الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢١٢٥
الحديث رقم ٢١٢٥ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كراهية السخب في السوق.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٦٧⦘
بْنِ الْعَاصِ ﵄: قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا».
تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: غُلْفٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا.
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ : حَدَّثَنَا هِلَالٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التِّينِ: زَادَ ابْنُ فَارِسٍ أَنَّ الْعَبْدَ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ: لُكَعُ. انْتَهَى. وَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْعَبْدِ أَرَادَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
وَقَالَ بِلَالُ بْنُ جَرِيرٍ التَّمِيمِيُّ: اللُّكَعُ فِي لُغَتِنَا الصَّغِيرُ، وَأَصْلُهُ فِي الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: اللُّكَعُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَلَاكِيعِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ السُّلَّا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَنَ صَغِيرٌ لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَئِيمٌ وَلَا عَبْدٌ.
قَوْلُهُ: (فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا) أَيْ: مَنَعَتْهُ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ قَلِيلًا، وَالْفَاعِلُ فَاطِمَةُ.
قَوْلُهُ: (فَطَنَّنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ وَبِمُوَحَّدَةٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هِيَ قِلَادَةٌ تُتَّخَذُ مِنْ طِيبٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قُرُنْفُلٍ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ خَيْطٌ مِنْ خَرَزٍ يَلْبَسُهُ الصِّبْيَانُ وَالْجَوَارِي، وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: السِّخَابُ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنَ الْحَنْظَلِ كَالْقَمِيصِ وَالْوِشَاحِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَغْسِلُهُ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ وَتَغْسِلُهُ بِالْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ يَشْتَدُّ) أَيْ: يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ، فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَجَاءَ الْحَسَنُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَجَاءَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ يَعْنِي: حَسَنًا وَكَذَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ: فَقَالَ: أَيْنَ لُكَعُ، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ) فِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا. أَيْ: مَدَّهَا. فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحِبَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ: الدُّعَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَحْبِبْهُ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ، زَادَ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَشْيِ مَعَهُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي السُّوقِ وَالْجُلُوسِ بِفِنَاءِ الدَّارِ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ وَالْمُزَاحُ مَعَهُ، وَمُعَانَقَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ، وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي مَنَاقِبِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنِي) فِيهِ تَقْدِيمُ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ شَيْخُ سُفْيَانَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَيَانَ لُقِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ، لِنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلَا تَضُرُّ الْعَنْعَنَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ إِذَا ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لِمَنْ حَدَّثَ عَنْهُ حُمِلَتْ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُدَلِّسِ، أَوْ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتُ لُقِيُّهُ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ. وَأَبْعَدَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْوِتْرَ هُنَا لِأَنَّهُ لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِبَيَانِ مَا ثَبَتَ فِي الْوِتْرِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي نَقْلِ الطَّعَامِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُشْتَرَى مِنْهُ إِلَى حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ، وَفِيهِ حَدِيثُهُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْأَسْوَاقِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّوقَ اسْمٌ لِكُلِّ مَكَانٍ وَقَعَ فِيهِ التَّبَايُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَعَاطَى الْبَيْعَ، فَلَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوفِ بِالسُّوقِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَكَانٍ يَقَعُ فِيهِ التَّبَايُعُ، فَالْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
٥٠ - بَاب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الْأَسْوَاقِ
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ. وَاللَّهِ
إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُفْتَحُ بِهَا أَعْيُنٌ عُمْيٌ وَآذَانٌ صُمٌّ وَقُلُوبٌ غُلْفٌ. تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ سَلَامٍ. ﴿غُلْفٌ﴾ كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا.
[الحديث ٢١٢٥_ طرفه في ٤٨٣٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الْأَسْوَاقِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَيُقَالُ فِيهِ الصَّخَبُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْخِصَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَأُخِذَتِ الْكَرَاهَةُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا نُفِيَتْ عَنْهُ صِفَةُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ.
وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ دُخُولَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ السُّوقَ لَا يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ لِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ السَّخَبِ فِيهَا لَا عَنْ أَصْلِ الدُّخُولِ. وَهِلَالٌ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ لَهُ هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَلَيْسَ لِشَيْخِهِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَحِرْزًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: حَافِظًا، وَأَصْلُ الْحِرْزِ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ أَيْ: مِلَّةَ الْعَرَبِ، وَوَصَفَهَا بِالْعِوَجِ لِمَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالْمُرَادُ بِإِقَامَتِهَا أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَهَا مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ: وَقُلُوبٌ غُلْفٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي: الْمُصَنِّفَ: الْغُلْفُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، يُقَالُ: سَيْفٌ أَغْلَفُ وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ وَرَجُلٌ أَغْلَفُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ) سَتَأْتِي هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدٌ:، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَقَدْ خَالَفَ عَبْدَ الْعَزِيزِ وَفُلَيْحًا فِي تَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ جَمِيعًا بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْهُ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ حَمَلَهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ كَانَ يَقُولُ فَذَكَرَهُ.
وَأَظُنُّ الْمُبَلِّغَ لِزَيْدٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَيَكُونُ هَذَا شَاهِدًا لِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَأَذْكُرُ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مُتَابَعَاتٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ. وَمِمَّا جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُجْمَلًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ.
٥١ - بَاب الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِي
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا وَيُذْكَرُ عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حيث السِّعرُ؛ فلذلك أمرهم بالنَّقل عند تلقِّي الرُّكبان؛ ليوسِّعوا على أهل الأسواق. (قَالَ) نافعٌ بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أي: يقبضه، وفيه: أنَّه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه.
وحديث بيع الطَّعام قبل قبضه هذا أخرجه المؤلِّف [خ¦٢١٣٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ بأسانيد مختلفة، وألفاظٍ متباينة.
(٥٠) (باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين بالصَّاد المهملة، لتقاربهما مخرجًا، وهو رفع الصَّوت بالخصام ونحوه (فِي السُّوقِ).
٢١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وبنونين بينهما ألفٌ، العَوَقِيُّ -بفتح الواو وبالقاف- كان ينزل العَوَقَة، بطنٌ من عبد القيس فنُسِب إليهم، وهو باهليٌّ بصريٌّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان أبو يحيى الحرَّانيُّ، واسمه عبد الملك، وفُلَيحٌ لقبُه، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) (١) هو ابن عليٍّ -على الأصحِّ- القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة وبعد الألف راءٌ، أنَّه (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قُلْتُ) له:
(أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ) لأنَّه كان قد قرأها (١) (قَالَ) عبد الله: (أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وباللَّام، حرف جوابٍ، مثل: نعم، فيكون تصديقًا للمخبر وإعلامًا للمستخبر ووعدًا للطَّالب، فيقع بعد نحو: قام زيدٌ، ونحو: أقام زيدٌ، ونحو: اضرب زيدًا، أي: فيكون بعد الخبر وبعد الاستفهام والطَّلب، وقيل: تختصُّ (٢) بالخبر، وهو قول الزَّمخشريِّ وابن مالكٍ، وقيَّد المالِقيُّ الخبر بالمثبت، والطَّلب بغير النَّهي، وقال في «القاموس»: هي (٣) جوابٌ كـ «نعم» إلَّا أنَّه أحسن منه في التَّصديق، و «نعم» أحسن منه في الاستفهام. انتهى. وهذا قاله الأخفش كما في «المغني» لابن هشامٍ، قال الطِّيبيُّ: وفي الحديث جاء جوابًا للأمر (٤) على تأويل (٥): قرأتَ التَّوراة، هل وجدت صفة رسول الله ﷺ فيها فأخبرني؟ قال: أجل (وَاللهِ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ) أكَّد كلامه بمؤكِّدات الحلف بالله، والجملة الاسميَّة ودخول «إنَّ» عليها، ودخول لام التَّأكيد على الخبر: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾) لأمَّتك المؤمنين بتصديقهم، وعلى الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال المُقدَّرة من الكاف، أو من الفاعل، أي: مقدِّرًا أو مُقدِّرين شهادتك على من بُعِثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا قولك (٦) عند الله لهم وعليهم كما يُقبَل قول الشَّاهد العدل في الحكم، (﴿وَمُبَشِّرًا﴾) للمؤمنين (﴿وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]) للكافرين، أو مبشِّرًا للمطيعين بالجنَّة، والعصاة بالنَّار، أو شاهدًا للرُّسل قبله بالبلاغ، وهذا كلُّه في القرآن في سورة «الأحزاب»
(وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، أي: حصنًا (لِلأُمِّيِّينَ) للعرب يتحصَّنون به من (١) غوائل الشَّيطان، أو من سطوة العجم وتغلُّبهم، وسُمُّوا أمِّيِّين؛ لأنَّ أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون (أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) أي: على الله، لقناعته باليسير من الرِّزق، واعتماده على الله في النَّصر، والصَّبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكَّل عليه، فسمَّاه المتوكِّل (لَيْسَ بِفَظٍّ) سيِّئ الخلق جافيًا (وَلَا غَلِيظٍ) قاسي القلب، وهو (٢) موافقٌ لقوله تعالى (٣): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يعارض (٤) قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] لأنَّ النَّفيَ محمولٌ على طبعه الذي جُبِل عليه، والأمر محمولٌ على المعالجة، أو النَّفي بالنِّسبة للمؤمنين، والأمر بالنِّسبة للكفَّار والمنافقين، كما هو مُصرَّحٌ به في نفس الآية، ويحتمل أن تكون هذه آيةً أخرى في التَّوراة لبيان صفته، وأن تكون حالًا، إمَّا من «المتوكِّل» أو من (٥) الكاف في «سمَّيتك»، وعلى هذا يكون فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ولو جرى على النَّسق الأوَّل، لقال: لست بفظٍّ (وَلَا سَخَّابٍ) بتشديد الخاء المعجمة بعد السِّين المهملة، وهي لغةٌ أثبتها الفرَّاء وغيره، والصَّخَّاب -بالصَّاد- أشهرُ، أي: لا يرفع صوته على النَّاس لسوء خلقه، ولا يكثر الصِّياح عليهم (فِي الأَسْوَاقِ) بل يليِّن جانبه لهم ويرفق بهم، وفيه ذمُّ أهل السُّوق الذين يكونون بالصِّفة المذمومة من الصَّخب واللَّغط، والزِّيادة في المدحة والذَّمِّ لما يتبايعونه والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال ﵊: «شرُّ البقاع الأسواق»؛ لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ) ما لم تُنتهَك حرمات الله تعالى (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ) يُميته (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ) ملَّة إبراهيم، فإنَّها قد اعوجَّت في أيَّام الفترة، فزِيدت ونقصت، وغُيِّرت عن استقامتها، وأُميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتَّى قام الرَّسول ﷺ فأقامها بنفي ما كان عليه العرب من الشِّرك،
وإثبات التَّوحيد (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا) أي: بكلمة التَّوحيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) بضمِّ العين وسكون الميم: صفةٌ لـ «أعينٍ»، ولا تَنافيَ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] لأنَّه دلَّ إيلاء الفاعل (١) المعنويِّ حرفَ النَّفي على أنَّ الكلام في الفاعل، وذلك أنَّه تعالى نزَّله -لحرصه على إيمان القوم- منزلةَ من يدَّعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقلٍّ (٢) فيه، بل إنَّك لَتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا فـ «يفتحُ» معطوفٌ على قوله: «يقيم» أي: يقيم الله تعالى بواسطته الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا (وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) بضمِّ الغين وسكون اللَّام، صفةٌ لـ «قلوبًا»، و «صمًّا» لـ «آذانًا»، ولأبي ذرٍّ: «ويُفتَح» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «بها أعينٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوبٌ غلفٌ» بالرَّفع على ما لا يخفى.
(تَابَعَهُ) أي: تابع فليحًا (عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ) هو ابن عليٍّ، وهذه المتابعة وصلها في «سورة الفتح» [خ¦٤٨٣٨] (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي هلالٍ، ممَّا وصله الدَّارميُّ في «مسنده»، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه»، والطَّبرانيُّ جميعًا بإسنادٍ واحدٍ (عَنْ هِلَالٍ) المذكور في سند الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن يسارٍ (عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- عبد الله الصَّحابيِّ، وقد خالف سعيدٌ هذا عبدَ العزيز وفليحًا في تعيين الصَّحابيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا مانع أن يكون عطاء بن يسارٍ حمله عن كلٍّ منهما، فقد أخرجه ابن سعدٍ من طريق زيد بن أسلم قال: بلغنا أنَّ عبد الله بن سلامٍ كان يقول … فذكره، وسأذكر لرواية عبد الله بن سلامٍ متابعاتٍ في «تفسير سورة الفتح». انتهى. قلت: ولم أجد ما وعد به ﵀ من المتابعات في «سورة الفتح»، ولعلَّه سها عن ذكر ذلك كغيره في كثيرٍ من الحوالات، نعم وُجِد بخطِّه في «تفسير سورة الفتح» تُنظَر الفرجة، ولم توجد غير فرجةٍ ليس فيها كتابةٌ، فلعلَّه أراد أن يكتب فيها ما وعد به أو غيره. (غُلْفٌ) بضمِّ الغين وسكون اللَّام: (كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ)، ويُقال: (سَيْفٌ أَغْلَفُ) إذا كان في غلافٍ (وَ) كذا يُقال: (قَوْسٌ غَلْفَاءُ) إذا كانت في غلافٍ، كالجَعْبَة ونحوها (وَ) كذا (رَجُلٌ
أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وهو كلام أبي عبيدة في «المجاز»، وهذا كلامٌ (١) وقع في رواية النَّسفيِّ والمُستملي كما قاله في «الفتح»، لكن قال: إنَّه قبل قوله: «تابعه»، والذي في الفرع تأخيره -كما ترى- وسقوطه في رواية ابن عساكر، وزيادة: «قال أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي بدون هاء الضَّمير في: «قال».
(٥١) (بابُ) مؤنةِ (الكَيْلِ) فيما يُكال، ومؤنة الوزن فيما يُوزن (عَلَى البَائِعِ وَ) كذا تكون على (المُعْطِي) بكسر الطَّاء، بائعًا كان أو موفيًا للدَّين أو غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بلام التَّعليل للتَّرجمة، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله تعالى» بالجرِّ عطفًا على «الكيل» أي: بابٌ في بيان الكيل، وفي (٢) بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند النَّسائيِّ وابن ماجه: لمَّا قَدِمَ نبيُّ الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فحسنوا بعد ذلك (يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أوْ وَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ) فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو كالوا مكيلهم، فحُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (٣).
قال في «الكشَّاف»: ولا يصحُّ أن يكون ضميرًا مرفوعًا «للمطفِّفين»؛ لأنَّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من النَّاس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
التِّينِ: زَادَ ابْنُ فَارِسٍ أَنَّ الْعَبْدَ أَيْضًا يُقَالُ لَهُ: لُكَعُ. انْتَهَى. وَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْعَبْدِ أَرَادَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
وَقَالَ بِلَالُ بْنُ جَرِيرٍ التَّمِيمِيُّ: اللُّكَعُ فِي لُغَتِنَا الصَّغِيرُ، وَأَصْلُهُ فِي الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ. وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ: اللُّكَعُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ وَلَا غَيْرِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَلَاكِيعِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ السُّلَّا. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَنَ صَغِيرٌ لَا يَهْتَدِي لِمَنْطِقٍ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَئِيمٌ وَلَا عَبْدٌ.
قَوْلُهُ: (فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا) أَيْ: مَنَعَتْهُ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ قَلِيلًا، وَالْفَاعِلُ فَاطِمَةُ.
قَوْلُهُ: (فَطَنَّنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ خَفِيفَةٌ وَبِمُوَحَّدَةٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هِيَ قِلَادَةٌ تُتَّخَذُ مِنْ طِيبٍ لَيْسَ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قُرُنْفُلٍ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: هُوَ خَيْطٌ مِنْ خَرَزٍ يَلْبَسُهُ الصِّبْيَانُ وَالْجَوَارِي، وَرَوَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ أَحَدِ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: السِّخَابُ شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنَ الْحَنْظَلِ كَالْقَمِيصِ وَالْوِشَاحِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَغْسِلُهُ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ وَتَغْسِلُهُ بِالْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ يَشْتَدُّ) أَيْ: يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ، فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَجَاءَ الْحَسَنُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَجَاءَ الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ يَعْنِي: حَسَنًا وَكَذَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَسَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ بِلَفْظِ: فَقَالَ: أَيْنَ لُكَعُ، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَمْشِي.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ) فِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ هَكَذَا. أَيْ: مَدَّهَا. فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَالْتَزَمَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحِبَّهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِلَفْظِ: الدُّعَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَحْبِبْهُ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ، زَادَ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ. وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَشْيِ مَعَهُ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ مِنَ الدُّخُولِ فِي السُّوقِ وَالْجُلُوسِ بِفِنَاءِ الدَّارِ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ وَالْمُزَاحُ مَعَهُ، وَمُعَانَقَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ، وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي مَنَاقِبِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ سُفْيَانُ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (عُبَيْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنِي) فِيهِ تَقْدِيمُ اسْمِ الرَّاوِي عَلَى الصِّيغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ شَيْخُ سُفْيَانَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بَيَانَ لُقِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ، لِنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلَا تَضُرُّ الْعَنْعَنَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ إِذَا ثَبَتَ لِقَاؤُهُ لِمَنْ حَدَّثَ عَنْهُ حُمِلَتْ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُدَلِّسِ، أَوْ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتُ لُقِيُّهُ لِمَنْ رَوَى عَنْهُ. وَأَبْعَدَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَكَرَ الْوِتْرَ هُنَا لِأَنَّهُ لَمَّا رَوَى الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِبَيَانِ مَا ثَبَتَ فِي الْوِتْرِ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي نَقْلِ الطَّعَامِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُشْتَرَى مِنْهُ إِلَى حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ، وَفِيهِ حَدِيثُهُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ. وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِدْخَالُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْأَسْوَاقِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّوقَ اسْمٌ لِكُلِّ مَكَانٍ وَقَعَ فِيهِ التَّبَايُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَعَاطَى الْبَيْعَ، فَلَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوفِ بِالسُّوقِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَكَانٍ يَقَعُ فِيهِ التَّبَايُعُ، فَالْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
٥٠ - بَاب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الْأَسْوَاقِ
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ: أَجَلْ. وَاللَّهِ
إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُفْتَحُ بِهَا أَعْيُنٌ عُمْيٌ وَآذَانٌ صُمٌّ وَقُلُوبٌ غُلْفٌ. تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ سَلَامٍ. ﴿غُلْفٌ﴾ كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا.
[الحديث ٢١٢٥_ طرفه في ٤٨٣٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي الْأَسْوَاقِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَيُقَالُ فِيهِ الصَّخَبُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْخِصَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. وَأُخِذَتِ الْكَرَاهَةُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا نُفِيَتْ عَنْهُ صِفَةُ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ.
وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ دُخُولَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ السُّوقَ لَا يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ لِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ السَّخَبِ فِيهَا لَا عَنْ أَصْلِ الدُّخُولِ. وَهِلَالٌ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، وَيُقَالُ لَهُ هِلَالُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَلَيْسَ لِشَيْخِهِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: وَحِرْزًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: حَافِظًا، وَأَصْلُ الْحِرْزِ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ. وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ أَيْ: مِلَّةَ الْعَرَبِ، وَوَصَفَهَا بِالْعِوَجِ لِمَا دَخَلَ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالْمُرَادُ بِإِقَامَتِهَا أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَهَا مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ: وَقُلُوبٌ غُلْفٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي: الْمُصَنِّفَ: الْغُلْفُ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، يُقَالُ: سَيْفٌ أَغْلَفُ وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ وَرَجُلٌ أَغْلَفُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ) سَتَأْتِي هَذِهِ الْمُتَابَعَةُ مَوْصُولَةً فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَعِيدٌ:، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَقَدْ خَالَفَ عَبْدَ الْعَزِيزِ وَفُلَيْحًا فِي تَعْيِينِ الصَّحَابِيِّ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ جَمِيعًا بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ عَنْهُ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ حَمَلَهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ كَانَ يَقُولُ فَذَكَرَهُ.
وَأَظُنُّ الْمُبَلِّغَ لِزَيْدٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ فَإِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَيَكُونُ هَذَا شَاهِدًا لِرِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَأَذْكُرُ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مُتَابَعَاتٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ. وَمِمَّا جَاءَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مُجْمَلًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ.
٥١ - بَاب الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِي
وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا وَيُذْكَرُ عَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
حيث السِّعرُ؛ فلذلك أمرهم بالنَّقل عند تلقِّي الرُّكبان؛ ليوسِّعوا على أهل الأسواق. (قَالَ) نافعٌ بالسَّند السَّابق: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ) أي: يقبضه، وفيه: أنَّه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه.
وحديث بيع الطَّعام قبل قبضه هذا أخرجه المؤلِّف [خ¦٢١٣٦]، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ بأسانيد مختلفة، وألفاظٍ متباينة.
(٥٠) (باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة آخره مُوحَّدةٌ، ويجوز إبدال السِّين بالصَّاد المهملة، لتقاربهما مخرجًا، وهو رفع الصَّوت بالخصام ونحوه (فِي السُّوقِ).
٢١٢٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وبنونين بينهما ألفٌ، العَوَقِيُّ -بفتح الواو وبالقاف- كان ينزل العَوَقَة، بطنٌ من عبد القيس فنُسِب إليهم، وهو باهليٌّ بصريٌّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان أبو يحيى الحرَّانيُّ، واسمه عبد الملك، وفُلَيحٌ لقبُه، قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) (١) هو ابن عليٍّ -على الأصحِّ- القرشيُّ المدنيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بفتح التَّحتيَّة والمهملة المُخفَّفة وبعد الألف راءٌ، أنَّه (قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، قُلْتُ) له:
(أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ) لأنَّه كان قد قرأها (١) (قَالَ) عبد الله: (أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وباللَّام، حرف جوابٍ، مثل: نعم، فيكون تصديقًا للمخبر وإعلامًا للمستخبر ووعدًا للطَّالب، فيقع بعد نحو: قام زيدٌ، ونحو: أقام زيدٌ، ونحو: اضرب زيدًا، أي: فيكون بعد الخبر وبعد الاستفهام والطَّلب، وقيل: تختصُّ (٢) بالخبر، وهو قول الزَّمخشريِّ وابن مالكٍ، وقيَّد المالِقيُّ الخبر بالمثبت، والطَّلب بغير النَّهي، وقال في «القاموس»: هي (٣) جوابٌ كـ «نعم» إلَّا أنَّه أحسن منه في التَّصديق، و «نعم» أحسن منه في الاستفهام. انتهى. وهذا قاله الأخفش كما في «المغني» لابن هشامٍ، قال الطِّيبيُّ: وفي الحديث جاء جوابًا للأمر (٤) على تأويل (٥): قرأتَ التَّوراة، هل وجدت صفة رسول الله ﷺ فيها فأخبرني؟ قال: أجل (وَاللهِ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ) أكَّد كلامه بمؤكِّدات الحلف بالله، والجملة الاسميَّة ودخول «إنَّ» عليها، ودخول لام التَّأكيد على الخبر: (﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾) لأمَّتك المؤمنين بتصديقهم، وعلى الكافرين بتكذيبهم، وانتصاب ﴿شَاهِدًا﴾ على الحال المُقدَّرة من الكاف، أو من الفاعل، أي: مقدِّرًا أو مُقدِّرين شهادتك على من بُعِثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي: مقبولًا قولك (٦) عند الله لهم وعليهم كما يُقبَل قول الشَّاهد العدل في الحكم، (﴿وَمُبَشِّرًا﴾) للمؤمنين (﴿وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]) للكافرين، أو مبشِّرًا للمطيعين بالجنَّة، والعصاة بالنَّار، أو شاهدًا للرُّسل قبله بالبلاغ، وهذا كلُّه في القرآن في سورة «الأحزاب»
(وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الرَّاء السَّاكنة زايٌ، أي: حصنًا (لِلأُمِّيِّينَ) للعرب يتحصَّنون به من (١) غوائل الشَّيطان، أو من سطوة العجم وتغلُّبهم، وسُمُّوا أمِّيِّين؛ لأنَّ أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون (أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) أي: على الله، لقناعته باليسير من الرِّزق، واعتماده على الله في النَّصر، والصَّبر على انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكَّل عليه، فسمَّاه المتوكِّل (لَيْسَ بِفَظٍّ) سيِّئ الخلق جافيًا (وَلَا غَلِيظٍ) قاسي القلب، وهو (٢) موافقٌ لقوله تعالى (٣): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا يعارض (٤) قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] لأنَّ النَّفيَ محمولٌ على طبعه الذي جُبِل عليه، والأمر محمولٌ على المعالجة، أو النَّفي بالنِّسبة للمؤمنين، والأمر بالنِّسبة للكفَّار والمنافقين، كما هو مُصرَّحٌ به في نفس الآية، ويحتمل أن تكون هذه آيةً أخرى في التَّوراة لبيان صفته، وأن تكون حالًا، إمَّا من «المتوكِّل» أو من (٥) الكاف في «سمَّيتك»، وعلى هذا يكون فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ولو جرى على النَّسق الأوَّل، لقال: لست بفظٍّ (وَلَا سَخَّابٍ) بتشديد الخاء المعجمة بعد السِّين المهملة، وهي لغةٌ أثبتها الفرَّاء وغيره، والصَّخَّاب -بالصَّاد- أشهرُ، أي: لا يرفع صوته على النَّاس لسوء خلقه، ولا يكثر الصِّياح عليهم (فِي الأَسْوَاقِ) بل يليِّن جانبه لهم ويرفق بهم، وفيه ذمُّ أهل السُّوق الذين يكونون بالصِّفة المذمومة من الصَّخب واللَّغط، والزِّيادة في المدحة والذَّمِّ لما يتبايعونه والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال ﵊: «شرُّ البقاع الأسواق»؛ لما يغلب على أهلها من هذه الأحوال المذمومة (وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) هو كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] (وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ) ما لم تُنتهَك حرمات الله تعالى (وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ) يُميته (حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ) ملَّة إبراهيم، فإنَّها قد اعوجَّت في أيَّام الفترة، فزِيدت ونقصت، وغُيِّرت عن استقامتها، وأُميلت بعد قوامها، وما زالت كذلك حتَّى قام الرَّسول ﷺ فأقامها بنفي ما كان عليه العرب من الشِّرك،
وإثبات التَّوحيد (بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا) أي: بكلمة التَّوحيد (أَعْيُنًا عُمْيًا) بضمِّ العين وسكون الميم: صفةٌ لـ «أعينٍ»، ولا تَنافيَ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] لأنَّه دلَّ إيلاء الفاعل (١) المعنويِّ حرفَ النَّفي على أنَّ الكلام في الفاعل، وذلك أنَّه تعالى نزَّله -لحرصه على إيمان القوم- منزلةَ من يدَّعي استقلاله بالهداية، فقال له: أنت لست بمستقلٍّ (٢) فيه، بل إنَّك لَتهدي إلى صراطٍ مستقيمٍ بإذن الله تعالى وتيسيره، وعلى هذا فـ «يفتحُ» معطوفٌ على قوله: «يقيم» أي: يقيم الله تعالى بواسطته الملَّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بواسطة هذه الكلمة أعينًا عميًا (وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) بضمِّ الغين وسكون اللَّام، صفةٌ لـ «قلوبًا»، و «صمًّا» لـ «آذانًا»، ولأبي ذرٍّ: «ويُفتَح» بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول «بها أعينٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وقلوبٌ غلفٌ» بالرَّفع على ما لا يخفى.
(تَابَعَهُ) أي: تابع فليحًا (عَبْدُ العَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلَالٍ) هو ابن عليٍّ، وهذه المتابعة وصلها في «سورة الفتح» [خ¦٤٨٣٨] (وَقَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي هلالٍ، ممَّا وصله الدَّارميُّ في «مسنده»، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه»، والطَّبرانيُّ جميعًا بإسنادٍ واحدٍ (عَنْ هِلَالٍ) المذكور في سند الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن يسارٍ (عَنِ ابْنِ سَلَامٍ) -بتخفيف اللَّام- عبد الله الصَّحابيِّ، وقد خالف سعيدٌ هذا عبدَ العزيز وفليحًا في تعيين الصَّحابيِّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا مانع أن يكون عطاء بن يسارٍ حمله عن كلٍّ منهما، فقد أخرجه ابن سعدٍ من طريق زيد بن أسلم قال: بلغنا أنَّ عبد الله بن سلامٍ كان يقول … فذكره، وسأذكر لرواية عبد الله بن سلامٍ متابعاتٍ في «تفسير سورة الفتح». انتهى. قلت: ولم أجد ما وعد به ﵀ من المتابعات في «سورة الفتح»، ولعلَّه سها عن ذكر ذلك كغيره في كثيرٍ من الحوالات، نعم وُجِد بخطِّه في «تفسير سورة الفتح» تُنظَر الفرجة، ولم توجد غير فرجةٍ ليس فيها كتابةٌ، فلعلَّه أراد أن يكتب فيها ما وعد به أو غيره. (غُلْفٌ) بضمِّ الغين وسكون اللَّام: (كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ)، ويُقال: (سَيْفٌ أَغْلَفُ) إذا كان في غلافٍ (وَ) كذا يُقال: (قَوْسٌ غَلْفَاءُ) إذا كانت في غلافٍ، كالجَعْبَة ونحوها (وَ) كذا (رَجُلٌ
أَغْلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: البخاريّ، وهو كلام أبي عبيدة في «المجاز»، وهذا كلامٌ (١) وقع في رواية النَّسفيِّ والمُستملي كما قاله في «الفتح»، لكن قال: إنَّه قبل قوله: «تابعه»، والذي في الفرع تأخيره -كما ترى- وسقوطه في رواية ابن عساكر، وزيادة: «قال أبو عبد الله» لأبي ذرٍّ عن المُستملي بدون هاء الضَّمير في: «قال».
(٥١) (بابُ) مؤنةِ (الكَيْلِ) فيما يُكال، ومؤنة الوزن فيما يُوزن (عَلَى البَائِعِ وَ) كذا تكون على (المُعْطِي) بكسر الطَّاء، بائعًا كان أو موفيًا للدَّين أو غير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة ومالكٍ والشَّافعيِّ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بلام التَّعليل للتَّرجمة، ولأبي ذرٍّ: «وقولِ الله تعالى» بالجرِّ عطفًا على «الكيل» أي: بابٌ في بيان الكيل، وفي (٢) بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]) وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند النَّسائيِّ وابن ماجه: لمَّا قَدِمَ نبيُّ الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فحسنوا بعد ذلك (يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ أوْ وَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ) فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو كالوا مكيلهم، فحُذِف المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامه (٣).
قال في «الكشَّاف»: ولا يصحُّ أن يكون ضميرًا مرفوعًا «للمطفِّفين»؛ لأنَّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسدٍ، وذلك أنَّ المعنى: إذا أخذوا من النَّاس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا، وإن