«أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْيَ حَائِضٌ، وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٠٤٦

الحديث رقم ٢٠٤٦ من كتاب «أبواب الاعتكاف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٠٤٦ في صحيح البخاري

«أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ وَهْيَ حَائِضٌ، وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ.»

كِتَابُ الْبُيُوعِ.

وَقَوْلُِ اللهِ ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وَقَوْلُِهُِ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾

بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ٢٠٤٦

٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٠٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، بَلْ تَرَكَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ فِيهِ.

١٩ - بَاب الْمُعْتَكِفِ يُدْخِلُ رَأْسَهُ الْبَيْتَ لِلْغُسْلِ

٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُعْتَكِفُ يُدْخِلُ رَأْسَهُ الْبَيْتَ لِلْغُسْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِكَافِ.

(تَنْبِيهٌ): الرَّأْسُ مُذَكَّرٌ اتِّفَاقًا، وَوَهَمَ مَنْ أَنَّثَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ التَّرَاوِيحِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالِاعْتِكَافِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا حَدِيثَانِ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا تِسْعَةُ أَحَادِيثَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اعْتِكَافِ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَثَرُ عُمَرَ فِي جَمْعِ النَّاسِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي التَّرَاوِيحِ وَهُوَ مَوْصُولٌ، وَأَثَرُ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، وَأَثَرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) (بابُ المُعْتَكِفِ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المعتكف» (يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغَسْلِ) بفتح الغين، ولأبي ذرٍّ: «للغُسل» بضمِّها، واللَّام للتَّعليل.

٢٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الصَّنعانيُّ، ولأبي ذرٍّ: «هشام بن يوسف» قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ) أي: تمشِّط شعر رأسه (وَهِيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل «ترجِّل» (وَهْوَ) (مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «ترجِّل» أيضًا، وكذا (١) اللَّاحقة المذكورة بقوله: (وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا) من وراء عَتَبَةِ بابها (يُنَاوِلُهَا) أي: يُميل إليها (رَأْسَهُ) من داخل المسجد خارج الحجرة، وهذا مجازٌ علاقتُه التَّشبيهُ لأنَّ المناولَة حقيقةً نقلُ الشَّيء، والرَّأسُ مُذكَّرٌ، قال الفاكهانيُّ: لا أعلم فيه خلافه، وهو مهموزٌ وقد يُخفَّف بتركه، ووَهِم مَنْ أنَّثه.

وهذا (٢) آخر ربع العبادات من هذا الشَّرح، تمام الجزء الثَّالث من تجزئة عشرةٍ، يتلوه الجزء الرَّابع (٣)، أوَّله: «كتاب البيوع»، قال القسطلانيُّ: فرغت منه يوم الخميس ثالث رجبٍ سنة سبعٍ وتسع مئةٍ، والله أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٤).

((٣٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) كِتَابُ البُيُوعِ) جمعُ بيعٍ، وجُمِعَ لاختلافِ أنواعه، كبيعِ العينِ، وبيعِ الدَّينِ، وبيع المنفعة، والصَّحيحِ والفاسد، وغير ذلك، وهو في اللُّغة: المبادلةُ، ويُطلقُ أيضًا على الشِّراء، قال الفرزدق:

إنَّ الشَّبابَ لَرابحٌ مَن باعهُ … والشَّيبُ ليس لبائِعيه تِجارُ

يعني: من اشتراه، ويُطلق الشِّراء أيضًا على البيع، نحو: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قيل: وسُمِّي البيعُ بيعًا؛ لأنَّ البائعَ يمدُّ باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا، كما يُسمَّى صفقةً؛ لأنَّ أحد المتبايعين يصفِّق يده على يد صاحبه، لكن رُدَّ كون البيع مأخوذًا من الباع؛ لأنَّ البيع يائيُّ العين، والباع واويٌّ، تقول منه: بُعْت الشيء -بالضَّمِّ- أبوعه بوعًا، إذا قستَه بالباع، واسم الفاعل من باع: بائعٌ -بالهمز- وتركه لحنٌ، واسم المفعول: مَبِيعٌ، وأصله:

مَبْيُوعٌ، قيل: حُذِفت الياء؛ لأنَّ (١) الذي حُذِف من «مبيعٍ» واو مفعولٍ لزيادتها، وهي أَولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الفعل؛ لأنَّهم لمَّا سكَّنوا الياء ألقَوا حركتها على الحرف الذي قبلها فانضمَّت، ثم أبدلوا من الضمَّةِ كسرةً للياء التي بعدها، ثم حُذِفت الياء وانقلبت الواو ياءً، كما انقلبت واو «ميزانٍ» للكسرة، قال المازنيُّ (٢): كلا القولين حسنٌ، وقول الأخفش أقيس.

والبيع في الشَّرع: مقابلةُ مالٍ قابلٍ للتَّصرُّف بمالٍ قابلٍ للتَّصرُّف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه، وحكمته: نظام (٣) المعاشِ وبقاء العالم؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتُفضي إلى التَّقاتل والتَّنازع وفناء العالم واختلال (٤) نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، ومن ثمَّ عقَّب المؤلِّف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنَّها ضروريَّةٌ، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن شهوة الأكل والشُّرب ونحوهما، وقد ثبتت البسملةُ مقدَّمةً قبل «كتاب» في الفرع، ومؤخَّرةً عنه (٥) لأبي ذرٍّ.

(وقولِ الله ﷿ بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥])

لمَّا ذمَّ الله أَكَلَة الرِّبا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأخبر أنَّهم اعترضوا على أحكام الله تعالى، وقالوا: البيع مثل الرِّبا، فإذا كان الرِّبا حرامًا فلا بدَّ أنْ يكون البيع كذلك، فردَّ (١) الله عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] واللَّفظ لفظ العموم، فيتناول كلَّ بيعٍ، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشَّارع بيوعًا أخرى وحرَّمها، فهو عامٌّ في الإباحة، مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعه، وقال إمامنا الشَّافعيُّ فيما رأيته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ: وأصل البيوع كلِّها مباحٌ إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله (٢) منه، أو ما (٣) كان في معنى ما نهى عنه رسول الله . انتهى. (وَقَولُِهُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز الرَّفع على الاستئناف: (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾) التِّجارة (﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) استثناءٌ من الأمر بالكتابة، والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عينٍ، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إيَّاها يدًا بيد، أي: إلَّا أنْ تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس ألَّا تكتبوا؛ لبعده عن التَّنازع والنِّسيان، قاله البيضاويُّ. وقال الثَّعلبيُّ: الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن إذا كانت تجارةً فإنها ليست بباطلٍ، فأوَّلُ هذه الآية يدلُّ على إباحة البيوع المؤجَّلة، وآخرها على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر.

(١) بابُ (باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تعالى) أسقط ابن عساكر لفظ «الباب» وزاد واو العطف قبل قوله:

«ما جاء» (١) (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) فرغتم منها (﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾) لقضاء حوائجكم (﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾) رزقه، وهذا أمرُ إباحةٍ بعد الحظر، وكان عِراكُ بنُ مالكٍ إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهم أجبتُ دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرَّازقين. رواه ابن أبي حاتم، وعن بعض السَّلف: من باع واشترى بعد صلاة الجمعة بارك الله له سبعين مرة. (﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) اذكروه في مجامع أحوالكم، ولا تخصُّوا ذكره بالصَّلاة (﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾) بخير الدَّارين (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) قيل: تقديره: إليها وإليه، فحُذِفت «إليه» للقرينة، وقيل: أَفرد التِّجارةَ لأنَّها المقصودة؛ إذ المراد من اللَّهو: طبلُ قدومِ العير، والآية نزلت حين قدمت عيرٌ المدينةَ أيَّامَ الغلاءِ والنَّبيُّ يخطب، فسمع النَّاسُ الطبلَ لقدومها، فانصرفوا إليها إلَّا اثني عشر رجلًا (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) في الخطبة، وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصَّلاة قبل الخطبة مثل العيد، كما رواه أبو داود في «مراسيله» (﴿قُلْ مَا عِندَ اللهِ﴾) من الثَّواب (﴿خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١٠ - ١١]) لمن توكَّل عليه، فلا تتركوا ذكر الله في وقتٍ. وفي هذه الآية مشروعيَّة البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل؛ لشموله التِّجارة وأنواع التَّكسُّب، ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ إلى آخر السُّورة»، وفي أخرى لهم ذكر الآية إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ثم قال: «إلى آخر السُّورة». (وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾) بما لم يُبِحْه الشَّرع، كالغصب والرِّبا والقمار (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]) استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ منهيٍّ عنه، أو اقصدوا كون تجارةٍ، و ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ صفةٌ لـ ﴿تِجَارَةٌ﴾ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، بَلْ تَرَكَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ فِيهِ.

١٩ - بَاب الْمُعْتَكِفِ يُدْخِلُ رَأْسَهُ الْبَيْتَ لِلْغُسْلِ

٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُعْتَكِفُ يُدْخِلُ رَأْسَهُ الْبَيْتَ لِلْغُسْلِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الِاعْتِكَافِ.

(تَنْبِيهٌ): الرَّأْسُ مُذَكَّرٌ اتِّفَاقًا، وَوَهَمَ مَنْ أَنَّثَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَحَادِيثُ التَّرَاوِيحِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَالِاعْتِكَافِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا حَدِيثَانِ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَلَاثُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ مِنْهَا تِسْعَةُ أَحَادِيثَ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي اعْتِكَافِ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَثَرُ عُمَرَ فِي جَمْعِ النَّاسِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي التَّرَاوِيحِ وَهُوَ مَوْصُولٌ، وَأَثَرُ الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ، وَأَثَرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١٩) (بابُ المُعْتَكِفِ) وفي نسخةٍ: «بابٌ» بالتَّنوين «المعتكف» (يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغَسْلِ) بفتح الغين، ولأبي ذرٍّ: «للغُسل» بضمِّها، واللَّام للتَّعليل.

٢٠٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الصَّنعانيُّ، ولأبي ذرٍّ: «هشام بن يوسف» قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ) أي: تمشِّط شعر رأسه (وَهِيَ حَائِضٌ) جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل «ترجِّل» (وَهْوَ) (مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ) جملةٌ حاليَّةٌ من مفعول «ترجِّل» أيضًا، وكذا (١) اللَّاحقة المذكورة بقوله: (وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا) من وراء عَتَبَةِ بابها (يُنَاوِلُهَا) أي: يُميل إليها (رَأْسَهُ) من داخل المسجد خارج الحجرة، وهذا مجازٌ علاقتُه التَّشبيهُ لأنَّ المناولَة حقيقةً نقلُ الشَّيء، والرَّأسُ مُذكَّرٌ، قال الفاكهانيُّ: لا أعلم فيه خلافه، وهو مهموزٌ وقد يُخفَّف بتركه، ووَهِم مَنْ أنَّثه.

وهذا (٢) آخر ربع العبادات من هذا الشَّرح، تمام الجزء الثَّالث من تجزئة عشرةٍ، يتلوه الجزء الرَّابع (٣)، أوَّله: «كتاب البيوع»، قال القسطلانيُّ: فرغت منه يوم الخميس ثالث رجبٍ سنة سبعٍ وتسع مئةٍ، والله أعلم بالصَّواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم (٤).

((٣٤)) (بسم الله الرحمن الرحيم (١) كِتَابُ البُيُوعِ) جمعُ بيعٍ، وجُمِعَ لاختلافِ أنواعه، كبيعِ العينِ، وبيعِ الدَّينِ، وبيع المنفعة، والصَّحيحِ والفاسد، وغير ذلك، وهو في اللُّغة: المبادلةُ، ويُطلقُ أيضًا على الشِّراء، قال الفرزدق:

إنَّ الشَّبابَ لَرابحٌ مَن باعهُ … والشَّيبُ ليس لبائِعيه تِجارُ

يعني: من اشتراه، ويُطلق الشِّراء أيضًا على البيع، نحو: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] قيل: وسُمِّي البيعُ بيعًا؛ لأنَّ البائعَ يمدُّ باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا، كما يُسمَّى صفقةً؛ لأنَّ أحد المتبايعين يصفِّق يده على يد صاحبه، لكن رُدَّ كون البيع مأخوذًا من الباع؛ لأنَّ البيع يائيُّ العين، والباع واويٌّ، تقول منه: بُعْت الشيء -بالضَّمِّ- أبوعه بوعًا، إذا قستَه بالباع، واسم الفاعل من باع: بائعٌ -بالهمز- وتركه لحنٌ، واسم المفعول: مَبِيعٌ، وأصله:

مَبْيُوعٌ، قيل: حُذِفت الياء؛ لأنَّ (١) الذي حُذِف من «مبيعٍ» واو مفعولٍ لزيادتها، وهي أَولى بالحذف، وقال الأخفش: المحذوف عين الفعل؛ لأنَّهم لمَّا سكَّنوا الياء ألقَوا حركتها على الحرف الذي قبلها فانضمَّت، ثم أبدلوا من الضمَّةِ كسرةً للياء التي بعدها، ثم حُذِفت الياء وانقلبت الواو ياءً، كما انقلبت واو «ميزانٍ» للكسرة، قال المازنيُّ (٢): كلا القولين حسنٌ، وقول الأخفش أقيس.

والبيع في الشَّرع: مقابلةُ مالٍ قابلٍ للتَّصرُّف بمالٍ قابلٍ للتَّصرُّف مع الإيجاب والقبول على الوجه المأذون فيه، وحكمته: نظام (٣) المعاشِ وبقاء العالم؛ لأنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه غالبًا، وقد لا يبذلها له بغير المعاملة، وتُفضي إلى التَّقاتل والتَّنازع وفناء العالم واختلال (٤) نظام المعاش وغير ذلك، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، ومن ثمَّ عقَّب المؤلِّف كغيره المعاملات بالعبادات؛ لأنَّها ضروريَّةٌ، وأخَّر النِّكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن شهوة الأكل والشُّرب ونحوهما، وقد ثبتت البسملةُ مقدَّمةً قبل «كتاب» في الفرع، ومؤخَّرةً عنه (٥) لأبي ذرٍّ.

(وقولِ الله ﷿ بالجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق: (﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥])

لمَّا ذمَّ الله أَكَلَة الرِّبا بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأخبر أنَّهم اعترضوا على أحكام الله تعالى، وقالوا: البيع مثل الرِّبا، فإذا كان الرِّبا حرامًا فلا بدَّ أنْ يكون البيع كذلك، فردَّ (١) الله عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] واللَّفظ لفظ العموم، فيتناول كلَّ بيعٍ، فيقتضي إباحة الجميع، لكن قد منع الشَّارع بيوعًا أخرى وحرَّمها، فهو عامٌّ في الإباحة، مخصوصٌ بما لا يدلُّ الدَّليل على منعه، وقال إمامنا الشَّافعيُّ فيما رأيته في كتاب «المعرفة» للبيهقيِّ: وأصل البيوع كلِّها مباحٌ إذا كانت برضا المتبايعين الحائزين الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله (٢) منه، أو ما (٣) كان في معنى ما نهى عنه رسول الله . انتهى. (وَقَولُِهُِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، ويجوز الرَّفع على الاستئناف: (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾) التِّجارة (﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]) استثناءٌ من الأمر بالكتابة، والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عينٍ، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إيَّاها يدًا بيد، أي: إلَّا أنْ تتبايعوا يدًا بيد فلا بأس ألَّا تكتبوا؛ لبعده عن التَّنازع والنِّسيان، قاله البيضاويُّ. وقال الثَّعلبيُّ: الاستثناء منقطعٌ، أي: لكن إذا كانت تجارةً فإنها ليست بباطلٍ، فأوَّلُ هذه الآية يدلُّ على إباحة البيوع المؤجَّلة، وآخرها على إباحة التِّجارة في البيوع الحالَّة، وسقطت الآيتان في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر.

(١) بابُ (باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تعالى) أسقط ابن عساكر لفظ «الباب» وزاد واو العطف قبل قوله:

«ما جاء» (١) (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾) فرغتم منها (﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾) لقضاء حوائجكم (﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾) رزقه، وهذا أمرُ إباحةٍ بعد الحظر، وكان عِراكُ بنُ مالكٍ إذا صلَّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهم أجبتُ دعوتك، وصلَّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرَّازقين. رواه ابن أبي حاتم، وعن بعض السَّلف: من باع واشترى بعد صلاة الجمعة بارك الله له سبعين مرة. (﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾) اذكروه في مجامع أحوالكم، ولا تخصُّوا ذكره بالصَّلاة (﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾) بخير الدَّارين (﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾) قيل: تقديره: إليها وإليه، فحُذِفت «إليه» للقرينة، وقيل: أَفرد التِّجارةَ لأنَّها المقصودة؛ إذ المراد من اللَّهو: طبلُ قدومِ العير، والآية نزلت حين قدمت عيرٌ المدينةَ أيَّامَ الغلاءِ والنَّبيُّ يخطب، فسمع النَّاسُ الطبلَ لقدومها، فانصرفوا إليها إلَّا اثني عشر رجلًا (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) في الخطبة، وكان ذلك في أوائل وجوب الجمعة حين كانت الصَّلاة قبل الخطبة مثل العيد، كما رواه أبو داود في «مراسيله» (﴿قُلْ مَا عِندَ اللهِ﴾) من الثَّواب (﴿خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١٠ - ١١]) لمن توكَّل عليه، فلا تتركوا ذكر الله في وقتٍ. وفي هذه الآية مشروعيَّة البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل؛ لشموله التِّجارة وأنواع التَّكسُّب، ولفظ رواية أبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ إلى آخر السُّورة»، وفي أخرى لهم ذكر الآية إلى قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ثم قال: «إلى آخر السُّورة». (وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ عطفًا على السَّابق: (﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾) بما لم يُبِحْه الشَّرع، كالغصب والرِّبا والقمار (﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]) استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكن كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ منهيٍّ عنه، أو اقصدوا كون تجارةٍ، و ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ صفةٌ لـ ﴿تِجَارَةٌ﴾ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر