«أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٠٦

الحديث رقم ٢٣٠٦ من كتاب «كتاب الوكالة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الوكالة في قضاء الديون.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٠٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.»

بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ فَقَالَ النَّبِيُّ نَصِيبِي لَكُمْ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٣٠٦

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٠٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أَيِ: الْحَاضِرُ (وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا بِعُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ عَدَاوَةٌ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْجَوَازِ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، قَالَ: وَوَكَالَةُ الْغَائِبِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى قَبُولٍ فَحُكْمُ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) أَيْ: خَازِنُهُ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَاللَّفْظَةُ فَارِسِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ: زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْقَهْرَمَانِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ جَمَلُ سِنٍّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَوَازُهُ لِلْغَائِبِ عَنْهُ أَوْلَى لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَعْطُوهُ يَتَنَاوَلُ وُكَلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ حُضُورًا وَغَيْبًا.

٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَمْثَلَ. . . إِلَخْ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ امْتَنَعَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَأْخِيرٌ مِنَ الْمُوَكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَطْلًا.

٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ

٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، فقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ انْتَظَرَهُمْ

بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ.

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.

[الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]

[الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٠٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٢٣، ٤٣١٩، ٧١٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ)، يَجُوزُ فِي وَكِيلٍ التَّنْوِينُ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لِوَكِيلِ قَوْمٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ). وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةِ وَفْدِ هَوَازِنَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْوَفْدُ رُسُلًا مِنْ هَوَازِنَ، وَكَانُوا وُكَلَاءَ وَشُفَعَاءَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ، فَشَفَّعَهُمُ النَّبِيُّ فِيهِمْ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَكِيلُ أَوِ الشَّفِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِيمَا أُقِيمُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ بِالْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ لَيْسُوا وُكَلَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي حقِّ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِقَوْلِهِ: حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ لِلْوَفْدِ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي قَوْمِهِمْ: نَصِيبِي لَكُمْ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْمَوْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْوَسَائِطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُمْ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمُوا بِسَبَبِهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمُورَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ لَا عَلَى الصُّوَرِ، وَأَنَّ مَنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِ فِي هِبَةٍ، فَقَالَ: الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ لِلشَّفِيعِ قَدْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَخُصَّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْهِبَةُ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ. انْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد، لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و «أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٣٠٦].

وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».

(٦) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ).

٢٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) الحضرميِّ الكوفيِّ، أنَّه قالَ: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريَّ المدنيَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ) حال كونه (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب منه قضاء دَينٍ، وهو بعيرٌ له سنٌّ مُعيَّنٌ كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٣٠٥]

(فَأَغْلَظَ) للنَّبيِّ لكونه كان يهوديًّا، أو كان مسلمًا وشدَّد في المطالبة من غير قدرٍ زائدٍ يقتضي كفرًا، بل جرى (١) على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، وهذا أَولى، ويدلُّ له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ يتقاضى النَّبيَّ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهلٍ (٢) من «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ عن العرباض بن سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، وكأنَّ القصَّة وقعت للأعرابيِّ، ووقع للعرباض نحوها. (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) و ، أي: أرادوا أن يؤذوا الرَّجل المذكور بالقول أو الفعل (٣) لكنَّهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ) أي: اتركوه ولا تتعرَّضوا له، وهذا من حُسن خُلُقه وكرمه، وقوَّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكنَّه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع مراعاة (٤) الأدب المشروع (ثُمَّ قَالَ) : (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ) سنًّا (إِلَّا أَمْثَلَ) أي: أفضل (مِنْ سِنِّهِ) وسقط في الفرع وأصله: «لا نجد»، فصار لفظه: «قالوا: يا رسول اللَّه إلَّا أمثل من سنِّه» (٥) (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «فإنَّ من خيركم» (أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

(٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) أحدٌ (شَيْئًا لِوَكِيلٍ) بالتَّنوين، أي: لوكيل قومٍ (أَوْ) وهب شيئًا لـ (شَفِيعِ قَوْمٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ) قبيلةٌ من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (وَكَالَةُ الشَّاهِدِ) أَيِ: الْحَاضِرُ (وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا بِعُذْرٍ: مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ بِرِضَا الْخَصْمِ، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ عَدَاوَةٌ، وَقَدْ بَالَغَ الطَّحَاوِيُّ فِي نُصْرَةِ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْجَوَازِ حَدِيثَ الْبَابِ، قَالَ: وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْحَاضِرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ، قَالَ: وَوَكَالَةُ الْغَائِبِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى قَبُولِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ بِاتِّفَاقٍ، وَإِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى قَبُولٍ فَحُكْمُ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ: (وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو) أَيِ: ابْنُ الْعَاصِ (إِلَى قَهْرَمَانِهِ) أَيْ: خَازِنُهُ الْقَيِّمُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ الْوَكِيلُ، وَاللَّفْظَةُ فَارِسِيَّةٌ.

قَوْلُهُ: (أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ) أَيْ: زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْقَهْرَمَانِ، وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ جَمَلُ سِنٍّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ. الْحَدِيثَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْقَرْضِ، وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ إِذَا جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ مَعَ اقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ فَجَوَازُهُ لِلْغَائِبِ عَنْهُ أَوْلَى لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: لَفْظُ أَعْطُوهُ يَتَنَاوَلُ وُكَلَاءَ رَسُولِ اللَّهِ حُضُورًا وَغَيْبًا.

٦ - بَاب الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ

٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَفِيهِ حَذْفٌ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: فَقَالُوا: لَمْ نَجِدْ إِلَّا أَمْثَلَ. . . إِلَخْ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِقْهُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ امْتَنَعَتِ الْوَكَالَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تَأْخِيرٌ مِنَ الْمُوَكِّلِ إِلَى الْوَكِيلِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَطْلًا.

٧ - بَاب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ

٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، فقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ - وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ انْتَظَرَهُمْ

بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنْ الطَّائِفِ - فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُسْلِمِينَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ.

فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.

[الحديث ٢٣٠٧ - أطرافه في: ٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦]

[الحديث ٢٣٠٨ - أطرافه في: ٢٠٤٠، ٢٥٨٣، ٣١٢٣، ٤٣١٩، ٧١٧٧]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ)، يَجُوزُ فِي وَكِيلٍ التَّنْوِينُ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الْأَسَدِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: لِوَكِيلِ قَوْمٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ.

قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي لَكُمْ). وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَدِيثَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فِي قِصَّةِ وَفْدِ هَوَازِنَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي. وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ. الْحَدِيثَ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: كَانَ الْوَفْدُ رُسُلًا مِنْ هَوَازِنَ، وَكَانُوا وُكَلَاءَ وَشُفَعَاءَ فِي رَدِّ سَبْيِهِمْ، فَشَفَّعَهُمُ النَّبِيُّ فِيهِمْ، فَإِذَا طَلَبَ الْوَكِيلُ أَوِ الشَّفِيعُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَأُعْطِيَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ إِقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْوُكَلَاءِ فِيمَا أُقِيمُوا لَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ بِالْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْعُرَفَاءَ لَيْسُوا وُكَلَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ كَالْأُمَرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَبُولُ قَوْلِهِمْ فِي حَقِّهِمْ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي حقِّ مَنْ هُوَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لِقَوْلِهِ: حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ لِلْوَفْدِ وَهُمُ الَّذِينَ جَاءُوا شُفَعَاءَ فِي قَوْمِهِمْ: نَصِيبِي لَكُمْ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْمَوْهِبَةَ وَقَعَتْ لِلْوَسَائِطِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمَقْصُودُ هُمْ وَجَمِيعُ مَنْ تَكَلَّمُوا بِسَبَبِهِ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمُورَ تَنْزِلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ لَا عَلَى الصُّوَرِ، وَأَنَّ مَنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِ فِي هِبَةٍ، فَقَالَ: الْمَشْفُوعُ عِنْدَهُ لِلشَّفِيعِ قَدْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَيَخُصَّ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، بَلِ الْهِبَةُ لِلْمَشْفُوعِ لَهُ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إِنَّمَا نَوَى نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمَبِيعُ لِلْمُوَكِّلِ. انْتَهَى. وَهَذَا قَالَهُ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

أعطيتني وافيًا (أَوْفَى اللهُ بِكَ) وحرف الجرِّ في المفعول زائدٌ للتَّوكيد، لأنَّ الأصل أن يقول: أوفاك الله (قَالَ النَّبِيُّ : إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) نُصِب على التَّمييز، و «أحسنُكم» خبرٌ لقوله: «خيارَكم» لكن استُشكِل كون المبتدأ بلفظ الجمع، والخبر بالإفراد، والأصل التَّطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره، وأُجيب باحتمال أن يكون مفردًا بمعنى: المختار، وحينئذٍ فالمطابقة حاصلةٌ، أو أنَّ «أفعل» التَّفضيل المضاف لمقصودٍ به الزِّيادة يجوز فيه الإفراد، والمطابقة لمن هو له، والمراد: الخيريَّة في المعاملات، أو أنَّ «من» مُقدَّرةٌ، كما في الرِّواية الأخرى [خ¦٢٣٠٦].

وفي هذا الحديث رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الاستقراض» [خ¦٢٣٩٣] و «الوكالة» [خ¦٢٣٠٦] و «الهبة» [خ¦٢٦٠٦]، ومسلمٌ في «البيوع» وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه في «الأحكام».

(٦) (بابُ) حكم (الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ).

٢٣٠٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ) الحضرميِّ الكوفيِّ، أنَّه قالَ: (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) عبد الله، أو إسماعيل (بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريَّ المدنيَّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ) حال كونه (يَتَقَاضَاهُ) أي: يطلب منه قضاء دَينٍ، وهو بعيرٌ له سنٌّ مُعيَّنٌ كما مرَّ قريبًا [خ¦٢٣٠٥]

(فَأَغْلَظَ) للنَّبيِّ لكونه كان يهوديًّا، أو كان مسلمًا وشدَّد في المطالبة من غير قدرٍ زائدٍ يقتضي كفرًا، بل جرى (١) على عادة الأعراب من الجفاء في المخاطبة، وهذا أَولى، ويدلُّ له ما رواه الإمام أحمد عن عبد الرَّزَّاق عن سفيان: جاء أعرابيٌّ يتقاضى النَّبيَّ بعيرًا، ووقع في ترجمة بكر بن سهلٍ (٢) من «المعجم الأوسط» للطَّبرانيِّ عن العرباض بن سارية ما يُفهَم أنَّه هو، لكن روى النَّسائيُّ والحاكم الحديث المذكور وفيه ما يقتضي أنَّه غيره، وكأنَّ القصَّة وقعت للأعرابيِّ، ووقع للعرباض نحوها. (فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ) و ، أي: أرادوا أن يؤذوا الرَّجل المذكور بالقول أو الفعل (٣) لكنَّهم لم يفعلوا ذلك أدبًا معه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعُوهُ) أي: اتركوه ولا تتعرَّضوا له، وهذا من حُسن خُلُقه وكرمه، وقوَّة صبره على الجفاة مع قدرته على الانتقام منهم (فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا) أي: صولة الطَّلب وقوَّة الحجَّة، لكنَّه على من يمطله أو يسيء المعاملة لكن مع مراعاة (٤) الأدب المشروع (ثُمَّ قَالَ) : (أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَا نَجِدُ) سنًّا (إِلَّا أَمْثَلَ) أي: أفضل (مِنْ سِنِّهِ) وسقط في الفرع وأصله: «لا نجد»، فصار لفظه: «قالوا: يا رسول اللَّه إلَّا أمثل من سنِّه» (٥) (فَقَالَ) ، ولأبي الوقت: «قال»: (أَعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ (٦): «فإنَّ من خيركم» (أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ.

(٧) هذا (٧) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَهَبَ) أحدٌ (شَيْئًا لِوَكِيلٍ) بالتَّنوين، أي: لوكيل قومٍ (أَوْ) وهب شيئًا لـ (شَفِيعِ قَوْمٍ) وجواب الشَّرط قولُه: (جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لِوَفْدِ هَوَازِنَ) قبيلةٌ من

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله