الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٧٨
الحديث رقم ١٨٧٨ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب آطام المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ : سَمِعْتُ
⦗٢٢⦘
أُسَامَةَ ﵁ قَالَ:
نظر النبي صلى الله عليه وسلم من مكانٍ عالٍ فوق حصن من حصون المدينة فقال لأصحابه: هل ترون ما أرى؟ إني أرى الفتن تقع وسط بيوتكم كما يقع المطر بكثرة وغزارة. وهو إشارة إلى الحروب والفتن الواقعة في المدينة، كمقتل عثمان، ووقعة الحرة وغيرها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
-بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالنُّونين- المروزيُّ (عَنْ جُعَيْدٍ) بضمِّ الجيم وفتح العين وسكون التَّحتيَّة مُصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن أوسٍ (عَنْ عَائِشَةَ) زاد في رواية غير ابن عساكر وأبي ذرٍّ: «هي بنت سعدٍ» -بسكون العين- أي: ابن أبي وقَّاصٍ (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تعني أباها (﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ) أي: لا يفعل بهم كيدًا من مكرٍ وحربٍ وغير ذلك من وجوه الضَّرر بغير حقٍّ (إِلَّا انْمَاعَ) بسكون النُّون بعد ألف الوصل آخره مهملةٌ؛ أي: ذاب (كَمَا يَنْمَاعُ) يذوب (المِلْحُ فِي المَاءِ) وفي حديث مسلمٍ في روايةٍ: «ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوءٍ إلَّا أذابه الله في النَّار ذوب الرَّصاص، أو ذوب الملح في الماء»، وهذا صريحٌ في التَّرجمة لأنَّه لا يستحقُّ هذا العذاب إلَّا من ارتكب إثمًا عظيمًا.
(٨) (بابُ آطَامِ المَدِينَةِ) بالمدِّ، جمع أُطُمٍ -بضمَّتين-: وهي الحصون التي تُبنَى بالحجارة.
١٨٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط في غير رواية (١) أبي ذرٍّ «ابن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير قال (٢): (سَمِعْتُ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ) نظر من مكانٍ مرتفعٍ (عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بضمِّ الهمزة والطَّاء في الأوَّل، وفتحهما ممدودًا في الثَّاني (فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى) بالبصر (مَوَاقِعَ) أي: مواضع سقوط (الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي: نواحيها بأن تكون الفتن مُثِّلت له حتَّى رآها (كَمَوَاقِعِ القَطْرِ) وهذا كما مُثِّلت له الجنَّة والنَّار في القبلة (٣) حتَّى رآهما وهو يصلِّي، أو تكون الرُّؤية؛ بمعنى العلم، وشبَّه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وقد وقع ما أشار إليه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بَيَانه أَن الَّذِي يكيد أهل الْمَدِينَة يذيبه الله تَعَالَى فِي النَّار ذوب الرصاصد وَلَا يسْتَحق هَذَا ذَاك الْعَذَاب إلَاّ عَن ارتكابه إِثْمًا عَظِيما، وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث مُسلم من طَرِيق عَامر بن سعد عَن أَبِيه فِي أثْنَاء حَدِيث: (وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إلَاّ أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص، أَو ذوب الْملح فِي المَاء) . وحسين بن حُرَيْث بن الْحسن ابْن ثَابت بن قُطْبَة أَبُو عمار الْمروزِي مولى عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ، قَالَ السراج: مَاتَ بقصر اللُّصُوص مُنْصَرفه عَن الْحَج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَالْفضل هُوَ ابْن مُوسَى اليناني، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين، وَقد مر فِي: بَاب من تَوَضَّأ من الْجَنَابَة، وجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا ومكبرا. ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَعَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، مَاتَت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الطَّرِيق، وَأخرجه مُسلم من طرق. مِنْهَا: من حَدِيث أبي عبد الله الْقَرَّاظ أَنه قَالَ: أشهد على أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: زمن أَرَادَ أهل هَذِه الْبَلدة بِسوء يَعْنِي الْمَدِينَة أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة أَنه سمع الْقَرَّاظ، وَكَانَ من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة، يزْعم أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أَهلهَا بالسوء) ، يُرِيد: الْمَدِينَة، (أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه قَالَ: أَخْبرنِي دِينَار الْقَرَّاظ، قَالَ: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أهل الْمَدِينَة بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه الكعبي عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، أَنه سمع سعد بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثلِهِ، غير أَنه قَالَ: بدهم أَو بِسوء. وَمِنْهَا: من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، قَالَ: سمعته يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وسعدا يَقُولَانِ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أللهم بَارك لأهل الْمَدِينَة فِي مدهم. .) وسَاق الحَدِيث، وَفِيه: (من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. .) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث السَّائِب بن خلان رَفعه: (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظَالِما لَهُم، أخافه الله وَكَانَت عَلَيْهِ لعنة الله) الحَدِيث، وروى ابْن حبَان نَحوه من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (سَمِعت سَعْدا) يَعْنِي: أَبَاهَا سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إلَاّ انماع) : أَي: ذاب، وعَلى وزن انفعل من الميعان، يُقَال: ماع الشَّيْء يميع وانماع ينماع إِذا ذاب، وَيجوز بادغام النُّون فِي الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: ذاب وَجرى على وَجه الأَرْض مثلا شَيْئا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي أَرَادَ الله الْمَكْر بهم لَا يمهله الله وَلم يُمكن لَهُ كَمَا انْقَضى شَأْن من حاربها أَيَّام بني أُميَّة مثل مُسلم بن عقبَة، فَإِنَّهُ هلك فِي مُنْصَرفه عَنْهَا، ثمَّ هلك مرسله إِلَيْهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة على إِثْر ذَلِك، وَغَيرهمَا مِمَّن صنع صنيعهما، وَقيل: المُرَاد من كادها اغتيالاً، وعَلى غَفلَة من أَهلهَا لَا يتم لَهُ أَمر، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من أرادها فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسوء اضمحل أمره كَمَا يضمحل الرصاص فِي النَّار. قَوْله: (كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) ، وَجه هَذَا التَّشْبِيه أَنه شبه أهل الْمَدِينَة مَعَ وفور علمهمْ وصفاء قرائحهم بِالْمَاءِ، وَشبه من يُرِيد الكيد بهم بالملح لِأَن نكاية كيدهم لما كَانَت رَاجِعَة إِلَيْهِ شبهوا بالملح الَّذِي يُرِيد إِفْسَاد المَاء فيذوب هُوَ بِنَفسِهِ. فَإِن قلت: يلْزم على هَذَا كدورة أهل الْمَدِينَة بِسَبَب فنائهم؟ قلت: المُرَاد مُجَرّد الإفناء، وَلَا يلْزم فِي وَجه التَّشْبِيه أَن يكون شَامِلًا جَمِيع أَوْصَاف الْمُشبه بِهِ نَحْو قَوْلهم: النَّحْو فِي الْكَلَام كالملح للطعام.
٨ - (بابُ آطامِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وَقع من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة إشرافه على أطام الْمَدِينَة والأطام بِالْمدِّ جمع أَطَم بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْحُصُون الَّتِي تبنى بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: هُوَ كل بَيت مربع مسطح والآطام جمع قلَّة لِأَنَّهُ على وزن أَفعَال وَجمع الْكَثْرَة أطوم والواحدة: أطمة، كأكمة.
٨٧٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثناابنُ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أشْرَفَ النبيُّ علَى أُطُمٍ مِنْ آطامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أرَى
إنِّي لأرَى مَوَاقِعَ الفِتَن خِلالَ بُيُوتكُمْ كمَوَاقِعِ الْقَطْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن شهَاب، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِي الْفِتَن عَن أبي نعيم، وَفِي الْفِتَن عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي بكر وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق وَابْن أبي عمر، أربعتهم عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
قَوْله: (أشرف) أَي: نظر من مَكَان مُرْتَفع. قَوْله: (مواقع الْفِتَن) أَي: مَوَاضِع سُقُوط الْفِتَن بِكَسْر الْفَاء جمع فتْنَة، قَوْله: (خلال بُيُوتكُمْ) أَي: بَينهَا ونواحيها، وَهُوَ جمع خلل، وَهُوَ الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ. قَوْله: (كمواقع الْقطر) ، أَي: الْمَطَر شبه سُقُوط الْفِتَن وَكَثْرَتهَا بِالْمَدِينَةِ بِسُقُوط كَثْرَة الْقطر وعمومه، قَالَ الْمُهلب: الرُّؤْيَة هُنَا الْعلم، وَهَذَا من عَلَامَات النُّبُوَّة لإخباره بِمَا سَيكون، وَقد ظهر مصداق ذَلِك من قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهلم جرَّا، وَلَا سِيمَا يَوْم الْحرَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَنَّهَا مثلت لَهُ حَتَّى نظر إِلَيْهَا كَمَا مثلت لَهُ الْجنَّة وَالنَّار فِي الْقبْلَة حَتَّى رآهما وَهُوَ يُصَلِّي. .
تابَعَهُ مَعْمَرٌ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع سُفْيَان معمر بن رَاشد وَسليمَان بن كثير الْعَبْدي الوَاسِطِيّ، أما مُتَابعَة معمر فوصلها البُخَارِيّ فِي الْفِتَن: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأما مُتَابعَة سُلَيْمَان فرواها مُسلم: عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن سُلَيْمَان عَنهُ.
٩ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يدْخل الدَّجَّال الْمَدِينَة.
٩٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عَن جَدِّهِ عنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بابٍ ملَكَانِ.
مطابقته من حَيْثُ إِن رعب الدَّجَّال إِذا لم يدْخل الْمَدِينَة فَعدم دُخُوله بِنَفسِهِ بِالطَّرِيقِ الأولى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي قَاضِي بَغْدَاد. الثَّالِث: سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي. الرَّابِع: جده إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، واسْمه: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: ابْن الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ، وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رعب الْمَسِيح الدَّجَّال) ، الرعب: بِالضَّمِّ الْخَوْف وَسمي الْمَسِيح مسيحا لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، أَو لِأَنَّهُ مَمْسُوح اعين لِأَنَّهُ أَعور، أَو لسياحته، وَهُوَ فعيل بمعني فَاعل، وَيُقَال فِيهِ: مسيخ. بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، لِأَنَّهُ مُشَوه مثل الممسوخ، وَيُقَال فِيهِ: مسيح، بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة، للْفرق بَينه وَبَين الْمَسِيح ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأما معنى الدَّجَّال فكثير، واشتقاقه من الدجل وَهُوَ الْكَذِب والخلط، وَهُوَ كَذَّاب خلاط وَيجمع الدَّجَّال على دجالين ودجاجلة فِي التكسير، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الدجل وَهُوَ: طلي الْبَعِير بالقطران، سمي بذلك لِأَنَّهُ يُغطي الْحق بسحره وَكذبه كَمَا يُغطي
الرجل جرب بعيره بالدجالة، وَهُوَ القطران. وَقيل: سمي بِهِ لضربه نواحي الأَرْض وقطعه لَهَا، يُقَال: دجل الرجل إِذا فعل ذَلِك. وَقيل: هُوَ من الدجل بِمَعْنى التغطية. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل شَيْء غطيته فقد دجلته، وَمِنْه سميت دجلة لانتشارها على الأَرْض وتغطيتها مَا فاضت عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ المموه، قَالَه ثَعْلَب. وَأما معنى الْمَسِيح بن مَرْيَم فعلى ثَلَاثَة وَعشْرين وَجها ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا. قَوْله: (على كل بَاب) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: (لكل بَاب) . فَإِن قلت: حَدِيث أنس: (ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات) ، والرجف رعب، فَهَذَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب؟ قلت: لَا يُعَارضهُ، لِأَن الرجفة تكون من أهل الْمَدِينَة على من فِيهَا من الْمُنَافِقين والكافرين، فيخرجونهم من الْمَدِينَة بإخافتهم إيَّاهُم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم وعَلى الدَّجَّال، فَيخرج المُنَافِقُونَ إِلَى الدَّجَّال فِرَارًا من أهل الْمَدِينَة.
٠٨٨١ - حدَّثنا إسماعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُها الطَّاعُونُ ولَا الدَّجَّالُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه: عبد الله الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك بن أنس، ونعيم، بِضَم النُّون، والمجمر بِلَفْظ الْفَاعِل من الإجمار، مر فِي أول الْوضُوء.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن القعْنبِي، وَفِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، وَفِيه وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة، الْكل عَن نعيم المجمر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أنقاب الْمَدِينَة) ، الأنقاب جمع نقب، بِفَتْح النُّون، وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة: نقاب، وَقَالَ ابْن وهب: الأنقاب مدَاخِل الْمَدِينَة، وَقيل: هِيَ أَبْوَابهَا وفوهات طرقها الَّتِي يدْخل إِلَيْهَا مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الطّرق الَّتِي يسلكها النَّاس، وَمِنْه قَوْله عز وَجل: {فَنقبُوا فِي الْبِلَاد} (ق: ٦٣) . وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي: النقب الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَكَذَلِكَ النقب والمنقب والمنقبة عَن يَعْقُوب، وَقَالَ ابْن سَيّده: النقب والنقب فِي أَي شَيْء كَانَ نقبه ينقبه نقبا، وَعَن الْقَزاز، وَيُقَال أَيْضا: نقب بِكَسْر النُّون، وَضبط ابْن فَارس بِالسُّكُونِ يَقْتَضِي أَن لَا يكون جمعه أنقابا كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا يجمع على نقاب، كَمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، وَفِيه برهَان عَظِيم ظَهرت صِحَّته ببركة دُعَائِهِ للمدينة. قَوْله: (الطَّاعُون) ، الْمَوْت من الوباء. وَقَوله: (لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال) جملَة مستأنفة، بَيَان لموجب اسْتِقْرَار الْمَلَائِكَة على الأنقاب.
٤٥٣ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَيْسَ من بلد إِلَّا سيطؤه الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة لَيْسَ لَهَا من نقابها نقب إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة صافين يحرسونها ثمَّ ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات فَيخرج الله كل كَافِر ومنافق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يدخلهَا الدَّجَّال والوليد هُوَ مُسلم الدِّمَشْقِي وَأَبُو عَمْرو هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق هُوَ ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن حجر عَن الْوَلِيد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَن عمر بن عبد الْوَاحِد قَوْله " إِلَّا سيطؤه " مُسْتَثْنى من الْمُسْتَثْنى وَهُوَ قَوْله " لَيْسَ من بلد " وَهُوَ على ظَاهره وعمومه عِنْد الْجُمْهُور وشذ ابْن حزم فَقَالَ المُرَاد لَا يدْخلهُ بَعثه وَجُنُوده وَكَأَنَّهُ استبعد إِمْكَان دُخُول الدَّجَّال جَمِيع الْبِلَاد لقصر مدَّته وغفل عَمَّا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن بعض أَيَّامه يكون قدر السّنة قَالَه بَعضهم (قلت) يحْتَمل أَن يكون إِطْلَاق قدر السّنة على بعض أَيَّامه لَيْسَ على حَقِيقَته بل لكَون الشدَّة الْعَظِيمَة الْخَارِجَة عَن الْحَد أطلق
عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قدر السّنة قَوْله " إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يطؤهما الدَّجَّال وَذكر الطَّبَرِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " إِلَّا الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَزَاد أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ " وَمَسْجِد الطّور " وَرَوَاهُ من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض الرِّوَايَات فَلَا يبْقى لَهُ مَوضِع إِلَّا وَيَأْخُذهُ غير مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس وجبل الطّور فَإِن الْمَلَائِكَة تطرده عَن هَذِه الْمَوَاضِع قَوْله " من نقابها " أَي نقاب الْمَدِينَة والنقاب بِكَسْر النُّون جمع نقب وَهُوَ جمع الْكَثْرَة وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي الحَدِيث السَّابِق قَوْله " صافين " حَال من الْمَلَائِكَة وَهُوَ جمع صَاف من صف قَوْله " يحرسونها " من الْأَحْوَال المتداخلة قَوْله " ثمَّ ترجف الْمَدِينَة " أَي يحصل بهَا زَلْزَلَة بعد أُخْرَى ثمَّ فِي الرجفة الثَّالِثَة يخرج الله مِنْهَا من لَيْسَ مخلصا فِي إيمَانه وَيبقى بهَا الْمُؤمن المخلص فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ الدَّجَّال وَفِيه أَيْضا معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَيْثُ أخبر عَن أَمر سَيكون قطعا وَفِيه بَيَان فضل الْمَدِينَة وَفضل أَهلهَا الْمُؤمنِينَ الخالصين
٢٨٨١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ أبَا سَعِيدٍ الخدْرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا طَويلا عنِ الدَّجالِ فكانَ فِيما حدَّثنَا بهِ أنْ قالَ يأتِي الدَّجَّالُ وهْوَ مُحَرَّمٌ عليْهِ أنْ يَدْخُلَ نِقابَ المدِينَةِ بَعْضَ السِّباخِ الَّتِي بالمَدِينَةِ فيَخْرُجُ إليْهِ يَوْمَئِذٍ رجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فيَقُولُ أشْهَدُ أنَّكَ الدَّجالُ الَّذِي حَدثنَا عنْكَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَديثَهُ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أرأيْتَ إنْ قتَلْتُ هذَا ثُمَّ أحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأمرِ فيَقُولُونَ لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْييهِ فيَقُولُ حِينَ يُحْييهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أشَدَّ بَصِيرَةً منِّي الْيَوْمَ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أقْتُلُهُ فَلا اسلَّطُ عَلَيْهِ.
(الحَدِيث ٢٨٨١ طرفه فِي: ٢٣٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الدَّجَّال ينزل على سبخَة من سباخ الْمَدِينَة، وَلَا يقدر على الدُّخُول إِلَى الْمَدِينَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن أبي دَاوُد وَسليمَان بن سيف عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَدثنَا) ، فعل ومفعول، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاعله، قَوْله: (عَن الدَّجَّال) أَي: عَن حَاله وَفعله. قَوْله: (أَن قَالَ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: قَوْله يَأْتِي الدَّجَّال. قَوْله: (وَهُوَ محرم عَلَيْهِ) ، جملَة حَالية. (ومحرم) على صِيغَة الْمَفْعُول من التَّحْرِيم، قَوْله: (أَن يدْخل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: دُخُوله وَهِي فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فِي تَقْدِير الْفَاعِل. قَوْله: (ينزل) جملَة مستأنفة كَانَ الْقَائِل يَقُول: إِذا كَانَ الدُّخُول عَلَيْهِ حَرَامًا فَكيف يفعل؟ قَالَ ينزل بعض السباخ، بِكَسْر السِّين: حمع سبخَة، وَهِي الأَرْض الَّتِي تعلوها الملوحة، مَعْنَاهُ: ينزل خَارج الْمَدِينَة على أَرض سبخَة من سباخ الْمَدِينَة. قَوْله: (فَيخرج إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الدَّجَّال. قَوْله: (رجل هُوَ خير النَّاس) قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، يُقَال: إِن هَذَا الرجل هُوَ الْخضر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه وَكَذَا قَالَ معمر فِي جَامِعَة بَلغنِي أَن ذَلِك الرجل هُوَ الْخضر عَلَيْهِ الْخضر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله: (أَو من خير النَّاس) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) ، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (فَيَقُولُونَ) ، الْقَائِلُونَ بِهِ إِمَّا الْيَهُود ومصدقوه من أهل الشقاوة، وَإِمَّا أَعم مِنْهُم، وقالوه خوفًا مِنْهُ لَا تَصْدِيقًا، أَو قصدُوا بِهِ عدم الشَّك فِي كفره، وَكَونه دجالًا. قَوْله: (أَشد بَصِيرَة مني الْيَوْم) لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبرنِي بِأَن عَلامَة الدَّجَّال أَنه يحيى الْمَقْتُول، فزادت بصيرته بِحُصُول تِلْكَ الْعَلامَة، ويروى: (أَشد مني بَصِيرَة الْيَوْم) ، فالمفضل والمفضل عَلَيْهِ كِلَاهُمَا هُوَ نفس الْمُتَكَلّم لكنه مفضل بِاعْتِبَار غَيره. قَوْله: (أَقتلهُ فَلَا أسلط عَلَيْهِ) أَي: أَقتلهُ فَلَا أسلط على قَتله، وأسلط على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَا بُد من تَقْدِير الْهمزَة الإنكارية. ويروى بِظُهُور الْهمزَة لفظا وَأما حَدِيث، وَكَأَنَّهُ يُنكر
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
-بكسر السِّين المهملة وسكون التَّحتيَّة وبالنُّونين- المروزيُّ (عَنْ جُعَيْدٍ) بضمِّ الجيم وفتح العين وسكون التَّحتيَّة مُصغَّرًا، ابن عبد الرَّحمن بن أوسٍ (عَنْ عَائِشَةَ) زاد في رواية غير ابن عساكر وأبي ذرٍّ: «هي بنت سعدٍ» -بسكون العين- أي: ابن أبي وقَّاصٍ (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تعني أباها (﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ) أي: لا يفعل بهم كيدًا من مكرٍ وحربٍ وغير ذلك من وجوه الضَّرر بغير حقٍّ (إِلَّا انْمَاعَ) بسكون النُّون بعد ألف الوصل آخره مهملةٌ؛ أي: ذاب (كَمَا يَنْمَاعُ) يذوب (المِلْحُ فِي المَاءِ) وفي حديث مسلمٍ في روايةٍ: «ولا يريد أحدٌ أهل المدينة بسوءٍ إلَّا أذابه الله في النَّار ذوب الرَّصاص، أو ذوب الملح في الماء»، وهذا صريحٌ في التَّرجمة لأنَّه لا يستحقُّ هذا العذاب إلَّا من ارتكب إثمًا عظيمًا.
(٨) (بابُ آطَامِ المَدِينَةِ) بالمدِّ، جمع أُطُمٍ -بضمَّتين-: وهي الحصون التي تُبنَى بالحجارة.
١٨٧٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط في غير رواية (١) أبي ذرٍّ «ابن عبد الله» قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ) بن الزُّبير قال (٢): (سَمِعْتُ أُسَامَةَ) بن زيدٍ (﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ) نظر من مكانٍ مرتفعٍ (عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ) بضمِّ الهمزة والطَّاء في الأوَّل، وفتحهما ممدودًا في الثَّاني (فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى) بالبصر (مَوَاقِعَ) أي: مواضع سقوط (الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ) أي: نواحيها بأن تكون الفتن مُثِّلت له حتَّى رآها (كَمَوَاقِعِ القَطْرِ) وهذا كما مُثِّلت له الجنَّة والنَّار في القبلة (٣) حتَّى رآهما وهو يصلِّي، أو تكون الرُّؤية؛ بمعنى العلم، وشبَّه سقوط الفتن وكثرتها بالمدينة بسقوط القطر في الكثرة والعموم، وقد وقع ما أشار إليه
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بَيَانه أَن الَّذِي يكيد أهل الْمَدِينَة يذيبه الله تَعَالَى فِي النَّار ذوب الرصاصد وَلَا يسْتَحق هَذَا ذَاك الْعَذَاب إلَاّ عَن ارتكابه إِثْمًا عَظِيما، وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث مُسلم من طَرِيق عَامر بن سعد عَن أَبِيه فِي أثْنَاء حَدِيث: (وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إلَاّ أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص، أَو ذوب الْملح فِي المَاء) . وحسين بن حُرَيْث بن الْحسن ابْن ثَابت بن قُطْبَة أَبُو عمار الْمروزِي مولى عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ، قَالَ السراج: مَاتَ بقصر اللُّصُوص مُنْصَرفه عَن الْحَج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَالْفضل هُوَ ابْن مُوسَى اليناني، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين، وَقد مر فِي: بَاب من تَوَضَّأ من الْجَنَابَة، وجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا ومكبرا. ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَعَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، مَاتَت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الطَّرِيق، وَأخرجه مُسلم من طرق. مِنْهَا: من حَدِيث أبي عبد الله الْقَرَّاظ أَنه قَالَ: أشهد على أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: زمن أَرَادَ أهل هَذِه الْبَلدة بِسوء يَعْنِي الْمَدِينَة أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة أَنه سمع الْقَرَّاظ، وَكَانَ من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة، يزْعم أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أَهلهَا بالسوء) ، يُرِيد: الْمَدِينَة، (أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه قَالَ: أَخْبرنِي دِينَار الْقَرَّاظ، قَالَ: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أهل الْمَدِينَة بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه الكعبي عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، أَنه سمع سعد بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثلِهِ، غير أَنه قَالَ: بدهم أَو بِسوء. وَمِنْهَا: من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، قَالَ: سمعته يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وسعدا يَقُولَانِ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أللهم بَارك لأهل الْمَدِينَة فِي مدهم. .) وسَاق الحَدِيث، وَفِيه: (من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. .) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث السَّائِب بن خلان رَفعه: (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظَالِما لَهُم، أخافه الله وَكَانَت عَلَيْهِ لعنة الله) الحَدِيث، وروى ابْن حبَان نَحوه من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (سَمِعت سَعْدا) يَعْنِي: أَبَاهَا سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إلَاّ انماع) : أَي: ذاب، وعَلى وزن انفعل من الميعان، يُقَال: ماع الشَّيْء يميع وانماع ينماع إِذا ذاب، وَيجوز بادغام النُّون فِي الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: ذاب وَجرى على وَجه الأَرْض مثلا شَيْئا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي أَرَادَ الله الْمَكْر بهم لَا يمهله الله وَلم يُمكن لَهُ كَمَا انْقَضى شَأْن من حاربها أَيَّام بني أُميَّة مثل مُسلم بن عقبَة، فَإِنَّهُ هلك فِي مُنْصَرفه عَنْهَا، ثمَّ هلك مرسله إِلَيْهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة على إِثْر ذَلِك، وَغَيرهمَا مِمَّن صنع صنيعهما، وَقيل: المُرَاد من كادها اغتيالاً، وعَلى غَفلَة من أَهلهَا لَا يتم لَهُ أَمر، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من أرادها فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسوء اضمحل أمره كَمَا يضمحل الرصاص فِي النَّار. قَوْله: (كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) ، وَجه هَذَا التَّشْبِيه أَنه شبه أهل الْمَدِينَة مَعَ وفور علمهمْ وصفاء قرائحهم بِالْمَاءِ، وَشبه من يُرِيد الكيد بهم بالملح لِأَن نكاية كيدهم لما كَانَت رَاجِعَة إِلَيْهِ شبهوا بالملح الَّذِي يُرِيد إِفْسَاد المَاء فيذوب هُوَ بِنَفسِهِ. فَإِن قلت: يلْزم على هَذَا كدورة أهل الْمَدِينَة بِسَبَب فنائهم؟ قلت: المُرَاد مُجَرّد الإفناء، وَلَا يلْزم فِي وَجه التَّشْبِيه أَن يكون شَامِلًا جَمِيع أَوْصَاف الْمُشبه بِهِ نَحْو قَوْلهم: النَّحْو فِي الْكَلَام كالملح للطعام.
٨ - (بابُ آطامِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وَقع من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة إشرافه على أطام الْمَدِينَة والأطام بِالْمدِّ جمع أَطَم بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْحُصُون الَّتِي تبنى بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: هُوَ كل بَيت مربع مسطح والآطام جمع قلَّة لِأَنَّهُ على وزن أَفعَال وَجمع الْكَثْرَة أطوم والواحدة: أطمة، كأكمة.
٨٧٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثناابنُ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أشْرَفَ النبيُّ علَى أُطُمٍ مِنْ آطامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أرَى
إنِّي لأرَى مَوَاقِعَ الفِتَن خِلالَ بُيُوتكُمْ كمَوَاقِعِ الْقَطْرِ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ، وسُفْيَان هُوَ ابْن عُيَيْنَة، وَابْن شهَاب، هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَظَالِم عَن عبد الله بن مُحَمَّد وَفِي عَلَامَات النُّبُوَّة، وَفِي الْفِتَن عَن أبي نعيم، وَفِي الْفِتَن عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق. وَأخرجه مُسلم فِي الْفِتَن عَن أبي بكر وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق وَابْن أبي عمر، أربعتهم عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق بِهِ.
قَوْله: (أشرف) أَي: نظر من مَكَان مُرْتَفع. قَوْله: (مواقع الْفِتَن) أَي: مَوَاضِع سُقُوط الْفِتَن بِكَسْر الْفَاء جمع فتْنَة، قَوْله: (خلال بُيُوتكُمْ) أَي: بَينهَا ونواحيها، وَهُوَ جمع خلل، وَهُوَ الفرجة بَين الشَّيْئَيْنِ. قَوْله: (كمواقع الْقطر) ، أَي: الْمَطَر شبه سُقُوط الْفِتَن وَكَثْرَتهَا بِالْمَدِينَةِ بِسُقُوط كَثْرَة الْقطر وعمومه، قَالَ الْمُهلب: الرُّؤْيَة هُنَا الْعلم، وَهَذَا من عَلَامَات النُّبُوَّة لإخباره بِمَا سَيكون، وَقد ظهر مصداق ذَلِك من قتل عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وهلم جرَّا، وَلَا سِيمَا يَوْم الْحرَّة. وَقَالَ ابْن التِّين: يحْتَمل أَنَّهَا مثلت لَهُ حَتَّى نظر إِلَيْهَا كَمَا مثلت لَهُ الْجنَّة وَالنَّار فِي الْقبْلَة حَتَّى رآهما وَهُوَ يُصَلِّي. .
تابَعَهُ مَعْمَرٌ وسُلَيْمانُ بنُ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَي: تَابع سُفْيَان معمر بن رَاشد وَسليمَان بن كثير الْعَبْدي الوَاسِطِيّ، أما مُتَابعَة معمر فوصلها البُخَارِيّ فِي الْفِتَن: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ، وَأما مُتَابعَة سُلَيْمَان فرواها مُسلم: عَن عبد بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن سُلَيْمَان عَنهُ.
٩ - (بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يدْخل الدَّجَّال الْمَدِينَة.
٩٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني إبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عنْ أبيهِ عَن جَدِّهِ عنْ أبِي بَكْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بابٍ ملَكَانِ.
مطابقته من حَيْثُ إِن رعب الدَّجَّال إِذا لم يدْخل الْمَدِينَة فَعدم دُخُوله بِنَفسِهِ بِالطَّرِيقِ الأولى.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي. الثَّانِي: إِبْرَاهِيم بن سعد بن إِبْرَاهِيم ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو إِسْحَاق الْقرشِي قَاضِي بَغْدَاد. الثَّالِث: سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن أَبُو إِسْحَاق الزُّهْرِيّ الْقرشِي. الرَّابِع: جده إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَبُو مُحَمَّد. الْخَامِس: أَبُو بكرَة، واسْمه: نفيع، بِضَم النُّون وَفتح الْفَاء: ابْن الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ، وَقد تقدم فِي كتاب الْإِيمَان.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَليّ بن عبد الله، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (رعب الْمَسِيح الدَّجَّال) ، الرعب: بِالضَّمِّ الْخَوْف وَسمي الْمَسِيح مسيحا لِأَنَّهُ يمسح الأَرْض، أَو لِأَنَّهُ مَمْسُوح اعين لِأَنَّهُ أَعور، أَو لسياحته، وَهُوَ فعيل بمعني فَاعل، وَيُقَال فِيهِ: مسيخ. بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، لِأَنَّهُ مُشَوه مثل الممسوخ، وَيُقَال فِيهِ: مسيح، بِكَسْر الْمِيم وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة، للْفرق بَينه وَبَين الْمَسِيح ابْن مَرْيَم، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأما معنى الدَّجَّال فكثير، واشتقاقه من الدجل وَهُوَ الْكَذِب والخلط، وَهُوَ كَذَّاب خلاط وَيجمع الدَّجَّال على دجالين ودجاجلة فِي التكسير، وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من الدجل وَهُوَ: طلي الْبَعِير بالقطران، سمي بذلك لِأَنَّهُ يُغطي الْحق بسحره وَكذبه كَمَا يُغطي
الرجل جرب بعيره بالدجالة، وَهُوَ القطران. وَقيل: سمي بِهِ لضربه نواحي الأَرْض وقطعه لَهَا، يُقَال: دجل الرجل إِذا فعل ذَلِك. وَقيل: هُوَ من الدجل بِمَعْنى التغطية. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: كل شَيْء غطيته فقد دجلته، وَمِنْه سميت دجلة لانتشارها على الأَرْض وتغطيتها مَا فاضت عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ المموه، قَالَه ثَعْلَب. وَأما معنى الْمَسِيح بن مَرْيَم فعلى ثَلَاثَة وَعشْرين وَجها ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا. قَوْله: (على كل بَاب) ، فِي رِوَايَة الْكشميهني: (لكل بَاب) . فَإِن قلت: حَدِيث أنس: (ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات) ، والرجف رعب، فَهَذَا يُعَارض حَدِيث الْبَاب؟ قلت: لَا يُعَارضهُ، لِأَن الرجفة تكون من أهل الْمَدِينَة على من فِيهَا من الْمُنَافِقين والكافرين، فيخرجونهم من الْمَدِينَة بإخافتهم إيَّاهُم تَغْلِيظًا عَلَيْهِم وعَلى الدَّجَّال، فَيخرج المُنَافِقُونَ إِلَى الدَّجَّال فِرَارًا من أهل الْمَدِينَة.
٠٨٨١ - حدَّثنا إسماعيلُ قَالَ حدَّثني مالِكٌ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَى أنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُها الطَّاعُونُ ولَا الدَّجَّالُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَإِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أبي أويس واسْمه: عبد الله الْمدنِي إِبْنِ أُخْت مَالك بن أنس، ونعيم، بِضَم النُّون، والمجمر بِلَفْظ الْفَاعِل من الإجمار، مر فِي أول الْوضُوء.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن القعْنبِي، وَفِي الطِّبّ عَن عبد الله بن يُوسُف. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، وَفِيه وَفِي الْحَج عَن قُتَيْبَة، الْكل عَن نعيم المجمر بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (على أنقاب الْمَدِينَة) ، الأنقاب جمع نقب، بِفَتْح النُّون، وَهُوَ جمع قلَّة وَجمع الْكَثْرَة: نقاب، وَقَالَ ابْن وهب: الأنقاب مدَاخِل الْمَدِينَة، وَقيل: هِيَ أَبْوَابهَا وفوهات طرقها الَّتِي يدْخل إِلَيْهَا مِنْهَا. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هِيَ الطّرق الَّتِي يسلكها النَّاس، وَمِنْه قَوْله عز وَجل: {فَنقبُوا فِي الْبِلَاد} (ق: ٦٣) . وَقَالَ أَبُو الْمعَانِي: النقب الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَكَذَلِكَ النقب والمنقب والمنقبة عَن يَعْقُوب، وَقَالَ ابْن سَيّده: النقب والنقب فِي أَي شَيْء كَانَ نقبه ينقبه نقبا، وَعَن الْقَزاز، وَيُقَال أَيْضا: نقب بِكَسْر النُّون، وَضبط ابْن فَارس بِالسُّكُونِ يَقْتَضِي أَن لَا يكون جمعه أنقابا كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا يجمع على نقاب، كَمَا رَوَاهُ أَبُو سعيد، وَفِيه برهَان عَظِيم ظَهرت صِحَّته ببركة دُعَائِهِ للمدينة. قَوْله: (الطَّاعُون) ، الْمَوْت من الوباء. وَقَوله: (لَا يدخلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال) جملَة مستأنفة، بَيَان لموجب اسْتِقْرَار الْمَلَائِكَة على الأنقاب.
٤٥٣ - (حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا أَبُو عَمْرو قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق قَالَ حَدثنِي أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لَيْسَ من بلد إِلَّا سيطؤه الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة لَيْسَ لَهَا من نقابها نقب إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة صافين يحرسونها ثمَّ ترجف الْمَدِينَة بِأَهْلِهَا ثَلَاث رجفات فَيخرج الله كل كَافِر ومنافق) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يدخلهَا الدَّجَّال والوليد هُوَ مُسلم الدِّمَشْقِي وَأَبُو عَمْرو هُوَ عبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَق هُوَ ابْن عبد الله بن أبي طَلْحَة والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عَليّ بن حجر عَن الْوَلِيد وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم عَن عمر بن عبد الْوَاحِد قَوْله " إِلَّا سيطؤه " مُسْتَثْنى من الْمُسْتَثْنى وَهُوَ قَوْله " لَيْسَ من بلد " وَهُوَ على ظَاهره وعمومه عِنْد الْجُمْهُور وشذ ابْن حزم فَقَالَ المُرَاد لَا يدْخلهُ بَعثه وَجُنُوده وَكَأَنَّهُ استبعد إِمْكَان دُخُول الدَّجَّال جَمِيع الْبِلَاد لقصر مدَّته وغفل عَمَّا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم أَن بعض أَيَّامه يكون قدر السّنة قَالَه بَعضهم (قلت) يحْتَمل أَن يكون إِطْلَاق قدر السّنة على بعض أَيَّامه لَيْسَ على حَقِيقَته بل لكَون الشدَّة الْعَظِيمَة الْخَارِجَة عَن الْحَد أطلق
عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قدر السّنة قَوْله " إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة " يَعْنِي لَا يطؤهما الدَّجَّال وَذكر الطَّبَرِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو " إِلَّا الْكَعْبَة وَبَيت الْمُقَدّس " وَزَاد أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ " وَمَسْجِد الطّور " وَرَوَاهُ من حَدِيث جُنَادَة بن أبي أُميَّة عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِي بعض الرِّوَايَات فَلَا يبْقى لَهُ مَوضِع إِلَّا وَيَأْخُذهُ غير مَكَّة وَالْمَدينَة وَبَيت الْمُقَدّس وجبل الطّور فَإِن الْمَلَائِكَة تطرده عَن هَذِه الْمَوَاضِع قَوْله " من نقابها " أَي نقاب الْمَدِينَة والنقاب بِكَسْر النُّون جمع نقب وَهُوَ جمع الْكَثْرَة وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ فِي الحَدِيث السَّابِق قَوْله " صافين " حَال من الْمَلَائِكَة وَهُوَ جمع صَاف من صف قَوْله " يحرسونها " من الْأَحْوَال المتداخلة قَوْله " ثمَّ ترجف الْمَدِينَة " أَي يحصل بهَا زَلْزَلَة بعد أُخْرَى ثمَّ فِي الرجفة الثَّالِثَة يخرج الله مِنْهَا من لَيْسَ مخلصا فِي إيمَانه وَيبقى بهَا الْمُؤمن المخلص فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ الدَّجَّال وَفِيه أَيْضا معْجزَة ظَاهِرَة للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَيْثُ أخبر عَن أَمر سَيكون قطعا وَفِيه بَيَان فضل الْمَدِينَة وَفضل أَهلهَا الْمُؤمنِينَ الخالصين
٢٨٨١ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثنا اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرنِي عُبَيْدُ الله بنُ عَبْدِ الله أنَّ أبَا سَعِيدٍ الخدْرِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا طَويلا عنِ الدَّجالِ فكانَ فِيما حدَّثنَا بهِ أنْ قالَ يأتِي الدَّجَّالُ وهْوَ مُحَرَّمٌ عليْهِ أنْ يَدْخُلَ نِقابَ المدِينَةِ بَعْضَ السِّباخِ الَّتِي بالمَدِينَةِ فيَخْرُجُ إليْهِ يَوْمَئِذٍ رجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فيَقُولُ أشْهَدُ أنَّكَ الدَّجالُ الَّذِي حَدثنَا عنْكَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَديثَهُ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أرأيْتَ إنْ قتَلْتُ هذَا ثُمَّ أحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأمرِ فيَقُولُونَ لَا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْييهِ فيَقُولُ حِينَ يُحْييهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أشَدَّ بَصِيرَةً منِّي الْيَوْمَ فيَقُولُ الدَّجَّالُ أقْتُلُهُ فَلا اسلَّطُ عَلَيْهِ.
(الحَدِيث ٢٨٨١ طرفه فِي: ٢٣٧١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يدل على أَن الدَّجَّال ينزل على سبخَة من سباخ الْمَدِينَة، وَلَا يقدر على الدُّخُول إِلَى الْمَدِينَة وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْفِتَن عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْفِتَن عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي عَن أبي الْيَمَان بِهِ، وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَحسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، ثَلَاثَتهمْ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن أبي دَاوُد وَسليمَان بن سيف عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (حَدثنَا) ، فعل ومفعول، وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَاعله، قَوْله: (عَن الدَّجَّال) أَي: عَن حَاله وَفعله. قَوْله: (أَن قَالَ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: قَوْله يَأْتِي الدَّجَّال. قَوْله: (وَهُوَ محرم عَلَيْهِ) ، جملَة حَالية. (ومحرم) على صِيغَة الْمَفْعُول من التَّحْرِيم، قَوْله: (أَن يدْخل) كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: دُخُوله وَهِي فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهُ فِي تَقْدِير الْفَاعِل. قَوْله: (ينزل) جملَة مستأنفة كَانَ الْقَائِل يَقُول: إِذا كَانَ الدُّخُول عَلَيْهِ حَرَامًا فَكيف يفعل؟ قَالَ ينزل بعض السباخ، بِكَسْر السِّين: حمع سبخَة، وَهِي الأَرْض الَّتِي تعلوها الملوحة، مَعْنَاهُ: ينزل خَارج الْمَدِينَة على أَرض سبخَة من سباخ الْمَدِينَة. قَوْله: (فَيخرج إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الدَّجَّال. قَوْله: (رجل هُوَ خير النَّاس) قَالَ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي، يُقَال: إِن هَذَا الرجل هُوَ الْخضر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه وَكَذَا قَالَ معمر فِي جَامِعَة بَلغنِي أَن ذَلِك الرجل هُوَ الْخضر عَلَيْهِ الْخضر عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قَوْله: (أَو من خير النَّاس) شكّ من الرَّاوِي. قَوْله: (أَرَأَيْت؟) ، أَي: أَخْبرنِي. قَوْله: (فَيَقُولُونَ) ، الْقَائِلُونَ بِهِ إِمَّا الْيَهُود ومصدقوه من أهل الشقاوة، وَإِمَّا أَعم مِنْهُم، وقالوه خوفًا مِنْهُ لَا تَصْدِيقًا، أَو قصدُوا بِهِ عدم الشَّك فِي كفره، وَكَونه دجالًا. قَوْله: (أَشد بَصِيرَة مني الْيَوْم) لِأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخْبرنِي بِأَن عَلامَة الدَّجَّال أَنه يحيى الْمَقْتُول، فزادت بصيرته بِحُصُول تِلْكَ الْعَلامَة، ويروى: (أَشد مني بَصِيرَة الْيَوْم) ، فالمفضل والمفضل عَلَيْهِ كِلَاهُمَا هُوَ نفس الْمُتَكَلّم لكنه مفضل بِاعْتِبَار غَيره. قَوْله: (أَقتلهُ فَلَا أسلط عَلَيْهِ) أَي: أَقتلهُ فَلَا أسلط على قَتله، وأسلط على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلَا بُد من تَقْدِير الْهمزَة الإنكارية. ويروى بِظُهُور الْهمزَة لفظا وَأما حَدِيث، وَكَأَنَّهُ يُنكر