الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٤٠
الحديث رقم ١٨٤٠ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الاغتسال للمحرم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ كَوْنُهُ كَانَ فِي النُّسُكِ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ التَّخْصِيصُ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّائِمِ يَمُوتُ هَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ قَضَاءُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْهُ أَوْ لَا يَبْطُلُ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، بَلْ هُوَ صِيَانَةٌ لِلرَّأْسِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ غَطَّوْا وَجْهَهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ اهـ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: يُغَطِّي الْمُحْرِمُ مِنْ وَجْهِهِ مَا دُونَ الْحَاجِبَيْنِ أَيْ: مِنْ أَعْلَى. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا دُونَ عَيْنَيْهِ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَزِيدَ الِاحْتِيَاطِ لِكَشْفِ الرَّأْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَكْمِلَةٌ): كَانَ وُقُوعُ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ مِنْ عَرَفَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ الْوَاقِفِ عَلَى الرَّاكِبِ، وَاسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ فِي الْإِحْرَامِ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ بِالتَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ، وَجَوَازُ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُعَدُّ طِيبًا. وَحَكَى الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ سِدْرِ الْحَرَمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَزَاهُ لَابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ لَمَّا ذَكَرَ تَرْجَمَةَ عُمَرَ ذَكَرَ أَوْلَادَهُ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهَلَكَ، فَظَنَّ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ أَنَّ لِوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ صُحْبَةً، وَأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ؛ فَإِنَّ وَاقِدًا الْمَذْكُورَ لَا صُحْبَةَ لَهُ، فَإِنَّ أُمَّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهَا، وَذَكَرَهَا الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّابِعِينَ، وَوَجَدْتُ فِي الصَّحَابَةِ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ آخَرَ، لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ فَهَلَكَ، بَلْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَبَطَلَ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ بِأَنَّهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
١٤ - بَاب الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ) أَيْ: تَرَفُّهًا وَتَنَظُّفًا وَتَطَهُّرًا مِنَ الْجَنَابَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ
أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، وَرُوِيَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَامٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ) وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ: الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ وَيَقُولُ: أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِأَوْسَاخِكُمْ شَيْئًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَفَطِنْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ يَحُكُّ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ. وَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ فَوَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ: أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلْيُشَدِّدْ. وَقَالَتْ عَائِشةُ: لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَحُكَّ بِرِجْلِي لَحَكَكْتُ اهـ. وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَكِّ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ، وَأَغْرَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ فَأَدْخَلَ بَيْنَ زَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، نَافِعًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ خَطَئِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ كَذَا قَالَ: مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حُنَيْنًا كَانَ مَوْلًى لِلْعَبَّاسِ وَهَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَوْلَادُهُ مَوَالٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ.
قَوْلُهُ: (بِالْأَبْوَاءِ) أَيْ: وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ: قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأَبْوَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ: قُلْ لَهُ: يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ ابْنُ أَخِيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَيَسْأَلُكَ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) أَيْ: قَرْنَيِ الْبِئْرِ، وَكَذَا هُوَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُمَا الْعُودَانِ - أَيِ: الْعَمُودَانِ - الْمُنْتَصِبَانِ لِأَجْلِ عُودِ الْبَكَرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، لِأَبِي أَيُّوبَ: يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ؟ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ أَوْ لَا عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمِسْوَرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ تَصَرَّفَ فِي السُّؤَالِ لِفِطْنَتِهِ، كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: سَلْهُ هَلْ يَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا؟ فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ، فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ، فَأَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ، وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْسَ بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّعْرِ الَّذِي يُخْشَى انْتِتَافُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (فَطَأْطَأَهُ) أَيْ: أَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ جَمَعَ ثِيَابَهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَتَّى رَأَيْتُ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ
قَوْلُهُ: (لِإِنْسَانٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، ثُمَّ قَالَ أَيْ: أَبُو أَيُّوبَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ - أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ: لَا أُجَادِلُكَ. وَأَصْلُ الْمِرَاءِ اسْتِخْرَاجُ مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ، يُقَالُ: أَمْرَى فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ. قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْمُجَادَلَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَجَادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ الْحُجَّةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مُنَاظَرَةُ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٨٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر المدنيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح النُّون الأولى؛ مولى العبَّاس بن عبد المطَّلب المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حُنَينٍ المُتوفَّى في أوَّل خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المئة الثَّانية (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ) بالألف والَّلام (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو وبالرَّاء، ومَخْرَمة: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ ابن نوفلٍ القرشيَّ، له ولأبيه صحبةٌ (اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة: موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أي: اختلفا وهما نازلان بالأبواء (١) (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بإسقاط «أل»: (يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ) قال عبد الله بن حُنَينٍ: (فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁ (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ) أي: بين قرني البئر؛ وهما جانبا البناء الذي على رأس البئر، يُجعَل عليهما خشبةٌ تُعلَّق بها البكرة (وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (أَسْأَلُكَ) ولأبي ذرٍّ: «يسألك»: (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) لم يقل عبد الله بن حُنَينٍ: هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما، بل سأل عن الكيفيَّة لاحتمال أن يكون لَّما رآه يغتسل وهو محرمٌ فَهِمَ من ذلك الجواب، ثمَّ أحبَّ ألَّا يرجع إلَّا بفائدةٍ أخرى، فسأله عن الكيفيَّة، قاله في «فتح الباري». (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) الذي ستر به (فَطَأْطَأَهُ) أي: خفض الثَّوب وأزاله عن رأسه (حَتَّى بَدَا لِي) بغير همزٍ، أي: ظهر لي (رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ) لم يُسَمَّ (يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) فيه: جواز دلك شعر المُحرِم بيده إذا أَمِنَ تناثره (وَقَالَ) أبو أيُّوب: (هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ) فيه: الجواب والبيان بالفعل، وهو أبلغ من القول، وزاد ابن عُيَيْنَة: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبَّاسٍ: لا أماريك أبدًا، أي: لا أجادلك.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ كَوْنُهُ كَانَ فِي النُّسُكِ، وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ لِوَاحِدٍ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَتَ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَتَّضِحَ التَّخْصِيصُ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّائِمِ يَمُوتُ هَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ قَضَاءُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْهُ أَوْ لَا يَبْطُلُ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يُتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ لَيْسَ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ، بَلْ هُوَ صِيَانَةٌ لِلرَّأْسِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ غَطَّوْا وَجْهَهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ اهـ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: يُغَطِّي الْمُحْرِمُ مِنْ وَجْهِهِ مَا دُونَ الْحَاجِبَيْنِ أَيْ: مِنْ أَعْلَى. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا دُونَ عَيْنَيْهِ. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَزِيدَ الِاحْتِيَاطِ لِكَشْفِ الرَّأْسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَكْمِلَةٌ): كَانَ وُقُوعُ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ مِنْ عَرَفَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ إِطْلَاقُ الْوَاقِفِ عَلَى الرَّاكِبِ، وَاسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ فِي الْإِحْرَامِ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ بِالتَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ، وَجَوَازُ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بِالسِّدْرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُعَدُّ طِيبًا. وَحَكَى الْمُزَنِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ سِدْرِ الْحَرَمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمُحْرِمِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَزَاهُ لَابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَرْجَمَةِ عُمَرَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَسَبَبُ الْوَهْمِ أَنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ لَمَّا ذَكَرَ تَرْجَمَةَ عُمَرَ ذَكَرَ أَوْلَادَهُ وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ فِيهِمْ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَهَلَكَ، فَظَنَّ هَذَا الْمُتَأَخِّرُ أَنَّ لِوَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ صُحْبَةً، وَأَنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ؛ فَإِنَّ وَاقِدًا الْمَذْكُورَ لَا صُحْبَةَ لَهُ، فَإِنَّ أُمَّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ إِنَّمَا تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ عُمَرَ، وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهَا، وَذَكَرَهَا الْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّابِعِينَ، وَوَجَدْتُ فِي الصَّحَابَةِ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ آخَرَ، لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ وَقَعَ عَنْ بَعِيرِهِ فَهَلَكَ، بَلْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَبَطَلَ تَفْسِيرُ الْمُبْهَمِ بِأَنَّهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
١٤ - بَاب الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ. وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ) أَيْ: تَرَفُّهًا وَتَنَظُّفًا وَتَطَهُّرًا مِنَ الْجَنَابَةِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ
أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، وَرُوِيَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَامٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ) وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ: الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ وَيَقُولُ: أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِأَوْسَاخِكُمْ شَيْئًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَفَطِنْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ يَحُكُّ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ. وَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ فَوَصَلَهُ مَالِكٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ: أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلْيُشَدِّدْ. وَقَالَتْ عَائِشةُ: لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَحُكَّ بِرِجْلِي لَحَكَكْتُ اهـ. وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَكِّ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ، وَأَغْرَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ فَأَدْخَلَ بَيْنَ زَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، نَافِعًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ خَطَئِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ كَذَا قَالَ: مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حُنَيْنًا كَانَ مَوْلًى لِلْعَبَّاسِ وَهَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَوْلَادُهُ مَوَالٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ.
قَوْلُهُ: (بِالْأَبْوَاءِ) أَيْ: وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ: قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأَبْوَاءِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ: قُلْ لَهُ: يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ ابْنُ أَخِيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَيَسْأَلُكَ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) أَيْ: قَرْنَيِ الْبِئْرِ، وَكَذَا هُوَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُمَا الْعُودَانِ - أَيِ: الْعَمُودَانِ - الْمُنْتَصِبَانِ لِأَجْلِ عُودِ الْبَكَرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، لِأَبِي أَيُّوبَ: يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ؟ وَلَمْ يَقُلْ: هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ أَوْ لَا عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمِسْوَرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ تَصَرَّفَ فِي السُّؤَالِ لِفِطْنَتِهِ، كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: سَلْهُ هَلْ يَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا؟ فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ، فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ، فَأَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ، وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْسَ بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّعْرِ الَّذِي يُخْشَى انْتِتَافُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (فَطَأْطَأَهُ) أَيْ: أَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ جَمَعَ ثِيَابَهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَتَّى رَأَيْتُ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ
قَوْلُهُ: (لِإِنْسَانٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، ثُمَّ قَالَ أَيْ: أَبُو أَيُّوبَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ - أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ: لَا أُجَادِلُكَ. وَأَصْلُ الْمِرَاءِ اسْتِخْرَاجُ مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ، يُقَالُ: أَمْرَى فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ. قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْمُجَادَلَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَجَادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ الْحُجَّةِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مُنَاظَرَةُ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٨٤٠ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ مولى عمر المدنيِّ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح النُّون الأولى؛ مولى العبَّاس بن عبد المطَّلب المدنيِّ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حُنَينٍ المُتوفَّى في أوَّل خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المئة الثَّانية (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ) بالألف والَّلام (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو وبالرَّاء، ومَخْرَمة: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ ابن نوفلٍ القرشيَّ، له ولأبيه صحبةٌ (اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحَّدة: موضعٌ قريبٌ من مكَّة، أي: اختلفا وهما نازلان بالأبواء (١) (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) بإسقاط «أل»: (يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ) قال عبد الله بن حُنَينٍ: (فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ (الأَنْصَارِيِّ) ﵁ (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ) أي: بين قرني البئر؛ وهما جانبا البناء الذي على رأس البئر، يُجعَل عليهما خشبةٌ تُعلَّق بها البكرة (وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ) بإثبات «أل» (أَسْأَلُكَ) ولأبي ذرٍّ: «يسألك»: (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) لم يقل عبد الله بن حُنَينٍ: هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما، بل سأل عن الكيفيَّة لاحتمال أن يكون لَّما رآه يغتسل وهو محرمٌ فَهِمَ من ذلك الجواب، ثمَّ أحبَّ ألَّا يرجع إلَّا بفائدةٍ أخرى، فسأله عن الكيفيَّة، قاله في «فتح الباري». (فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) الذي ستر به (فَطَأْطَأَهُ) أي: خفض الثَّوب وأزاله عن رأسه (حَتَّى بَدَا لِي) بغير همزٍ، أي: ظهر لي (رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ) لم يُسَمَّ (يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بالتَّثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) فيه: جواز دلك شعر المُحرِم بيده إذا أَمِنَ تناثره (وَقَالَ) أبو أيُّوب: (هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ) فيه: الجواب والبيان بالفعل، وهو أبلغ من القول، وزاد ابن عُيَيْنَة: فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبَّاسٍ: لا أماريك أبدًا، أي: لا أجادلك.