«أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٠٦

الحديث رقم ٢٣٠٦ من كتاب «كتاب الوكالة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الوكالة في قضاء الديون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهم به…

«أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.»

سند حديث: ٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهم به…

كان لرجل دين على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استقرض من ذلك الرجل ناقة صغيرة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه قضاء دَيْنِه وأغلظ عليه في طلبه، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يضربوه بسبب غلظته للنبي صلى الله عليه وسلم وسوء أدبه معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتركوه يقول ما يشاء ولا تتعرضوا له بشيء؛ فإن صاحب الحق له حق في مطالبة غريمه بقضاء الدين ونحوه، لكن مع التزام أدب المطالبة، أما السَّب والشَّتم والتجريح، فليس من أخلاق المسلمين.
ثم أمَر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة أن يُعطيه بعيرًا مساويا لبعيره في السِّن.
فقالوا: لا نجد إلا بعيرًا أكبر من بعيره. فقال: أعطوه بعيرًا أكبر من بعيره؛ فإن أفضلكم في معاملة الناس، وأكثركم ثوابًا أحسنكم قضاءً للحقوق التي عليه دينًا أو غيره.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حسن خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعظم حلمه وتواضعه وإنْصَافه.
  • من عليه دين لا ينبغي له مجافاة صاحب الحق.
  • جواز توكيل الحاضر في البلد بغير عذر.
  • جواز التوكيل في قضاء الديون، ولا يُعَدُّ ذلك من المماطلة.
  • الاقتراض في البر والطاعات وكذا في الأمور المباحة لا يُعَاب.
  • جواز الاقتراض للحاجة.
  • جواز استقراض الإبل ويلتحق بها جميع الحيوانات.
  • الحث على حسن المعاملة، واللطف في القول ولو كان الإنسان صاحب حق.
  • جواز المطالبة بالدَّين إذا حَلَّ أجله.
  • يستحب لمن كان عليه دين أن يعطي الدائن زيادة على حقه عند وفائه، دون اشتراط الزيادة؛ لأن اشتراطها ربا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهم به…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أَيِ: الْحَاضِرُ (وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا بِعُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ عَدَاوَةٌ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْجَوَازِ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، قَالَ: وَوَكَالَةُ الْغَائِبِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى قَبُولٍ فَحُكْمُ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) أَيْ: خَازِنُهُ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَاللَّفْظَةُ فَارِسِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ: زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْقَهْرَمَانِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ جَمَلُ سِنٍّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَوَازُهُ لِلْغَائِبِ عَنْهُ أَوْلَى لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَعْطُوهُ يَتَنَاوَلُ وُكَلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ حُضُورًا وَغَيْبًا.

٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَمْثَلَ. . . إِلَخْ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ امْتَنَعَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَأْخِيرٌ مِنَ الْمُوَكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَطْلًا.

٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ

٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، فقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ انْتَظَرَهُمْ

بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ.

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.

[الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]

[الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٠٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٢٣، ٤٣١٩، ٧١٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ)، يَجُوزُ فِي وَكِيلٍ التَّنْوِينُ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لِوَكِيلِ قَوْمٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ). وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةِ وَفْدِ هَوَازِنَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْوَفْدُ رُسُلًا مِنْ هَوَازِنَ، وَكَانُوا وُكَلَاءَ وَشُفَعَاءَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ، فَشَفَّعَهُمُ النَّبِيُّ فِيهِمْ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَكِيلُ أَوِ الشَّفِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِيمَا أُقِيمُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ بِالْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ لَيْسُوا وُكَلَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي حقِّ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِقَوْلِهِ: حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ لِلْوَفْدِ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي قَوْمِهِمْ: نَصِيبِي لَكُمْ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْمَوْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْوَسَائِطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُمْ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمُوا بِسَبَبِهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمُورَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ لَا عَلَى الصُّوَرِ، وَأَنَّ مَنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِ فِي هِبَةٍ، فَقَالَ: الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ لِلشَّفِيعِ قَدْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَخُصَّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْهِبَةُ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ. انْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد، لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و «أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٣٠٦].

وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».

(٦) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ).

٢٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) الحضرميِّ الكوفيِّ، أنَّه قالَ: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريَّ المدنيَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ) حال كونه (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب منه قضاء دَينٍ، وهو بعيرٌ له سنٌّ مُعيَّنٌ كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٣٠٥]

(فَأَغْلَظَ) للنَّبيِّ لكونه كان يهوديًّا، أو كان مسلمًا وشدَّد في المطالبة من غير قدرٍ زائدٍ يقتضي كفرًا، بل جرى (١) على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، وهذا أَولى، ويدلُّ له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ يتقاضى النَّبيَّ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهلٍ (٢) من «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ عن العرباض بن سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، وكأنَّ القصَّة وقعت للأعرابيِّ، ووقع للعرباض نحوها. (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) و ، أي: أرادوا أن يؤذوا الرَّجل المذكور بالقول أو الفعل (٣) لكنَّهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ) أي: اتركوه ولا تتعرَّضوا له، وهذا من حُسن خُلُقه وكرمه، وقوَّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكنَّه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع مراعاة (٤) الأدب المشروع (ثُمَّ قَالَ) : (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ) سنًّا (إِلَّا أَمْثَلَ) أي: أفضل (مِنْ سِنِّهِ) وسقط في الفرع وأصله: «لا نجد»، فصار لفظه: «قالوا: يا رسول اللَّه إلَّا أمثل من سنِّه» (٥) (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «فإنَّ من خيركم» (أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

(٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) أحدٌ (شَيْئًا لِوَكِيلٍ) بالتَّنوين، أي: لوكيل قومٍ (أَوْ) وهب شيئًا لـ (شَفِيعِ قَوْمٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ) قبيلةٌ من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَإِن حملت ردهَا بعد الْولادَة وَقِيمَة وَلَدهَا إِن ولد حَيا، وَمَا نقصتها الْولادَة، وَإِن مَاتَت لزمَه مثلهَا، فَإِن لم يُوجد مثلهَا فقيمتها. وَقَالَ ابْن قدامَة: أما بَنو آدم، فَقَالَ أَحْمد: أكره قرضهم، فَيحْتَمل كَرَاهَة تَنْزِيه، وَيصِح قرضهم، وَهُوَ قَول ابْن جريج والمزني، وَيحْتَمل أَنه كَرَاهَة تَحْرِيم، فَلَا يَصح قرضهم، وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي (شرح الْمُهَذّب) : استقراض الْحَيَوَان فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وجماهير الْعلمَاء: جَوَازه إِلَّا الْجَارِيَة لمن ملك وَطأهَا، فَإِنَّهُ لَا يجوز، وَيجوز إقراضها لمن لَا يجوز لَهُ وطؤهما كمحرمها، وللمرأة وَالْخُنْثَى. الثَّانِي: مَذْهَب ابْن جرير وَدَاوُد، وَيجوز قرض الْجَارِيَة وَسَائِر الْحَيَوَان لكل أحد. الثَّالِث: مَذْهَب أبي حنيفَة والكوفيين وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة مَنعه، وَقد مر الْجَواب عَمَّا قَالُوا من جَوَاز قرض الْحَيَوَان فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع العبيد وَالْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، وَفِيه مَا يدل أَن الْمقْرض إِذا أعطَاهُ الْمُسْتَقْرض أفضل مِمَّا اقْترض جِنْسا أَو كَيْلا أَو وزنا، أَن ذَلِك مَعْرُوف، وَأَنه يطيب لَهُ أَخذه مِنْهُ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثنى فِيهِ على من أحسن الْقَضَاء، وَأطلق ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ. قلت: هَذَا عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء إِذا لم يكن بِغَيْر شَرط مِنْهُمَا فِي حِين السّلف، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ نقلا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن اشْتِرَاط الزِّيَادَة فِي السّلف رَبًّا. وَفِيه: دَلِيل على أَن للْإِمَام أَن يستسلف للْمَسَاكِين على الصَّدقَات ولسائر الْمُسلمين على بَيت المَال، لِأَنَّهُ كالوصي لجميعهم وَالْوَكِيل، مَعْلُوم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يستسلف ذَلِك لنَفسِهِ لِأَنَّهُ قَضَاهُ من إبل الصَّدَقَة، وَمَعْلُوم أَن الصَّدَقَة مُحرمَة عَلَيْهِ، لَا يحل لَهُ أكلهَا وَلَا الِانْتِفَاع بهَا. فَإِن قلت: فلِمَ أعْطى من أَمْوَالهم أَكثر مِمَّا اسْتقْرض لَهُم؟ قلت: هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه جَائِز للْإِمَام إِذا اسْتقْرض للْمَسَاكِين أَن يرد من مَالهم أَكثر مِمَّا أَخذ على وَجه النّظر وَالصَّلَاح إِذا كَانَ على غير شَرط. فَإِن قلت: إِن الْمُسْتَقْرض مِنْهُ غنى، وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَغَنِيّ؟ قلت: قد يحْتَمل أَن يكون الْمُسْتَقْرض مِنْهُ قد ذهبت إبِله بِنَوْع من حوائج الدُّنْيَا، فَكَانَ فِي وَقت صرف مَا أَخذ مِنْهُ إِلَيْهِ فَقِيرا تحل لَهُ الزَّكَاة، فَأعْطَاهُ النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا من بعيره بِمِقْدَار حَاجته، وَجمع فِي ذَلِك وضع الصَّدَقَة فِي موضعهَا وَحسن الْقَضَاء، وَيحْتَمل أَن يكون غارما أَو عَارِيا مِمَّن يحل لَهُ الصَّدَقَة من الْأَغْنِيَاء. وَقيل: وَيحْتَمل أَنه كَانَ اقْترض لنَفسِهِ، فَلَمَّا جَاءَت إبل للصدقة اشْترى مِنْهَا بَعِيرًا مِمَّن اسْتَحَقَّه، فملكه بِثمنِهِ وأوفاه مُتَبَرعا بِالزِّيَادَةِ من مَاله، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم: (اشْتَروا لَهُ بَعِيرًا) . وَقيل: إِن الْمُقْتَرض كَانَ بعض المحتاجين، اقْترض لنَفسِهِ، فَأعْطَاهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الصَّدَقَة، وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ يَهُودِيّا. وَقيل يحْتَمل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ اقترضه لبَعض نَوَائِب الْمُسلمين، لِأَنَّهُ اقترضه لخاصة نَفسه، وَعبر الرَّاوِي عَن ذَلِك مجَازًا، إِذْ كَانَ هُوَ الْآمِر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما قَول من قَالَ: كَانَ استسلافه ذَلِك قبل أَن تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة ففاسد، لِأَنَّهُ لم ويزل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحرمَة عَلَيْهِ الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذَلِكَ من خَصَائِصه، وَمن عَلَامَات نبوته فِي الْكتب الْقَدِيمَة، بِدَلِيل قصَّة سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٦ - (بابُ الوَكَالَةِ فِي قَضاءِ الدُّيُونِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي قَضَاء الدُّيُون.

٦٠٣٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَة بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رجُلاً أتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَقَاضاهُ فأغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مقَالاً ثُمَّ قَالَ أعْطُوهُ سِنّا مِثْلَ سِنِّهِ قالُوا يَا رسولَ الله لَا نَجِدُ إلَاّ أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أعْطُوهُ فإنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أحْسَنَكُمْ قَضاءً. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَعْطوهُ سنا) ، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِعْطَاء السن وكَالَة فِي قَضَاء دينه، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لكنه من وَجه آخر، وَبَينهمَا بعض تفَاوت فِي الْمَتْن بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة، وَهَهُنَا أخرجه: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأبي أَيُّوب الواشحي الْبَصْرِيّ، قَاضِي مَكَّة عَن شُعْبَة

ابْن الْحجَّاج إِلَى آخِره.

قَوْله: (يتقاضاه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فَأَغْلَظ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الإغلاظ التَّشْدِيد فِي الْمُطَالبَة من غير كَلَام يَقْتَضِي الْكفْر، أَو كَانَ المتقاضي كَافِرًا. قَوْله: (فهمَّ بِهِ أَصْحَابه) أَي: قصدوه ليؤذوه بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك. قَوْله: (دَعوه) أَي: أتركوه وَلَا تتعرضوا لَهُ، وَهَذَا من غَايَة حلمه وَحسن خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) ، يَعْنِي: صولة الطّلب وَقُوَّة الْحجَّة، لَكِن على من يمطل أَو يسيء الْمُعَامَلَة، وَأما من أنصف من نَفسه فبذل مَا عِنْده وَاعْتذر عَمَّا لَيْسَ عِنْده فَلَا تجوز الاستطالة عَلَيْهِ بِحَال. قَوْله: (إلَاّ مثل) ، تَقْدِيره: لَا نجد سنا إلَاّ سنا أمثل، أَي: أفضل من سنه، وَقَالَ الْمُهلب: من آذَى السُّلْطَان بجفاء وَشبهه فَإِن لأَصْحَابه أَن يعاقبوه وينكروا عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْمُرهُم السُّلْطَان بذلك.

٧ - (بابٌ إِذا وهَبَ شَيْئا لوكِيلٍ أوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب أحد شَيْئا لوكيل، بِالتَّنْوِينِ أَي: لوكيل قوم، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى قوم الْمَذْكُور من قبيل قَوْله: بَين ذراعي وجبهة الْأسد، وَالتَّقْدِير: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. قَوْله: (أَو شَفِيع قوم) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: أَو وهب شَيْئا لشفيع قوم. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب الشَّرْط.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سألُوهُ المَغَانِمَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَصِيبيي لَكُمْ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة بَيَانه أَن وَفد هوَازن كَانُوا رسلًا أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ الَّذِي سباه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الْمَغَانِم، فَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شفاعتهم، فَرد إِلَيْهِم نصِيبه من السَّبي، وتوضيح ذَلِك فِيمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحنين، فَلَمَّا أصَاب من هوَازن مَا أصَاب من أَمْوَالهم وسباياهم أدركهم وَفد هوَازن بالجعرانة، وَقد أَسْلمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُول الله أمنن علينا منَّ الله عَلَيْك. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِسَاؤُكُمْ وأبناؤكم أحب إِلَيْكُم أم أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خيرتنا بَين أحسابنا وَأَمْوَالنَا، بل أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أحب إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، وَقَالَت الْأَنْصَار: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، فَردُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم، وَكَانَت قسْمَة غَنَائِم هوَازن قبل دُخُوله، عَلَيْهِ السَّلَام، مَكَّة مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة. قَالَ إِبْنِ اسحاق: لما انْصَرف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الطَّائِف وَنزل الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس، وَمَعَهُ من هوَازن سبي كثير، وَقد قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَوْم ظعن من ثَقِيف: يَا رَسُول الله! أدع عَلَيْهِم. فَقَالَ: أللهم إهدِ ثقيفا وإيت بهم. قَالَ: ثمَّ أَتَاهُ وَفد هوَازن بالجعرانة. وَكَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سبي هوَازن سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، وَمن الْإِبِل وَالشَّاة مَا لَا يدْرِي عدته. وَقَالَ غَيره: وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير، وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة. وَالْمَقْصُود أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم رد إِلَيْهِم سَبْيهمْ، فَعِنْدَ ابْن إِسْحَاق: قبل الْقِسْمَة، وَعند غَيره بعْدهَا. وَكَانَت غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين بعد الْفَتْح فِي خَامِس من شَوَّال سنة ثَمَان، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وهوازن فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة، فَفِي قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَفِي هوَازن قيس غيلَان بطُون كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطُّيُور، وَقَالَ غَيره: هُوَ جمع هوزن، وَقيل: الهوزون السراب ووزنه: فوعل. قلت: هَذَا يدل على أَن الْوَاو زَائِدَة، مثل وَاو جَهورِي الصَّوْت، أَي: شَدِيد عَال.

٨٠٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مرْوَانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وَفد هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِم أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أصْدَقهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالُوا قالُوا فَإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فقامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المُسْلِمِينِ فأثْنَى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هؤُلاءِ قَدْ جاؤُنا تَائِبِينَ وإنِّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ بِذَلكَ فَلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُمْ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إلَيْنَا عُرَفَاءَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا ...

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِيهِ (إِنِّي أردْت أَن أرد إِلَيْهِم سَبْيهمْ) الحَدِيث ... وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن وَفد هوَازن كَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ، فَهَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. السَّابِع: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الرَّابِع هُوَ قَوْله: زعم، لِأَن زعم هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي: والزعم يسْتَعْمل فِي القَوْل الْمُحَقق. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وَاللَّيْث مصريان وَأَن عقيلاً أيلي والبقية مدنيون وَأَن مَرْوَان من أَفْرَاده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عفير وَفِي الْعتْق وَالْهِبَة عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَفِي الْهِبَة والمغازي أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هَارُون بن مُوسَى بِقصَّة العرفاء مختصرة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَفد هوَازن) ، الْوَفْد هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويريدون الْبِلَاد، واحدهم وَافد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وهوازن مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) حَال. قَوْله: (أحب الحَدِيث) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: أصدقة. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت بهم) أَي: انتظرت بهم وتربصت، يُقَال: أنيت وتأنيت واستأنيت، وَيُقَال للمتمكث فِي الْأَمر: مستأنِ، ويروى: فقد كنت اسْتَأْنَيْت بكم. قَوْله: (فَلَمَّا تبين لَهُم) ، أَي: فحين ظهر لَهُم. وَقَوله: (أَن رَسُول الله) ، فِي مَحل الرّفْع فَاعل، تبين، قَوْله: (حِين قفل من الطَّائِف) ، أَي: حِين رَجَعَ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لعشر بَقينَ مِنْهُ سنة ثَمَان، ثمَّ خرج إِلَى هوَازن فِي خَامِس شَوَّال لغزوهم، وَجرى مَا جرى، وَهزمَ الله تَعَالَى أعداءه، ثمَّ سَار إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين، وَهِي غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين، وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف، فَضرب بِهِ عسكره. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حاصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الطَّائِف ثَلَاثِينَ لَيْلَة ثمَّ انْصَرف عَنْهُم لتأخر الْفَتْح إِلَى الْعَام الْقَابِل، وَلما انْصَرف عَن الطَّائِف

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أَيِ: الْحَاضِرُ (وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا بِعُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ عَدَاوَةٌ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْجَوَازِ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، قَالَ: وَوَكَالَةُ الْغَائِبِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى قَبُولٍ فَحُكْمُ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) أَيْ: خَازِنُهُ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَاللَّفْظَةُ فَارِسِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ: زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْقَهْرَمَانِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ جَمَلُ سِنٍّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَوَازُهُ لِلْغَائِبِ عَنْهُ أَوْلَى لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَعْطُوهُ يَتَنَاوَلُ وُكَلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ حُضُورًا وَغَيْبًا.

٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَمْثَلَ. . . إِلَخْ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ امْتَنَعَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَأْخِيرٌ مِنَ الْمُوَكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَطْلًا.

٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ

٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، فقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ انْتَظَرَهُمْ

بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ.

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.

[الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]

[الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٠٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٢٣، ٤٣١٩، ٧١٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ)، يَجُوزُ فِي وَكِيلٍ التَّنْوِينُ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لِوَكِيلِ قَوْمٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ). وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةِ وَفْدِ هَوَازِنَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْوَفْدُ رُسُلًا مِنْ هَوَازِنَ، وَكَانُوا وُكَلَاءَ وَشُفَعَاءَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ، فَشَفَّعَهُمُ النَّبِيُّ فِيهِمْ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَكِيلُ أَوِ الشَّفِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِيمَا أُقِيمُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ بِالْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ لَيْسُوا وُكَلَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي حقِّ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِقَوْلِهِ: حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ لِلْوَفْدِ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي قَوْمِهِمْ: نَصِيبِي لَكُمْ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْمَوْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْوَسَائِطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُمْ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمُوا بِسَبَبِهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمُورَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ لَا عَلَى الصُّوَرِ، وَأَنَّ مَنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِ فِي هِبَةٍ، فَقَالَ: الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ لِلشَّفِيعِ قَدْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَخُصَّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْهِبَةُ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ. انْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد، لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و «أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٣٠٦].

وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».

(٦) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ).

٢٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) الحضرميِّ الكوفيِّ، أنَّه قالَ: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريَّ المدنيَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ) حال كونه (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب منه قضاء دَينٍ، وهو بعيرٌ له سنٌّ مُعيَّنٌ كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٣٠٥]

(فَأَغْلَظَ) للنَّبيِّ لكونه كان يهوديًّا، أو كان مسلمًا وشدَّد في المطالبة من غير قدرٍ زائدٍ يقتضي كفرًا، بل جرى (١) على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، وهذا أَولى، ويدلُّ له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ يتقاضى النَّبيَّ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهلٍ (٢) من «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ عن العرباض بن سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، وكأنَّ القصَّة وقعت للأعرابيِّ، ووقع للعرباض نحوها. (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) و ، أي: أرادوا أن يؤذوا الرَّجل المذكور بالقول أو الفعل (٣) لكنَّهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ) أي: اتركوه ولا تتعرَّضوا له، وهذا من حُسن خُلُقه وكرمه، وقوَّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكنَّه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع مراعاة (٤) الأدب المشروع (ثُمَّ قَالَ) : (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ) سنًّا (إِلَّا أَمْثَلَ) أي: أفضل (مِنْ سِنِّهِ) وسقط في الفرع وأصله: «لا نجد»، فصار لفظه: «قالوا: يا رسول اللَّه إلَّا أمثل من سنِّه» (٥) (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «فإنَّ من خيركم» (أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

(٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) أحدٌ (شَيْئًا لِوَكِيلٍ) بالتَّنوين، أي: لوكيل قومٍ (أَوْ) وهب شيئًا لـ (شَفِيعِ قَوْمٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ) قبيلةٌ من

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَإِن حملت ردهَا بعد الْولادَة وَقِيمَة وَلَدهَا إِن ولد حَيا، وَمَا نقصتها الْولادَة، وَإِن مَاتَت لزمَه مثلهَا، فَإِن لم يُوجد مثلهَا فقيمتها. وَقَالَ ابْن قدامَة: أما بَنو آدم، فَقَالَ أَحْمد: أكره قرضهم، فَيحْتَمل كَرَاهَة تَنْزِيه، وَيصِح قرضهم، وَهُوَ قَول ابْن جريج والمزني، وَيحْتَمل أَنه كَرَاهَة تَحْرِيم، فَلَا يَصح قرضهم، وَاخْتَارَهُ القَاضِي فِي (شرح الْمُهَذّب) : استقراض الْحَيَوَان فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب: مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وجماهير الْعلمَاء: جَوَازه إِلَّا الْجَارِيَة لمن ملك وَطأهَا، فَإِنَّهُ لَا يجوز، وَيجوز إقراضها لمن لَا يجوز لَهُ وطؤهما كمحرمها، وللمرأة وَالْخُنْثَى. الثَّانِي: مَذْهَب ابْن جرير وَدَاوُد، وَيجوز قرض الْجَارِيَة وَسَائِر الْحَيَوَان لكل أحد. الثَّالِث: مَذْهَب أبي حنيفَة والكوفيين وَالثَّوْري وَالْحسن بن صَالح، وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة مَنعه، وَقد مر الْجَواب عَمَّا قَالُوا من جَوَاز قرض الْحَيَوَان فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب بيع العبيد وَالْحَيَوَان بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَة، وَفِيه مَا يدل أَن الْمقْرض إِذا أعطَاهُ الْمُسْتَقْرض أفضل مِمَّا اقْترض جِنْسا أَو كَيْلا أَو وزنا، أَن ذَلِك مَعْرُوف، وَأَنه يطيب لَهُ أَخذه مِنْهُ لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثنى فِيهِ على من أحسن الْقَضَاء، وَأطلق ذَلِك وَلم يُقَيِّدهُ. قلت: هَذَا عِنْد جمَاعَة الْعلمَاء إِذا لم يكن بِغَيْر شَرط مِنْهُمَا فِي حِين السّلف، وَقد أجمع الْمُسلمُونَ نقلا عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَن اشْتِرَاط الزِّيَادَة فِي السّلف رَبًّا. وَفِيه: دَلِيل على أَن للْإِمَام أَن يستسلف للْمَسَاكِين على الصَّدقَات ولسائر الْمُسلمين على بَيت المَال، لِأَنَّهُ كالوصي لجميعهم وَالْوَكِيل، مَعْلُوم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يستسلف ذَلِك لنَفسِهِ لِأَنَّهُ قَضَاهُ من إبل الصَّدَقَة، وَمَعْلُوم أَن الصَّدَقَة مُحرمَة عَلَيْهِ، لَا يحل لَهُ أكلهَا وَلَا الِانْتِفَاع بهَا. فَإِن قلت: فلِمَ أعْطى من أَمْوَالهم أَكثر مِمَّا اسْتقْرض لَهُم؟ قلت: هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه جَائِز للْإِمَام إِذا اسْتقْرض للْمَسَاكِين أَن يرد من مَالهم أَكثر مِمَّا أَخذ على وَجه النّظر وَالصَّلَاح إِذا كَانَ على غير شَرط. فَإِن قلت: إِن الْمُسْتَقْرض مِنْهُ غنى، وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَغَنِيّ؟ قلت: قد يحْتَمل أَن يكون الْمُسْتَقْرض مِنْهُ قد ذهبت إبِله بِنَوْع من حوائج الدُّنْيَا، فَكَانَ فِي وَقت صرف مَا أَخذ مِنْهُ إِلَيْهِ فَقِيرا تحل لَهُ الزَّكَاة، فَأعْطَاهُ النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم خيرا من بعيره بِمِقْدَار حَاجته، وَجمع فِي ذَلِك وضع الصَّدَقَة فِي موضعهَا وَحسن الْقَضَاء، وَيحْتَمل أَن يكون غارما أَو عَارِيا مِمَّن يحل لَهُ الصَّدَقَة من الْأَغْنِيَاء. وَقيل: وَيحْتَمل أَنه كَانَ اقْترض لنَفسِهِ، فَلَمَّا جَاءَت إبل للصدقة اشْترى مِنْهَا بَعِيرًا مِمَّن اسْتَحَقَّه، فملكه بِثمنِهِ وأوفاه مُتَبَرعا بِالزِّيَادَةِ من مَاله، يدل عَلَيْهِ رِوَايَة مُسلم: (اشْتَروا لَهُ بَعِيرًا) . وَقيل: إِن الْمُقْتَرض كَانَ بعض المحتاجين، اقْترض لنَفسِهِ، فَأعْطَاهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الصَّدَقَة، وَهَذَا يرد قَول من قَالَ: إِنَّه كَانَ يَهُودِيّا. وَقيل يحْتَمل أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ اقترضه لبَعض نَوَائِب الْمُسلمين، لِأَنَّهُ اقترضه لخاصة نَفسه، وَعبر الرَّاوِي عَن ذَلِك مجَازًا، إِذْ كَانَ هُوَ الْآمِر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَأما قَول من قَالَ: كَانَ استسلافه ذَلِك قبل أَن تحرم عَلَيْهِ الصَّدَقَة ففاسد، لِأَنَّهُ لم ويزل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُحرمَة عَلَيْهِ الصَّدَقَة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذَلِكَ من خَصَائِصه، وَمن عَلَامَات نبوته فِي الْكتب الْقَدِيمَة، بِدَلِيل قصَّة سلمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

٦ - (بابُ الوَكَالَةِ فِي قَضاءِ الدُّيُونِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوكَالَة فِي قَضَاء الدُّيُون.

٦٠٣٢ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَة بنَ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رجُلاً أتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَتَقَاضاهُ فأغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعُوهُ فإنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مقَالاً ثُمَّ قَالَ أعْطُوهُ سِنّا مِثْلَ سِنِّهِ قالُوا يَا رسولَ الله لَا نَجِدُ إلَاّ أمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أعْطُوهُ فإنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أحْسَنَكُمْ قَضاءً. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَعْطوهُ سنا) ، لِأَن أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِعْطَاء السن وكَالَة فِي قَضَاء دينه، وَهَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الْمَذْكُور فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لكنه من وَجه آخر، وَبَينهمَا بعض تفَاوت فِي الْمَتْن بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان، وَأخرجه هُنَاكَ: عَن أبي نعيم عَن سُفْيَان عَن سَلمَة، وَهَهُنَا أخرجه: عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَأبي أَيُّوب الواشحي الْبَصْرِيّ، قَاضِي مَكَّة عَن شُعْبَة

ابْن الْحجَّاج إِلَى آخِره.

قَوْله: (يتقاضاه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فَأَغْلَظ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الإغلاظ التَّشْدِيد فِي الْمُطَالبَة من غير كَلَام يَقْتَضِي الْكفْر، أَو كَانَ المتقاضي كَافِرًا. قَوْله: (فهمَّ بِهِ أَصْحَابه) أَي: قصدوه ليؤذوه بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك. قَوْله: (دَعوه) أَي: أتركوه وَلَا تتعرضوا لَهُ، وَهَذَا من غَايَة حلمه وَحسن خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) ، يَعْنِي: صولة الطّلب وَقُوَّة الْحجَّة، لَكِن على من يمطل أَو يسيء الْمُعَامَلَة، وَأما من أنصف من نَفسه فبذل مَا عِنْده وَاعْتذر عَمَّا لَيْسَ عِنْده فَلَا تجوز الاستطالة عَلَيْهِ بِحَال. قَوْله: (إلَاّ مثل) ، تَقْدِيره: لَا نجد سنا إلَاّ سنا أمثل، أَي: أفضل من سنه، وَقَالَ الْمُهلب: من آذَى السُّلْطَان بجفاء وَشبهه فَإِن لأَصْحَابه أَن يعاقبوه وينكروا عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْمُرهُم السُّلْطَان بذلك.

٧ - (بابٌ إِذا وهَبَ شَيْئا لوكِيلٍ أوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب أحد شَيْئا لوكيل، بِالتَّنْوِينِ أَي: لوكيل قوم، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى قوم الْمَذْكُور من قبيل قَوْله: بَين ذراعي وجبهة الْأسد، وَالتَّقْدِير: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. قَوْله: (أَو شَفِيع قوم) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: أَو وهب شَيْئا لشفيع قوم. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب الشَّرْط.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سألُوهُ المَغَانِمَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَصِيبيي لَكُمْ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة بَيَانه أَن وَفد هوَازن كَانُوا رسلًا أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ الَّذِي سباه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الْمَغَانِم، فَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شفاعتهم، فَرد إِلَيْهِم نصِيبه من السَّبي، وتوضيح ذَلِك فِيمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحنين، فَلَمَّا أصَاب من هوَازن مَا أصَاب من أَمْوَالهم وسباياهم أدركهم وَفد هوَازن بالجعرانة، وَقد أَسْلمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُول الله أمنن علينا منَّ الله عَلَيْك. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِسَاؤُكُمْ وأبناؤكم أحب إِلَيْكُم أم أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خيرتنا بَين أحسابنا وَأَمْوَالنَا، بل أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أحب إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، وَقَالَت الْأَنْصَار: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، فَردُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم، وَكَانَت قسْمَة غَنَائِم هوَازن قبل دُخُوله، عَلَيْهِ السَّلَام، مَكَّة مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة. قَالَ إِبْنِ اسحاق: لما انْصَرف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الطَّائِف وَنزل الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس، وَمَعَهُ من هوَازن سبي كثير، وَقد قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَوْم ظعن من ثَقِيف: يَا رَسُول الله! أدع عَلَيْهِم. فَقَالَ: أللهم إهدِ ثقيفا وإيت بهم. قَالَ: ثمَّ أَتَاهُ وَفد هوَازن بالجعرانة. وَكَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سبي هوَازن سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، وَمن الْإِبِل وَالشَّاة مَا لَا يدْرِي عدته. وَقَالَ غَيره: وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير، وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة. وَالْمَقْصُود أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم رد إِلَيْهِم سَبْيهمْ، فَعِنْدَ ابْن إِسْحَاق: قبل الْقِسْمَة، وَعند غَيره بعْدهَا. وَكَانَت غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين بعد الْفَتْح فِي خَامِس من شَوَّال سنة ثَمَان، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وهوازن فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة، فَفِي قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَفِي هوَازن قيس غيلَان بطُون كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطُّيُور، وَقَالَ غَيره: هُوَ جمع هوزن، وَقيل: الهوزون السراب ووزنه: فوعل. قلت: هَذَا يدل على أَن الْوَاو زَائِدَة، مثل وَاو جَهورِي الصَّوْت، أَي: شَدِيد عَال.

٨٠٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مرْوَانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وَفد هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِم أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أصْدَقهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالُوا قالُوا فَإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فقامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المُسْلِمِينِ فأثْنَى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هؤُلاءِ قَدْ جاؤُنا تَائِبِينَ وإنِّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ بِذَلكَ فَلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُمْ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إلَيْنَا عُرَفَاءَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا ...

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِيهِ (إِنِّي أردْت أَن أرد إِلَيْهِم سَبْيهمْ) الحَدِيث ... وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن وَفد هوَازن كَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ، فَهَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. السَّابِع: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الرَّابِع هُوَ قَوْله: زعم، لِأَن زعم هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي: والزعم يسْتَعْمل فِي القَوْل الْمُحَقق. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وَاللَّيْث مصريان وَأَن عقيلاً أيلي والبقية مدنيون وَأَن مَرْوَان من أَفْرَاده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عفير وَفِي الْعتْق وَالْهِبَة عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَفِي الْهِبَة والمغازي أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هَارُون بن مُوسَى بِقصَّة العرفاء مختصرة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَفد هوَازن) ، الْوَفْد هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويريدون الْبِلَاد، واحدهم وَافد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وهوازن مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) حَال. قَوْله: (أحب الحَدِيث) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: أصدقة. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت بهم) أَي: انتظرت بهم وتربصت، يُقَال: أنيت وتأنيت واستأنيت، وَيُقَال للمتمكث فِي الْأَمر: مستأنِ، ويروى: فقد كنت اسْتَأْنَيْت بكم. قَوْله: (فَلَمَّا تبين لَهُم) ، أَي: فحين ظهر لَهُم. وَقَوله: (أَن رَسُول الله) ، فِي مَحل الرّفْع فَاعل، تبين، قَوْله: (حِين قفل من الطَّائِف) ، أَي: حِين رَجَعَ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لعشر بَقينَ مِنْهُ سنة ثَمَان، ثمَّ خرج إِلَى هوَازن فِي خَامِس شَوَّال لغزوهم، وَجرى مَا جرى، وَهزمَ الله تَعَالَى أعداءه، ثمَّ سَار إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين، وَهِي غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين، وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف، فَضرب بِهِ عسكره. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حاصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الطَّائِف ثَلَاثِينَ لَيْلَة ثمَّ انْصَرف عَنْهُم لتأخر الْفَتْح إِلَى الْعَام الْقَابِل، وَلما انْصَرف عَن الطَّائِف

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده