«اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢١٨

الحديث رقم ٢٢١٨ من كتاب «كتاب البيوع» في صحيح البخاري، تحت باب: باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢١٨ في صحيح البخاري

«اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ.»

إسناد حديث رقم ٢٢١٨ من صحيح البخاري

٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢١٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ - قَالَ الْأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: - قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ - قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: - فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ - أَوْ فِي الثَّالِثَةِ - فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً.

[الحديث ٢٢١٧ - أطرافه في: ٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠]

٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ"

٢٢١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ، فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ.

٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ قَالَ حَكِيمٌ قال رسول الله : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ"

قَوْلُهُ: (بَابُ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَجَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا، إِذْ أَقَرَّ النَّبِيُّ سَلْمَانَ عِنْدَ مَالِكِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ، وَقَبِلَ الْخَلِيلُ هِبَةَ الْجَبَّارِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ لِسَلْمَانَ) أَيْ: الْفَارِسِيِّ (كَاتِبْ. وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ فَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ

رَسُولُ اللَّهِ كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ، قَالَ: فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَدِيَةٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: كَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ لَخَّصَهُ مِنْ قِصَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي عَلَّقَهُ، وَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ لِسَلْمَانَ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَقَالَ: قَوْلُهُ: وَكَانَ حُرًّا حَالٌ، مِنْ قَالَ النَّبِيُّ، لَا مِنْ قَوْلِهِ: كَاتِبْ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ حُرٌّ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْكِتَابَةِ صُورَتَهَا لَا حَقِيقَتَهَا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ افْدِ نَفْسَكَ وَتَخَلَّصْ مِنَ الظُّلْمِ، كَذَا قَالَ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ حُرًّا، مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ لَا يَتَعَيَّنُ مِنْهُ حَمْلُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ حُرًّا، أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ، فَيَقَعَ فِي أَسْرِ الَّذِينَ ظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ تَقْرِيرُ أَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا أَقَرَّ الْيَهُودِيَّ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي سَلْمَانَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ لَمْ يَكُنْ سَلْمَانُ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَحُكْمُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ غَلَبَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى نَفْسِ غَيْرِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنِ الْمَغْلُوبُ فِيمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَالِبِ.

قَوْلُهُ: (وَسُبِيَ عَمَّارٌ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ) أَمَّا قِصَّةُ سَبْيِ عَمَّارٍ فَمَا ظَهَرَ لِي الْمُرَادُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ عَمَّارًا كَانَ عَرَبِيًّا عَنْسِيًّا بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ، مَا وَقَعَ عَلَيْهِ سَبْيٌ، وَإِنَّمَا سَكَنَ أَبُوهُ يَاسِرٌ مَكَّةَ وَحَالَفَ بَنِي مَخْزُومٍ، فَزَوَّجُوهُ سُمَيَّةَ وَهِيَ مِنْ مَوَالِيهِمْ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمَّارًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُونَ عَامَلُوا عَمَّارًا مُعَامَلَةَ السَّبْيِ؛ لِكَوْنِ أُمِّهِ مِنْ مَوَالِيهِمْ دَاخِلًا فِي رِقِّهِمْ. وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهُ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، وَكَانَ عَامِلًا لِكِسْرَى، فَسَبَتِ الرُّومُ صُهَيْبًا لَمَّا غَزَتْ أَهْلَ فَارِسَ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَقِيلَ: بَلْ هَرَبَ مِنَ الرُّومِ إِلَى مَكَّةَ فَحَالَفَ ابْنَ جُدْعَانَ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى قِصَّتِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ. وَأَمَّا بِلَالٌ فَقَالَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ لِأَيْتَامِ أَبِي جَهْلٍ، فَعَذَّبَهُ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا فَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِلَالًا، فَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ، لِلْعَبَّاسِ: اشْتَرِ لِي بِلَالًا فَاشْتَرَاهُ، فَأَعْتَقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، بِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ يُعَذِّبُ بِلَالًا فَقَالَ: أَلَّا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟ قَالَ: أَنْقِذْهُ أَنْتَ مِمَّا تَرَى، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ غُلَامًا أَجْلَدَ مِنْهُ وَأَخَذَ بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ أُمَيَّةَ، وَأَبِي جَهْلٍ كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا، وَلَهُمَا شَوْبٌ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الْآيَةَ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فَأَثْبَتَ لَهُمْ مِلْكَ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِ مِلْكِهِمْ غَالِبًا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَقْصُودُهُ صِحَّةُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ وَمِلْكِ الْمُسْلِمِ عَنْهُ، وَالْمُخَاطَبُ فِي الْآيَةِ الْمُشْرِكُونَ، وَالتَّوْبِيخُ الَّذِي وَقَعَ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَامَلُوا بِهِ أَصْنَامَهُمْ مِنَ التَّعْظِيمِ وَلَمْ يُعَامِلُوا رَبَّهُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ غَرَضِ هَذَا الْبَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، أَحَدُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَعَ الْجَبَّارِ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا هَاجَرَ، وَوَقَعَ هُنَا آجَرُ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُ: كَبَتَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، أَيْ: أَخْزَاهُ، وَقِيلَ: رَدَّهُ خَائِبًا، وَقِيلَ: أَحْزَنَهُ، وَقِيلَ: صَرَعَهُ، وَقِيلَ: صَرَفَهُ، وَقِيلَ: أَذَلَّهُ، حَكَاهَا كُلَّهَا ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ: إِنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: أَصْلُ كَبَتَ: كَبَدَ، أَيْ: بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ، فَأُبْدِلَتِ الدَّالُ مُثَنَّاةً. وَقَوْلُهُ: أَخْدَمَ، أَيْ: مَكَّنَ مِنَ الْخِدْمَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُ الْكَافِرِ: أَعْطُوهَا هَاجَرَ وَقَبُولُ سَارَةَ مِنْهُ، وَإِمْضَاءُ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ، فَفِيهِ صِحَّةُ هِبَةِ الْكَافِرِ.

ثَانِيهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والموحَّدة بعدها (١) مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، أي: صرعه لوجهه، أو أخزاه، أو ردَّه خائبًا، أو أغاظه وأذَّله (وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟) يحتمل أن يكون «وأخدم» معطوفًا على «كبت»، ويحتمل أن يكون فاعل «أخدم» هو الجبَّار فيكون استئنافًا، والوليدة: الجارية للخدمة، سواءٌ كانت كبيرةً أو صغيرةً، وفي الأصل: الوليد: الطِّفل، والأنثى: وليدة، والجمع: ولائد، وحَذَفت (٢) مَفعول «أخدم» الأوَّل لعدم تعلُّق الغرض بتعيينه، أو تأدُّبًا مع الخليل أن تواجهه بأنَّ غيره أخدمها، و «وليدةً»: المفعول الثَّاني، والمراد بها: آجر المذكورة.

وموضع التَّرجمة قوله: «وأعطوها آجر»، وقبول سارة منه، وإمضاء إبراهيم ذلك، ففيه صحَّة هبة الكافر، وقبول هديَّة السُّلطان الظَّالم، وابتلاء الصَّالحين لرفع درجاتهم، وفيه إباحة المعاريض، وأنَّها مندوحةٌ عن الكذب، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٦٣٥] و «الإكراه» [خ¦٦٩٥٠] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨].

٢٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو سودة أمِّ المؤمنين (فِي غُلَامٍ) هو عبد الرَّحمن ابن وليدة زمعة المذكور (فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا) الغلام (٣) (يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مات مشركًا، وكان قد كَسَر ثنيَّة النَّبيِّ (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَيَّ أَنَّهُ) أي: الغلام (ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) بعتبة (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو أمِّ المؤمنين سودة : (هَذَا)

الغلام (أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ (١)، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زمعة (مِنْ وَلِيدَتِهِ) أي: جاريته، ولم تُسمَّ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) لكنَّه لم يعتمده لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش (فَقَالَ) : (هُوَ) أي: الغلام (لَكَ يَا عَبْدُ) ولأبي ذرٍّ: «يا عبدُ بنَ زمعة» بضمِّ «عبد» ونصب (٢) «ابن» (الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه، زوجًا كان (٣) أو سيِّدًا، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: إنَّ ولد الأَمَةِ المستفرشة لا يلحق سيِّدها ما لم يقرَّ به، فلا عموم عندهم له في الأَمَةِ، وفيه بحثٌ تقدَّم في «باب تفسير الشُّبهات» أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣] (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخيبة، ولا حقَّ له في الولد (٤) (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من الغلام (يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) هي أمُّ المؤمنين، أي: ندبًا واحتياطًا، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأُخوَّته

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ - قَالَ الْأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: - قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ - قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: - فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ، فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ - أَوْ فِي الثَّالِثَةِ - فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً.

[الحديث ٢٢١٧ - أطرافه في: ٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠]

٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ"

٢٢١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ، فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ.

٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ قَالَ حَكِيمٌ قال رسول الله : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ"

قَوْلُهُ: (بَابُ شِرَاءِ الْمَمْلُوكِ مِنَ الْحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: غَرَضُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِثْبَاتُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ، وَجَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهَا، إِذْ أَقَرَّ النَّبِيُّ سَلْمَانَ عِنْدَ مَالِكِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ، وَقَبِلَ الْخَلِيلُ هِبَةَ الْجَبَّارِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النَّبِيُّ لِسَلْمَانَ) أَيْ: الْفَارِسِيِّ (كَاتِبْ. وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ وَصَلَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ فَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ

رَسُولُ اللَّهِ كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ، قَالَ: فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَدِيَةٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: كَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ لَخَّصَهُ مِنْ قِصَّتِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي عَلَّقَهُ، وَظَنَّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ لِسَلْمَانَ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَقَالَ: قَوْلُهُ: وَكَانَ حُرًّا حَالٌ، مِنْ قَالَ النَّبِيُّ، لَا مِنْ قَوْلِهِ: كَاتِبْ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ أَمَرَهُ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ حُرٌّ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْكِتَابَةِ صُورَتَهَا لَا حَقِيقَتَهَا، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ افْدِ نَفْسَكَ وَتَخَلَّصْ مِنَ الظُّلْمِ، كَذَا قَالَ، وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَانَ حُرًّا، مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ لَا يَتَعَيَّنُ مِنْهُ حَمْلُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْمَجَازِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَكَانَ حُرًّا، أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَلَدِهِ، فَيَقَعَ فِي أَسْرِ الَّذِينَ ظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ تَقْرِيرُ أَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّمَا أَقَرَّ الْيَهُودِيَّ عَلَى تَصَرُّفِهِ فِي سَلْمَانَ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَهُ لَمْ يَكُنْ سَلْمَانُ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَحُكْمُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ غَلَبَ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى نَفْسِ غَيْرِهِ أَوْ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنِ الْمَغْلُوبُ فِيمَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَالِبِ.

قَوْلُهُ: (وَسُبِيَ عَمَّارٌ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ) أَمَّا قِصَّةُ سَبْيِ عَمَّارٍ فَمَا ظَهَرَ لِي الْمُرَادُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ عَمَّارًا كَانَ عَرَبِيًّا عَنْسِيًّا بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ، مَا وَقَعَ عَلَيْهِ سَبْيٌ، وَإِنَّمَا سَكَنَ أَبُوهُ يَاسِرٌ مَكَّةَ وَحَالَفَ بَنِي مَخْزُومٍ، فَزَوَّجُوهُ سُمَيَّةَ وَهِيَ مِنْ مَوَالِيهِمْ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمَّارًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُونَ عَامَلُوا عَمَّارًا مُعَامَلَةَ السَّبْيِ؛ لِكَوْنِ أُمِّهِ مِنْ مَوَالِيهِمْ دَاخِلًا فِي رِقِّهِمْ. وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهُ مِنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، وَكَانَ عَامِلًا لِكِسْرَى، فَسَبَتِ الرُّومُ صُهَيْبًا لَمَّا غَزَتْ أَهْلَ فَارِسَ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَقِيلَ: بَلْ هَرَبَ مِنَ الرُّومِ إِلَى مَكَّةَ فَحَالَفَ ابْنَ جُدْعَانَ، وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى قِصَّتِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ. وَأَمَّا بِلَالٌ فَقَالَ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ لِأَيْتَامِ أَبِي جَهْلٍ، فَعَذَّبَهُ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا فَقَالَ: اشْتَرِ لِي بِلَالًا، فَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ، لِلْعَبَّاسِ: اشْتَرِ لِي بِلَالًا فَاشْتَرَاهُ، فَأَعْتَقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَفِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ، بِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُوَ يُعَذِّبُ بِلَالًا فَقَالَ: أَلَّا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ؟ قَالَ: أَنْقِذْهُ أَنْتَ مِمَّا تَرَى، فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ غُلَامًا أَجْلَدَ مِنْهُ وَأَخَذَ بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ أُمَيَّةَ، وَأَبِي جَهْلٍ كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا، وَلَهُمَا شَوْبٌ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الْآيَةَ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فَأَثْبَتَ لَهُمْ مِلْكَ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِ مِلْكِهِمْ غَالِبًا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: مَقْصُودُهُ صِحَّةُ مِلْكِ الْحَرْبِيِّ وَمِلْكِ الْمُسْلِمِ عَنْهُ، وَالْمُخَاطَبُ فِي الْآيَةِ الْمُشْرِكُونَ، وَالتَّوْبِيخُ الَّذِي وَقَعَ لَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَامَلُوا بِهِ أَصْنَامَهُمْ مِنَ التَّعْظِيمِ وَلَمْ يُعَامِلُوا رَبَّهُمْ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ غَرَضِ هَذَا الْبَابِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، أَحَدُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَعَ الْجَبَّارِ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَعْطَاهَا هَاجَرَ، وَوَقَعَ هُنَا آجَرُ بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُ: كَبَتَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ، أَيْ: أَخْزَاهُ، وَقِيلَ: رَدَّهُ خَائِبًا، وَقِيلَ: أَحْزَنَهُ، وَقِيلَ: صَرَعَهُ، وَقِيلَ: صَرَفَهُ، وَقِيلَ: أَذَلَّهُ، حَكَاهَا كُلَّهَا ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ: إِنَّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَقِيلَ: أَصْلُ كَبَتَ: كَبَدَ، أَيْ: بَلَغَ الْهَمُّ كَبِدَهُ، فَأُبْدِلَتِ الدَّالُ مُثَنَّاةً. وَقَوْلُهُ: أَخْدَمَ، أَيْ: مَكَّنَ مِنَ الْخِدْمَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُ الْكَافِرِ: أَعْطُوهَا هَاجَرَ وَقَبُولُ سَارَةَ مِنْهُ، وَإِمْضَاءُ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ، فَفِيهِ صِحَّةُ هِبَةِ الْكَافِرِ.

ثَانِيهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

والموحَّدة بعدها (١) مثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، أي: صرعه لوجهه، أو أخزاه، أو ردَّه خائبًا، أو أغاظه وأذَّله (وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟) يحتمل أن يكون «وأخدم» معطوفًا على «كبت»، ويحتمل أن يكون فاعل «أخدم» هو الجبَّار فيكون استئنافًا، والوليدة: الجارية للخدمة، سواءٌ كانت كبيرةً أو صغيرةً، وفي الأصل: الوليد: الطِّفل، والأنثى: وليدة، والجمع: ولائد، وحَذَفت (٢) مَفعول «أخدم» الأوَّل لعدم تعلُّق الغرض بتعيينه، أو تأدُّبًا مع الخليل أن تواجهه بأنَّ غيره أخدمها، و «وليدةً»: المفعول الثَّاني، والمراد بها: آجر المذكورة.

وموضع التَّرجمة قوله: «وأعطوها آجر»، وقبول سارة منه، وإمضاء إبراهيم ذلك، ففيه صحَّة هبة الكافر، وقبول هديَّة السُّلطان الظَّالم، وابتلاء الصَّالحين لرفع درجاتهم، وفيه إباحة المعاريض، وأنَّها مندوحةٌ عن الكذب، وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الهبة» [خ¦٢٦٣٥] و «الإكراه» [خ¦٦٩٥٠] و «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٥٨].

٢٢١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو سودة أمِّ المؤمنين (فِي غُلَامٍ) هو عبد الرَّحمن ابن وليدة زمعة المذكور (فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا) الغلام (٣) (يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) مات مشركًا، وكان قد كَسَر ثنيَّة النَّبيِّ (عَهِدَ) أي: أوصى (إِلَيَّ أَنَّهُ) أي: الغلام (ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) بعتبة (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أخو أمِّ المؤمنين سودة : (هَذَا)

الغلام (أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ (١)، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زمعة (مِنْ وَلِيدَتِهِ) أي: جاريته، ولم تُسمَّ (فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) لكنَّه لم يعتمده لوجود ما هو أقوى منه، وهو الفراش (فَقَالَ) : (هُوَ) أي: الغلام (لَكَ يَا عَبْدُ) ولأبي ذرٍّ: «يا عبدُ بنَ زمعة» بضمِّ «عبد» ونصب (٢) «ابن» (الوَلَدُ) تابعٌ (لِلْفِرَاشِ) أي: لصاحبه، زوجًا كان (٣) أو سيِّدًا، خلافًا للحنفيَّة حيث قالوا: إنَّ ولد الأَمَةِ المستفرشة لا يلحق سيِّدها ما لم يقرَّ به، فلا عموم عندهم له في الأَمَةِ، وفيه بحثٌ تقدَّم في «باب تفسير الشُّبهات» أوائل «البيع» [خ¦٢٠٥٣] (وَلِلْعَاهِرِ) أي: الزَّاني (الحَجَرُ) أي: الخيبة، ولا حقَّ له في الولد (٤) (وَاحْتَجِبِي مِنْهُ) أي: من الغلام (يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ) هي أمُّ المؤمنين، أي: ندبًا واحتياطًا، وإلَّا فقد ثبت نسبه وأُخوَّته

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3 / 29.5
الإضاءة 10%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله