«أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠١٣

الحديث رقم ٢٠١٣ من كتاب «كتاب صلاة التراويح» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب صلاة التراويح.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠١٣ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ : كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهَا عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي.»

بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ وَمَا قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠١٣

٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠١٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ"

٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَان) أَيْ: قَامَ لَيَالِيَهُ مُصَلِّيًا، وَالْمُرَادُ مَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُطْلَقُ الْقِيَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّهَجُّدِ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الْقِيَامِ لَا أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَا، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنْ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) كَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمْ، وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ صَحَّ الطَّرِيقَانِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَأَخْرَجَهُمَا عَلَى الْوِلَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ، وَحَكَى أَنَّ أَبَا هَمَّامٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ سُفْيَانَ فَقَالُوا: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ لِرَمَضَانَ) أَيْ: لِفَضْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: يَقُولُ عَنْ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (إِيمَانًا) أَيْ: تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ: طَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (غُفِرَ لَهُ) ظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ، وَبِهِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً.

قَوْلُهُ: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زَادَ قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: وَمَا تَأَخَّرَ وَكَذَا زَادَهَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجَاحِيُّ فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ كِلَاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ نَفْسِهِ أَخْرَجَهَا

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْجُرْجَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُتَابِعْ بَحْرَ بْنَ نَصْرٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَا يُونُسَ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ شَيْءٍ يُغْفَرُ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمْ يَأْتِ فَكَيْفَ يُغْفَرُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ ﷿ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ فَلَا تَقَعُ مِنْهُمْ كَبِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً، وَبِهَذَا أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ صِيَامِ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً آتِيَةً.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَمْرُ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ وَقَدْ أَدْرَجَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نَاسٌ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (أَوْزَاعٌ) بِسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ أَيْ: جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: مُتَفَرِّقُونَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، وَقَوْلُهُ: يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ أَوَّلًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَبَعْضَهُمْ يُصَلِّي جَمَاعَةً، قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِائْتِمَامِ بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ.

قَوْلُهُ: (أَمْثَلَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: اسْتَنْبَطَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَإِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَقِبَ حَدِيثِ عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَحَ عِنْدَ عُمَرَ ذَلِكَ لِمَا فِي الِاخْتِلَافِ مِنَ افْتِرَاقِ الْكَلِمَةِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى وَاحِدٍ أَنْشَطُ لِكَثِيرِ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَإِلَى قَوْلِ عُمَرَ جَنَحَ الْجُمْهُورُ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: الصَّلَاةُ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ : أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: إِنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي الْجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَخَافُ مِنَ الْكَسَلِ وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْبَيْتِ سَوَاءٌ، فَمَنْ فَقَدَ بَعْضَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ.

قَوْلُهُ: (فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيْ: جَعَلَهُ لَهُمْ إِمَامًا، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ :

يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ قَوْلُ عُمَرَ: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ: أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِالرِّجَالِ، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يُصَلِّي بِالنِّسَاءِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ بَدَلَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ لَيْلَةً وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ) (١) أَيْ: إِمَامُهُمُ الْمَذْكُورُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ هَيْعَةَ النَّاسِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا مَضَى وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ مِنْ قَوْلِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ تَاءٍ، وَالْبِدْعَةُ أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ مَذْمُومَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ مُسْتَقْبَحَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.

قَوْلُهُ: (وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ) هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فُرَادَى أَفْضَلُ مِنَ التَّجْمِيعِ.

(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي بِهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ؛ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهَا إِحْدَى عَشْرَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ فِيهِ: وَكَانُوا يَقْرَءُونَ بِالْمِائَتَيْنِ وَيَقُومُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ.

وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَرَوَى مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْوِتْرِ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: أَدْرَكْتُهُمْ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَثَلَاثَ رَكَعَاتِ الْوِتْرَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفِهَا فَحَيْثُ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ تَقِلُّ الرَّكَعَاتُ وَبِالْعَكْسِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْعَدَدُ الْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ مِنْهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا زَادَ عَنِ الْعِشْرِينَ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْوِتْرِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ تَارَةً يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَتَارَةً بِثَلَاثٍ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمْرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ - يَقُومُونَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ عِنْدَنَا. وَعَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَأَيْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِالْمَدِينَةِ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَبِمَكَّةَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ضِيقٌ وَعَنْهُ قَالَ: إِنْ أَطَالُوا الْقِيَامَ وَأَقَلُّوا السُّجُودَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَكْثَرُوا السُّجُودَ وَأَخَفُّوا الْقِرَاءَةَ فَحَسَنٌ، وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ.

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّهَا تُصَلَّى إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً يَعْنِي: بِالْوِتْرِ، كَذَا قَالَ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: تُصَلَّى أَرْبَعِينَ وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ أَيْمَنَ، عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْأَوَّلِ بِانْضِمَامِ ثَلَاثِ الْوِتْرِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِأَنَّهُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَتَكُونُ أَرْبَعِينَ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ

مُنْذُ بِضْعٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثَ الْوِتْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمْ أُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ يُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ، وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ بِالْبَصْرَةِ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيُوتِرُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ غَيْرَ الْوِتْرِ. رَوَى عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ جَدِّهِ السَّائِبِ ابْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي زَمَنَ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهَذَا أَثْبَتُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُقْتَصِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَشَيْءٍ مِنْ آخِرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ تَامًّا فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ بِلَفْظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ إِذْ لَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ إِلَّا ذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الظُّهُورِ اقْتِدَارَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ طَرِيقِ عُقَيْلٍ (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ. . . إِلَخْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا أَعْلَمَ بِحَالِ النَّبِيِّ لَيْلًا مِنْ غَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث سبق في «باب من قال في الخطبة بعد الثَّناء: أما بعد» [خ¦٩٢٤] مِنْ «كتاب الجمعة».

٢٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي سعيدٍ كيسان المدنيِّ (المَقْبُرِيِّ) كان جارًا للمقبرة فنُسِب إليها، وثَّقه أحمد وابن المدينيِّ وأبو زرعة والنَّسائيُّ وغيرهم، وذكر الواقديُّ: أنَّه اختلط قبل موته بأربع سنين، ولم يُتَابع الواقديُّ على ذلك، نعم؛ قال شعبة: حدَّثناه (١) سعيدٌ بعد ما كبر، وعن يحيى بن معينٍ: أثبتُ النَّاس فيه ابن أبي ذئبٍ، وعن ابن خِرَاشٍ: أثبتُ النَّاس فيه اللَّيث بن سعدٍ، قال ابن حجرٍ: أكثر ما خرَّج له البخاريُّ من حديث هذين عنه، وأخرج له أيضًا من حديث مالكٍ وإسماعيل بن أميَّة وعبيد الله بن عمر العمريِّ وغيرهم من الكبار، وروى له الباقون، لكن لم يخرِّجوا من حديث شعبة عنه شيئًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ أحد الأعلام، اختُلِف في اسمه، قال مالكٌ: اسمه كنيته (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ : كَيْفَ كَانَتْ (٢) صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ فِي) ليالي (رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ) (يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهَا) من ليالي غيره، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا في غيره» أي: في غير رمضان (عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وحديثها: «أنَّه كان إذا دخل العشر يجتهد فيه (٣) ما لا يجتهد في غيره» يُحمَل على التَّطويل في الرَّكعات دون الزِّيادة في العدد، نعم في رواية هشام بن عروة عن أبيه [خ¦١١٧٠] «كان يصلِّي من (٤) اللَّيل ثلاث عشرة ركعةً»، لكن أُجيب بأنَّ منها ركعتي الفجر كما صرَّح

بذلك في رواية القاسم عنها (يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ (١) عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) أي: هنَّ في نهايةٍ من كمال الحسن والطُّول، مستغنياتٍ -لظهور حسنهنَّ وطولهنَّ- عن الوصف (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) قالت: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وإنَّما كان قلبه الشَّريف لا ينام لأنَّ القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، فافهم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب قيام النَّبيِّ باللَّيل في رمضان وغيره» [خ¦١١٤٧] من «أبواب التَّهجُّد».

(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم بابُ فَضْلِ لَيْلَةِ القَدَْرِ) بفتح القاف وإسكان الدَّال، سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، أي: ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنَّها خيرٌ من ألف شهرٍ، أو لما يحصل لمُحْيِيها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأنَّ الأشياء تُقدَّر فيها وتُقضَى لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وتقدير الله تعالى سابقٌ، فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التَّقدير للملائكة، ويجوز فتح الدَّال على أنَّه مصدرٌ: قدر الله الشَّيء قَدْرًا وقَدَرًا لغتان كالنَّهْر والنَّهَر، وقال سهل بن عبد الله: لأنَّ الله تعالى يقدِّر الرَّحمة فيها على عباده المؤمنين، وعن الخليل بن أحمد: لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة من قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقد سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وقال الله تعالى»: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾) أي: القرآن (﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾) بإسكان الدَّال من غير خلافٍ بين القُرَّاء، وكان إنزاله فيها جملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السَّماء الدُّنيا، ثمَّ نزل مُفصَّلًا بحسب الوقائع (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾) تفخيمٌ وتعظيمٌ بلفظ الاستفهام (﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) أي: من ألف شهرٍ ليس فيها تلك اللَّيلة، أو العمل (١) في تلك اللَّيلة أفضل من عبادة ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر، وعند ابن أبي حاتمٍ بسنده إلى مجاهدٍ مرسلًا ورواه البيهقيُّ في «سننه»: «أنَّ النَّبيَّ ذكر رجلًا

من بني إسرائيل لبس السِّلاح في سبيل الله ألف شهرٍ، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣] التي لبس فيها ذلك الرَّجلُ السِّلاحَ (١) في سبيل الله ألف شهرٍ»، وعند ابن أبي حاتمٍ أيضًا بسنده إلى عليِّ بن عروة: «ذكر رسول الله يومًا أربعةً من بني إسرائيل عبدوا الله مئتي عامٍ لم يعصوه طرفة عينٍ، فذكر أيُّوب وزكريَّا وحزقيل ويوشع بن نونٍ، فعجب أصحاب رسول الله من ذلك، فأتاه جبريل فقال: عَجِبَتْ أمَّتك من عبادة ثمانين (٢) سنةً لم يعصوه طرفة عينٍ، فقد أنزل الله تعالى خيرًا من ذلك، فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] هذا أفضل ممَّا عجبت أمَّتك، قال: فَسَرَّ ذلك (٣) رسولَ الله والنَّاسَ معه».

وعن مالكٍ ممَّا في «المُوطَّأ» أنَّه قال: سمعت من أثق به يقول: إنَّ رسول الله أُرِي أعمار النَّاس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنَّه تقاصر إليه أعمار أمَّته ألَّا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرًا من ألف شهرٍ، قال: وقد خصَّ الله تعالى بها هذه الأمَّة فلم تكن لمن قبلهم على الصَّحيح المشهور، وهل هي باقيةٌ أو رُفِعت؟ حكى الثَّاني المتولِّي في «التَّتمَّة» عن الرَّوافض، وحكى الفاكهانيُّ: أنَّها خاصَّةٌ بسنةٍ واحدةٍ، ووقعت في زمنه ، وهل هي ممكنةٌ في جميع السَّنة -وهو قولٌ مشهورٌ عن الحنفيَّة- أو مختصَّةٌ برمضان ممكنةٌ في جميع لياليه؟ رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه عنه أبو داود مرفوعًا، ورجَّحه السُّبكيُّ في «شرح المنهاج»، أو هي أوَّل ليلةٍ من رمضان؟ رواه أبو عاصمٍ من حديث أنسٍ، أو ليلة النِّصف منه؟ حكاه ابن الملقِّن في «شرح العمدة»، وفي قولٍ حكاه القرطبيُّ في «المفهم»: أنَّها ليلة نصف شعبان، أو هي ليلة سبع عشرة

من رمضان؟ رواه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ من حديث زيد بن أرقم، أو مبهمةٌ في العشر الأوسط؟ حكاه النَّوويُّ، أو ليلة ثماني عشرة؟ ذكره ابن الجوزيِّ، أو ليلة تسع عشرة؟ رواه عبد الرَّزَّاق عن عليٍّ، أو أوَّل ليلةٍ من العشر الأخير؟ وإليه مال الشَّافعيُّ، أو هي ليلة ثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين؟ رواه مسلمٌ، أو ليلة أربعٍ وعشرين، رواه الطَّيالسيُّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، أو خمسٍ وعشرين، رواه ابن العربيِّ في «العارضة»، أو سبعٍ وعشرين؟ رواه مسلمٌ وغيره، أو تسعٍ وعشرين؟ أو ليلة الثَّلاثين؟ أو في أوتار العشر؟ أو تنتقل في العشر الأخير كلِّه؟ قاله أبو قلابة، وقيل: غير ذلك، والحكمة في إخفائها: ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عُيِّنت (١).

(﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾) أي (٢): جبريلُ، أو ضربٌ من الملائكة، أي: يكثر تنزُّلهم (﴿فِيهَا﴾) لكثرة بركتها (﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾) فلا يمرُّون بمؤمنٍ إلَّا سلَّموا عليه (﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾) أي: تنزَّل من أجل كلِّ أمر قُدِّر في تلك السَّنة (﴿سَلَامٌ هِيَ﴾) أي (٣): ليس إلَّا (٤) سلامة لا يُقدَّر فيها شرٌّ وبلاءٌ، أو لا يستطيع الشَّيطان أن يعمل فيها سوءًا، أو ما (٥) هي إلَّا سلامٌ لكثرة سلام الملائكة على أهل المساجد (﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ١ - ٥]) غايةٌ تبيِّن تعميم السَّلامة أو السَّلام كلَّ اللَّيلة إلى (٦) وقت طلوعه، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «مَا لَيْلَةُ القَدْرِ … » إلى آخر السُّورة، ولابن عساكر: «إلى آخره».

(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله محمَّد بن يحيى بن أبي عمر في «كتاب الإيمان» له: (مَا كَانَ فِي القُرْآنِ مَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وما» (﴿أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ) الله به (وَمَا قَالَ) ولابن عساكر: «وما كان» (﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ) اللهُ به، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لم يُعلَم» وتُعقِّب هذا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ"

٢٠١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ قَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي"

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَان) أَيْ: قَامَ لَيَالِيَهُ مُصَلِّيًا، وَالْمُرَادُ مَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مُطْلَقُ الْقِيَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّهَجُّدِ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْمَطْلُوبُ مِنَ الْقِيَامِ لَا أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِهَا، وَأَغْرَبَ الْكَرْمَانِيُّ فَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنْ مَالِكٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) كَذَا رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَتَابَعَهُ يُونُسُ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَمَعْمَرٌ وَغَيْرُهُمْ، وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فَقَالَ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَدَلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ صَحَّ الطَّرِيقَانِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَأَخْرَجَهُمَا عَلَى الْوِلَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَصَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ، وَحَكَى أَنَّ أَبَا هَمَّامٍ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ سُفْيَانَ فَقَالُوا: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا.

قَوْلُهُ: (يَقُولُ لِرَمَضَانَ) أَيْ: لِفَضْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَنْ أَيْ: يَقُولُ عَنْ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (إِيمَانًا) أَيْ: تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ: طَلَبًا لِلْأَجْرِ لَا لِقَصْدٍ آخَرَ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (غُفِرَ لَهُ) ظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ، وَبِهِ جَزَمَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً.

قَوْلُهُ: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زَادَ قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: وَمَا تَأَخَّرَ وَكَذَا زَادَهَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى عِنْدَ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ لَهُ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ فِي الْجُزْءِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ فَوَائِدِهِ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجَاحِيُّ فِي فَوَائِدِهِ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.

وَوَرَدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْحَسَنِ كِلَاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ نَفْسِهِ أَخْرَجَهَا

أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْجُرْجَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ مِنْ طَرِيقِ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُتَابِعْ بَحْرَ بْنَ نَصْرٍ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ وَهْبٍ وَلَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَا يُونُسَ سِوَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غُفْرَانِ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَغْفِرَةَ تَسْتَدْعِي سَبْقَ شَيْءٍ يُغْفَرُ وَالْمُتَأَخِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمْ يَأْتِ فَكَيْفَ يُغْفَرُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ ﷿ أَنَّهُ قَالَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ حِفْظِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ فَلَا تَقَعُ مِنْهُمْ كَبِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَقَعُ مَغْفُورَةً، وَبِهَذَا أَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ صِيَامِ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً آتِيَةً.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْأَمْرُ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ وَقَدْ أَدْرَجَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: نَاسٌ يُصَلِّي بِهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قَوْلُهُ: (أَوْزَاعٌ) بِسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ أَيْ: جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ: مُتَفَرِّقُونَ تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ، وَقَوْلُهُ: يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ أَوَّلًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَبَعْضَهُمْ يُصَلِّي جَمَاعَةً، قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ الِائْتِمَامِ بِالْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ.

قَوْلُهُ: (أَمْثَلَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: اسْتَنْبَطَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ مَنْ صَلَّى مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، وَإِنْ كَانَ كَرِهَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَإِنَّمَا كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَقِبَ حَدِيثِ عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ حَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَحَ عِنْدَ عُمَرَ ذَلِكَ لِمَا فِي الِاخْتِلَافِ مِنَ افْتِرَاقِ الْكَلِمَةِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى وَاحِدٍ أَنْشَطُ لِكَثِيرِ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَإِلَى قَوْلِ عُمَرَ جَنَحَ الْجُمْهُورُ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: الصَّلَاةُ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ : أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَبَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: إِنَّ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي الْجَمَاعَةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قِيَامُ رَمَضَانَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يَخَافُ مِنَ الْكَسَلِ وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْبَيْتِ سَوَاءٌ، فَمَنْ فَقَدَ بَعْضَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ.

قَوْلُهُ: (فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) أَيْ: جَعَلَهُ لَهُمْ إِمَامًا، وَكَأَنَّهُ اخْتَارَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ :

يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ قَوْلُ عُمَرَ: أَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ: أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَكَانَ يُصَلِّي بِالرِّجَالِ، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يُصَلِّي بِالنِّسَاءِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ: سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ بَدَلَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ لَيْلَةً وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ) (١) أَيْ: إِمَامُهُمُ الْمَذْكُورُ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَهُمْ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ هَيْعَةَ النَّاسِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا مَضَى وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ مِنْ قَوْلِهِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ تَاءٍ، وَالْبِدْعَةُ أَصْلُهَا مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَتُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ فِي مُقَابِلِ السُّنَّةِ فَتَكُونُ مَذْمُومَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَحْسِنٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُسْتَقْبَحٍ فِي الشَّرْعِ فَهِيَ مُسْتَقْبَحَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.

قَوْلُهُ: (وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ) هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ فُرَادَى أَفْضَلُ مِنَ التَّجْمِيعِ.

(تَكْمِيلٌ): لَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي بِهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ؛ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهَا إِحْدَى عَشْرَةَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ فِيهِ: وَكَانُوا يَقْرَءُونَ بِالْمِائَتَيْنِ وَيَقُومُونَ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ.

وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ فَقَالَ: إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَرَوَى مَالِكٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْوِتْرِ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ قَالَ: أَدْرَكْتُهُمْ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَثَلَاثَ رَكَعَاتِ الْوِتْرَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَتَخْفِيفِهَا فَحَيْثُ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ تَقِلُّ الرَّكَعَاتُ وَبِالْعَكْسِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْعَدَدُ الْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ مِنْهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا زَادَ عَنِ الْعِشْرِينَ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْوِتْرِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ تَارَةً يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَتَارَةً بِثَلَاثٍ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمْرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: بِالْمَدِينَةِ - يَقُومُونَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ عِنْدَنَا. وَعَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَأَيْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِالْمَدِينَةِ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَبِمَكَّةَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ضِيقٌ وَعَنْهُ قَالَ: إِنْ أَطَالُوا الْقِيَامَ وَأَقَلُّوا السُّجُودَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ أَكْثَرُوا السُّجُودَ وَأَخَفُّوا الْقِرَاءَةَ فَحَسَنٌ، وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيَّ.

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّهَا تُصَلَّى إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً يَعْنِي: بِالْوِتْرِ، كَذَا قَالَ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: تُصَلَّى أَرْبَعِينَ وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ أَيْمَنَ، عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إِلَى الْأَوَّلِ بِانْضِمَامِ ثَلَاثِ الْوِتْرِ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِأَنَّهُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَتَكُونُ أَرْبَعِينَ إِلَّا وَاحِدَةً، قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ

مُنْذُ بِضْعٍ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَنْ مَالِكٍ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثَ الْوِتْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمْ أُدْرِكِ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يُصَلُّونَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ يُوتِرُونَ مِنْهَا بِثَلَاثٍ، وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ بِالْبَصْرَةِ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيُوتِرُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ غَيْرَ الْوِتْرِ. رَوَى عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ جَدِّهِ السَّائِبِ ابْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي زَمَنَ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهَذَا أَثْبَتُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ) هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُقْتَصِرًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَشَيْءٍ مِنْ آخِرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ تَامًّا فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ بِلَفْظِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ.

قَوْلُهُ: (خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ إِذْ لَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ إِلَّا ذَلِكَ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الظُّهُورِ اقْتِدَارَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ فِي آخِرِ طَرِيقِ عُقَيْلٍ (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

قَوْلُهُ: (مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ. . . إِلَخْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا أَعْلَمَ بِحَالِ النَّبِيِّ لَيْلًا مِنْ غَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث سبق في «باب من قال في الخطبة بعد الثَّناء: أما بعد» [خ¦٩٢٤] مِنْ «كتاب الجمعة».

٢٠١٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي سعيدٍ كيسان المدنيِّ (المَقْبُرِيِّ) كان جارًا للمقبرة فنُسِب إليها، وثَّقه أحمد وابن المدينيِّ وأبو زرعة والنَّسائيُّ وغيرهم، وذكر الواقديُّ: أنَّه اختلط قبل موته بأربع سنين، ولم يُتَابع الواقديُّ على ذلك، نعم؛ قال شعبة: حدَّثناه (١) سعيدٌ بعد ما كبر، وعن يحيى بن معينٍ: أثبتُ النَّاس فيه ابن أبي ذئبٍ، وعن ابن خِرَاشٍ: أثبتُ النَّاس فيه اللَّيث بن سعدٍ، قال ابن حجرٍ: أكثر ما خرَّج له البخاريُّ من حديث هذين عنه، وأخرج له أيضًا من حديث مالكٍ وإسماعيل بن أميَّة وعبيد الله بن عمر العمريِّ وغيرهم من الكبار، وروى له الباقون، لكن لم يخرِّجوا من حديث شعبة عنه شيئًا (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ أحد الأعلام، اختُلِف في اسمه، قال مالكٌ: اسمه كنيته (أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ : كَيْفَ كَانَتْ (٢) صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ فِي) ليالي (رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ: مَا كَانَ) (يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهَا) من ليالي غيره، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ولا في غيره» أي: في غير رمضان (عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) وحديثها: «أنَّه كان إذا دخل العشر يجتهد فيه (٣) ما لا يجتهد في غيره» يُحمَل على التَّطويل في الرَّكعات دون الزِّيادة في العدد، نعم في رواية هشام بن عروة عن أبيه [خ¦١١٧٠] «كان يصلِّي من (٤) اللَّيل ثلاث عشرة ركعةً»، لكن أُجيب بأنَّ منها ركعتي الفجر كما صرَّح

بذلك في رواية القاسم عنها (يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ (١) عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) أي: هنَّ في نهايةٍ من كمال الحسن والطُّول، مستغنياتٍ -لظهور حسنهنَّ وطولهنَّ- عن الوصف (ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) قالت: (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وإنَّما كان قلبه الشَّريف لا ينام لأنَّ القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، فافهم.

وهذا الحديث قد سبق في «باب قيام النَّبيِّ باللَّيل في رمضان وغيره» [خ¦١١٤٧] من «أبواب التَّهجُّد».

(٣٢) (بسم الله الرحمن الرحيم بابُ فَضْلِ لَيْلَةِ القَدَْرِ) بفتح القاف وإسكان الدَّال، سُمِّيت بذلك لعظم قدرها، أي: ذات القدر العظيم لنزول القرآن فيها، ووصفها بأنَّها خيرٌ من ألف شهرٍ، أو لما يحصل لمُحْيِيها بالعبادة من القدر الجسيم، أو لأنَّ الأشياء تُقدَّر فيها وتُقضَى لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وتقدير الله تعالى سابقٌ، فهي ليلة إظهار الله تعالى ذلك التَّقدير للملائكة، ويجوز فتح الدَّال على أنَّه مصدرٌ: قدر الله الشَّيء قَدْرًا وقَدَرًا لغتان كالنَّهْر والنَّهَر، وقال سهل بن عبد الله: لأنَّ الله تعالى يقدِّر الرَّحمة فيها على عباده المؤمنين، وعن الخليل بن أحمد: لأنَّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة من قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقد سقطت البسملة لغير أبي ذرٍّ (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وقال الله تعالى»: (﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾) أي: القرآن (﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾) بإسكان الدَّال من غير خلافٍ بين القُرَّاء، وكان إنزاله فيها جملةً واحدةً من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزَّة من السَّماء الدُّنيا، ثمَّ نزل مُفصَّلًا بحسب الوقائع (﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾) تفخيمٌ وتعظيمٌ بلفظ الاستفهام (﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) أي: من ألف شهرٍ ليس فيها تلك اللَّيلة، أو العمل (١) في تلك اللَّيلة أفضل من عبادة ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر، وعند ابن أبي حاتمٍ بسنده إلى مجاهدٍ مرسلًا ورواه البيهقيُّ في «سننه»: «أنَّ النَّبيَّ ذكر رجلًا

من بني إسرائيل لبس السِّلاح في سبيل الله ألف شهرٍ، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣] التي لبس فيها ذلك الرَّجلُ السِّلاحَ (١) في سبيل الله ألف شهرٍ»، وعند ابن أبي حاتمٍ أيضًا بسنده إلى عليِّ بن عروة: «ذكر رسول الله يومًا أربعةً من بني إسرائيل عبدوا الله مئتي عامٍ لم يعصوه طرفة عينٍ، فذكر أيُّوب وزكريَّا وحزقيل ويوشع بن نونٍ، فعجب أصحاب رسول الله من ذلك، فأتاه جبريل فقال: عَجِبَتْ أمَّتك من عبادة ثمانين (٢) سنةً لم يعصوه طرفة عينٍ، فقد أنزل الله تعالى خيرًا من ذلك، فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] هذا أفضل ممَّا عجبت أمَّتك، قال: فَسَرَّ ذلك (٣) رسولَ الله والنَّاسَ معه».

وعن مالكٍ ممَّا في «المُوطَّأ» أنَّه قال: سمعت من أثق به يقول: إنَّ رسول الله أُرِي أعمار النَّاس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنَّه تقاصر إليه أعمار أمَّته ألَّا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيرًا من ألف شهرٍ، قال: وقد خصَّ الله تعالى بها هذه الأمَّة فلم تكن لمن قبلهم على الصَّحيح المشهور، وهل هي باقيةٌ أو رُفِعت؟ حكى الثَّاني المتولِّي في «التَّتمَّة» عن الرَّوافض، وحكى الفاكهانيُّ: أنَّها خاصَّةٌ بسنةٍ واحدةٍ، ووقعت في زمنه ، وهل هي ممكنةٌ في جميع السَّنة -وهو قولٌ مشهورٌ عن الحنفيَّة- أو مختصَّةٌ برمضان ممكنةٌ في جميع لياليه؟ رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه عنه أبو داود مرفوعًا، ورجَّحه السُّبكيُّ في «شرح المنهاج»، أو هي أوَّل ليلةٍ من رمضان؟ رواه أبو عاصمٍ من حديث أنسٍ، أو ليلة النِّصف منه؟ حكاه ابن الملقِّن في «شرح العمدة»، وفي قولٍ حكاه القرطبيُّ في «المفهم»: أنَّها ليلة نصف شعبان، أو هي ليلة سبع عشرة

من رمضان؟ رواه ابن أبي شيبة والطَّبرانيُّ من حديث زيد بن أرقم، أو مبهمةٌ في العشر الأوسط؟ حكاه النَّوويُّ، أو ليلة ثماني عشرة؟ ذكره ابن الجوزيِّ، أو ليلة تسع عشرة؟ رواه عبد الرَّزَّاق عن عليٍّ، أو أوَّل ليلةٍ من العشر الأخير؟ وإليه مال الشَّافعيُّ، أو هي ليلة ثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين؟ رواه مسلمٌ، أو ليلة أربعٍ وعشرين، رواه الطَّيالسيُّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، أو خمسٍ وعشرين، رواه ابن العربيِّ في «العارضة»، أو سبعٍ وعشرين؟ رواه مسلمٌ وغيره، أو تسعٍ وعشرين؟ أو ليلة الثَّلاثين؟ أو في أوتار العشر؟ أو تنتقل في العشر الأخير كلِّه؟ قاله أبو قلابة، وقيل: غير ذلك، والحكمة في إخفائها: ليحصل الاجتهاد في التماسها بخلاف ما لو عُيِّنت (١).

(﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾) أي (٢): جبريلُ، أو ضربٌ من الملائكة، أي: يكثر تنزُّلهم (﴿فِيهَا﴾) لكثرة بركتها (﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾) فلا يمرُّون بمؤمنٍ إلَّا سلَّموا عليه (﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾) أي: تنزَّل من أجل كلِّ أمر قُدِّر في تلك السَّنة (﴿سَلَامٌ هِيَ﴾) أي (٣): ليس إلَّا (٤) سلامة لا يُقدَّر فيها شرٌّ وبلاءٌ، أو لا يستطيع الشَّيطان أن يعمل فيها سوءًا، أو ما (٥) هي إلَّا سلامٌ لكثرة سلام الملائكة على أهل المساجد (﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ١ - ٥]) غايةٌ تبيِّن تعميم السَّلامة أو السَّلام كلَّ اللَّيلة إلى (٦) وقت طلوعه، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «مَا لَيْلَةُ القَدْرِ … » إلى آخر السُّورة، ولابن عساكر: «إلى آخره».

(قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، ممَّا وصله محمَّد بن يحيى بن أبي عمر في «كتاب الإيمان» له: (مَا كَانَ فِي القُرْآنِ مَا) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «وما» (﴿أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ) الله به (وَمَا قَالَ) ولابن عساكر: «وما كان» (﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فإنَّه لَمْ يُعْلِمْهُ) اللهُ به، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «لم يُعلَم» وتُعقِّب هذا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله