عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٩٠

الحديث رقم ٢٢٩٠ من كتاب «كتاب الكفالة» في صحيح البخاري، تحت باب: كتاب الكفالة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني…

عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ فَقَالَ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا قَالَ فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ قَالَ كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا قَالَ صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ قَالَ هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ قَالَ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا.

سند حديث: بَابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ…

بَابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا.

٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ.

وَقَالَ جَرِيرٌ وَالْأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ.

٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني…

ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من بني اسرائيل طلب من رجل آخر من بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار، فقال له الرجل: ائتني بشهيد يشهد أنك أخذت مني ألف دينار. فقال له الرجل الذي يريد السلف: «كفى بالله شهيدًا» أي: يكفيك ويكفيني أن يكون الله شهيدًا علينا. فقال الرجل له: فائتني بضامن يضمنك. فقال: «كفى بالله كفيلاً» أي: يكفيك أن يكون الله هو الضامن. فقال له: صدقت. فأعطاه الألف دينار إلى وقت محدد. فخرج الذي استلف فركب البحر بالمال يتجر فيه، فلما جاء الموعد المحدَّد لسداد الدَّين بحث عن مركب يركبها حتى يقدم على الذي أسلفه، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فحفرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه وكتب إليه: من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيل توكل بي. ثم سوَّى موضع الحفر وأصلحه، ثم أتى بالخشبة إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بك، وإني اجتهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له في ذمتي فلم أقدر على تحصيلها، وإني أتركها عندك وديعة وأمانة. ثم رمى بها في البحر حتى دخلت فيه، ثم انصرف ولكنه ظل أيضًا يبحث عن مركب ليذهب إلى بلد الذي أسلفه بألف دينار أخرى؛ ظنا منه أن فعله الأول غير كاف، أما الرجل صاحب المال فخرج في الموعد ينظر لعل مركبًا قد جاء بماله الذي أسلفه للرجل، كأن يكون أرسله مع شخص أو جاء به بنفسه، فلم يجد مركبًا، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله يجعلها حطبًا للإيقاد، وهو لا يعلم أن المال فيها، فلما قطعها بالمنشار، وجد المال الذي له والصحيفة التي كتبها الرجل إليه بذلك، ثم جاء الرجل الذي استلف فأتى بالألف دينار الأخرى، فقال للذي أسلفه: والله لقد اجتهدت في البحث عن مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال الذي أسلفه: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ فقال: أُخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتُ فيه. قال الرجل الذي أسلفه: إن الله قد أدَّى عنك الألف دينار التي بعثت بها في الخشبة. فانصرف بالألف الدينار الأخرى التي أتيت بها راشدًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جواز أن يقرض الرجلُ الرجل الفقير بغير كفيل ولا شاهد؛ اكتفاًء بشهادة الله -عز وجل-، واتكالاً عليه، ولا يكون ذلك مفرطًا ولا مضيعًا.
  • جواز أن يقترض الفقير المال الكثير توكلاً على أن الله -سبحانه وتعالى- يُثَمِّره في يده، ويسهل له سداد دينه من ربحه.
  • جواز الاستسلاف، وشغل الذمة بما يتخذه الرجل بضاعة يسعى فيها.
  • من توكل على الله فإنه ينصره، فالذي نقر الخشبة وتوكل حفظ الله -تعالى- ماله، والذي أسلفه وقنع بالله كفيلا أوصل الله -تعالى- ماله إليه.
  • أن الله -تعالى- متكفل بعون من أراد أداء الأمانة، وأن الله يجازي أهل الإرفاق بالمال بحفظه عليهم مع أجر الآخرة، كما حفظه على المسلف.
  • جواز دخول الآجال في القرض.
  • جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة.
  • الكفيل والشهيد من الأسماء الحسنى.
  • فيه إثبات كرامات الأولياء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: ﷺ أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٩ - كِتَاب الْكَفَالَةِ

١ - بَاب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا

٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنْ الرَّجُلِ كفلاء حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ.

وَقَالَ جَرِيرٌ، وَالْأَشْعَثُ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ.

وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ.

٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ. وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِذلكَ. وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ.

قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا) ذِكْرُ الدُّيُونِ بَعْدَ الْقَرْضِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْأَبَدَانِ الْأَمْوَالُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ. . . إِلَخْ) هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ لِلصَّدَقَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ: صَدِّقِي مَالَ مَوْلَاكِ، وَإِذَا الْمَرْأَةُ تَقُولُ: بَلْ أَنْتَ صَدِّقْ مَالَ ابْنِكَ، فَسَأَلَ حَمْزَةُ عَنْ أَمْرِهِمَا فَأُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَأَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ مَالًا، فَقَالَ حَمْزَةُ لِلرَّجُلِ: لَأَرْجُمَنَّكَ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْمَاءِ: إِنَّ أَمْرَهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ رَجْمًا. قَالَ: فَأَخَذَ حَمْزَةُ بِالرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُمْ عُمَرُ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: وَإِنَّمَا دَرَأَ عُمَرُ عَنْهُ الرَّجْمَ؛ لِأَنَّهُ عَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ؛ فَإِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ صَحَابِيٌّ، وَقَدْ فَعَلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا جَلْدُ عُمَرَ لِلرَّجُلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَزَّرَهُ بِذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَفِيهِ شَاهِدٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مُجَاوَزَةِ الْإِمَامِ فِي التَّعْزِيرِ قَدْرَ الْحَدِّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ عَارَضَهُ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ جَلَدَهُ ذَلِكَ تَعْزِيرًا، فَلَعَلَّ مَذْهَبَ عُمَرَ أَنَّ الزَّانِي الْمُحْصَنَ إِنْ كَانَ عَالِمًا رُجِمَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا جُلِدَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَرِيرٌ) أَيِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ (وَالْأَشْعَثُ) أَيِ: ابْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ) وَهَذَا أَيْضًا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِطُولِهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ يَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَلَيَّ بِابْنِ النَّوَّاحَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَجِيءَ بِهِمْ. فَأَمَرَ قُرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ، ثُمَّ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ بِقَتْلِهِمْ، فَقَامَ جَرِيرٌ، وَالْأَشْعَثُ فَقَالَا: بَلِ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفّ لْهُمْ عَشَائِرَهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمَذْكُورِينَ كَانَتْ مِائَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَخَذَ الْبُخَارِيُّ الْكَفَالَةَ بِالْأَبْدَانِ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ قَالَ بِهَا الْجُمْهُورُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ إِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ إِذَا أَدَّى الْمَالَ وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلُهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْأَثَرِ، فَتَابُوا مِنَ التَّوْبَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَعَبْدُوسٍ: فَأَبَوْا بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ قَبْلَ الْأَلِفِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ فَآبُوا بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، وَهِيَ بِمَعْنَى فَرَجَعُوا فَلَا يَفْسُدُ الْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) أَيِ: ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: (إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ، فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ)، وَصَلَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، وَالْحَكَمِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ يُفْصَلُ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ فَيَغْرَمُ فِي الْحَالِّ وَيُفْصَلُ فِي الْمُؤَجَّلِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَوْ قَدِمَ لَأَدْرَكَهُ أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ. . . إِلَخْ) وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ، وَأَبَا الْوَقْتَ وَصَلَاهُ فِي آخِرِهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ، وَوَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ هُنَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ وَصِيفٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ بِهِ. وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَّقَهَا

الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَصَلَهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُسْلِفُ النَّاسَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِكَفِيلٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْفَعُهُ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِفْنِي أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: مَنِ الْحَمِيلُ بِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَأَعْطَاهُ الْأَلْفَ، فَضَرَبَ بِهَا الرَّجُلُ - أَيْ: سَافَرَ بِهَا - فِي تِجَارَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَجَلَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَحَبَسَتْهُ الرِّيحُ، فَعَمِلَ تَابُوتًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَقْرَضَ هُوَ النَّجَاشِيُّ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِطَرِيقِ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ لَا أَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أَيِ: الْأَلْفُ دِينَارٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَعَدَّ لَهُ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ، فَيَكُونُ الْوَزْنُ مَثَلًا أَلْفًا، وَالْعَدَدُ سِتَّمِائَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ الْبَحْرَ بِالْمَالِ يَتَّجِرُ فِيهِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَارْتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا). زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ إِلَى السَّاحِلِ يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي وَإِنَّمَا أَعْطَيْتُ لَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) أَيْ: حَفَرَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: فَنَجَرَ خَشَبَةً وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: فَعَمِلَ تَابُوتًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَلْفَ.

قَوْلُهُ: (وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ، إِنِّي دَفَعْتُ مَالَكَ إِلَى وَكِيلِي الَّذِي تَوَكَّلَ بِي.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِزَايٍ وَجِيمَيْنِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ: سَوَّى مَوْضِعَ النَّقْرِ وَأَصْلَحَهُ، وَهُوَ مِنْ تَزْجِيجِ الْحَوَاجِبِ، وَهُوَ حَذْفُ زَوَائِدِ الشَّعْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الزُّجِّ وَهُوَ النَّصْلُ كَأَنْ يَكُونَ النَّقْرُ فِي طَرَفِ الْخَشَبَةِ فَشَدَّ عَلَيْهِ زُجًّا لِيُمْسِكَهُ وَيَحْفَظَ مَا فِيهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ سَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ كَالزُّجِّ، أَوْ حَشَى شُقُوقَ لِصَاقِهَا بِشَيْءٍ وَرَقَعَهُ بِالزُّجِّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَصْلَحَ مَوْضِعَ النَّقْرِ.

قَوْلُهُ: (تَسَلَّفْتُ فُلَانًا) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَالْمَعْرُوفُ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: اسْتَسْلَفْتُ مِنْ فُلَانٍ.

قَوْلُهُ: (فَرَضِيَ بِذَلِكَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: فَرَضِيَ بِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَرَضِيَ بِكَ قَوْلُهُ: (وَإِنِّي جَهَدْتُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَدِّ حَمَالَتَكَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، أَيْ: دَخَلَتْ فِي الْبَحْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا) أَيْ: قَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ (وَجَدَ الْمَالَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، فَلَمَّا كَسَرَهَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ يَسْأَلُ عَنْ صَاحِبِهِ كَمَا كَانَ يَسْأَلُ فَيَجِدُ الْخَشَبَةَ فَيَحْمِلُهَا إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: أَوْقِدُوا هَذِهِ، فَكَسَرُوهَا فَانْتَثَرَتِ الدَّنَانِيرُ مِنْهَا وَالصَّحِيفَةُ، فَقَرَأَهَا وَعَرَفَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَالِي قَدْ طَالَتِ النَّظِرَةُ، فَقَالَ: أَمَّا مَالُكَ فَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى وَكِيلِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَهَذَا مَالُكَ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُكَ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: لَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: لَقَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ قَوْلُهُ: (وَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ، وَقَدْ بَلَغَنَا الْأَلْفُ فِي التَّابُوتِ، فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ أَلْفَكَ. زَادَ أَبُو سَلَمَةَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يَكْثُرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٣٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب: الكَفَالَةِ فِي القَرْضِ وَالدُّيُونِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ، والكفالة في العُرْف -كما قاله الماورديُّ- تكون في النُّفوس، والضَّمان في الأموال، والحمالة في الدِّيات، والزَّعامة في الأموال العظام، قال ابن حبَّان في «صحيحه»: والزَّعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، وهي التزام حقٍّ ثابتٍ في ذمَّة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو عينٍ مضمونةٍ (بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا) أي: الكفالة بالأموال، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بـ «الكفالة»، وسقطت «البسملة» لأبي ذرٍّ.

٢٢٩٠ - (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي (بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين (الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) حمزة: (أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا) بتشديد الدَّال المكسورة، أي: آخذًا للصَّدقة عاملًا عليها (فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وهذا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها الطَّحاويُّ، ولفظه -كما رأيته في «شرح معاني الآثار» له-: أنَّ عمر بن الخطَّاب بعثه (١) مصدِّقًا على سعد بن هُذَيمٍ، فأُتي حمزة بمالٍ ليصدِّقه، فإذا رجلٌ

يقول لامرأته: أدِّي صدقة مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزةُ عن أمرهما وقولهما، فأُخبِر أنَّ ذلك الرَّجل زوج تلك (١) المرأة، وأنَّه وقع على جاريةٍ لها فولدت ولدًا، فأعتقته المرأة، ثمَّ ورث من أمِّه مالًا (٢)، فقالوا: هذا (٣) المال لابنه من جاريته، قال حمزة للرَّجل: لأرجمنَّك بأحجارك، فقيل له: إنَّ أمره رُفِع إلى عمر فجلده مئةً ولم يَرَ عليه رجمًا، قال: (فَأَخَذَ حَمْزَةُ) (مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا) ولأبي ذرٍّ: «كفلاء» بالجمع (حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ) (قَدْ جَلَدَهُ مِئَةَ جَلْدَةٍ) كما سبق، وسقط قوله «جلدةٍ» لأبوي ذرٍّ والوقت (فَصَدَّقَهُمْ) بالتَّشديد في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، أي: صدَّق القائلين بما قالوا (وَ) إنَّما درأ عمر عنه الرَّجم لأنَّه (عَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ) وفي بعض الأصول: «فَصَدَقهم» بالتَّخفيف، أي: صَدَقَ الرَّجلُ القومَ واعترف بما وقع منه (٤)، لكن اعتذر بأنَّه لم يكن عالمًا بحرمة وطء جارية امرأته أو بأنَّها جاريتها؛ لأنَّها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته، ولعلَّ اجتهاد عمر اقتضى أن يجلد الجاهل بالحرمة، وإلَّا فالواجب الرَّجم، فإذا سقط بالعذر لم يُجلَد، واستُنبِط من هذه القصَّة (٥) مشروعيَّة الكفالة بالأبدان، فإنَّ حمزة صحابيٌّ وقد فعله ولم ينكره عليه عمر مع كثرة الصَّحابة حينئذٍ. (وَقَالَ جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الرَّاء، ابن عبد الله البجليُّ (وَالأَشْعَثُ) بن قيسٍ الكنديُّ الصَّحابيُّ (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ) وهذا أيضًا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها البيهقيُّ بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّبٍ، قال: صلَّيت الغداة مع عبد الله بن مسعودٍ، فلمَّا سلَّم قام رجلٌ فأخبره أنَّه انتهى إلى مسجد بني (٦) حنيفة، فسمع مؤذِّن عبدِ الله ابن النَّوَّاحة يشهد أنَّ مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: عليَّ بابن النَّوَّاحة وأصحابِه، فجِيء بهم، فأَمَرَ

قَرَظَةَ بن كعبٍ فضرب عنق ابن النَّوَّاحة، ثمَّ استشار النَّاس في أولئك النَّفر، فأشار عليه عديُّ بن حاتمٍ بقتلهم، فقام جريرٌ والأشعث فقالا: لا (١)، بل (اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ) أي: ضمِّنهم، وكانوا مئةً وسبعين (٢) رجلًا كما رواه ابن أبي شيبة (فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ) ضمنهم (عَشَائِرُهُمْ) قال البيهقيُّ في «المعرفة»: والذي رُوِي عن ابن مسعودٍ وجريرٍ والأشعث في قصَّة أصحاب ابن النَّوَّاحة في استتابتهم، وتكفيلهم عشائرهم كفالةً بالبدن في (٣) غير مالٍ، وقال ابن المُنيِّر: أخذ البخاريُّ الكفالة بالأبدان في الدُّيون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنَّفس قال بها الجمهور، ولم يختلف من قال بها أنَّ المكفول بحدٍّ أو قصاصٍ إذا غاب أو مات أن لا حدَّ على الكفيل بخلاف الدَّين، والفرق بينهما: أنَّ الكفيل إذا أدَّى المال وجب له على صاحب المال مثله، وفرَّق الشَّافعيَّة والحنفيَّة بين كفالة من عليه عقوبةٌ لآدميٍّ كقصاصٍ وحدِّ قذفٍ، ومن عليه عقوبة لله، فصحَّحوها في الأولى لأنَّها حقٌّ لازمٌ كالمال، ولأنَّ الحضور مستحقٌّ عليه دون الثَّانية؛ لأنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على الدَّرء، قال الأذرعيُّ: ويشبه أن يكون محلُّ المنع حيث لا يتحتَّم استيفاء العقوبة، فإن تحتَّم وقلنا: لا يسقط بالتَّوبة فيشبه أن يُحكَم بالصِّحَّة. (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان، واسمه: مسلمٌ، الأشعريُّ الكوفيُّ الفقيه أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة: (إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سواءٌ كان المتعلِّق بتلك النَّفس حدًّا أو قصاصًا أو مالًا من دينٍ وغيره، قال في «عيون المذاهب»: وتبطل، -أي: الكفالة- بموته إلَّا عند مالكٍ وبعض الشَّافعيَّة يلزمه ما عليه، وبموت الكفيل لا الطَّالب (٤) بالإجماع. انتهى. والذي رأيته في «شرح مُختصَر الشَّيخ خليلٍ» للشَّيخ بهرام عند قوله: «ولا يسقط بإحضاره»: إن حكم (٥) لا إن

أثبت (١) موته أو عدمه في غيبته ولو بغير بلده، ورجع به، مرادُه: أن يشير إلى ما وقع من الخلاف والتَّفصيل في هذه المسألة، ونصُّها عند ابن زرقون: ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه، وقاله في «المدوَّنة» قال: وهذا إذا مات ببلده قبل أن يلتزم الغريم قبل الأجل (٢) أو بعده، وأمَّا إن مات بغير البلد فقال أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو في البلد، أي (٣): يبرأ الحميل (٤)، وهو مذهب المدوَّنة، وقال ابن القاسم: يغرم الحميل إن كان الدَّين حالًّا، قربت غيبته أو بعدت، وإن كان مُؤجَّلًا فمات قبله بمدَّةٍ طويلةٍ لو خرج (٥) إليها لجاء قبل الأجل فلا شيء عليه، وإن كان على مسافةٍ لا يمكنه أن يجيء إلَّا بعد مضيِّ الأجل ضمن (وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتيبة: (يَضْمَنُ) أي: ما يقبل ترتُّبه في الذِّمَّة، وهو المال، وهذا وصله الأثرم من طريق شعبة عن حمَّادٍ والحكم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٣٩ - كِتَاب الْكَفَالَةِ

١ - بَاب الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا

٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنْ الرَّجُلِ كفلاء حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ وَعَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ.

وَقَالَ جَرِيرٌ، وَالْأَشْعَثُ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ.

وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ.

٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ عَلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلَا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ. وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِذلكَ. وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ.

قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْكَفَالَةِ فِي الْقَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالْأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا) ذِكْرُ الدُّيُونِ بَعْدَ الْقَرْضِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْأَبَدَانِ الْأَمْوَالُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ. . . إِلَخْ) هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ

عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ لِلصَّدَقَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لِامْرَأَةٍ: صَدِّقِي مَالَ مَوْلَاكِ، وَإِذَا الْمَرْأَةُ تَقُولُ: بَلْ أَنْتَ صَدِّقْ مَالَ ابْنِكَ، فَسَأَلَ حَمْزَةُ عَنْ أَمْرِهِمَا فَأُخْبِرَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ تَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ لَهَا فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَأَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ مَالًا، فَقَالَ حَمْزَةُ لِلرَّجُلِ: لَأَرْجُمَنَّكَ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْمَاءِ: إِنَّ أَمْرَهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَجَلَدَهُ مِائَةً وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ رَجْمًا. قَالَ: فَأَخَذَ حَمْزَةُ بِالرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَصَدَّقَهُمْ عُمَرُ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: وَإِنَّمَا دَرَأَ عُمَرُ عَنْهُ الرَّجْمَ؛ لِأَنَّهُ عَذَرَهُ بِالْجَهَالَةِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ؛ فَإِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ صَحَابِيٌّ، وَقَدْ فَعَلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا جَلْدُ عُمَرَ لِلرَّجُلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَزَّرَهُ بِذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ. قَالَ: وَفِيهِ شَاهِدٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مُجَاوَزَةِ الْإِمَامِ فِي التَّعْزِيرِ قَدْرَ الْحَدِّ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ عَارَضَهُ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ جَلَدَهُ ذَلِكَ تَعْزِيرًا، فَلَعَلَّ مَذْهَبَ عُمَرَ أَنَّ الزَّانِي الْمُحْصَنَ إِنْ كَانَ عَالِمًا رُجِمَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا جُلِدَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَرِيرٌ) أَيِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ (وَالْأَشْعَثُ) أَيِ: ابْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ (لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ) وَهَذَا أَيْضًا مُخْتَصَرٌ مِنْ قِصَّةٍ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ بِطُولِهَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ، فَسَمِعَ مُؤَذِّنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّوَّاحَةِ يَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: عَلَيَّ بِابْنِ النَّوَّاحَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَجِيءَ بِهِمْ. فَأَمَرَ قُرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ فَضَرَبَ عُنُقَ ابْنِ النَّوَّاحَةِ، ثُمَّ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ بِقَتْلِهِمْ، فَقَامَ جَرِيرٌ، وَالْأَشْعَثُ فَقَالَا: بَلِ اسْتَتِبْهُمْ وَكَفّ لْهُمْ عَشَائِرَهُمْ، فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمَذْكُورِينَ كَانَتْ مِائَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: أَخَذَ الْبُخَارِيُّ الْكَفَالَةَ بِالْأَبْدَانِ فِي الدُّيُونِ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالْأَبْدَانِ فِي الْحُدُودِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ قَالَ بِهَا الْجُمْهُورُ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ قَالَ بِهَا أَنَّ الْمَكْفُولَ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ إِذَا غَابَ أَوْ مَاتَ أَنْ لَا حَدَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَمَا أَنَّ الْكَفِيلَ إِذَا أَدَّى الْمَالَ وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ مِثْلُهُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الْأَثَرِ، فَتَابُوا مِنَ التَّوْبَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَالْقَابِسِيِّ، وَعَبْدُوسٍ: فَأَبَوْا بِغَيْرِ مُثَنَّاةٍ قَبْلَ الْأَلِفِ، قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ وَهَمٌ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنَى. قُلْتُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ فَآبُوا بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ، وَهِيَ بِمَعْنَى فَرَجَعُوا فَلَا يَفْسُدُ الْمَعْنَى.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) أَيِ: ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: (إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ، فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَكَمُ يَضْمَنُ)، وَصَلَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، وَالْحَكَمِ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ يُفْصَلُ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ فَيَغْرَمُ فِي الْحَالِّ وَيُفْصَلُ فِي الْمُؤَجَّلِ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ لَوْ قَدِمَ لَأَدْرَكَهُ أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ:، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ. . . إِلَخْ) وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْبَحْرِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ، وَأَبَا الْوَقْتَ وَصَلَاهُ فِي آخِرِهِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بِهِ، وَوَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ هُنَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ وَصِيفٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَسَّانَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ بِهِ. وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي بَابِ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ، وَآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ اللَّيْثِ أَيْضًا، وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَّقَهَا

الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَصَلَهَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُسْلِفُ النَّاسَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ بِكَفِيلٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ، لَكِنْ رَأَيْتُ فِي مُسْنَدِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا مِصْرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْفَعُهُ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِفْنِي أَلْفَ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: مَنِ الْحَمِيلُ بِكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَأَعْطَاهُ الْأَلْفَ، فَضَرَبَ بِهَا الرَّجُلُ - أَيْ: سَافَرَ بِهَا - فِي تِجَارَةٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْأَجَلَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِ فَحَبَسَتْهُ الرِّيحُ، فَعَمِلَ تَابُوتًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ الَّذِي أَقْرَضَ هُوَ النَّجَاشِيُّ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِطَرِيقِ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ لَا أَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِمْ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ). فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، نَعَمْ.

قَوْلُهُ: (فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ) أَيِ: الْأَلْفُ دِينَارٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ فَعَدَّ لَهُ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَةِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ، فَيَكُونُ الْوَزْنُ مَثَلًا أَلْفًا، وَالْعَدَدُ سِتَّمِائَةٍ أَوْ بِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، فَرَكِبَ الرَّجُلُ الْبَحْرَ بِالْمَالِ يَتَّجِرُ فِيهِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَارْتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا). زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ إِلَى السَّاحِلِ يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اخْلُفْنِي وَإِنَّمَا أَعْطَيْتُ لَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) أَيْ: حَفَرَهَا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: فَنَجَرَ خَشَبَةً وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: فَعَمِلَ تَابُوتًا وَجَعَلَ فِيهِ الْأَلْفَ.

قَوْلُهُ: (وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ صَحِيفَةً: مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ، إِنِّي دَفَعْتُ مَالَكَ إِلَى وَكِيلِي الَّذِي تَوَكَّلَ بِي.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِزَايٍ وَجِيمَيْنِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَيْ: سَوَّى مَوْضِعَ النَّقْرِ وَأَصْلَحَهُ، وَهُوَ مِنْ تَزْجِيجِ الْحَوَاجِبِ، وَهُوَ حَذْفُ زَوَائِدِ الشَّعْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الزُّجِّ وَهُوَ النَّصْلُ كَأَنْ يَكُونَ النَّقْرُ فِي طَرَفِ الْخَشَبَةِ فَشَدَّ عَلَيْهِ زُجًّا لِيُمْسِكَهُ وَيَحْفَظَ مَا فِيهِ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ سَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ كَالزُّجِّ، أَوْ حَشَى شُقُوقَ لِصَاقِهَا بِشَيْءٍ وَرَقَعَهُ بِالزُّجِّ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مَعْنَاهُ أَصْلَحَ مَوْضِعَ النَّقْرِ.

قَوْلُهُ: (تَسَلَّفْتُ فُلَانًا) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَالْمَعْرُوفُ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ، كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: اسْتَسْلَفْتُ مِنْ فُلَانٍ.

قَوْلُهُ: (فَرَضِيَ بِذَلِكَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: فَرَضِيَ بِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَرَضِيَ بِكَ قَوْلُهُ: (وَإِنِّي جَهَدْتُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَدِّ حَمَالَتَكَ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ) بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، أَيْ: دَخَلَتْ فِي الْبَحْرِ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا) أَيْ: قَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ (وَجَدَ الْمَالَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ، فَلَمَّا كَسَرَهَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: وَغَدَا رَبُّ الْمَالِ يَسْأَلُ عَنْ صَاحِبِهِ كَمَا كَانَ يَسْأَلُ فَيَجِدُ الْخَشَبَةَ فَيَحْمِلُهَا إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: أَوْقِدُوا هَذِهِ، فَكَسَرُوهَا فَانْتَثَرَتِ الدَّنَانِيرُ مِنْهَا وَالصَّحِيفَةُ، فَقَرَأَهَا وَعَرَفَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ). وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَاهُ رَبُّ الْمَالِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَالِي قَدْ طَالَتِ النَّظِرَةُ، فَقَالَ: أَمَّا مَالُكَ فَقَدْ دَفَعْتُهُ إِلَى وَكِيلِي، وَأَمَّا أَنْتَ فَهَذَا مَالُكَ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُكَ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: لَا أَقْبَلُهَا مِنْكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا صَنَعْتَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: لَقَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ قَوْلُهُ: (وَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْكَ، وَقَدْ بَلَغَنَا الْأَلْفُ فِي التَّابُوتِ، فَأَمْسِكْ عَلَيْكَ أَلْفَكَ. زَادَ أَبُو سَلَمَةَ فِي آخِرِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ يَكْثُرُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

((٣٩)) (بسم الله الرحمن الرحيم باب: الكَفَالَةِ فِي القَرْضِ وَالدُّيُونِ) من عطف العامِّ على الخاصِّ، والكفالة في العُرْف -كما قاله الماورديُّ- تكون في النُّفوس، والضَّمان في الأموال، والحمالة في الدِّيات، والزَّعامة في الأموال العظام، قال ابن حبَّان في «صحيحه»: والزَّعيم لغة أهل المدينة، والحميل لغة أهل مصر، والكفيل لغة أهل العراق، وهي التزام حقٍّ ثابتٍ في ذمَّة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو عينٍ مضمونةٍ (بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا) أي: الكفالة بالأموال، والجارُّ والمجرور يتعلَّق بـ «الكفالة»، وسقطت «البسملة» لأبي ذرٍّ.

٢٢٩٠ - (وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي (بْنِ عَمْرٍو) بفتح العين (الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) حمزة: (أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا) بتشديد الدَّال المكسورة، أي: آخذًا للصَّدقة عاملًا عليها (فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ) لم يُسَمَّ أحدٌ منهم، وهذا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها الطَّحاويُّ، ولفظه -كما رأيته في «شرح معاني الآثار» له-: أنَّ عمر بن الخطَّاب بعثه (١) مصدِّقًا على سعد بن هُذَيمٍ، فأُتي حمزة بمالٍ ليصدِّقه، فإذا رجلٌ

يقول لامرأته: أدِّي صدقة مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزةُ عن أمرهما وقولهما، فأُخبِر أنَّ ذلك الرَّجل زوج تلك (١) المرأة، وأنَّه وقع على جاريةٍ لها فولدت ولدًا، فأعتقته المرأة، ثمَّ ورث من أمِّه مالًا (٢)، فقالوا: هذا (٣) المال لابنه من جاريته، قال حمزة للرَّجل: لأرجمنَّك بأحجارك، فقيل له: إنَّ أمره رُفِع إلى عمر فجلده مئةً ولم يَرَ عليه رجمًا، قال: (فَأَخَذَ حَمْزَةُ) (مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا) ولأبي ذرٍّ: «كفلاء» بالجمع (حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ) (قَدْ جَلَدَهُ مِئَةَ جَلْدَةٍ) كما سبق، وسقط قوله «جلدةٍ» لأبوي ذرٍّ والوقت (فَصَدَّقَهُمْ) بالتَّشديد في الفرع وغيره من الأصول المعتمدة، أي: صدَّق القائلين بما قالوا (وَ) إنَّما درأ عمر عنه الرَّجم لأنَّه (عَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ) وفي بعض الأصول: «فَصَدَقهم» بالتَّخفيف، أي: صَدَقَ الرَّجلُ القومَ واعترف بما وقع منه (٤)، لكن اعتذر بأنَّه لم يكن عالمًا بحرمة وطء جارية امرأته أو بأنَّها جاريتها؛ لأنَّها التبست واشتبهت بجارية نفسه أو بزوجته، ولعلَّ اجتهاد عمر اقتضى أن يجلد الجاهل بالحرمة، وإلَّا فالواجب الرَّجم، فإذا سقط بالعذر لم يُجلَد، واستُنبِط من هذه القصَّة (٥) مشروعيَّة الكفالة بالأبدان، فإنَّ حمزة صحابيٌّ وقد فعله ولم ينكره عليه عمر مع كثرة الصَّحابة حينئذٍ. (وَقَالَ جَرِيرٌ) بفتح الجيم وكسر الرَّاء، ابن عبد الله البجليُّ (وَالأَشْعَثُ) بن قيسٍ الكنديُّ الصَّحابيُّ (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ) وهذا أيضًا مختصرٌ من قصَّةٍ أخرجها البيهقيُّ بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّبٍ، قال: صلَّيت الغداة مع عبد الله بن مسعودٍ، فلمَّا سلَّم قام رجلٌ فأخبره أنَّه انتهى إلى مسجد بني (٦) حنيفة، فسمع مؤذِّن عبدِ الله ابن النَّوَّاحة يشهد أنَّ مسيلمة رسول الله، فقال عبد الله: عليَّ بابن النَّوَّاحة وأصحابِه، فجِيء بهم، فأَمَرَ

قَرَظَةَ بن كعبٍ فضرب عنق ابن النَّوَّاحة، ثمَّ استشار النَّاس في أولئك النَّفر، فأشار عليه عديُّ بن حاتمٍ بقتلهم، فقام جريرٌ والأشعث فقالا: لا (١)، بل (اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ) أي: ضمِّنهم، وكانوا مئةً وسبعين (٢) رجلًا كما رواه ابن أبي شيبة (فَتَابُوا، وَكَفَلَهُمْ) ضمنهم (عَشَائِرُهُمْ) قال البيهقيُّ في «المعرفة»: والذي رُوِي عن ابن مسعودٍ وجريرٍ والأشعث في قصَّة أصحاب ابن النَّوَّاحة في استتابتهم، وتكفيلهم عشائرهم كفالةً بالبدن في (٣) غير مالٍ، وقال ابن المُنيِّر: أخذ البخاريُّ الكفالة بالأبدان في الدُّيون من الكفالة بالأبدان في الحدود بطريق الأولى، والكفالة بالنَّفس قال بها الجمهور، ولم يختلف من قال بها أنَّ المكفول بحدٍّ أو قصاصٍ إذا غاب أو مات أن لا حدَّ على الكفيل بخلاف الدَّين، والفرق بينهما: أنَّ الكفيل إذا أدَّى المال وجب له على صاحب المال مثله، وفرَّق الشَّافعيَّة والحنفيَّة بين كفالة من عليه عقوبةٌ لآدميٍّ كقصاصٍ وحدِّ قذفٍ، ومن عليه عقوبة لله، فصحَّحوها في الأولى لأنَّها حقٌّ لازمٌ كالمال، ولأنَّ الحضور مستحقٌّ عليه دون الثَّانية؛ لأنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على الدَّرء، قال الأذرعيُّ: ويشبه أن يكون محلُّ المنع حيث لا يتحتَّم استيفاء العقوبة، فإن تحتَّم وقلنا: لا يسقط بالتَّوبة فيشبه أن يُحكَم بالصِّحَّة. (وَقَالَ حَمَّادٌ) هو ابن أبي سليمان، واسمه: مسلمٌ، الأشعريُّ الكوفيُّ الفقيه أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة: (إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) سواءٌ كان المتعلِّق بتلك النَّفس حدًّا أو قصاصًا أو مالًا من دينٍ وغيره، قال في «عيون المذاهب»: وتبطل، -أي: الكفالة- بموته إلَّا عند مالكٍ وبعض الشَّافعيَّة يلزمه ما عليه، وبموت الكفيل لا الطَّالب (٤) بالإجماع. انتهى. والذي رأيته في «شرح مُختصَر الشَّيخ خليلٍ» للشَّيخ بهرام عند قوله: «ولا يسقط بإحضاره»: إن حكم (٥) لا إن

أثبت (١) موته أو عدمه في غيبته ولو بغير بلده، ورجع به، مرادُه: أن يشير إلى ما وقع من الخلاف والتَّفصيل في هذه المسألة، ونصُّها عند ابن زرقون: ولو مات الغريم سقطت الحمالة بالوجه، وقاله في «المدوَّنة» قال: وهذا إذا مات ببلده قبل أن يلتزم الغريم قبل الأجل (٢) أو بعده، وأمَّا إن مات بغير البلد فقال أشهب: لا أبالي مات غائبًا أو في البلد، أي (٣): يبرأ الحميل (٤)، وهو مذهب المدوَّنة، وقال ابن القاسم: يغرم الحميل إن كان الدَّين حالًّا، قربت غيبته أو بعدت، وإن كان مُؤجَّلًا فمات قبله بمدَّةٍ طويلةٍ لو خرج (٥) إليها لجاء قبل الأجل فلا شيء عليه، وإن كان على مسافةٍ لا يمكنه أن يجيء إلَّا بعد مضيِّ الأجل ضمن (وَقَالَ الحَكَمُ) بن عُتيبة: (يَضْمَنُ) أي: ما يقبل ترتُّبه في الذِّمَّة، وهو المال، وهذا وصله الأثرم من طريق شعبة عن حمَّادٍ والحكم.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده