الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٧٧
الحديث رقم ١٨٧٧ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من كاد أهل المدينة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ آطَامِ الْمَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ، وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ (١) وَالتَّبَرُّكُ بِمُشَاهَدَةِ آثَارِهِ وَآثَارِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَرْنِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ خَاصَّةً. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ الْبِدَعِ وَأَنَّ عَمَلَهُمْ حُجَّةٌ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ. اهـ. وَهَذَا إِنْ سَلِمَ اخْتُصَّ بِعَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَانْتِشَارِ الصَّحَابَةِ فِي الْبِلَادِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَهُوَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
٧ - بَاب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ) أَيْ: أَرَادَ بِأَهْلِهَا سُوءًا، وَالْكَيْدُ الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ فِي الْمَسَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ) هُوَ ابْنُ مُوسَى، وَالْجُعَيْدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ أَيْ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تَعْنِي أَبَاهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا انْمَاعَ) أَيْ: ذَابَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ جَمِيعًا، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، نَعَمْ فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ قَالَ عِيَاضٌ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ إِشْكَالَ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ، وَتُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ أَرَادَهَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسُوءٍ اضْمَحَلَّ أَمْرُهُ كَمَا يَضْمَحِلُّ الرَّصَاصُ فِي النَّارِ، فَيَكُونُ فِي اللَّفْظِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الدُّنْيَا بِسُوءٍ، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ بَلْ يَذْهَبُ سُلْطَانُهُ عَنْ قُرْبٍ كَمَا وَقَعَ لِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عُوجِلَ عَنْ قُرْبٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ كَادَهَا اغْتِيَالًا وَطَلَبًا لِغِرَّتِهَا فِي غَفْلَةٍ فَلَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ، بِخِلَافِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جِهَارًا كَمَا اسْتَبَاحَهَا مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظَالِمًا لَهُمْ أَخَافَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
٨ - بَاب آطَامِ الْمَدِينَةِ
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ، تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٦ - (بابٌ الإيمانُ يأرِزُ إلَى المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْإِيمَان يأرز إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يأرز) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالهمزة الساكنة بعد الْألف ثمَّ بالراء الْمَكْسُورَة. ثمَّ بالزاي أَي: يَنْضَم ويجتمع بعضه إِلَى بعض فِيهَا، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) عَن أبي الْحسن بن السراج ضم الرَّاء، وَعَن الْقَابِسِيّ فتح الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب الْكسر. قلت: فعلى مَا ذكرُوا تَأتي هَذِه الْمَادَّة من ثَلَاثَة أَبْوَاب: من بَاب ضرب يضْرب، وَمن بَاب نصر ينصر، وَمن بَاب علم يعلم. فَافْهَم.
٦٧٨١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إلىَ المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا.
التَّرْجَمَة عين الحَدِيث غير أَنه ترك لَام التَّأْكِيد فِي الأول.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الخزامي وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: خبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الرَّحْمَن خَال عبيد الله، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر. الْخَامِس: حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله وَقد روى عبيد الله عَن خَاله خبيب بِهَذَا الْإِسْنَاد عدَّة أَحَادِيث، وَهَذَا الْإِسْنَاد هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب عبيد الله، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سليم عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْبَزَّار، وَقَالَ الْبَزَّار: يحيى بن سليم أَخطَأ فِيهِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (إِن الْإِيمَان) أَي: أهل الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: ليأرز، للتَّأْكِيد. وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ: إِن الْمَدِينَة لَا يَأْتِيهَا إلَاّ مُؤمن، وَإِنَّمَا يَسُوقهُ إِلَيْهَا إيمَانه ومحبته فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكَانَ الْإِيمَان يرجع إِلَيْهَا كَمَا خرج مِنْهَا أَولا. وَمِنْهَا ينتشر كانتشار الْحَيَّة من جحرها، ثمَّ إِذا راعها شَيْء رجعت إِلَى جحرها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والقرن الَّذِي كَانَ مِنْهُم وَالَّذين يَلُونَهُمْ خَاصَّة، لِأَنَّهُ كَانَ الْأَمر مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِيه تَنْبِيه على صِحَة مَذْهَبهم وسلامتهم من الْبدع، وَأَن عَمَلهم حجَّة، كَمَا رَوَاهُ مَالك، رَحمَه الله. قلت: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِلَى انْقِضَاء الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَهِي تسعون سنة، وَأما بعد ذَلِك فقد تَغَيَّرت الْأَحْوَال وَكَثُرت الْبدع خُصُوصا فِي زَمَاننَا هَذَا على مَا لَا يخفى.
٧ - (بابُ إثْمِ منْ كادَ أهْلَ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إصم من كَاد أهل الْمَدِينَة أَي: أَرَادَ بهم سوءا، وَكَاد فعل ماضٍ من الكيد، وَهُوَ الْمَكْر. تَقول: كاده يكيده كيدا ومكيدة. وَكَذَلِكَ المكايدة.
٧٧٨١ - حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ قَالَ أخبرنَا الْفَضْلُ عنْ جُعَيْدٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سَمِعْتُ سَعْدا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ إلَاّ انْمَاعَ كَمَا يَنْماعُ الْمِلْحُ فِي المَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بَيَانه أَن الَّذِي يكيد أهل الْمَدِينَة يذيبه الله تَعَالَى فِي النَّار ذوب الرصاصد وَلَا يسْتَحق هَذَا ذَاك الْعَذَاب إلَاّ عَن ارتكابه إِثْمًا عَظِيما، وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث مُسلم من طَرِيق عَامر بن سعد عَن أَبِيه فِي أثْنَاء حَدِيث: (وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إلَاّ أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص، أَو ذوب الْملح فِي المَاء) . وحسين بن حُرَيْث بن الْحسن ابْن ثَابت بن قُطْبَة أَبُو عمار الْمروزِي مولى عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ، قَالَ السراج: مَاتَ بقصر اللُّصُوص مُنْصَرفه عَن الْحَج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَالْفضل هُوَ ابْن مُوسَى اليناني، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين، وَقد مر فِي: بَاب من تَوَضَّأ من الْجَنَابَة، وجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا ومكبرا. ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَعَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، مَاتَت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الطَّرِيق، وَأخرجه مُسلم من طرق. مِنْهَا: من حَدِيث أبي عبد الله الْقَرَّاظ أَنه قَالَ: أشهد على أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: زمن أَرَادَ أهل هَذِه الْبَلدة بِسوء يَعْنِي الْمَدِينَة أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة أَنه سمع الْقَرَّاظ، وَكَانَ من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة، يزْعم أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أَهلهَا بالسوء) ، يُرِيد: الْمَدِينَة، (أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه قَالَ: أَخْبرنِي دِينَار الْقَرَّاظ، قَالَ: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أهل الْمَدِينَة بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه الكعبي عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، أَنه سمع سعد بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثلِهِ، غير أَنه قَالَ: بدهم أَو بِسوء. وَمِنْهَا: من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، قَالَ: سمعته يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وسعدا يَقُولَانِ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أللهم بَارك لأهل الْمَدِينَة فِي مدهم. .) وسَاق الحَدِيث، وَفِيه: (من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. .) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث السَّائِب بن خلان رَفعه: (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظَالِما لَهُم، أخافه الله وَكَانَت عَلَيْهِ لعنة الله) الحَدِيث، وروى ابْن حبَان نَحوه من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (سَمِعت سَعْدا) يَعْنِي: أَبَاهَا سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إلَاّ انماع) : أَي: ذاب، وعَلى وزن انفعل من الميعان، يُقَال: ماع الشَّيْء يميع وانماع ينماع إِذا ذاب، وَيجوز بادغام النُّون فِي الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: ذاب وَجرى على وَجه الأَرْض مثلا شَيْئا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي أَرَادَ الله الْمَكْر بهم لَا يمهله الله وَلم يُمكن لَهُ كَمَا انْقَضى شَأْن من حاربها أَيَّام بني أُميَّة مثل مُسلم بن عقبَة، فَإِنَّهُ هلك فِي مُنْصَرفه عَنْهَا، ثمَّ هلك مرسله إِلَيْهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة على إِثْر ذَلِك، وَغَيرهمَا مِمَّن صنع صنيعهما، وَقيل: المُرَاد من كادها اغتيالاً، وعَلى غَفلَة من أَهلهَا لَا يتم لَهُ أَمر، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من أرادها فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسوء اضمحل أمره كَمَا يضمحل الرصاص فِي النَّار. قَوْله: (كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) ، وَجه هَذَا التَّشْبِيه أَنه شبه أهل الْمَدِينَة مَعَ وفور علمهمْ وصفاء قرائحهم بِالْمَاءِ، وَشبه من يُرِيد الكيد بهم بالملح لِأَن نكاية كيدهم لما كَانَت رَاجِعَة إِلَيْهِ شبهوا بالملح الَّذِي يُرِيد إِفْسَاد المَاء فيذوب هُوَ بِنَفسِهِ. فَإِن قلت: يلْزم على هَذَا كدورة أهل الْمَدِينَة بِسَبَب فنائهم؟ قلت: المُرَاد مُجَرّد الإفناء، وَلَا يلْزم فِي وَجه التَّشْبِيه أَن يكون شَامِلًا جَمِيع أَوْصَاف الْمُشبه بِهِ نَحْو قَوْلهم: النَّحْو فِي الْكَلَام كالملح للطعام.
٨ - (بابُ آطامِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وَقع من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة إشرافه على أطام الْمَدِينَة والأطام بِالْمدِّ جمع أَطَم بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْحُصُون الَّتِي تبنى بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: هُوَ كل بَيت مربع مسطح والآطام جمع قلَّة لِأَنَّهُ على وزن أَفعَال وَجمع الْكَثْرَة أطوم والواحدة: أطمة، كأكمة.
٨٧٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثناابنُ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أشْرَفَ النبيُّ علَى أُطُمٍ مِنْ آطامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أرَى
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلتَّعَلُّمِ مِنْهُ، وَفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ (١) وَالتَّبَرُّكُ بِمُشَاهَدَةِ آثَارِهِ وَآثَارِ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَرْنِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ خَاصَّةً. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَلَامَتِهِمْ مِنَ الْبِدَعِ وَأَنَّ عَمَلَهُمْ حُجَّةٌ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ. اهـ. وَهَذَا إِنْ سَلِمَ اخْتُصَّ بِعَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَمَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَانْتِشَارِ الصَّحَابَةِ فِي الْبِلَادِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَهُوَ بِالْمُشَاهَدَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
٧ - بَاب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ) أَيْ: أَرَادَ بِأَهْلِهَا سُوءًا، وَالْكَيْدُ الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ فِي الْمَسَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ) هُوَ ابْنُ مُوسَى، وَالْجُعَيْدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ أَيْ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تَعْنِي أَبَاهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا انْمَاعَ) أَيْ: ذَابَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ جَمِيعًا، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، نَعَمْ فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ قَالَ عِيَاضٌ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ إِشْكَالَ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ، وَتُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ أَرَادَهَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسُوءٍ اضْمَحَلَّ أَمْرُهُ كَمَا يَضْمَحِلُّ الرَّصَاصُ فِي النَّارِ، فَيَكُونُ فِي اللَّفْظِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الدُّنْيَا بِسُوءٍ، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ بَلْ يَذْهَبُ سُلْطَانُهُ عَنْ قُرْبٍ كَمَا وَقَعَ لِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عُوجِلَ عَنْ قُرْبٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ كَادَهَا اغْتِيَالًا وَطَلَبًا لِغِرَّتِهَا فِي غَفْلَةٍ فَلَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ، بِخِلَافِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جِهَارًا كَمَا اسْتَبَاحَهَا مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظَالِمًا لَهُمْ أَخَافَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
٨ - بَاب آطَامِ الْمَدِينَةِ
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ، تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٦ - (بابٌ الإيمانُ يأرِزُ إلَى المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْإِيمَان يأرز إِلَى الْمَدِينَة. قَوْله: (يأرز) ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالهمزة الساكنة بعد الْألف ثمَّ بالراء الْمَكْسُورَة. ثمَّ بالزاي أَي: يَنْضَم ويجتمع بعضه إِلَى بعض فِيهَا، وَحكى صَاحب (الْمطَالع) عَن أبي الْحسن بن السراج ضم الرَّاء، وَعَن الْقَابِسِيّ فتح الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: الصَّوَاب الْكسر. قلت: فعلى مَا ذكرُوا تَأتي هَذِه الْمَادَّة من ثَلَاثَة أَبْوَاب: من بَاب ضرب يضْرب، وَمن بَاب نصر ينصر، وَمن بَاب علم يعلم. فَافْهَم.
٦٧٨١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ حدَّثنا أنَسُ بنُ عِياضٍ قَالَ حدَّثني عُبَيْدُ الله عنْ خُبَيْبِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ حَفْصِ بنِ عاصِمٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إلىَ المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا.
التَّرْجَمَة عين الحَدِيث غير أَنه ترك لَام التَّأْكِيد فِي الأول.
ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر أَبُو إِسْحَاق الخزامي وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن الْمُنْذر بن الْمُغيرَة. الثَّانِي: أنس بن عِيَاض أَبُو ضَمرَة. الثَّالِث: عبيد الله بن عمر الْعمريّ. الرَّابِع: خبيب، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: ابْن عبد الرَّحْمَن خَال عبيد الله، وَقد مر فِي: بَاب الصَّلَاة بعد الْفجْر. الْخَامِس: حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده. وَفِيه: أَن رِجَاله كلهم مدنيون. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن خَاله وَقد روى عبيد الله عَن خَاله خبيب بِهَذَا الْإِسْنَاد عدَّة أَحَادِيث، وَهَذَا الْإِسْنَاد هَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَاب عبيد الله، وَفِي رِوَايَة يحيى بن سليم عَن عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: رَوَاهُ ابْن حبَان وَالْبَزَّار، وَقَالَ الْبَزَّار: يحيى بن سليم أَخطَأ فِيهِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْحَج عَن أبي بكر بن أبي شيبَة بِهِ.
قَوْله: (إِن الْإِيمَان) أَي: أهل الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: ليأرز، للتَّأْكِيد. وَقَالَ الْمُهلب فِيهِ: إِن الْمَدِينَة لَا يَأْتِيهَا إلَاّ مُؤمن، وَإِنَّمَا يَسُوقهُ إِلَيْهَا إيمَانه ومحبته فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَكَانَ الْإِيمَان يرجع إِلَيْهَا كَمَا خرج مِنْهَا أَولا. وَمِنْهَا ينتشر كانتشار الْحَيَّة من جحرها، ثمَّ إِذا راعها شَيْء رجعت إِلَى جحرها. وَقَالَ الدَّاودِيّ: كَانَ هَذَا فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والقرن الَّذِي كَانَ مِنْهُم وَالَّذين يَلُونَهُمْ خَاصَّة، لِأَنَّهُ كَانَ الْأَمر مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَفِيه تَنْبِيه على صِحَة مَذْهَبهم وسلامتهم من الْبدع، وَأَن عَمَلهم حجَّة، كَمَا رَوَاهُ مَالك، رَحمَه الله. قلت: هَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِلَى انْقِضَاء الْقُرُون الثَّلَاثَة، وَهِي تسعون سنة، وَأما بعد ذَلِك فقد تَغَيَّرت الْأَحْوَال وَكَثُرت الْبدع خُصُوصا فِي زَمَاننَا هَذَا على مَا لَا يخفى.
٧ - (بابُ إثْمِ منْ كادَ أهْلَ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إصم من كَاد أهل الْمَدِينَة أَي: أَرَادَ بهم سوءا، وَكَاد فعل ماضٍ من الكيد، وَهُوَ الْمَكْر. تَقول: كاده يكيده كيدا ومكيدة. وَكَذَلِكَ المكايدة.
٧٧٨١ - حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ حُرَيْثٍ قَالَ أخبرنَا الْفَضْلُ عنْ جُعَيْدٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ سَمِعْتُ سَعْدا رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ لَا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ إلَاّ انْمَاعَ كَمَا يَنْماعُ الْمِلْحُ فِي المَاءِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، بَيَانه أَن الَّذِي يكيد أهل الْمَدِينَة يذيبه الله تَعَالَى فِي النَّار ذوب الرصاصد وَلَا يسْتَحق هَذَا ذَاك الْعَذَاب إلَاّ عَن ارتكابه إِثْمًا عَظِيما، وَهَذَا مَأْخُوذ من حَدِيث مُسلم من طَرِيق عَامر بن سعد عَن أَبِيه فِي أثْنَاء حَدِيث: (وَلَا يُرِيد أحد أهل الْمَدِينَة بِسوء إلَاّ أذابه الله فِي النَّار ذوب الرصاص، أَو ذوب الْملح فِي المَاء) . وحسين بن حُرَيْث بن الْحسن ابْن ثَابت بن قُطْبَة أَبُو عمار الْمروزِي مولى عمرَان بن الْحصين الْخُزَاعِيّ، قَالَ السراج: مَاتَ بقصر اللُّصُوص مُنْصَرفه عَن الْحَج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَالْفضل هُوَ ابْن مُوسَى اليناني، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالنونين، وَقد مر فِي: بَاب من تَوَضَّأ من الْجَنَابَة، وجعيد، بِضَم الْجِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة مُصَغرًا ومكبرا. ابْن عبد الرَّحْمَن، وَقد مر فِي الْوضُوء، وَعَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص، مَاتَت بِالْمَدِينَةِ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد البُخَارِيّ بِهَذَا الطَّرِيق، وَأخرجه مُسلم من طرق. مِنْهَا: من حَدِيث أبي عبد الله الْقَرَّاظ أَنه قَالَ: أشهد على أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِم، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: زمن أَرَادَ أهل هَذِه الْبَلدة بِسوء يَعْنِي الْمَدِينَة أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة أَنه سمع الْقَرَّاظ، وَكَانَ من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة، يزْعم أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أَهلهَا بالسوء) ، يُرِيد: الْمَدِينَة، (أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه قَالَ: أَخْبرنِي دِينَار الْقَرَّاظ، قَالَ: سَمِعت سعد بن أبي وَقاص، يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أَرَادَ أهل الْمَدِينَة بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء) . وَمِنْهَا: من حَدِيث عمر بن نبيه الكعبي عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، أَنه سمع سعد بن مَالك يَقُول: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِمثلِهِ، غير أَنه قَالَ: بدهم أَو بِسوء. وَمِنْهَا: من حَدِيث أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الله الْقَرَّاظ، قَالَ: سمعته يَقُول: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة وسعدا يَقُولَانِ: (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أللهم بَارك لأهل الْمَدِينَة فِي مدهم. .) وسَاق الحَدِيث، وَفِيه: (من أَرَادَ أَهلهَا بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب الْملح فِي المَاء. .) وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث السَّائِب بن خلان رَفعه: (من أَخَاف أهل الْمَدِينَة ظَالِما لَهُم، أخافه الله وَكَانَت عَلَيْهِ لعنة الله) الحَدِيث، وروى ابْن حبَان نَحوه من حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
قَوْله: (سَمِعت سَعْدا) يَعْنِي: أَبَاهَا سعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (إلَاّ انماع) : أَي: ذاب، وعَلى وزن انفعل من الميعان، يُقَال: ماع الشَّيْء يميع وانماع ينماع إِذا ذاب، وَيجوز بادغام النُّون فِي الْمِيم، قَالَ الْكرْمَانِي: ذاب وَجرى على وَجه الأَرْض مثلا شَيْئا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي أَرَادَ الله الْمَكْر بهم لَا يمهله الله وَلم يُمكن لَهُ كَمَا انْقَضى شَأْن من حاربها أَيَّام بني أُميَّة مثل مُسلم بن عقبَة، فَإِنَّهُ هلك فِي مُنْصَرفه عَنْهَا، ثمَّ هلك مرسله إِلَيْهَا يزِيد بن مُعَاوِيَة على إِثْر ذَلِك، وَغَيرهمَا مِمَّن صنع صنيعهما، وَقيل: المُرَاد من كادها اغتيالاً، وعَلى غَفلَة من أَهلهَا لَا يتم لَهُ أَمر، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد من أرادها فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِسوء اضمحل أمره كَمَا يضمحل الرصاص فِي النَّار. قَوْله: (كَمَا ينماع الْملح فِي المَاء) ، وَجه هَذَا التَّشْبِيه أَنه شبه أهل الْمَدِينَة مَعَ وفور علمهمْ وصفاء قرائحهم بِالْمَاءِ، وَشبه من يُرِيد الكيد بهم بالملح لِأَن نكاية كيدهم لما كَانَت رَاجِعَة إِلَيْهِ شبهوا بالملح الَّذِي يُرِيد إِفْسَاد المَاء فيذوب هُوَ بِنَفسِهِ. فَإِن قلت: يلْزم على هَذَا كدورة أهل الْمَدِينَة بِسَبَب فنائهم؟ قلت: المُرَاد مُجَرّد الإفناء، وَلَا يلْزم فِي وَجه التَّشْبِيه أَن يكون شَامِلًا جَمِيع أَوْصَاف الْمُشبه بِهِ نَحْو قَوْلهم: النَّحْو فِي الْكَلَام كالملح للطعام.
٨ - (بابُ آطامِ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا وَقع من كَلَام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من جِهَة إشرافه على أطام الْمَدِينَة والأطام بِالْمدِّ جمع أَطَم بِضَمَّتَيْنِ، وَهِي الْحُصُون الَّتِي تبنى بِالْحِجَارَةِ، وَقيل: هُوَ كل بَيت مربع مسطح والآطام جمع قلَّة لِأَنَّهُ على وزن أَفعَال وَجمع الْكَثْرَة أطوم والواحدة: أطمة، كأكمة.
٨٧٨١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدَّثناابنُ شِهَابٍ قَالَ أخبرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أشْرَفَ النبيُّ علَى أُطُمٍ مِنْ آطامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ هَلْ تَرَوْنَ مَا أرَى