الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠١٤
الحديث رقم ٢٠١٤ من كتاب «كتاب فضل ليلة القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب فضل ليلة القدر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
بَابٌُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ
٢٠١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ، وَإِنَّمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ
⦗٤٦⦘
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٢ - كِتَاب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
١ - بَاب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وقال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ.
٢٠١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ، وَأيمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
قوله (بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ بَسْمَلَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ أَيْ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ اللَّهِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ السُّورَةَ كُلَّهَا. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ فِي زَمَانٍ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي فَضْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ لِلْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وَمِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنْ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَفْسِيرِهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدْرِ الَّذِي أُضِيفَتْ إِلَيْهِ اللَّيْلَةُ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ذَاتُ قَدْرٍ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا، أَوْ لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ تَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِمَا يَنْزِلُ فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يُحْيِيهَا يَصِيرُ ذَا قَدْرٍ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ هُنَا التَّضْيِيقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ وَمَعْنَى التَّضْيِيقِ فِيهَا إِخْفَاؤُهَا عَنِ الْعِلْمِ بِتَعْيِينِهَا، أَوْ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَضِيقُ فِيهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِي الْقَضَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا أَحْكَامُ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ فَقَالَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِمَا تَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِي الْقَضَاءِ فَتْحَ الدَّالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَإِظْهَارُهُ وَتَحْدِيدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِتَحْصِيلِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ وَمَا أَدْرَاكَ فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ وَمَا يُدْرِيكَ: فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. انْتَهَى. وَعَزَاهُ مُغَلْطَايْ فِيمَا قَرَأْتُ بِخَطِّهِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَقَدْ رَاجَعْتُ مِنْهُ نُسْخَةً بِخَطِّ الْحَافِظِ الضِّيَاءِ فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ، وَمَقْصُودُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَعْرِفُ تَعْيِينَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحصر بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] فإنَّها نزلت في ابن أمِّ مكتومٍ، وقد علم ﷺ بحاله، وإنَّه ممَّن تزكَّى ونفعته الذِّكرى.
٢٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) (١) أي: هذا الحديث (وَإِنَّمَا حَفِظَ) بكسر الهمزة، وكلمة: «إنَّ» التي أُضيفت إليها كلمة «ما» للحصر، و «حَفِظ»: بفتح الحاء وكسر الفاء على صيغة الماضي، أي: قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: وإنَّما حفظ سفيان هذا الحديث (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، لأبي ذرٍّ: «وأَيُّما حِفْظٍ» بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ (٢) مُشدَّدةٍ، و «حِفْظٍ» بكسر الحاء وسكون الفاء، مصدر «حَفِظ يحفَظ» و «أيُّ»: مرفوعٌ بالابتداء، مضافٌ إلى «حِفْظٍ»، و «ما» زائدةٌ، والخبر «حفظناه» مُقدَّرًا بعده: أي؛ وأيُّ حِفْظٍ حفظناه من الزُّهريِّ، يدلُّ عليه «حفظناه» الأوَّل، و «من الزُّهريِّ»: متعلِّقٌ بـ «حفظناه» المذكور قبلُ، والمراد: أنَّه يصف حفظه بكمال الأخذ وقوَّة الضَّبط لأنَّ إحدى (٣) معاني «أيٍّ»: الكمال كما تقول: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي: كاملٌ في صفات الرِّجال (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) في رواية مالكٍ عن الزُّهريِّ في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٠٠٩] «من قام» بدل «من صام» (إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا) أي: تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه، لا بقصد رؤية النَّاس ولا غيرهم ممَّا ينافي الإخلاص (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) زاد مسلمٌ: فيوافقها (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» في روايةٍ: «وما تأخَّر» (١)، وفي «مُسنَد أحمد» و «مُعجَم الطَّبرانيِّ (٢) الكبير» من (٣) حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وُفِّقَتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وفيه عبد الله بن محمَّد بن عَقيلٍ، وحديثه حسنٌ، وفي «مسلمٍ» -كما مرَّ-: «من يقم ليلة القدر فيوافقها» قال النَّوويُّ: يعني: يعلم أنَّها ليلة القدر، وقال في «شرح التَّقريب»: إنَّما معنى توفيقها له أو موافقته لها: أن يكون الواقع أنَّ تلك اللَّيلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي (٤) ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكره النَّوويُّ من أنَّ معنى الموافقة: العلم بأنَّها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللَّفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، وقال في «فتح الباري»: الذي يترجَّح في نظري ما قاله النَّوويُّ، ولا أنكر حصول الثَّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنَّما الكلام على حصول الثَّواب المُعيَّن الموعود به، فليُتأمَّل، وقد فرَّعوا على القول باشتراط العلم بها: أنَّه يختصُّ (٥) بها شخصٌ دون شخصٍ، فتُكشَف لواحدٍ ولا تُكشَف لآخر، ولو كانا معًا في بيتٍ واحدٍ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وهذا ممَّا (٦) وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٣٢ - كِتَاب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
١ - بَاب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وقال اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَدْ أَعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ.
٢٠١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ، وَأيمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
قوله (بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَبْلَ الْبَابِ بَسْمَلَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿ أَيْ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ اللَّهِ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ السُّورَةَ كُلَّهَا. وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ نُزُولَ الْقُرْآنِ فِي زَمَانٍ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي فَضْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ لِلْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وَمِمَّا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنْ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا، وَسَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَفْسِيرِهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْقَدْرِ الَّذِي أُضِيفَتْ إِلَيْهِ اللَّيْلَةُ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا ذَاتُ قَدْرٍ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ فِيهَا، أَوْ لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ تَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِمَا يَنْزِلُ فِيهَا مِنَ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يُحْيِيهَا يَصِيرُ ذَا قَدْرٍ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ هُنَا التَّضْيِيقُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ وَمَعْنَى التَّضْيِيقِ فِيهَا إِخْفَاؤُهَا عَنِ الْعِلْمِ بِتَعْيِينِهَا، أَوْ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَضِيقُ فِيهَا عَنِ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ: الْقَدْرُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِي الْقَضَاءِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا أَحْكَامُ تِلْكَ السَّنَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ فَقَالَ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِمَا تَكْتُبُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ مِنَ الْأَقْدَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِنَّمَا جَاءَ الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي الْقَدَرِ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِي الْقَضَاءِ فَتْحَ الدَّالِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَفْصِيلُ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ وَإِظْهَارُهُ وَتَحْدِيدُهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِتَحْصِيلِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِمْ فِيهَا مِقْدَارًا بِمِقْدَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. . . إِلَخْ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ وَمَا أَدْرَاكَ فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ وَمَا يُدْرِيكَ: فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ. انْتَهَى. وَعَزَاهُ مُغَلْطَايْ فِيمَا قَرَأْتُ بِخَطِّهِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَقَدْ رَاجَعْتُ مِنْهُ نُسْخَةً بِخَطِّ الْحَافِظِ الضِّيَاءِ فَلَمْ أَجِدْهُ فِيهِ، وَمَقْصُودُ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَعْرِفُ تَعْيِينَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ تُعُقِّبَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الحصر بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] فإنَّها نزلت في ابن أمِّ مكتومٍ، وقد علم ﷺ بحاله، وإنَّه ممَّن تزكَّى ونفعته الذِّكرى.
٢٠١٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَفِظْنَاهُ) (١) أي: هذا الحديث (وَإِنَّمَا حَفِظَ) بكسر الهمزة، وكلمة: «إنَّ» التي أُضيفت إليها كلمة «ما» للحصر، و «حَفِظ»: بفتح الحاء وكسر الفاء على صيغة الماضي، أي: قال عليُّ بن عبد الله المدينيُّ: وإنَّما حفظ سفيان هذا الحديث (مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، لأبي ذرٍّ: «وأَيُّما حِفْظٍ» بهمزةٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ (٢) مُشدَّدةٍ، و «حِفْظٍ» بكسر الحاء وسكون الفاء، مصدر «حَفِظ يحفَظ» و «أيُّ»: مرفوعٌ بالابتداء، مضافٌ إلى «حِفْظٍ»، و «ما» زائدةٌ، والخبر «حفظناه» مُقدَّرًا بعده: أي؛ وأيُّ حِفْظٍ حفظناه من الزُّهريِّ، يدلُّ عليه «حفظناه» الأوَّل، و «من الزُّهريِّ»: متعلِّقٌ بـ «حفظناه» المذكور قبلُ، والمراد: أنَّه يصف حفظه بكمال الأخذ وقوَّة الضَّبط لأنَّ إحدى (٣) معاني «أيٍّ»: الكمال كما تقول: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي: كاملٌ في صفات الرِّجال (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ) في رواية مالكٍ عن الزُّهريِّ في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٠٠٩] «من قام» بدل «من صام» (إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا) أي: تصديقًا وطلبًا لرضا الله وثوابه، لا بقصد رؤية النَّاس ولا غيرهم ممَّا ينافي الإخلاص (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» (وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ) زاد مسلمٌ: فيوافقها (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد النَّسائيُّ في «سننه الكبرى» في روايةٍ: «وما تأخَّر» (١)، وفي «مُسنَد أحمد» و «مُعجَم الطَّبرانيِّ (٢) الكبير» من (٣) حديث عبادة بن الصَّامت مرفوعًا: «فمن قامها إيمانًا واحتسابًا ثمَّ وُفِّقَتْ له غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر» وفيه عبد الله بن محمَّد بن عَقيلٍ، وحديثه حسنٌ، وفي «مسلمٍ» -كما مرَّ-: «من يقم ليلة القدر فيوافقها» قال النَّوويُّ: يعني: يعلم أنَّها ليلة القدر، وقال في «شرح التَّقريب»: إنَّما معنى توفيقها له أو موافقته لها: أن يكون الواقع أنَّ تلك اللَّيلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي (٤) ليلة القدر في نفس الأمر، وإن لم يعلم هو ذلك، وما ذكره النَّوويُّ من أنَّ معنى الموافقة: العلم بأنَّها ليلة القدر مردودٌ، وليس في اللَّفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده، وقال في «فتح الباري»: الذي يترجَّح في نظري ما قاله النَّوويُّ، ولا أنكر حصول الثَّواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر، وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنَّما الكلام على حصول الثَّواب المُعيَّن الموعود به، فليُتأمَّل، وقد فرَّعوا على القول باشتراط العلم بها: أنَّه يختصُّ (٥) بها شخصٌ دون شخصٍ، فتُكشَف لواحدٍ ولا تُكشَف لآخر، ولو كانا معًا في بيتٍ واحدٍ.
(تَابَعَهُ) أي: تابع سفيانَ (سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) العبديُّ في روايته (عَنِ الزُّهْرِيِّ) وهذا ممَّا (٦) وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات».