الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٧١
الحديث رقم ١٨٧١ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: الْمَدِينَةُ طَابَةٌ
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ
⦗٢١⦘
أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
حث النبي صلى الله عليه وسلم على المقاربة بين أداء نسك الحج ونسك العمرة وعدم الانقطاع عن أدائهما مع الاستطاعة، لأن أداءهما يكون سببًا في إزالة الفقر والذنوب وأثرها في القلب، كما أن نفخ النار يكون سببًا في إزالة وسَخ الحديد وما يخالطه من معادن ليست منه.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ بِمَا لَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيَانُ مَا أُجْمِلَ مِنْ حَدِّ حَرَمِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ حَيْثُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَبَيَّنَ فِي هَذَا أَنَّهُ مَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ زِيَادَةُ تَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَبَيَانُ حَدِّ الْحَرَمِ أَيْضًا.
٢ - بَاب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ) أَيِ: الشِّرَارُ مِنْهُمْ، وَرَاعَى فِي التَّرْجَمَةِ لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَقَرِينَةُ إِرَادَةِ الشِّرَارِ مِنَ النَّاسِ ظَاهِرَةٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْوَاقِعِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْإِخْرَاجُ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ تُنَقِّي بِالْقَافِ لَحُمِلَ لَفْظُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَبْوَابٍ الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ
قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَشَيْخُهُ أَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ عَلَى إِسْنَادِهِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ عِيسَى الطَّبَّاعَ فَقَالَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ: وَتَابَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ.
قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) أَيْ: أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا أَوْ سُكْنَاهَا، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِمَكَّةَ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (تَأْكُلُ الْقُرَى) أَيْ: تَغْلِبُهُمْ. وَكَنَّى بِالْأَكْلِ عَنِ الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ الْآكِلَ غَالِبٌ عَلَى الْمَأْكُولِ. وَوَقَعَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى؟ قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى. وَبَسَطَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: مَعْنَاهُ: يَفْتَحُ أَهْلُهَا الْقُرَى فَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونَ ذَرَارِيَّهُمْ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْنَا بَلَدَ كَذَا، إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا. وَسَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّ أَكْلَهَا وَمِيرَتَهَا مِنَ الْقُرَى الْمُفْتَتَحَةِ، وَإِلَيْهَا تُسَاقُ غَنَائِمُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَكْلِهَا الْقُرَى غَلَبَةَ فَضْلِهَا عَلَى فَضْلِ غَيْرِهَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفَضَائِلَ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى تَكَادَ تَكُونُ عَدَمًا. قُلْتُ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فَقَالَ: لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: تَأْكُلُ الْقُرَى إِلَّا رُجُوحُ فَضْلِهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا، كَذَا قَالَ. وَدَعْوَى الْحَصْرِ مَرْدُودَةٌ لِمَا مَضَى، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَقَدْ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى، قَالَ: وَالْمَذْكُورُ لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ لَا تَنْمَحِي إِذَا وُجِدَتْ مَا هِيَ لَهُ أُمٌّ، لَكِنْ يَكُونُ حَقُّ الْأُمِّ أَظْهَرَ وَفَضْلُهَا أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ) أَيْ إِنَّ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ يُسَمِّيهَا يَثْرِبَ، وَاسْمُهَا الَّذِي يَلِيقُ بِهَا الْمَدِينَةُ. وَفَهِمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا كَرَاهَةَ تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ يَثْرِبَ وَقَالُوا: مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
قَالَ: وَسَبَبُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ يَثْرِبَ إِمَّا مِنَ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ، أَوْ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَكِلَاهُمَا مُسْتَقْبَحٌ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإذنٍ، وبالجملة فإن أُريد ولاء الحلف فهو سائغٌ، وإن أُريد ولاء العتق فلا مفهوم له، وإنَّما هو للتَّنبيه على المانع؛ وهو إبطال حقِّ الموالي (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) قال النَّوويُّ: وفي هذا الحديث إبطالُ ما يزعمه الشِّيعة ويفترونه من قولهم: إنَّ عليًّا ﵁ أُوصِي إليه بأمورٍ كثيرةٍ من أسرار العلم وقواعد الدِّين، وإنَّه ﷺ خصَّ أهل البيت بما لم يُطْلِع عليه غيرهم، فهذه دعاوى باطلة، واختراعاتٌ فاسدة، وفيه: دليلٌ على جواز كتابة العلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَدْلٌ) أي: (فِدَاءٌ) وهذا تفسير الأصمعيِّ، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره، في غير رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي.
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه وشيخ شيخه فبصريَّان.
(٢) (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ) أي: شرارهم، وسقط لابن عساكر «وأنَّها تنفي الناس» (١).
١٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف المُوحَّدة الأولى (سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) بالمهملة المُخفَّفة (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) بضمِّ الهمزة؛ أي: أمرني ربِّي بالهجرة إلى قريةٍ (تَأْكُلُ القُرَى) أي: تغلبها وتظهر عليها؛ يعني: أنَّ أهلها تغلب أهل (٢) سائر البلاد فتُفتَح منها، يُقال: أكلْنا بني
فلانٍ؛ أي: غلبناهم وظهرنا عليهم، فإنَّ الغالب المستولي على الشَّيء كالمفني له إفناءَ الآكل إيَّاه، وفي «مُوطَّأ ابن وهبٍ»: قلت لمالكٍ: ما «تأكلُ القُرى؟» قال: تَفْتَحُ القُرى، وقال ابن المُنيِّر في «الحاشية»: قال السُّهيليُّ: في التَّوراة يقول الله: يا طابة، يا مسكينة، إنِّي سأرفع أجاجيرك (١) على أجاجير القرى، وهو قريبٌ من قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّها إذا علت عليها علوَّ الغلبة أكلَتْهَا، أو يكون المراد: يأكل فضلُها الفضائلَ؛ أي: يغلب فضلُها الفضائلَ، حتَّى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنِّسبة إليها، فهو المراد بالأكل، وقد جاء في مكَّة: أنَّها أمُّ القرى كما جاء في المدينة: تأكل القرى، لكنَّ المذكور للمدينة أبلغ من المذكور لمكَّة لأنَّ الأمومة لا يُمحَى بوجودها وجود ما هي أمٌّ له، لكن يكون حقُّ الأمِّ أظهر، وأمَّا قوله: «تأكل القرى» فمعناه: أنَّ الفضائل تضمحلُّ في جنب عظيم فضلها، حتَّى تكاد تكون عدمًا، وما تضمحلُّ (٢) له الفضائل أفضل وأعظم (٣) ممَّا تبقى معه الفضائل. انتهى. وهو ينزع إلى تفضيل المدينة على مكَّة، قال المُهلَّب: لأنَّ المدينة هي التي أدخلت مكَّة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، وأُجيب بأنَّ أهل المدينة الذين فتحوا مكَّة معظمهم من أهل مكَّة، فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله ﵊ [خ¦١٨٨١]: «ليس من بلدٍ إلَّا سيطؤه الدَّجَّال إلَّا مكَّة والمدينة» التَّساوي بين فضل مكَّة والمدينة، ومباحث التَّفضيل بين الموضعين مشهورةٌ، وقال الأبيُّ من المالكيَّة: واختار ابن رشدٍ وشيخنا أبو عبد الله -أي: ابن عرفة- تفضيل مكَّة، واحتجَّ ابن رشدٍ لذلك بأنَّ الله تعالى جعل بها قبلة الصَّلاة وكعبة الحجِّ، وبأنَّه تعالى (٤) جعل لها مزيَّةً بتحريم الله تعالى إيَّاها أنَّ الله حرَّم مكَّة
ولم يحرِّمها النَّاسُ، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها، ولم يُجمِعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة، ومن دخله كان آمنًا، ولم يقل أحدٌ بذلك في المدينة، وكان الذَّنب في حرم مكَّة أغلظ منه في حرم المدينة، فكان ذلك دليلًا على فضلها عليها، قال: ولا حجَّة في الأحاديث المرغِّبة في سكنى المدينة على فضلها عليها، قال: ولا دليل في قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّه إنَّما أخبر أنَّه أُمِر بالهجرة إلى قريةٍ تُفتَح منها البلاد.
(يَقُولُونَ) أي: بعض المنافقين للمدينة: (يَثْرِبُ) يسمُّونها باسم واحدٍ من العمالقة نزلها، وقيل: يثرب بن قانئة من ولد إرم بن سام (١) بن نوحٍ، وهو اسمٌ كان لموضع منها سُمِّيت كلُّها به، وكرهه ﷺ لأنَّه من التَّثريب الذي هو: التَّوبيخ والملامة، أو من الثَّرْب؛ وهو الفساد، وكلاهما قبيحٌ، وقد كان ﵊ يحبُّ الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ولذا بدَّله بطابة والمدينة، ولذلك قال: يقولون ذلك (وَهْيَ المَدِينَةُ) أي: الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة، والنَّجم للثُّريَّا، فهو اسمها الحقيق بها لأنَّ التَّركيب يدلُّ على التَّفخيم كقول الشَّاعر:
..................... … همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالدٍ
أي: هي المستحقَّة لأن تُتَّخَذ دار إقامةٍ، وأمَّا تسميتها في القرآن بيثرب (٢) فإنَّما هو حكايةٌ عن المنافقين، وروى أحمد عن البراء بن عازبٍ رفعه: «من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة»، وروى عمر بن شبَّة عن أبي أيُّوب: أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يُقال للمدينة: يثرب، ولهذا (٣) قال عيسى بن دينارٍ من المالكيَّة: من سمَّى المدينة يثرب كُتِبت عليه خطيئةٌ، لكن في «الصَّحيحين» في حديث «الهجرة» [خ¦٦٣/ ٤٥ - ٥٨١٥] «فإذا هي يثرب»، وفي روايةٍ: «لا أراها إلَّا يثرب»، وقد يُجاب: بأنَّه قبل النَّهي.
(تَنْفِي) المدينة (النَّاسَ) أي: الخبيث الرَّديء منهم في زمنه ﵊، أو زمن الدَّجَّال (كَمَا يَنْفِي الكِيرُ) بكسر الكاف وسكون التَّحتيَّة، قال في «القاموس»: زِقٌّ ينفخ فيه الحدَّاد، وأمَّا المبنيُّ من الطِّين فكُورٌ (خَبَثَ الحَدِيدِ) بفتح الخاء المعجمة والمُوحَّدة ونصب المُثلَّثة على
المفعوليَّة؛ أي: وسخه الذي تُخرِجه النَّار؛ أي: أنَّها لا تترك فيها من في قلبه دغلٌ، بل تميِّزه عن القلوب الصَّادقة وتخرجه كما تميِّز النَّار (١) رديء الحديد من جيِّده، ونُسِب التَّمييز للكير لكونه السَّبب الأكبر في اشتعال النَّار التي وقع التَّمييز بها، وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النَّبويَّة معاذٌ وأبو عبيدة وابن مسعودٍ وطائفةٌ، ثمَّ عليٌّ وطلحة والزُّبير وعمَّارٌ وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أنَّ المرادَ بالحديثِ تخصيصُ ناسٍ دون ناسٍ، ووقتٍ دون وقتٍ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير».
(٣) (بابُ المَدِينَةِ) بالإضافة، من أسمائها (طَابَةُ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المدينةُ طابةُ» ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وأصل طابة: طيبة فقُلِبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها؛ أي: من أسمائها طابة، وليس فيه ما يدلُّ (٢) على أنَّها لا تُسمَّى بغير ذلك، ولها أسماء كثيرةٌ، وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى، فمن أسمائها: طَيْبة؛ كهيبة وطِيْبَة؛ كصيبة، وطائبٌ؛ ككاتبٍ، فهذه الثَّلاثة -مع طابة؛ كـ «شامة» - أخواتٌ لفظًا ومعنًى، مختلفاتٌ صيغةً ومبنًى، وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلِّها، ولطهارتها من الشِّرك وحلول الطَّيِّب بها صلوات الله وسلامه عليه، ولطيب العيش بها، ولكونها تنفي خبثها وينصع طيبُها، ولله درُّ الإشبيليِّ حيث قال: لتربة المدينة نفحةٌ ليس كما عُهِد من الطِّيب، بل هو عجبٌ من الأعاجيب، وقال بعضهم ممَّا ذكره في «الفتح»: وفي طيب ترابها وهوائها دليلٌ شاهدٌ على صحَّة هذه التَّسمية؛ لأنَّ من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحةً طيِّبةً لا يكاد يجدها في غيرها. انتهى. ومن أسمائها: بيت الرَّسول ﷺ، قال الله (٣) تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] أي: من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، والحرم لتحريمها -كما مرَّ- والحبيبة لحبِّه ﷺ لها ودعائه به،
وحَرَمُ الرَّسول ﵊ لأنَّه الذي حرَّمها، وفي «الطَّبرانيِّ» بسندٍ رجاله ثقاتٌ: «حرم إبراهيم مكَّة وحرمي المدينة»، وحسنة قال الله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ٤١] أي: مباءةً حسنةً؛ وهي المدينة، ودار الأبرار، ودار الأخيار لأنَّها دار المختار والمهاجرين والأنصار، وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم، فليست له في الحقيقة بدار، وربَّما نُقِل منها بعد الإقبار، ودار الإيمان، ودار السُّنَّة، ودار السَّلامة، ودار الفتح، ودار الهجرة؛ فمنها فُتِحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السَّيِّد (١) المختار، ومنها انتشرت السُّنَّة في الأقطار، والشَّافية لحديث: «ترابها شفاءٌ من كلِّ داءٍ»، وذكر ابن مسدي: الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، وقبَّة الإسلام لحديث: «المدينة قبَّة الإسلام»، والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقةً؛ لخلقه (٢) قابليَّةَ ذلك فيها كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا؛ لاتِّصاف أهلها به وانتشاره منها، وفي خبرٍ: «والذي نفسي بيده إنَّ تربتها لمؤمنةٌ»، وفي آخر: «إنَّها المكتوبةُ (٣) في التَّوراة مؤمنةٌ»، ومُبَارَكةٌ لأنَّ الله تعالى بارك فيها بدعائه ﷺ لها (٤) وحلوله فيها، والمختارة لأنَّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه، والمحفوظة لحفظها من الطَّاعون والدَّجَّال وغيرهما، ومدخل صدقٍ، والمرزوقة؛ أي: المرزوق أهلها، والمسكينة، نُقِل عن التَّوراة -كما مرَّ- ورُوِي مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز (٥)، أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى»، والمسكنة: الخضوع والخشوع (٦) خلقه الله تعالى فيها، أو هي مسكن الخاشعين، أسأل الله تعالى (٧) العظيم (٨)، بوجاهة وجهه الوجيه، ونبيِّه النَّبيه، عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم (٩)، أن يجعلني من ساكنيها المقرَّبين، حيًّا وميتًا، إنَّه جابر المنكسرين، وواصل المنقطعين، ومنها المُقدَّسة لتنزُّهها عن الشِّرك وكونها تنفي الذُّنوب،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الحَدِيث. قَوْله: (يسْعَى بهَا) يَعْنِي: أَن ذمَّة الْمُسلمين سَوَاء صدرت من وَاحِد أَو أَكثر شرِيف أَو وضيع، فَإِذا آمن أحد من الْمُسلمين كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذمَّته لم يكن لأحد نقضه، فيستوي فِي ذَلِك الرجل وَالْمَرْأَة، وَالْحر وَالْعَبْد، لِأَن الْمُسلمين كَنَفس وَاحِدَة. وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على الشِّيعَة فِيمَا يَدعُونَهُ من أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْده وَصِيَّة من سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهُ بِأُمُور كَثِيرَة من أسرار الْعلم وقواعد الدّين. وَفِيه: جَوَاز كِتَابَة الْعلم. وَفِيه: الْمُحدث والمروي لَهُ فِي الْإِثْم سَوَاء. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز أَمَان الْمَرْأَة وَالْعَبْد، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجوز إلَاّ إِذا أذن الْمولى لعَبْدِهِ بِالْقِتَالِ. وَفِيه: أَن نقض الْعَهْد حرَام. وَفِيه: ذمّ انتماء الْإِنْسَان إِلَى غير أَبِيه، أَو انتماء الْعَتِيق إِلَى غير مُعْتقه لما فِيهِ من كفر النِّعْمَة وتضييع الْحُقُوق وَالْوَلَاء وَالْعقل، وَغير ذَلِك، مَعَ مَا فِيهِ من قطيعة الرَّحِم والعقوق.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله عَدْلٌ فِدَاءٌ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن تَفْسِير الْعدْل عِنْده بِمَعْنى الْفِدَاء، وَهَذَا مُوَافق لتفسير الْأَصْمَعِي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا: أَعنِي قَوْله: قَالَ عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.
٢ - (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وأنَّها تَنْفِي النَّاسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَدِينَة، وَفِي بَيَان أَنَّهَا تَنْفِي النَّاس، قَالُوا: يَعْنِي شرارهم؟ قلت: جعلُوا لفظ تَنْفِي من النَّفْي، فَلذَلِك قدرُوا هَذَا التَّقْدِير، وَالْأَحْسَن عِنْدِي أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة من التنقية بِالْقَافِ، وَالْمعْنَى: أَن الْمَدِينَة تنقي النَّاس فتبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْمَدِينَة كالكير تنقي خبثها وتنصع طببها) ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِن حَاصِل الْمَعْنى يؤول إِلَى مَا ذكرنَا، وَإِن كَانَ لفظ الحَدِيث من النَّفْي بِالْفَاءِ.
١٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا الحُبابِ سَعِيدَ ابنَ يَسارٍ يقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تأكُلُ الْقُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وهْيَ المَدِينَةُ تَنُفي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تقدمُوا، وَأَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، ويسار ضد الْيَمين وَقَالَ بَعضهم: رجال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن عبد الله بن يُوسُف تنيسي وَأَصله من دمشق، وَقَالَ أَبُو عمر: اتّفق الروَاة عَن مَالك على إِسْنَاده إلَاّ إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع، فَقَالَ: عَن مَالك عَن يحيى عَن سعيد بن الْمسيب، بدل: سعيد بن يسَار، وَهُوَ خطأ قلت: لم ينْفَرد الطباع بِهَذَا، لِأَن الدَّارَقُطْنِيّ ذكر فِي كتاب (غرائب مَالك) كَمَا رَوَاهُ الطباع من حَدِيث أَحْمد بن بكر بن خَالِد السّلمِيّ عَن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عَمْرو عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أمرت بقرية) ، أَي: أمرت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَالنُّزُول بهَا، فَإِن كَانَ قَالَ ذَلِك بِمَكَّة فَهُوَ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَإِن كَانَ قَالَه بِالْمَدِينَةِ فبسكناها. قَوْله: (تَأْكُل الْقرى) ، أَي: يغلب أَهلهَا سَائِر الْبِلَاد، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْغَلَبَة لِأَن الْآكِل غَالب على الْمَأْكُول، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الْأكل أَنَّهَا مَرْكَز جيوش الْإِسْلَام فِي أول الْأَمر فَمِنْهَا فتحت الْبِلَاد فَغنِمت أموالها. أَو أَن أكلهَا يكون من الْقرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، وَوَقع فِي (موطأ ابْن وهب) : قلت لمَالِك: مَا تَأْكُل الْقرى؟ قَالَ: تفتح الْقرى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بأكلها الْقرى غَلَبَة فَضلهَا على فضل غَيرهَا، فَمَعْنَاه: أَن الْفَضَائِل تضمحل فِي جنب عَظِيم فَضلهَا حَتَّى يكَاد تكون عدما، وَقد سميت مَكَّة أم الْقرى، قيل: الْمَذْكُور للمدينة أبلغ مِنْهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يظْهر من كَلَامه أَنه مِمَّن يرجح الْمَدِينَة
على مَكَّة. قَوْله: (يَقُولُونَ: يثرب) أَرَادَ أَن بعض الْمُنَافِقين يَقُولُونَ للمدينة: يثرب، يَعْنِي يسمونها بِهَذَا الإسم، وَاسْمهَا الَّذِي يَلِيق بهَا: الْمَدِينَة، وَقد كره بَعضهم من هَذَا تَسْمِيَة الْمَدِينَة يثرب، وَقَالُوا: مَا وَقع فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن قَول غير الْمُؤمنِينَ، وروى أَحْمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه: (من سمَّى الْمَدِينَة يثرب فليستغفر الله تَعَالَى: هِيَ طابة) . وروى عمر بن شبة من حَدِيث أبي أَيُّوب (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يُقَال للمدينة: يثرب) ، وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار، من الْمَالِكِيَّة: من سمى الْمَدِينَة يثرب كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة، قَالُوا: وَسبب هَذِه الْكَرَاهَة لِأَن يثرب من التثريب الَّذِي هُوَ التوبيخ والملامة، أَو من الثرب وَهُوَ الْفساد، وَكِلَاهُمَا مستقبح، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يحب الإسم الْحسن وَيكرهُ الإسم الْقَبِيح، قَوْله: (تَنْفِي النَّاس) ، قَالَ أَبُو عمر: أَي: تَنْفِي شرار النَّاس، أَلا يرى أَنه مثل ذَلِك وَشبهه بِمَا يصنع الْكِير فِي الْحَدِيد، والكير إِنَّمَا يَنْفِي ردىء الْحَدِيد وخبثه، وَلَا يَنْفِي جيده؟ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي، وَالله أعلم، إِنَّمَا كَانَ فِي حَيَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَحِينَئِذٍ لم يكن يخرج من الْمَدِينَة رَغْبَة عَن جواره فِيهَا إلَاّ من لَا خير فِيهِ. وَأما بعد وَفَاته فقد خرج مِنْهَا الْخِيَار والفضلاء والأبرار، وَقَالَ عِيَاض: وَكَانَ هَذَا يخْتَص بزمنه لِأَنَّهُ لم يكن يصبر على الْهِجْرَة وَالْمقَام مَعَه بهَا إلَاّ من ثَبت إيمَانه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَيْسَ هَذَا بِظَاهِر، لِأَن عِنْد مُسلم: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَهَذَا، وَالله أعلم، زمن الدَّجَّال. قَوْله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي (التَّلْوِيح) : الْكِير هُوَ دَار الْحَدِيد والصائغ وَلَيْسَ الْجلد الَّذِي تسميه الْعَامَّة كيرا، كَذَا قَالَ أهل اللُّغَة، وَمِنْه حَدِيث أبي أُمَامَة وَأبي رَيْحَانَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْحمى كير من جَهَنَّم، وَهُوَ نصيب الْمُؤمن من النَّار) . وَقيل: فِي الْكِير لُغَة أُخْرَى: كور، بِضَم الْكَاف، وَالْمَشْهُور بَين النَّاس أَنه: الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ، لَكِن أَكثر أهل اللُّغَة على أَن المُرَاد بالكير: حَانُوت الْحداد والصائغ وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: الْكِير هُوَ الزق، والحانوت هُوَ الكور. وَفِي (الْمُحكم) : الْكِير الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ الْحداد، وَيُؤَيّد الأول مَا رَوَاهُ عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي مَرْدُود، قَالَ: رأى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كير حداد فِي السُّوق، فَضَربهُ بِرجلِهِ حَتَّى هَدمه، وَفِي (الْمُحكم) وَالْجمع أكيار وكيرة، وَعَن ثَعْلَب: كيران، وَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْرُوف فِي كتب اللُّغَة، إِنَّمَا الكيران جمع كور، وَهُوَ الْمرجل. وَفِي (الصِّحَاح) : المنجل، وَعَن أبي عَمْرو: الْكِير الْحداد وَهُوَ زق أَو جلد غليظ ذُو حافات. قَوْله: (خبث الْحَدِيد) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، وَهُوَ وسخ الْحَدِيد الَّذِي تخرجه النَّار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الْبَاء، وَفِيه نظر، وَالْمرَاد أَنَّهَا لَا ينزل فِيهَا من فِي قلبه دغل، بل يميزه عَن الْقُلُوب الصادقة ويخرجه، كَمَا يُمَيّز الْحداد رَدِيء الْحَدِيد من جيده، وَنسب التَّمْيِيز للكير لكَونه السَّبَب الْأَكْبَر فِي إشعال النَّار الَّتِي يَقع بهَا التَّمْيِيز.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة: هَذَا الحَدِيث حجَّة لمن فضل الْمَدِينَة على مَكَّة، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أدخلت مَكَّة وَسَائِر الْقرى فِي الْإِسْلَام، فَصَارَت الْقرى وَمَكَّة فِي صَحَائِف أهل الْمَدِينَة، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأهل الْمَدِينَة، وروى عَن أَحْمد خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: روى الْقطع بتفضيل مَكَّة على الْمَدِينَة عَن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جَابر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَعبيد الله بن عدي، مِنْهُم ثَلَاثَة مدنيون بأسانيد فِي غَايَة الصِّحَّة، قَالَ: وَهُوَ قَول جَمِيع الصَّحَابَة وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتج مقلد وَمَالك بأخبرا ثَابِتَة مِنْهَا، قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) . قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، إِنَّمَا فِيهِ أَنه حرمهَا كَمَا حرمهَا إِبْرَاهِيم، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم بَارك لنا فِي تمرنا ومدنا) ، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم إجعل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة) ، قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فيهمَا، إِنَّمَا فيهمَا الدُّعَاء للمدينة وَلَيْسَ من بَاب الْفضل فِي شَيْء، وَبِقَوْلِهِ: الْمَدِينَة كالكير) ، وَلَا حجَّة لَهُم، لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي وَقت دون وَقت، وَفِي قوم دون قوم، وَفِي خَاص دون عَام، انْتهى. وَاحْتج بَعضهم على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة بقوله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَلَا حجَّة فِي ذَلِك، لِأَن هَذَا فِي خَاص من النَّاس وَمن الزَّمَان بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق} (التَّوْبَة: ١٠١) . وَالْمُنَافِق خَبِيث بِلَا شكّ، وَقد خرج من الْمَدِينَة بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، ثمَّ عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار وَآخَرُونَ، وهم من أطيب الْخلق، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ تَخْصِيص نَاس دون نَاس، وَوقت دون وَقت.
٣ - (بابٌ المَدِينةُ طابَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَدِينَة: طابة، أَي: من أسمائها: طابة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنَّهَا لَا تسمى بِغَيْر ذَلِك، وأصل طابة طيبَة لِأَنَّهَا من الطّيب، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، فوزنها: فالة، لَا: فاعة.
٢٧٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ هاذِهِ طابَةُ..
التَّرْجَمَة متن الحَدِيث، وخَالِد بن مخلد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل وَقد مضى فِي أَوَاخِر الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
قَوْله: (طابة) ، وَفِي بعض طرقه: (طيبَة) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا: (إِن الله سمى الْمَدِينَة طابة) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن سماك بِلَفْظ: (كَانُوا يسمون الْمَدِينَة يثرب، فسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طابة) . وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وَسميت طابة لطيبها لساكنها. وَقيل: من طيب الْعَيْش بهَا، وَقيل: من أَقَامَ بهَا يجد من تربَتهَا وحيطانها رَائِحَة طيبَة لَا تكَاد تُوجد فِي غَيرهَا. قلت: وَأي طيب يجده الْمُقِيم بهَا أطيب من مُشَاهدَة قَبره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَهَل طيب أطيب من تربته؟ وَكَيف لَا وَبَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة؟ فَاعْتبر بِهَذَا طيب التربة الَّتِي ضمت جسده الْكَرِيم، وللمدينة أسامي كَثِيرَة، وَقد ذكرنَا بَعْضهَا عَن قريب. وروى الزبير فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، قَالَ: بَلغنِي أَن لَهَا أَرْبَعِينَ إسما، وَرُوِيَ من طَرِيق أبي سُهَيْل بن مَالك عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: نجد فِي كتاب الله تَعَالَى، الَّذِي أنزل على مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن الله قَالَ للمدينة: يَا طيبَة، يَا طابة، يَا مسكينة، لَا تقبلي الْكُنُوز أرفع أجاجيرك على الْقرى.
٤ - (بابُ لَابَتَيْ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر لابتي الْمَدِينَة فِي الحَدِيث، وَقد مر تَفْسِير الْآيَة.
٣٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا زَعَرْتُهَا قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى ابْن يحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (الظباء) جمع ظَبْي. قَوْله: (ترتع) ، أَي: ترعى، وَقيل: تنبسط. قَوْله: (مَا ذعرتها) أَي: مَا أخفتها وَمَا نفَّرتها، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، يُقَال: ذعرته أذعره ذعرا: أفزعته، وَالِاسْم: الذعر، بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور، وكني بذلك عَن عدم صيدها لِأَنَّهُ مِمَّن يَقُول بِأَن للمدينة حرما وَمِمَّنْ يروي فِي ذَلِك بقوله: {قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، وَهِي: بَين لابتين شرقية وغربية، وَلها لابتان أَيْضا من الْجَانِبَيْنِ الآخرين إلَاّ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْأَوليين لاتصالهما بهما، وَالْحَاصِل أَن جَمِيع دورها كلهَا دَاخل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أللهم إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها) ، وَوَقع عِنْد أَحْمد: (مَا بَين حرتيها) ، وَفِي رِوَايَة: مَا بَين مأزميها) ، وَعَن هَذَا قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، والمأزمان تَثْنِيَة مأزم، بِهَمْزَة بعد مِيم وبكسر الزَّاي، هُوَ الْجَبَل، وَقيل: الْمضيق بَين الجبلين وَنَحْوه، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا بَين جبليها.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ بِمَا لَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيَانُ مَا أُجْمِلَ مِنْ حَدِّ حَرَمِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ حَيْثُ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَبَيَّنَ فِي هَذَا أَنَّهُ مَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ زِيَادَةُ تَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَبَيَانُ حَدِّ الْحَرَمِ أَيْضًا.
٢ - بَاب فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ) أَيِ: الشِّرَارُ مِنْهُمْ، وَرَاعَى فِي التَّرْجَمَةِ لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَقَرِينَةُ إِرَادَةِ الشِّرَارِ مِنَ النَّاسِ ظَاهِرَةٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْوَاقِعِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْإِخْرَاجُ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ تُنَقِّي بِالْقَافِ لَحُمِلَ لَفْظُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ. وَقَدْ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ أَبْوَابٍ الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ
قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَشَيْخُهُ أَبُو الْحُبَابِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ عَلَى إِسْنَادِهِ إِلَّا إِسْحَاقَ بْنَ عِيسَى الطَّبَّاعَ فَقَالَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ خَطَأٌ. قُلْتُ: وَتَابَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ.
قَوْلُهُ: (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) أَيْ: أَمَرَنِي رَبِّي بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا أَوْ سُكْنَاهَا، فَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِمَكَّةَ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ بِالْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (تَأْكُلُ الْقُرَى) أَيْ: تَغْلِبُهُمْ. وَكَنَّى بِالْأَكْلِ عَنِ الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ الْآكِلَ غَالِبٌ عَلَى الْمَأْكُولِ. وَوَقَعَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ قُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا تَأْكُلُ الْقُرَى؟ قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى. وَبَسَطَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ: مَعْنَاهُ: يَفْتَحُ أَهْلُهَا الْقُرَى فَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَسْبُونَ ذَرَارِيَّهُمْ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ. تَقُولُ الْعَرَبُ: أَكَلْنَا بَلَدَ كَذَا، إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا. وَسَبَقَهُ الْخَطَّابِيُّ إِلَى مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّ أَكْلَهَا وَمِيرَتَهَا مِنَ الْقُرَى الْمُفْتَتَحَةِ، وَإِلَيْهَا تُسَاقُ غَنَائِمُهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأَكْلِهَا الْقُرَى غَلَبَةَ فَضْلِهَا عَلَى فَضْلِ غَيْرِهَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفَضَائِلَ تَضْمَحِلُّ فِي جَنْبِ عَظِيمِ فَضْلِهَا حَتَّى تَكَادَ تَكُونُ عَدَمًا. قُلْتُ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فَقَالَ: لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: تَأْكُلُ الْقُرَى إِلَّا رُجُوحُ فَضْلِهَا عَلَيْهَا وَزِيَادَتُهَا عَلَى غَيْرِهَا، كَذَا قَالَ. وَدَعْوَى الْحَصْرِ مَرْدُودَةٌ لِمَا مَضَى، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَقَدْ سُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرَى، قَالَ: وَالْمَذْكُورُ لِلْمَدِينَةِ أَبْلَغُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأُمُومَةَ لَا تَنْمَحِي إِذَا وُجِدَتْ مَا هِيَ لَهُ أُمٌّ، لَكِنْ يَكُونُ حَقُّ الْأُمِّ أَظْهَرَ وَفَضْلُهَا أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ) أَيْ إِنَّ بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ يُسَمِّيهَا يَثْرِبَ، وَاسْمُهَا الَّذِي يَلِيقُ بِهَا الْمَدِينَةُ. وَفَهِمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا كَرَاهَةَ تَسْمِيَةِ الْمَدِينَةِ يَثْرِبَ وَقَالُوا: مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَفَعَهُ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، هِيَ طَابَةُ هِيَ طَابَةُ وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُقَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مَنْ سَمَّى الْمَدِينَةَ يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.
قَالَ: وَسَبَبُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّ يَثْرِبَ إِمَّا مِنَ التَّثْرِيبِ الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخُ وَالْمَلَامَةُ، أَوْ مِنَ الثَّرْبِ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَكِلَاهُمَا مُسْتَقْبَحٌ، وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ. وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بإذنٍ، وبالجملة فإن أُريد ولاء الحلف فهو سائغٌ، وإن أُريد ولاء العتق فلا مفهوم له، وإنَّما هو للتَّنبيه على المانع؛ وهو إبطال حقِّ الموالي (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) قال النَّوويُّ: وفي هذا الحديث إبطالُ ما يزعمه الشِّيعة ويفترونه من قولهم: إنَّ عليًّا ﵁ أُوصِي إليه بأمورٍ كثيرةٍ من أسرار العلم وقواعد الدِّين، وإنَّه ﷺ خصَّ أهل البيت بما لم يُطْلِع عليه غيرهم، فهذه دعاوى باطلة، واختراعاتٌ فاسدة، وفيه: دليلٌ على جواز كتابة العلم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: (عَدْلٌ) أي: (فِدَاءٌ) وهذا تفسير الأصمعيِّ، وسقط قوله: «قال أبو عبد الله … » إلى آخره، في غير رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي.
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والعنعنة، وثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ، ورواته كلُّهم كوفيُّون إلَّا شيخه وشيخ شيخه فبصريَّان.
(٢) (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ) أي: شرارهم، وسقط لابن عساكر «وأنَّها تنفي الناس» (١).
١٨٧١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ) بضمِّ الحاء المهملة وتخفيف المُوحَّدة الأولى (سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) بالمهملة المُخفَّفة (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ) بضمِّ الهمزة؛ أي: أمرني ربِّي بالهجرة إلى قريةٍ (تَأْكُلُ القُرَى) أي: تغلبها وتظهر عليها؛ يعني: أنَّ أهلها تغلب أهل (٢) سائر البلاد فتُفتَح منها، يُقال: أكلْنا بني
فلانٍ؛ أي: غلبناهم وظهرنا عليهم، فإنَّ الغالب المستولي على الشَّيء كالمفني له إفناءَ الآكل إيَّاه، وفي «مُوطَّأ ابن وهبٍ»: قلت لمالكٍ: ما «تأكلُ القُرى؟» قال: تَفْتَحُ القُرى، وقال ابن المُنيِّر في «الحاشية»: قال السُّهيليُّ: في التَّوراة يقول الله: يا طابة، يا مسكينة، إنِّي سأرفع أجاجيرك (١) على أجاجير القرى، وهو قريبٌ من قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّها إذا علت عليها علوَّ الغلبة أكلَتْهَا، أو يكون المراد: يأكل فضلُها الفضائلَ؛ أي: يغلب فضلُها الفضائلَ، حتَّى إذا قيست بفضلها تلاشت بالنِّسبة إليها، فهو المراد بالأكل، وقد جاء في مكَّة: أنَّها أمُّ القرى كما جاء في المدينة: تأكل القرى، لكنَّ المذكور للمدينة أبلغ من المذكور لمكَّة لأنَّ الأمومة لا يُمحَى بوجودها وجود ما هي أمٌّ له، لكن يكون حقُّ الأمِّ أظهر، وأمَّا قوله: «تأكل القرى» فمعناه: أنَّ الفضائل تضمحلُّ في جنب عظيم فضلها، حتَّى تكاد تكون عدمًا، وما تضمحلُّ (٢) له الفضائل أفضل وأعظم (٣) ممَّا تبقى معه الفضائل. انتهى. وهو ينزع إلى تفضيل المدينة على مكَّة، قال المُهلَّب: لأنَّ المدينة هي التي أدخلت مكَّة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها، وأُجيب بأنَّ أهل المدينة الذين فتحوا مكَّة معظمهم من أهل مكَّة، فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين، وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله ﵊ [خ¦١٨٨١]: «ليس من بلدٍ إلَّا سيطؤه الدَّجَّال إلَّا مكَّة والمدينة» التَّساوي بين فضل مكَّة والمدينة، ومباحث التَّفضيل بين الموضعين مشهورةٌ، وقال الأبيُّ من المالكيَّة: واختار ابن رشدٍ وشيخنا أبو عبد الله -أي: ابن عرفة- تفضيل مكَّة، واحتجَّ ابن رشدٍ لذلك بأنَّ الله تعالى جعل بها قبلة الصَّلاة وكعبة الحجِّ، وبأنَّه تعالى (٤) جعل لها مزيَّةً بتحريم الله تعالى إيَّاها أنَّ الله حرَّم مكَّة
ولم يحرِّمها النَّاسُ، وأجمع أهل العلم على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها، ولم يُجمِعوا على وجوبه على من صاد بالمدينة، ومن دخله كان آمنًا، ولم يقل أحدٌ بذلك في المدينة، وكان الذَّنب في حرم مكَّة أغلظ منه في حرم المدينة، فكان ذلك دليلًا على فضلها عليها، قال: ولا حجَّة في الأحاديث المرغِّبة في سكنى المدينة على فضلها عليها، قال: ولا دليل في قوله: «أُمِرت بقريةٍ تأكل القرى» لأنَّه إنَّما أخبر أنَّه أُمِر بالهجرة إلى قريةٍ تُفتَح منها البلاد.
(يَقُولُونَ) أي: بعض المنافقين للمدينة: (يَثْرِبُ) يسمُّونها باسم واحدٍ من العمالقة نزلها، وقيل: يثرب بن قانئة من ولد إرم بن سام (١) بن نوحٍ، وهو اسمٌ كان لموضع منها سُمِّيت كلُّها به، وكرهه ﷺ لأنَّه من التَّثريب الذي هو: التَّوبيخ والملامة، أو من الثَّرْب؛ وهو الفساد، وكلاهما قبيحٌ، وقد كان ﵊ يحبُّ الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح ولذا بدَّله بطابة والمدينة، ولذلك قال: يقولون ذلك (وَهْيَ المَدِينَةُ) أي: الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة، والنَّجم للثُّريَّا، فهو اسمها الحقيق بها لأنَّ التَّركيب يدلُّ على التَّفخيم كقول الشَّاعر:
..................... … همُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالدٍ
أي: هي المستحقَّة لأن تُتَّخَذ دار إقامةٍ، وأمَّا تسميتها في القرآن بيثرب (٢) فإنَّما هو حكايةٌ عن المنافقين، وروى أحمد عن البراء بن عازبٍ رفعه: «من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة»، وروى عمر بن شبَّة عن أبي أيُّوب: أنَّ رسول الله ﷺ نهى أن يُقال للمدينة: يثرب، ولهذا (٣) قال عيسى بن دينارٍ من المالكيَّة: من سمَّى المدينة يثرب كُتِبت عليه خطيئةٌ، لكن في «الصَّحيحين» في حديث «الهجرة» [خ¦٦٣/ ٤٥ - ٥٨١٥] «فإذا هي يثرب»، وفي روايةٍ: «لا أراها إلَّا يثرب»، وقد يُجاب: بأنَّه قبل النَّهي.
(تَنْفِي) المدينة (النَّاسَ) أي: الخبيث الرَّديء منهم في زمنه ﵊، أو زمن الدَّجَّال (كَمَا يَنْفِي الكِيرُ) بكسر الكاف وسكون التَّحتيَّة، قال في «القاموس»: زِقٌّ ينفخ فيه الحدَّاد، وأمَّا المبنيُّ من الطِّين فكُورٌ (خَبَثَ الحَدِيدِ) بفتح الخاء المعجمة والمُوحَّدة ونصب المُثلَّثة على
المفعوليَّة؛ أي: وسخه الذي تُخرِجه النَّار؛ أي: أنَّها لا تترك فيها من في قلبه دغلٌ، بل تميِّزه عن القلوب الصَّادقة وتخرجه كما تميِّز النَّار (١) رديء الحديد من جيِّده، ونُسِب التَّمييز للكير لكونه السَّبب الأكبر في اشتعال النَّار التي وقع التَّمييز بها، وقد خرج من المدينة بعد الوفاة النَّبويَّة معاذٌ وأبو عبيدة وابن مسعودٍ وطائفةٌ، ثمَّ عليٌّ وطلحة والزُّبير وعمَّارٌ وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أنَّ المرادَ بالحديثِ تخصيصُ ناسٍ دون ناسٍ، ووقتٍ دون وقتٍ.
وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «التَّفسير».
(٣) (بابُ المَدِينَةِ) بالإضافة، من أسمائها (طَابَةُ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المدينةُ طابةُ» ولأبي ذرٍّ: «طابةٌ» بالتَّنوين، وأصل طابة: طيبة فقُلِبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها؛ أي: من أسمائها طابة، وليس فيه ما يدلُّ (٢) على أنَّها لا تُسمَّى بغير ذلك، ولها أسماء كثيرةٌ، وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى، فمن أسمائها: طَيْبة؛ كهيبة وطِيْبَة؛ كصيبة، وطائبٌ؛ ككاتبٍ، فهذه الثَّلاثة -مع طابة؛ كـ «شامة» - أخواتٌ لفظًا ومعنًى، مختلفاتٌ صيغةً ومبنًى، وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلِّها، ولطهارتها من الشِّرك وحلول الطَّيِّب بها صلوات الله وسلامه عليه، ولطيب العيش بها، ولكونها تنفي خبثها وينصع طيبُها، ولله درُّ الإشبيليِّ حيث قال: لتربة المدينة نفحةٌ ليس كما عُهِد من الطِّيب، بل هو عجبٌ من الأعاجيب، وقال بعضهم ممَّا ذكره في «الفتح»: وفي طيب ترابها وهوائها دليلٌ شاهدٌ على صحَّة هذه التَّسمية؛ لأنَّ من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحةً طيِّبةً لا يكاد يجدها في غيرها. انتهى. ومن أسمائها: بيت الرَّسول ﷺ، قال الله (٣) تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] أي: من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، والحرم لتحريمها -كما مرَّ- والحبيبة لحبِّه ﷺ لها ودعائه به،
وحَرَمُ الرَّسول ﵊ لأنَّه الذي حرَّمها، وفي «الطَّبرانيِّ» بسندٍ رجاله ثقاتٌ: «حرم إبراهيم مكَّة وحرمي المدينة»، وحسنة قال الله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل: ٤١] أي: مباءةً حسنةً؛ وهي المدينة، ودار الأبرار، ودار الأخيار لأنَّها دار المختار والمهاجرين والأنصار، وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم، فليست له في الحقيقة بدار، وربَّما نُقِل منها بعد الإقبار، ودار الإيمان، ودار السُّنَّة، ودار السَّلامة، ودار الفتح، ودار الهجرة؛ فمنها فُتِحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السَّيِّد (١) المختار، ومنها انتشرت السُّنَّة في الأقطار، والشَّافية لحديث: «ترابها شفاءٌ من كلِّ داءٍ»، وذكر ابن مسدي: الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، وقبَّة الإسلام لحديث: «المدينة قبَّة الإسلام»، والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقةً؛ لخلقه (٢) قابليَّةَ ذلك فيها كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا؛ لاتِّصاف أهلها به وانتشاره منها، وفي خبرٍ: «والذي نفسي بيده إنَّ تربتها لمؤمنةٌ»، وفي آخر: «إنَّها المكتوبةُ (٣) في التَّوراة مؤمنةٌ»، ومُبَارَكةٌ لأنَّ الله تعالى بارك فيها بدعائه ﷺ لها (٤) وحلوله فيها، والمختارة لأنَّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه، والمحفوظة لحفظها من الطَّاعون والدَّجَّال وغيرهما، ومدخل صدقٍ، والمرزوقة؛ أي: المرزوق أهلها، والمسكينة، نُقِل عن التَّوراة -كما مرَّ- ورُوِي مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز (٥)، أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى»، والمسكنة: الخضوع والخشوع (٦) خلقه الله تعالى فيها، أو هي مسكن الخاشعين، أسأل الله تعالى (٧) العظيم (٨)، بوجاهة وجهه الوجيه، ونبيِّه النَّبيه، عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم (٩)، أن يجعلني من ساكنيها المقرَّبين، حيًّا وميتًا، إنَّه جابر المنكسرين، وواصل المنقطعين، ومنها المُقدَّسة لتنزُّهها عن الشِّرك وكونها تنفي الذُّنوب،
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الحَدِيث. قَوْله: (يسْعَى بهَا) يَعْنِي: أَن ذمَّة الْمُسلمين سَوَاء صدرت من وَاحِد أَو أَكثر شرِيف أَو وضيع، فَإِذا آمن أحد من الْمُسلمين كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذمَّته لم يكن لأحد نقضه، فيستوي فِي ذَلِك الرجل وَالْمَرْأَة، وَالْحر وَالْعَبْد، لِأَن الْمُسلمين كَنَفس وَاحِدَة. وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: رد على الشِّيعَة فِيمَا يَدعُونَهُ من أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْده وَصِيَّة من سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَهُ بِأُمُور كَثِيرَة من أسرار الْعلم وقواعد الدّين. وَفِيه: جَوَاز كِتَابَة الْعلم. وَفِيه: الْمُحدث والمروي لَهُ فِي الْإِثْم سَوَاء. وَفِيه: حجَّة لمن أجَاز أَمَان الْمَرْأَة وَالْعَبْد، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَعند أبي حنيفَة: لَا يجوز إلَاّ إِذا أذن الْمولى لعَبْدِهِ بِالْقِتَالِ. وَفِيه: أَن نقض الْعَهْد حرَام. وَفِيه: ذمّ انتماء الْإِنْسَان إِلَى غير أَبِيه، أَو انتماء الْعَتِيق إِلَى غير مُعْتقه لما فِيهِ من كفر النِّعْمَة وتضييع الْحُقُوق وَالْوَلَاء وَالْعقل، وَغير ذَلِك، مَعَ مَا فِيهِ من قطيعة الرَّحِم والعقوق.
قَالَ أبُو عَبْدِ الله عَدْلٌ فِدَاءٌ
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن تَفْسِير الْعدْل عِنْده بِمَعْنى الْفِدَاء، وَهَذَا مُوَافق لتفسير الْأَصْمَعِي، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا: أَعنِي قَوْله: قَالَ عبد الله ... إِلَى آخِره، وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.
٢ - (بابُ فَضْلِ المَدِينَةِ وأنَّها تَنْفِي النَّاسَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْمَدِينَة، وَفِي بَيَان أَنَّهَا تَنْفِي النَّاس، قَالُوا: يَعْنِي شرارهم؟ قلت: جعلُوا لفظ تَنْفِي من النَّفْي، فَلذَلِك قدرُوا هَذَا التَّقْدِير، وَالْأَحْسَن عِنْدِي أَن تكون هَذِه اللَّفْظَة من التنقية بِالْقَافِ، وَالْمعْنَى: أَن الْمَدِينَة تنقي النَّاس فتبقي خيارهم وتطرد شرارهم، ويناسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الْمَدِينَة كالكير تنقي خبثها وتنصع طببها) ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِن حَاصِل الْمَعْنى يؤول إِلَى مَا ذكرنَا، وَإِن كَانَ لفظ الحَدِيث من النَّفْي بِالْفَاءِ.
١٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبَا الحُبابِ سَعِيدَ ابنَ يَسارٍ يقُولُ سَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يقُولُ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تأكُلُ الْقُرى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وهْيَ المَدِينَةُ تَنُفي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد تقدمُوا، وَأَبُو الْحباب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة الأولى، ويسار ضد الْيَمين وَقَالَ بَعضهم: رجال الْإِسْنَاد كلهم مدنيون. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن عبد الله بن يُوسُف تنيسي وَأَصله من دمشق، وَقَالَ أَبُو عمر: اتّفق الروَاة عَن مَالك على إِسْنَاده إلَاّ إِسْحَاق بن عِيسَى الطباع، فَقَالَ: عَن مَالك عَن يحيى عَن سعيد بن الْمسيب، بدل: سعيد بن يسَار، وَهُوَ خطأ قلت: لم ينْفَرد الطباع بِهَذَا، لِأَن الدَّارَقُطْنِيّ ذكر فِي كتاب (غرائب مَالك) كَمَا رَوَاهُ الطباع من حَدِيث أَحْمد بن بكر بن خَالِد السّلمِيّ عَن مَالك.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن قُتَيْبَة عَن مَالك وَعَن عَمْرو النَّاقِد وَابْن أبي عَمْرو عَن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي التَّفْسِير عَن قُتَيْبَة بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أمرت بقرية) ، أَي: أمرت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَالنُّزُول بهَا، فَإِن كَانَ قَالَ ذَلِك بِمَكَّة فَهُوَ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا، وَإِن كَانَ قَالَه بِالْمَدِينَةِ فبسكناها. قَوْله: (تَأْكُل الْقرى) ، أَي: يغلب أَهلهَا سَائِر الْبِلَاد، وَهُوَ كِنَايَة عَن الْغَلَبَة لِأَن الْآكِل غَالب على الْمَأْكُول، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى الْأكل أَنَّهَا مَرْكَز جيوش الْإِسْلَام فِي أول الْأَمر فَمِنْهَا فتحت الْبِلَاد فَغنِمت أموالها. أَو أَن أكلهَا يكون من الْقرى المفتتحة وإليها تساق غنائمها، وَوَقع فِي (موطأ ابْن وهب) : قلت لمَالِك: مَا تَأْكُل الْقرى؟ قَالَ: تفتح الْقرى. وَقيل: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بأكلها الْقرى غَلَبَة فَضلهَا على فضل غَيرهَا، فَمَعْنَاه: أَن الْفَضَائِل تضمحل فِي جنب عَظِيم فَضلهَا حَتَّى يكَاد تكون عدما، وَقد سميت مَكَّة أم الْقرى، قيل: الْمَذْكُور للمدينة أبلغ مِنْهُ. انْتهى. قلت: الَّذِي يظْهر من كَلَامه أَنه مِمَّن يرجح الْمَدِينَة
على مَكَّة. قَوْله: (يَقُولُونَ: يثرب) أَرَادَ أَن بعض الْمُنَافِقين يَقُولُونَ للمدينة: يثرب، يَعْنِي يسمونها بِهَذَا الإسم، وَاسْمهَا الَّذِي يَلِيق بهَا: الْمَدِينَة، وَقد كره بَعضهم من هَذَا تَسْمِيَة الْمَدِينَة يثرب، وَقَالُوا: مَا وَقع فِي الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَن قَول غير الْمُؤمنِينَ، وروى أَحْمد من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَفعه: (من سمَّى الْمَدِينَة يثرب فليستغفر الله تَعَالَى: هِيَ طابة) . وروى عمر بن شبة من حَدِيث أبي أَيُّوب (أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أَن يُقَال للمدينة: يثرب) ، وَلِهَذَا قَالَ عِيسَى بن دِينَار، من الْمَالِكِيَّة: من سمى الْمَدِينَة يثرب كتبت عَلَيْهِ خَطِيئَة، قَالُوا: وَسبب هَذِه الْكَرَاهَة لِأَن يثرب من التثريب الَّذِي هُوَ التوبيخ والملامة، أَو من الثرب وَهُوَ الْفساد، وَكِلَاهُمَا مستقبح، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يحب الإسم الْحسن وَيكرهُ الإسم الْقَبِيح، قَوْله: (تَنْفِي النَّاس) ، قَالَ أَبُو عمر: أَي: تَنْفِي شرار النَّاس، أَلا يرى أَنه مثل ذَلِك وَشبهه بِمَا يصنع الْكِير فِي الْحَدِيد، والكير إِنَّمَا يَنْفِي ردىء الْحَدِيد وخبثه، وَلَا يَنْفِي جيده؟ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي، وَالله أعلم، إِنَّمَا كَانَ فِي حَيَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَحِينَئِذٍ لم يكن يخرج من الْمَدِينَة رَغْبَة عَن جواره فِيهَا إلَاّ من لَا خير فِيهِ. وَأما بعد وَفَاته فقد خرج مِنْهَا الْخِيَار والفضلاء والأبرار، وَقَالَ عِيَاض: وَكَانَ هَذَا يخْتَص بزمنه لِأَنَّهُ لم يكن يصبر على الْهِجْرَة وَالْمقَام مَعَه بهَا إلَاّ من ثَبت إيمَانه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَلَيْسَ هَذَا بِظَاهِر، لِأَن عِنْد مُسلم: (لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَهَذَا، وَالله أعلم، زمن الدَّجَّال. قَوْله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير) ، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي (التَّلْوِيح) : الْكِير هُوَ دَار الْحَدِيد والصائغ وَلَيْسَ الْجلد الَّذِي تسميه الْعَامَّة كيرا، كَذَا قَالَ أهل اللُّغَة، وَمِنْه حَدِيث أبي أُمَامَة وَأبي رَيْحَانَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (الْحمى كير من جَهَنَّم، وَهُوَ نصيب الْمُؤمن من النَّار) . وَقيل: فِي الْكِير لُغَة أُخْرَى: كور، بِضَم الْكَاف، وَالْمَشْهُور بَين النَّاس أَنه: الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ، لَكِن أَكثر أهل اللُّغَة على أَن المُرَاد بالكير: حَانُوت الْحداد والصائغ وَقَالَ ابْن التِّين: وَقيل: الْكِير هُوَ الزق، والحانوت هُوَ الكور. وَفِي (الْمُحكم) : الْكِير الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ الْحداد، وَيُؤَيّد الأول مَا رَوَاهُ عمر بن شبة فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي مَرْدُود، قَالَ: رأى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كير حداد فِي السُّوق، فَضَربهُ بِرجلِهِ حَتَّى هَدمه، وَفِي (الْمُحكم) وَالْجمع أكيار وكيرة، وَعَن ثَعْلَب: كيران، وَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْرُوف فِي كتب اللُّغَة، إِنَّمَا الكيران جمع كور، وَهُوَ الْمرجل. وَفِي (الصِّحَاح) : المنجل، وَعَن أبي عَمْرو: الْكِير الْحداد وَهُوَ زق أَو جلد غليظ ذُو حافات. قَوْله: (خبث الْحَدِيد) بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَفِي آخِره ثاء مُثَلّثَة، وَهُوَ وسخ الْحَدِيد الَّذِي تخرجه النَّار. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ويروى، بِضَم الْخَاء وَسُكُون الْبَاء، وَفِيه نظر، وَالْمرَاد أَنَّهَا لَا ينزل فِيهَا من فِي قلبه دغل، بل يميزه عَن الْقُلُوب الصادقة ويخرجه، كَمَا يُمَيّز الْحداد رَدِيء الْحَدِيد من جيده، وَنسب التَّمْيِيز للكير لكَونه السَّبَب الْأَكْبَر فِي إشعال النَّار الَّتِي يَقع بهَا التَّمْيِيز.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة: هَذَا الحَدِيث حجَّة لمن فضل الْمَدِينَة على مَكَّة، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أدخلت مَكَّة وَسَائِر الْقرى فِي الْإِسْلَام، فَصَارَت الْقرى وَمَكَّة فِي صَحَائِف أهل الْمَدِينَة، وَإِلَيْهِ ذهب مَالك وَأهل الْمَدِينَة، وروى عَن أَحْمد خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ ابْن حزم: روى الْقطع بتفضيل مَكَّة على الْمَدِينَة عَن سيدنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، جَابر وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عمر وَابْن الزبير وَعبيد الله بن عدي، مِنْهُم ثَلَاثَة مدنيون بأسانيد فِي غَايَة الصِّحَّة، قَالَ: وَهُوَ قَول جَمِيع الصَّحَابَة وَجُمْهُور الْعلمَاء، وَاحْتج مقلد وَمَالك بأخبرا ثَابِتَة مِنْهَا، قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة ودعا لَهَا، وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة كَمَا حرم إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام) . قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ، إِنَّمَا فِيهِ أَنه حرمهَا كَمَا حرمهَا إِبْرَاهِيم، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم بَارك لنا فِي تمرنا ومدنا) ، وَبِقَوْلِهِ: (أللهم إجعل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة) ، قَالَ: وَلَا حجَّة لَهُم فيهمَا، إِنَّمَا فيهمَا الدُّعَاء للمدينة وَلَيْسَ من بَاب الْفضل فِي شَيْء، وَبِقَوْلِهِ: الْمَدِينَة كالكير) ، وَلَا حجَّة لَهُم، لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي وَقت دون وَقت، وَفِي قوم دون قوم، وَفِي خَاص دون عَام، انْتهى. وَاحْتج بَعضهم على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة بقوله: (كَمَا يَنْفِي الْكِير خبث الْحَدِيد) ، وَلَا حجَّة فِي ذَلِك، لِأَن هَذَا فِي خَاص من النَّاس وَمن الزَّمَان بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق} (التَّوْبَة: ١٠١) . وَالْمُنَافِق خَبِيث بِلَا شكّ، وَقد خرج من الْمَدِينَة بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم معَاذ وَأَبُو عُبَيْدَة وَابْن مَسْعُود وَطَائِفَة، ثمَّ عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعمار وَآخَرُونَ، وهم من أطيب الْخلق، فَدلَّ على أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ تَخْصِيص نَاس دون نَاس، وَوقت دون وَقت.
٣ - (بابٌ المَدِينةُ طابَةُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ الْمَدِينَة: طابة، أَي: من أسمائها: طابة، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يدل على أَنَّهَا لَا تسمى بِغَيْر ذَلِك، وأصل طابة طيبَة لِأَنَّهَا من الطّيب، فقلبت الْيَاء ألفا لتحركها، وانفتاح مَا قبلهَا، فوزنها: فالة، لَا: فاعة.
٢٧٨١ - حدَّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قَالَ حدَّثنا سُلَيْمَانُ قَالَ حدَّثني عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ عَبَّاسِ بنِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ عنْ أبِي حُمَيْدٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ أقْبَلْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ فَقَالَ هاذِهِ طابَةُ..
التَّرْجَمَة متن الحَدِيث، وخَالِد بن مخلد البَجلِيّ الْكُوفِي، وَسليمَان هُوَ ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب التَّيْمِيّ الْقرشِي، وَعَمْرو بن يحيى بن عمَارَة الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، وَأَبُو حميد، بِضَم الْحَاء: عبد الرَّحْمَن السَّاعِدِيّ. وَهَذَا الحَدِيث طرف من حَدِيث طَوِيل وَقد مضى فِي أَوَاخِر الزَّكَاة فِي: بَاب خرص التَّمْر، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.
قَوْله: (طابة) ، وَفِي بعض طرقه: (طيبَة) ، وروى مُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة مَرْفُوعا: (إِن الله سمى الْمَدِينَة طابة) . وروى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي (مُسْنده) عَن شُعْبَة عَن سماك بِلَفْظ: (كَانُوا يسمون الْمَدِينَة يثرب، فسماها النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: طابة) . وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة، وَسميت طابة لطيبها لساكنها. وَقيل: من طيب الْعَيْش بهَا، وَقيل: من أَقَامَ بهَا يجد من تربَتهَا وحيطانها رَائِحَة طيبَة لَا تكَاد تُوجد فِي غَيرهَا. قلت: وَأي طيب يجده الْمُقِيم بهَا أطيب من مُشَاهدَة قَبره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ فَهَل طيب أطيب من تربته؟ وَكَيف لَا وَبَين قَبره ومنبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة؟ فَاعْتبر بِهَذَا طيب التربة الَّتِي ضمت جسده الْكَرِيم، وللمدينة أسامي كَثِيرَة، وَقد ذكرنَا بَعْضهَا عَن قريب. وروى الزبير فِي (أَخْبَار الْمَدِينَة) من طَرِيق عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي، قَالَ: بَلغنِي أَن لَهَا أَرْبَعِينَ إسما، وَرُوِيَ من طَرِيق أبي سُهَيْل بن مَالك عَن كَعْب الْأَحْبَار، قَالَ: نجد فِي كتاب الله تَعَالَى، الَّذِي أنزل على مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن الله قَالَ للمدينة: يَا طيبَة، يَا طابة، يَا مسكينة، لَا تقبلي الْكُنُوز أرفع أجاجيرك على الْقرى.
٤ - (بابُ لَابَتَيْ المَدِينَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان ذكر لابتي الْمَدِينَة فِي الحَدِيث، وَقد مر تَفْسِير الْآيَة.
٣٧٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لَوْ رَأيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا زَعَرْتُهَا قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ.
(انْظُر الحَدِيث ٩٦٨١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد مر غير مرّة، والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْحَج أَيْضا عَن يحيى ابْن يحيى، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة وَعَن إِسْحَاق بن مُوسَى، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن قُتَيْبَة.
قَوْله: (الظباء) جمع ظَبْي. قَوْله: (ترتع) ، أَي: ترعى، وَقيل: تنبسط. قَوْله: (مَا ذعرتها) أَي: مَا أخفتها وَمَا نفَّرتها، وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة، يُقَال: ذعرته أذعره ذعرا: أفزعته، وَالِاسْم: الذعر، بِالضَّمِّ وَقد ذعر فَهُوَ مذعور، وكني بذلك عَن عدم صيدها لِأَنَّهُ مِمَّن يَقُول بِأَن للمدينة حرما وَمِمَّنْ يروي فِي ذَلِك بقوله: {قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا بَين لابتيها) أَي: لابتي الْمَدِينَة، وَهِي: بَين لابتين شرقية وغربية، وَلها لابتان أَيْضا من الْجَانِبَيْنِ الآخرين إلَاّ أَنَّهُمَا يرجعان إِلَى الْأَوليين لاتصالهما بهما، وَالْحَاصِل أَن جَمِيع دورها كلهَا دَاخل ذَلِك، وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (أللهم إِنِّي أحرم مَا بَين جبليها) ، وَوَقع عِنْد أَحْمد: (مَا بَين حرتيها) ، وَفِي رِوَايَة: مَا بَين مأزميها) ، وَعَن هَذَا قَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب، والمأزمان تَثْنِيَة مأزم، بِهَمْزَة بعد مِيم وبكسر الزَّاي، هُوَ الْجَبَل، وَقيل: الْمضيق بَين الجبلين وَنَحْوه، وَالْأول هُوَ الصَّوَاب هُنَا، وَمَعْنَاهُ: مَا بَين جبليها.