الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٩٢
الحديث رقم ٢٢٩٢ من كتاب «كتاب الكفالة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٩٦⦘
قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، يَرِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَِى لَهُ.»
٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ إِدْرِيسَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
فسر ابن عباس رضي الله عنه الموالي في قوله تعالى: {ولكل جعلنا موالي}بالورثة، وقوله تعالى: {والذين عاقدت أيمانكم} بقوله: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري من دون أقربائه، لأجل الأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فلما نزلت الآية التي هي قوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} نسخت الميراث من آية الموالي والمعاقدة، وبقي النصر مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة، فتلك الآية حكم نصيب الإرث لا النصر والرفادة وهي المعاونة، والنصيحة أيضًا مما يستثنى، وقد ذهب الميراث من المتعاقدين، ولكن له أن يوصى للذي كان يرث بالمعاقدة.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِرَاؤُنَا وَلَغَطُنَا، أَيُّهُمَا آمَنُ؟ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ وَوُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ التَّحَدُّثُ عَمَّا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَجَائِبِ لِلِاتِّعَاظِ وَالِائْتِسَاءِ، وَفِيهِ التِّجَارَةُ فِي الْبَحْرِ وَجَوَازُ رُكُوبِهِ، وَفِيهِ بُدَاءَه الْكَاتِبِ بِنَفْسِهِ، وَفِيهِ طَلَبُ الشُّهُودِ فِي الدَّيْنِ وَطَلَبُ الْكَفِيلِ بِهِ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ أَخْذِ مَا لَقَطَهُ الْبَحْرُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى الْكَفَالَةِ تَحَدُّثُ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ لِيُتَأَسَّى بِهِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ.
٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا على النبي ﷺ الْمَدِينَةَ ورِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ، وَيُوصِي لَهُ.
[الحديث ٢٢٩٢ - طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧]
٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِي.
[الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ مَالٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَطَوُّعًا، فَيَلْزَمُ كَمَا لَزِمَ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِالْحَلِفِ الَّذِي عُقِدَ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي النَّاسِخِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ، وَغَرَضُهُ إِثْبَاتُ الْحَلِفِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ الْحَلِفِ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَحْوَلِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) الْحِلْفُ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ -: الْعَهْدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاهَدُونَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَكَأَنَّ عَاصِمًا يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ مِنْهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَأَصْلُهُ فِي السُّنَنِ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحِلْفِ، فَقَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً وَحِدَّةً. أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَمِنْ مُرْسَلِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرَادَتِ الْأَوْسُ أَنْ تُحَالِفَ سَلْمَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ.
وَمِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ رَفَعَهُ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَحِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ مَشْدُودٌ (١)، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ أَوَّلَ حِلْفٍ كَانَ بِمَكَّةَ حِلْفُ الْأَحَابِيشِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ شَكَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ تَسَلُّطَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَلَيْهِمْ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ لَهُمْ: ذَلَّتْ قُرَيْشٌ لِبَنِي بَكْرٍ فَانْصُرُوا إِخْوَانَكُمْ، فَرَكِبُوا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَسَمِعَتْ بِهِمْ بَنُو الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ فَاجْتَمَعُوا بِذَنْبِ حَبَشٍ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - وَهُوَ جَبَلٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَتَحَالَفُوا: إِنَّا لَيَدٌ عَلَى غَيْرِنَا مَارسى حَبَشٌ مَكَانَهُ، وَكَانَ هَذَا مَبْدَأَ الْأَحَابِيشِ. وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ مُرْسَلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمُ الْقَارَّةُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا سُمُّوا الْأَحَابِيشَ لِتَحَالُفِهِمْ عِنْدَ حَبَشٍ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ سُمُّوا لِتَحَبُّشِهِمْ أَيْ: تَجَمُّعِهِمْ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: ثُمَّ كَانَ حِلْفُ قُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ وَدَوْسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا رَغِبَتْ فِي وَجٍّ وَهُوَ مِنَ الطَّائِفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَخَافَتْهُمْ ثَقِيفٌ فَحَالَفَتْهُمْ، وَأَدْخَلَتْ مَعَهُمْ بَنِي دَوْسٍ وَكَانُوا إِخْوَانَهُمْ وَجِيرَانَهُمْ. ثُمَّ كَانَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ وَأَزْدٍ. وَأُسْنِدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ رَفَعَهُ: مَا شَهِدْتُ مِنْ حِلْفٍ إِلَّا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثَهُ وَأَنَّ لِي حُمُرَ النَّعَمِ. وَمِنْ مُرْسَلِ طَلْحَةَ بْنِ عَوْفٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ. وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَفَعَهُ: شَهِدْتُ وَأَنَا غُلَامٌ حِلْفًا مَعَ عُمُومَتِي الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمُرَ النَّعَمِ وَأَنِّي نَكَثْتُهُ.
قَالَ: وَحِلْفُ الْفُضُولِ - وَهُمْ فَضْلٌ، وَفَضَالَةُ، وَمُفَضَّلٌ - تَحَالَفُوا، فَلَمَّا وَقَعَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ بَيْنَ هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَأَسَدٍ وَزُهْرَةَ، قَالُوا: حِلْفٌ كَحِلْفِ الْفُضُولِ، وَكَانَ حِلْفُهُمْ أَنْ لَا يُعِينَ ظَالِمٌ مَظْلُومًا بِمَكَّةَ، وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً مُحَصِّلُهَا أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ كَانَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، فَرُبَّمَا ظَلَمَهُ بَعْضُ أَهْلِهَا فَيَشْكُوهُ إِلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْقَبَائِلِ فَلَا يُفِيدُ، فَاجْتَمَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَكْرَهُ الظُّلْمُ وَيَسْتَقْبِحُهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْفَ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ وَفِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَنَسٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَلْفِ لَا يُنَافِي حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فِي نَفْيِهِ، فَإِنَّ الْإِخَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ وَبَقِيَ مَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْقُرْآنُ وَهُوَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْحَقِّ وَالنَّصْرُ، وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا النَّصْرَ وَالنَّصِيحَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَيُوصَى لَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ.
قُلْتُ: وَعُرِفَ بِذَلِكَ وَجْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تعالى: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] ووجه دخول هذا الباب هنا -كما قاله ابن المُنيِّر- أنَّ الحلف كان في أوَّل الإسلام يقتضي استحقاق الميراث، فهو مالٌ أوجبه عقد التزامٍ (١) على وجه التَّبرُّع فلزم، وكذلك الكفالة إنَّما هي التزام مالٍ بغير عوضٍ تطوُّعًا فلزم.
٢٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللَّام آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ابن عبد الرَّحمن الخاركيُّ-بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد -من الزِّيادة- ابن عبد الرَّحمن، الأَوْديِّ بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بكسر الرَّاء المُشدَّدة، ابن عمرو بن كعبٍ الياميِّ -بالتَّحتيَّة- الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ): تفسير «موالي» (وَرَثَةً) وبه قال مجاهدٌ وقتادة وزيد بن أسلم والسُّدِّيُّ والضَّحَّاك ومقاتل بن حيَّان (٢) (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، وقرأ عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ: ﴿عَقَدَتْ﴾ بغير ألفٍ، أُسنِد الفعل إلى الأيمان، وحُذِف المفعول، أي: عقدت أيمانكم عهودهم، فحُذِف العهود وأُقيم الضَّمير المضاف إليه مقامه، كما حُذِف في الأولى. (قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا) زاد أبو ذرٍّ: «على النَّبيِّ ﷺ» (المَدِينَةَ يَرِثُ) فعلٌ مضارعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ورث» (المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار (فَلَمَّا نَزَلَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مِرَاؤُنَا وَلَغَطُنَا، أَيُّهُمَا آمَنُ؟ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ وَوُجُوبُ الْوَفَاءِ بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ، وَفِيهِ التَّحَدُّثُ عَمَّا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَجَائِبِ لِلِاتِّعَاظِ وَالِائْتِسَاءِ، وَفِيهِ التِّجَارَةُ فِي الْبَحْرِ وَجَوَازُ رُكُوبِهِ، وَفِيهِ بُدَاءَه الْكَاتِبِ بِنَفْسِهِ، وَفِيهِ طَلَبُ الشُّهُودِ فِي الدَّيْنِ وَطَلَبُ الْكَفِيلِ بِهِ، وَفِيهِ فَضْلُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ صَحَّ تَوَكُّلُهُ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وَعَوْنِهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ أَخْذِ مَا لَقَطَهُ الْبَحْرُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ عَلَى الْكَفَالَةِ تَحَدُّثُ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ لِيُتَأَسَّى بِهِ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ.
٢ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قَالَ: وَرَثَةً. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا على النبي ﷺ الْمَدِينَةَ ورِثُ الْمُهَاجِرُ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ، وَيُوصِي لَهُ.
[الحديث ٢٢٩٢ - طرفاه في: ٤٥٨٠، ٦٧٤٧]
٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِي.
[الحديث ٢٢٩٤ - طرفاه في: ٦٠٨٣، ٧٣٤٠]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ هُنَا الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ مَالٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَطَوُّعًا، فَيَلْزَمُ كَمَا لَزِمَ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِالْحَلِفِ الَّذِي عُقِدَ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي النَّاسِخِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَهُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ تَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ، وَغَرَضُهُ إِثْبَاتُ الْحَلِفِ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَنَسٍ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ الْحَلِفِ فِي الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَحْوَلِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) الْحِلْفُ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا فَاءٌ -: الْعَهْدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَتَعَاهَدُونَ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ، وَكَأَنَّ عَاصِمًا يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ مِنْهَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِثْلُهُ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَكَّةَ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَأَصْلُهُ فِي السُّنَنِ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ: سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحِلْفِ، فَقَالَ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَاللَّفْظُ لَهُ. وَمِنْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً وَحِدَّةً. أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَمِنْ مُرْسَلِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرَادَتِ الْأَوْسُ أَنْ تُحَالِفَ سَلْمَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ.
وَمِنْ مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ رَفَعَهُ: لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَحِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ مَشْدُودٌ (١)، وَذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَنَّ أَوَّلَ حِلْفٍ كَانَ بِمَكَّةَ حِلْفُ الْأَحَابِيشِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ شَكَتْ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ تَسَلُّطَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ عَلَيْهِمْ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ لَهُمْ: ذَلَّتْ قُرَيْشٌ لِبَنِي بَكْرٍ فَانْصُرُوا إِخْوَانَكُمْ، فَرَكِبُوا إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَسَمِعَتْ بِهِمْ بَنُو الْهَوْنِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ فَاجْتَمَعُوا بِذَنْبِ حَبَشٍ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ - وَهُوَ جَبَلٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَتَحَالَفُوا: إِنَّا لَيَدٌ عَلَى غَيْرِنَا مَارسى حَبَشٌ مَكَانَهُ، وَكَانَ هَذَا مَبْدَأَ الْأَحَابِيشِ. وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ مُرْسَلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ، ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمُ الْقَارَّةُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّمَا سُمُّوا الْأَحَابِيشَ لِتَحَالُفِهِمْ عِنْدَ حَبَشٍ، ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ سُمُّوا لِتَحَبُّشِهِمْ أَيْ: تَجَمُّعِهِمْ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: ثُمَّ كَانَ حِلْفُ قُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ وَدَوْسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا رَغِبَتْ فِي وَجٍّ وَهُوَ مِنَ الطَّائِفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ، فَخَافَتْهُمْ ثَقِيفٌ فَحَالَفَتْهُمْ، وَأَدْخَلَتْ مَعَهُمْ بَنِي دَوْسٍ وَكَانُوا إِخْوَانَهُمْ وَجِيرَانَهُمْ. ثُمَّ كَانَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ وَأَزْدٍ. وَأُسْنِدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ رَفَعَهُ: مَا شَهِدْتُ مِنْ حِلْفٍ إِلَّا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثَهُ وَأَنَّ لِي حُمُرَ النَّعَمِ. وَمِنْ مُرْسَلِ طَلْحَةَ بْنِ عَوْفٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَلَوْ دُعِيتُ بِهِ الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ. وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَفَعَهُ: شَهِدْتُ وَأَنَا غُلَامٌ حِلْفًا مَعَ عُمُومَتِي الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمُرَ النَّعَمِ وَأَنِّي نَكَثْتُهُ.
قَالَ: وَحِلْفُ الْفُضُولِ - وَهُمْ فَضْلٌ، وَفَضَالَةُ، وَمُفَضَّلٌ - تَحَالَفُوا، فَلَمَّا وَقَعَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ بَيْنَ هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ وَأَسَدٍ وَزُهْرَةَ، قَالُوا: حِلْفٌ كَحِلْفِ الْفُضُولِ، وَكَانَ حِلْفُهُمْ أَنْ لَا يُعِينَ ظَالِمٌ مَظْلُومًا بِمَكَّةَ، وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ ذَلِكَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً مُحَصِّلُهَا أَنَّ الْقَادِمَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ كَانَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، فَرُبَّمَا ظَلَمَهُ بَعْضُ أَهْلِهَا فَيَشْكُوهُ إِلَى مَنْ بِهَا مِنَ الْقَبَائِلِ فَلَا يُفِيدُ، فَاجْتَمَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَكْرَهُ الظُّلْمُ وَيَسْتَقْبِحُهُ إِلَى أَنْ عَقَدُوا الْحِلْفَ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ وَفِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَنَسٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَلْفِ لَا يُنَافِي حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فِي نَفْيِهِ، فَإِنَّ الْإِخَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ وَبَقِيَ مَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْقُرْآنُ وَهُوَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْحَقِّ وَالنَّصْرُ، وَالْأَخْذُ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا النَّصْرَ وَالنَّصِيحَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَيُوصَى لَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ.
قُلْتُ: وَعُرِفَ بِذَلِكَ وَجْهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تعالى: ﴿وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦] ووجه دخول هذا الباب هنا -كما قاله ابن المُنيِّر- أنَّ الحلف كان في أوَّل الإسلام يقتضي استحقاق الميراث، فهو مالٌ أوجبه عقد التزامٍ (١) على وجه التَّبرُّع فلزم، وكذلك الكفالة إنَّما هي التزام مالٍ بغير عوضٍ تطوُّعًا فلزم.
٢٢٩٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بفتح الصاد المهملة وسكون اللَّام آخره مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ابن عبد الرَّحمن الخاركيُّ-بخاءٍ معجمةٍ- البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ إِدْرِيسَ) بن يزيد -من الزِّيادة- ابن عبد الرَّحمن، الأَوْديِّ بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدَّال المهملة (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بكسر الرَّاء المُشدَّدة، ابن عمرو بن كعبٍ الياميِّ -بالتَّحتيَّة- الكوفيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄) أنَّه قال في قوله تعالى: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ): تفسير «موالي» (وَرَثَةً) وبه قال مجاهدٌ وقتادة وزيد بن أسلم والسُّدِّيُّ والضَّحَّاك ومقاتل بن حيَّان (٢) (﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) أي: عاقدت ذوو أيمانكم ذوي أيمانهم، وقرأ عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ: ﴿عَقَدَتْ﴾ بغير ألفٍ، أُسنِد الفعل إلى الأيمان، وحُذِف المفعول، أي: عقدت أيمانكم عهودهم، فحُذِف العهود وأُقيم الضَّمير المضاف إليه مقامه، كما حُذِف في الأولى. (قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا) زاد أبو ذرٍّ: «على النَّبيِّ ﷺ» (المَدِينَةَ يَرِثُ) فعلٌ مضارعٌ، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «ورث» (المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ) أقربائه (لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ) بين المهاجرين والأنصار (فَلَمَّا نَزَلَتْ: