كان مع النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وذوي اليسار، وفي «البخاريِّ» بعد بابين من طريق أفلح عن القاسم بلفظ [خ¦١٧٨٨]: ورجالٍ من أصحابه ذوي قوَّةٍ، فيحمل على أنَّ كلًّا منهما ذكر ما اطَّلع عليه وشاهده (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ) إلى مكَّة (وَمَعَهُ الهَدْيُ) جملةٌ حاليَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومعه هديٌ» بالتَّنكير (فَقَالَ) بعد أن سأله النَّبيُّ ﷺ: «بما أهللت؟»: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زاد في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٥] «فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي» وقد مرَّ مبحث (٥) ذلك في
«باب التَّمتُّع والإقران» (١) [خ¦١٥٦١] (وَأَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ) بكسر همزة «أَإِنَّ» وفتحها (أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) الضَّمير للحجِّ، وأنَّثه باعتبار الحجَّة (يَطُوفُوا) زاد في غير رواية أبي الوقت: «بالبيت» (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) من شعر (٢) رؤوسهم (وَيَحِلُّوا) من إحرامهم، والعطف بـ «ثمَّ» والواو على «يطوفوا»، و «يَحِلوا»: بفتح أوَّله وكسر ثانيه مِنْ «حَلَّ»، وزاد: «وأصيبوا النِّساء» [خ¦٧٣٦٧] قال عطاءٌ: ولم يعزم عليهم ولكن أحلَّهنَّ لهم (٣) (إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ) فلا يحلُّ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى) بحذف همزة الاستفهام، أي: أننطلق إلى منًى (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟) بالمنيِّ، وهو من باب المبالغة، أي: أنَّ الحِلَّ يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء ثمَّ نحرم بالحجِّ عقب (٤) ذلك، فنخرج وذكر أحدنا -لقربه من المواقعة- يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه، وتناسب الشَّعث فكيف يكون ذلك؟ (فَبَلَغَ) ذلك الذي قالوه (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) زاد مسلمٌ: «قد علمتم أنِّي أتقاكم لله ﷿ وأصدقكم وأبرُّكم» (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت من أمري في (٥) الأوَّل ما علمته في الآخر (مَا أَهْدَيْتُ) وأحللت، والأمر الذي استدبره ﵊ هو ما حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ، حتَّى إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوه (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من إحرامي لأنَّ من كان (٦) معه الهدي؛ لا يحلُّ حتَّى ينحره (٧)، ولا ينحر إلَّا يوم النَّحر، فلا يصحُّ له فسخ الحجِّ بعمرةٍ، وليس السَّبب في ذلك مجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد، و «لو» في التَّأسُّف على فوات أمرٍ (٨) في الدِّين، وأمَّا حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» ففي حظوظ الدُّنيا.
(وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂) بفتح همزة «أنَّ» (حَاضَتْ) بسَرِف قبل دخولهم مكَّة (فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ (١) أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ) للعمرة لمانع الحيض، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «بالبيت» أي: ولم تَسْعَ بين الصَّفا والمروة، وحذفَه لأنَّ السَّعي لا بدَّ له من تقدُّم طوافٍ عليه، فيلزم من نفيهِ نفيُه، فاكتفى بنفي الطَّواف (قَالَ: فَلَمَّا طَهَُرَتْ) بعرفة -كما في «مسلمٍ» - وله: صبيحة ليلة عرفة حين قدموا منًى، وله: أنَّها طهرت في منًى، وجُمِع (٢) بأنَّها رأت الطُّهر بعرفة ولم يتهيَّأ لها الاغتسال إلَّا في منًى، و «طَهُِرت»: بضمِّ الهاء وفتحها (وَطَافَتْ) بالبيت طواف الإفاضة يوم النَّحر، وسعت بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عمرةٍ (وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ) من غير عمرةٍ منفردةٍ؟ (فَأَمَرَ) ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فَاعْتَمَرَتْ) منه (بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ) ليلة المُحصَّب.
(وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، و «سُرَاقة»: بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء وبالقاف، الكنانيَّ المدلجيَّ (لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِالعَقَبَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «وهو بالعقبة» (وَهُوَ يَرْمِيهَا) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: وهو ﷺ يرمي جمرة العقبة (فَقَالَ) أي: سراقة: (أَلَكُمْ هَذِهِ) الفعلة، وهي فسخ الحجِّ إلى العمرة أو القِران أو العمرة في أشهر الحجِّ (خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: هل هي مخصوصةٌ بكم في هذه السَّنة أو لكم ولغيركم أبدًا؟ (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: (لَا، بَلْ لِلأَبَدِ) وفي رواية جعفرٍ عند مسلمٍ: فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك أصابعه واحدةً في الأخرى،
وقال: «دخلت العمرة في الحجِّ» مرَّتين «لا، بل للأبد أبدًا (١)» ومعناه كما قال النَّوويُّ: عند الجمهور: أنَّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجِّ إبطالًا لما كان عليه أهل الجاهليَّة، وقيل: معناه: جواز فسخ الحجِّ إلى العمرة، قال: وهو ضعيفٌ، وتُعقِّب بأنَّ سياق السُّؤال يقوِّي هذا التَّأويل، بل الظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفسخ، وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداويُّ في كتابه «الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف» وهو شرح «المقنع» لشيخ الإسلام مُوفَّق الدِّين بن قدامة: إنَّ فسخ القارن والمفرد حجَّهما إلى العمرة مُستحَبٌّ بشرطه، نصَّ عليه، وعليه الأصحاب قاطبةً، قال: وهو من مفردات المذهب، لكنَّ المصنِّف -أي: ابن قدامة- هنا ذكر الفسخ بعد الطَّواف والسَّعي، وقطع به الخرقيُّ، وقدَّمه (٢) الزَّركشيُّ وقال: هذا ظاهر الأحاديث، وعن ابن عقيلٍ: الطَّواف بنيَّة العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير، قال: فهذا تحقيق فسخ الحجِّ وما ينفسخ به، وقال في «الكافي»: يُسَنُّ لهما إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيَّتهما بالحجِّ وينويا عمرةً مفردةً، ويحلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ؛ ليصيرا متمتِّعين، وقال في «الانتصار» (٣): لو ادَّعى مُدٍَّع وجوب الفسخ؛ لم يبعد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجب على من اعتقد عدم مساغه أن يعتقده (٤)، ولو ساق هديًا فهو على إحرامه، لا يصحُّ فسخه الحجَّ إلى العمرة على الصَّحيح عندهم، وحيث صحَّ الفسخ لزم (٥) دمٌ على الصَّحيح من مذهبهم، نصَّ عليه، وعليه أكثر (٦) الأصحاب. انتهى. وقال بعض الحنابلة: نحن نُشهِد الله أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا فسخه إلى عمرةٍ؛ تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ؛ وذلك أنَ في «السُّنن» عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة قال: «اجعلوها عمرةً»، فقال النَّاس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا ما آمركم به،
فافعلوا»، فردُّوا (١) عليه القول، فغضب … الحديثَ، وقال سلمة بن شبيبٍ لأحمد: كلُّ أمرك عندي حسنٌ إلَّا خلَّةً واحدةً، قال (٢): وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صِحَاحٌ (٣) عن رسول الله ﷺ، أتركها لقولك؟ وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: هو مختصٌّ بهم تلك السَّنَة لا يجوز بعدها ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وفي حديث أبي ذرٍّ عند مسلمٍ: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً؛ يعني: فسخ الحجِّ إلى العمرة، وعند النَّسائيِّ عن الحارث بن بلالٍ عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحجِّ لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ قال (٤): «بل (٥) لنا خاصَّةً»، وهذا لا يعارضه حديث سراقة لأنَّ سبب الأمر بالفسخ ما كان إلَّا تقريرًا (٦) لشرع العمرة في أشهر الحجِّ، ما لم يكن مانعٌ من (٧) سوق الهدي؛ وذلك أنَّه كان مستعظمًا عندهم حتَّى كانوا يعدُّونها في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فكسر سَورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهليَّة من إنكاره بحملهم على فعله بأنفسهم، فلو لم يكن حديث بلال بن الحارث ثابتًا -كما قال الإمام أحمد؛ حيث قال: لا يثبت عندي ولا يعرف (٨) هذا الرَّجل- كان حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٥٦٤] «كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض … » الحديثَ صريحًا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد محو ما استقرَّ (٩) في نفوسهم في الجاهليَّة بتقرير الشَّرع بخلافه.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
داود بعد قوله: «من (١) التَّنعيم»: فإذا هبطتَ بها من الأَكَمة فلتُحْرِم، فإنَّها عمرةٌ مُتقبَّلةٌ، وزاد أحمد في روايةٍ له: وذلك ليلة الصَّدَر بفتح الدَّال، أي: الرُّجوع من منًى، واستدلَّ بالحديث: على تعيين الخروج إلى أدنى الحلِّ لمريد العمرة، فيلزمه الخروج من الحرم ولو بقليلٍ من أيِّ جانبٍ شاء للجمع فيها بين الحلِّ والحرم؛ كالجمع في الحجِّ بينهما بوقوفه بعرفة، ولأنَّه ﷺ أمر عائشة بالخروج إلى الحلِّ للإحرام بالعمرة، فلو لم يجب الخروج لأحرمت من مكانها لضيق الوقت؛ لأنَّه كان عند رحيل الحاجِّ، وأفضل بقاع الحلِّ للإحرام بالعمرة الجعرانة ثمَّ التَّنعيم ثمَّ الحديبية، ولو أحرم بها من مكَّة وتمَّم أفعالها ولم يخرج إلى الحلِّ قبل تلبُّسه بفرضٍ منها أجزأه ما أحرم به ولزمه الدَّم لأنَّ الإساءة بترك الإحرام من الميقات إنَّما تقتضي لزوم الدَّم، لا عدم الإجزاء، فإن عاد إلى الحلِّ قبل التَّلبُّس بفرضٍ سقط عنه الدَّم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٨٥]، ومسلمٌ في «الحجِّ».
١٧٨٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) الزَّمِن قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ) بن الصَّلت (٢) الثَّقفيُّ البصريُّ (عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ) البصريِّ مولى معقل بن يسارٍ، اختُلِف في اسم أبيه؛ فقِيل: زائدة، وقِيل: زيدٌ، وثَّقه أحمد وابن معينٍ وأبو زرعة، وقال النَّسائيُّ: ليس
بالقويِّ، له في «البخاريِّ» هذا الحديث عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ [خ¦١٨٦٣] وآخر عن عطاءٍ (١) عن جابرٍ [خ¦١٦٥١] وعلَّق له المؤلِّف في «بدء الخلق» [خ¦٣٣١٦] آخر عن عطاءٍ عن جابرٍ، والأحاديث الثَّلاثة بمتابعة ابن (٢) جريجٍ عن عطاءٍ، وروى له الجماعة (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباحٍ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ) برفع «أصحابُه»، وفي نسخة «اليونينيَّة» (٣): «وأصحابَه» بالنَّصب مفعولٌ معه (٤) (وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ) بنصب «غيرَ» على الاستثناء (وَطَلْحَةَ) هو ابن عبيد الله بن عثمان التَّيميَّ القرشيَّ المدنيَّ، أحد المشهود لهم بالجنَّة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكرٍ، وأحد السِّتَّة أصحاب الشُّورى، والواو للعطف، أي: لم يكن هديٌ إلَّا مع النَّبيِّ ﷺ ومع طلحة فقط، لكنَّ هذا مخالفٌ لما في «مسلمٍ» و «سنن أحمد» وغيرهما، من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂: أنَّ الهدي كان مع النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمر وذوي اليسار، وفي «البخاريِّ» بعد بابين من طريق أفلح عن القاسم بلفظ [خ¦١٧٨٨]: ورجالٍ من أصحابه ذوي قوَّةٍ، فيحمل على أنَّ كلًّا منهما ذكر ما اطَّلع عليه وشاهده (وَكَانَ عَلِيٌّ) ﵁ (قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ) إلى مكَّة (وَمَعَهُ الهَدْيُ) جملةٌ حاليَّةٌ، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ومعه هديٌ» بالتَّنكير (فَقَالَ) بعد أن سأله النَّبيُّ ﷺ: «بما أهللت؟»: (أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) زاد في «الشَّركة» [خ¦٢٥٠٥] «فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي» وقد مرَّ مبحث (٥) ذلك في
«باب التَّمتُّع والإقران» (١) [خ¦١٥٦١] (وَأَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ) بكسر همزة «أَإِنَّ» وفتحها (أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) الضَّمير للحجِّ، وأنَّثه باعتبار الحجَّة (يَطُوفُوا) زاد في غير رواية أبي الوقت: «بالبيت» (ثُمَّ يُقَصِّرُوا) من شعر (٢) رؤوسهم (وَيَحِلُّوا) من إحرامهم، والعطف بـ «ثمَّ» والواو على «يطوفوا»، و «يَحِلوا»: بفتح أوَّله وكسر ثانيه مِنْ «حَلَّ»، وزاد: «وأصيبوا النِّساء» [خ¦٧٣٦٧] قال عطاءٌ: ولم يعزم عليهم ولكن أحلَّهنَّ لهم (٣) (إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ) فلا يحلُّ (فَقَالُوا) أي: الصَّحابة: (نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى) بحذف همزة الاستفهام، أي: أننطلق إلى منًى (وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ؟) بالمنيِّ، وهو من باب المبالغة، أي: أنَّ الحِلَّ يفضي بنا إلى مجامعة النِّساء ثمَّ نحرم بالحجِّ عقب (٤) ذلك، فنخرج وذكر أحدنا -لقربه من المواقعة- يقطر منيًّا، وحالة الحجِّ تنافي التَّرفُّه، وتناسب الشَّعث فكيف يكون ذلك؟ (فَبَلَغَ) ذلك الذي قالوه (النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ) زاد مسلمٌ: «قد علمتم أنِّي أتقاكم لله ﷿ وأصدقكم وأبرُّكم» (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ) أي: لو علمت من أمري في (٥) الأوَّل ما علمته في الآخر (مَا أَهْدَيْتُ) وأحللت، والأمر الذي استدبره ﵊ هو ما حصل لأصحابه من مشقَّة انفرادهم عنه بالفسخ، حتَّى إنَّهم توقَّفوا وتردَّدوا وراجعوه (وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ) من إحرامي لأنَّ من كان (٦) معه الهدي؛ لا يحلُّ حتَّى ينحره (٧)، ولا ينحر إلَّا يوم النَّحر، فلا يصحُّ له فسخ الحجِّ بعمرةٍ، وليس السَّبب في ذلك مجرَّد سوق الهدي كما يقوله أبو حنيفة وأحمد، و «لو» في التَّأسُّف على فوات أمرٍ (٨) في الدِّين، وأمَّا حديث: «لو: تفتح عمل الشَّيطان» ففي حظوظ الدُّنيا.
(وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂) بفتح همزة «أنَّ» (حَاضَتْ) بسَرِف قبل دخولهم مكَّة (فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ) المتعلِّقة بالحجِّ (كُلَّهَا غَيْرَ (١) أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ) للعمرة لمانع الحيض، زاد في غير رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر: «بالبيت» أي: ولم تَسْعَ بين الصَّفا والمروة، وحذفَه لأنَّ السَّعي لا بدَّ له من تقدُّم طوافٍ عليه، فيلزم من نفيهِ نفيُه، فاكتفى بنفي الطَّواف (قَالَ: فَلَمَّا طَهَُرَتْ) بعرفة -كما في «مسلمٍ» - وله: صبيحة ليلة عرفة حين قدموا منًى، وله: أنَّها طهرت في منًى، وجُمِع (٢) بأنَّها رأت الطُّهر بعرفة ولم يتهيَّأ لها الاغتسال إلَّا في منًى، و «طَهُِرت»: بضمِّ الهاء وفتحها (وَطَافَتْ) بالبيت طواف الإفاضة يوم النَّحر، وسعت بين الصَّفا والمروة (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ) منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَحَجَّةٍ) منفردةٍ عن عمرةٍ (وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ) من غير عمرةٍ منفردةٍ؟ (فَأَمَرَ) ﷺ (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق ﵄ (أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ) لتعتمر منه تطييبًا لقلبها (فَاعْتَمَرَتْ) منه (بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ) ليلة المُحصَّب.
(وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بضمِّ الجيم والشِّين المعجمة بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ، و «سُرَاقة»: بضمِّ السِّين المهملة وتخفيف الرَّاء وبالقاف، الكنانيَّ المدلجيَّ (لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِالعَقَبَةِ) ولغير أبي ذرٍّ: «وهو بالعقبة» (وَهُوَ يَرْمِيهَا) جملةٌ حاليَّةٌ، أي: وهو ﷺ يرمي جمرة العقبة (فَقَالَ) أي: سراقة: (أَلَكُمْ هَذِهِ) الفعلة، وهي فسخ الحجِّ إلى العمرة أو القِران أو العمرة في أشهر الحجِّ (خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: هل هي مخصوصةٌ بكم في هذه السَّنة أو لكم ولغيركم أبدًا؟ (قَالَ) ﵊ مجيبًا له: (لَا، بَلْ لِلأَبَدِ) وفي رواية جعفرٍ عند مسلمٍ: فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك أصابعه واحدةً في الأخرى،
وقال: «دخلت العمرة في الحجِّ» مرَّتين «لا، بل للأبد أبدًا (١)» ومعناه كما قال النَّوويُّ: عند الجمهور: أنَّ العمرة يجوز فعلها في أشهر الحجِّ إبطالًا لما كان عليه أهل الجاهليَّة، وقيل: معناه: جواز فسخ الحجِّ إلى العمرة، قال: وهو ضعيفٌ، وتُعقِّب بأنَّ سياق السُّؤال يقوِّي هذا التَّأويل، بل الظَّاهر أنَّ السُّؤال وقع عن الفسخ، وهو مذهب الحنابلة، بل قال المرداويُّ في كتابه «الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف» وهو شرح «المقنع» لشيخ الإسلام مُوفَّق الدِّين بن قدامة: إنَّ فسخ القارن والمفرد حجَّهما إلى العمرة مُستحَبٌّ بشرطه، نصَّ عليه، وعليه الأصحاب قاطبةً، قال: وهو من مفردات المذهب، لكنَّ المصنِّف -أي: ابن قدامة- هنا ذكر الفسخ بعد الطَّواف والسَّعي، وقطع به الخرقيُّ، وقدَّمه (٢) الزَّركشيُّ وقال: هذا ظاهر الأحاديث، وعن ابن عقيلٍ: الطَّواف بنيَّة العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير، قال: فهذا تحقيق فسخ الحجِّ وما ينفسخ به، وقال في «الكافي»: يُسَنُّ لهما إذا لم يكن معهما هديٌ أن يفسخا نيَّتهما بالحجِّ وينويا عمرةً مفردةً، ويحلَّا من إحرامهما بطوافٍ وسعيٍ وتقصيرٍ؛ ليصيرا متمتِّعين، وقال في «الانتصار» (٣): لو ادَّعى مُدٍَّع وجوب الفسخ؛ لم يبعد، وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجب على من اعتقد عدم مساغه أن يعتقده (٤)، ولو ساق هديًا فهو على إحرامه، لا يصحُّ فسخه الحجَّ إلى العمرة على الصَّحيح عندهم، وحيث صحَّ الفسخ لزم (٥) دمٌ على الصَّحيح من مذهبهم، نصَّ عليه، وعليه أكثر (٦) الأصحاب. انتهى. وقال بعض الحنابلة: نحن نُشهِد الله أنَّا لو أحرمنا بحجٍّ لرأينا فرضًا فسخه إلى عمرةٍ؛ تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ؛ وذلك أنَ في «السُّنن» عن البراء بن عازبٍ: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة قال: «اجعلوها عمرةً»، فقال النَّاس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجِّ، فكيف نجعلها عمرةً؟ قال: «انظروا ما آمركم به،
فافعلوا»، فردُّوا (١) عليه القول، فغضب … الحديثَ، وقال سلمة بن شبيبٍ لأحمد: كلُّ أمرك عندي حسنٌ إلَّا خلَّةً واحدةً، قال (٢): وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فقال: يا سلمة كنت أرى لك عقلًا، عندي في ذلك أحد عشر حديثًا صِحَاحٌ (٣) عن رسول الله ﷺ، أتركها لقولك؟ وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السَّلف والخلف: هو مختصٌّ بهم تلك السَّنَة لا يجوز بعدها ليخالفوا ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وفي حديث أبي ذرٍّ عند مسلمٍ: كانت المتعة في الحجِّ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ خاصَّةً؛ يعني: فسخ الحجِّ إلى العمرة، وعند النَّسائيِّ عن الحارث بن بلالٍ عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحجِّ لنا خاصَّةً أم للنَّاس عامَّةً؟ قال (٤): «بل (٥) لنا خاصَّةً»، وهذا لا يعارضه حديث سراقة لأنَّ سبب الأمر بالفسخ ما كان إلَّا تقريرًا (٦) لشرع العمرة في أشهر الحجِّ، ما لم يكن مانعٌ من (٧) سوق الهدي؛ وذلك أنَّه كان مستعظمًا عندهم حتَّى كانوا يعدُّونها في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور، فكسر سَورة ما استحكم في نفوسهم من الجاهليَّة من إنكاره بحملهم على فعله بأنفسهم، فلو لم يكن حديث بلال بن الحارث ثابتًا -كما قال الإمام أحمد؛ حيث قال: لا يثبت عندي ولا يعرف (٨) هذا الرَّجل- كان حديث ابن عبَّاسٍ [خ¦١٥٦٤] «كانوا يرون العمرة في أشهر الحجِّ من أفجر الفجور في الأرض … » الحديثَ صريحًا في كون سبب الأمر بالفسخ هو قصد محو ما استقرَّ (٩) في نفوسهم في الجاهليَّة بتقرير الشَّرع بخلافه.