«أَنَّ⦗١٠٠⦘رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٠٧

الحديث رقم ٢٣٠٧ من كتاب «كتاب الوكالة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن⦗١٠٠⦘رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن…

«أَنَّ

⦗١٠٠⦘

رَسُولَ اللهِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ : أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاؤُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا.»

سند حديث: ٢٣٠٧ - ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ…

٢٣٠٧ - ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ: أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن⦗١٠٠⦘رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن…

هزم النبي صلىالله عليه وسلم قبيلة هوازن في غزوة حنين بعد فتح مكة، ثم جاء جماعة من هوازن بعد أن أسلموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يُرجِع إليهم أموالَهم ونساءهم وأطفالهم الذين أُخذوا في القتال، فرد عليهم صلى الله عليه وسلم بأن قال: أحب الحديث لدي هو الحديث الصادق، وخيّرهم بين أن يُرجع إليهم الأموال المغنومة أو النساء والأطفال، وهم السبي، وكان فقد انتظرهم النبي صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلةً بعد المعركة، فلم يقسم الغنائم ليحضروا، فأبطأوا، وعندما رجع من الطائف إلى الجِعرانة قسم الغنائم بها قبل مجيئهم، فلما رأى وفد هوازن أنه عليه الصلاة والسلام لن يعيد لهم إلا واحدًا من الطلبين: المال أو السبي، اختاروا أن يعيد لهم السبي، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن وفد هوازن جاءوا لنا تائبين، ورأيت أن أعيد لهم سبيهم، فمن أحب دفع السبي إلى هوازن مجانًا من غير عوض عن طيب نفسٍ فليفعل، ومن أحب أن يكون على نصيبه من السبي حتى نعوضه له من أول مال للفيء يعطينا الله له فليفعل، فقال الناس: قد طابت أنفسنا بأن نعطيهم سبيهم لأجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: إنا لا ندري من الذين أذنوا منكم بأخذ السبي ومن لم يأذن، فارجعوا حتى يخبرنا بذلك عرفاؤكم ونقباؤكم الذين يَعْرِفون أمور أقوامهم، وأراد عليه الصلاة والسلام بذلك التقصي والتأكد من أمرهم استطابة لنفوسهم، فلما رجع الناس وكلمهم نقباؤهم في ذلك فطابت نفوسهم به، فأخبر النقباء النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس قد طابت نفوسهم وأذنوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد السبي إليهم.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الغنيمة إنما يملكها الغانمون بالقسمة، واستفيد ذلك من انتظاره صلى الله عليه وسلم لهم.
  • الدليل على جواز استرقاق العرب وتملكهم كالعجم.
  • العوض إلى أجل مجهول جائز، إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يدري متى يفيء الله عليهم.
  • يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنم أموالهم وأهليهم أن يرد عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة.
  • مشروعية اتخاذ العرفاء عند الحاجة.
  • قبول خبر الواحد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن⦗١٠٠⦘رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قيسٍ، والوفد: قومٌ يجتمعون ويردون البلاد (حِينَ سَأَلُوهُ) أن يردَّ إليهم (المَغَانِمَ) التي أصابها منهم (فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي) منها (لَكُمْ) وهذا طرفٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن إسحاق في «المغازي»، وظاهره كما قال (١) ابن المنيِّر: يوهم أنَّ الموهِبة وقعت للوسائط الذين جاؤوا شفعاء في قومهم، وليس كذلك، بل المقصود هبة الكلِّ، من غاب منهم ومن حضر، فيدلُّ على أنَّ الألفاظ تُنزَّل على المقاصد لا على الصُّور، وأنَّ من شفع لغيره في هبةٍ فقال المشفوع عنده للشَّفيع: قد وهبتك ذلك فليس للشَّفيع أن يتعلَّق بظاهر اللَّفظ ويخصَّ بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له.

٢٣٠٧ - ٢٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء اسم جدِّه (٢)، واسم (٣) أبيه (٤)

كثيرٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام، والواو عطفٌ على محذوفٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: -إنَّه معطوفٌ على قصَّة الحديبية- لم أعرف له وجهًا فليُنظَر، والزَّعم هنا بمعنى: القول المُحقَّق كما قاله الكِرمانيُّ، وفي «كتاب الأحكام» [خ¦٧١٧٦] [خ¦٧١٧٧]: عن موسى ابن عقبة قال (١) ابن شهابٍ: حدَّثني عروة بن الزُّبير: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص، الأمويَّ، ابن عمِّ عثمان بن عفَّان ، وُلِد بعد الهجرة بسنتين أو بأربعٍ (٢)، قال ابن أبي داود (٣): لا ندري أسمع من النَّبيِّ شيئًا أم لا، قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ولم يثبت له أَزْيَد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو، و «مَخْرَمة»: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، ابن نوفلٍ الزُّهريَّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين فيما قاله يحيى ابن بُكَيرٍ، وقدم المدينة في ذي الحجَّة بعد الفتح سنة ثمانٍ وهو ابن ستِّ سنين، وقال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ أحاديث، وحديثه عن النَّبيِّ في خطبة عليٍّ لابنة أبي جهل في

«الصَّحيحين» [خ¦٣١١٠] وغيرهما (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ) ظاهره: أنَّ مروان بن الحكم والمِسور بن مَخرمة حضرا ذلك، لكنَّ مروان لا يصحُّ له سماعٌ من النَّبيِّ ولا صحبة، وأمَّا المِسور فصحَّ (١) سماعه منه، لكنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغيرٌ بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة بعده، لكنَّه كان في غزوة حنينٍ مميِّزًا، فقد ضبط في ذلك الأوان قصَّة (٢) خطبة عليٍّ لابنة أبي جهلٍ (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) حال كونهم (مُسْلِمِينَ) وكان فيهم تسعة نفرٍ من أشرافهم (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) وعند الواقديِّ: كان فيهم أبو برقان السَّعديُّ، فقال: يا رسول الله، إن في هذه الحظائر إلَّا أمَّهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منَّ الله عليك (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ : أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رُفِعَ خبرُ قوله (٣): «أَحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ) بالواو، ولأبوي (٤) ذرٍّ والوقت: «فقد» (كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، لكنَّ موضع الهمزة في الفرع سكونٌ فقط من غير همزٍ (٥)، أي: انتظرت (بِكمْ) ولأبي ذرٍّ: «بهم» (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي (٦) وتركه بالجِعْرَانة (حِينَ قَفَلَ) بفتح القاف والفاء، أي: رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجِعْرَانة، فقسم الغنائم بها، وكان توجَّه إلى الطَّائف فحاصرها، ثمَّ رجع عنها فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم ليحضروا فأبطأوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) ظهر لوفد هوازن (أَنَّ رَسُولَ اللهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المالَ أو السَّبيَ (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي» ابن عقبة: قالوا:

خيَّرتنا يا رسول الله بين المال والحسب، فالحسب أحبُّ إلينا، ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفد هوازن (قَدْ جَاؤوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) هذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الوفد كانوا وكلاء شفعاء في ردِّ سبيهم (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ) بضمِّ أوَّله وفتح الطَّاء وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة المكسورة، مضارع «طيَّب يطيِّب تطييبًا»، من باب «التَّفعيل»، ولأبي ذرٍّ: «يَطِيب» بفتح أوَّله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، من الثُّلاثيِّ، من طاب يطيب، والمعنى: من أحبَّ أن يُطيِّب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسَه مجَّانًا من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ) جواب «مَن» المتضمِّنة معنى الشَّرط فلذا دخلت الفاء فيه (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ (١) أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) بضمِّ حرف المضارعة من أفاء يفيء، والفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصل الفيء: الرُّجوع، كأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظِّلِّ الذي بعد الزَّوال: فيءٌ؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشَّرق (٢) (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا من حيث كونهم رضوا بذلك

وطابت أنفسهم (١) به (لِرَسُولِ اللهِ) أي: لأجله ( لَهُمْ) ولأبي الوقت: «قد طيَّبنا ذلك يا رسول الله لهم»، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «لهم» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا) بالواو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يرفع» (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) جمع عريفٍ؛ وهو الذي يعرف أمور القوم، وهو النَّقيب ودون الرَّئيس، وأراد بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى رَسُولِ اللهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: القوم (٢) (قَدْ (٣) طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) لرسول الله أن يردَّ السَّبي إليهم، وفيه أنَّ إقرار الوكيل عن موكِّله مقبولٌ؛ لأنَّ العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أُقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيَّده أبو حنيفة ومحمَّدٌ بالحاكم، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ إقرار الوكيل عن (٤) الموكِّل (٥) بأن يقول: وكَّلتك لتُقِرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فيقول الوكيل: أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقرًّا بكذا؛ لأنَّه إخبارٌ عن حقٍّ، فلا يقبل التَّوكيل كالشَّهادة، لكنَّ التَّوكيل فيه إقرارٌ من الموكِّل لإشعاره بثبوت الحقِّ عليه، وقيل: ليس بإقرارٍ، كما أنَّ التَّوكيل بالإبراء ليس بإبراءٍ، ومحلُّ الخلاف إذا قال: وكَّلتك لتقرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فلو قال: أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ، كان إقرارًا مطلقًا (٦)، ولو قال: أَقِرَّ له عليَّ بألفٍ، لم يكن إقرارًا قطعًا، صرَّح به صاحب التَّعجيز، وليس في الحديث حجَّةٌ لجواز الإقرار من الوكيل؛ لأنَّ العرفاء (٧) ليسوا وكلاء، وإنَّما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقِّهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حقِّ من هو حاكمٌ عليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن الْحجَّاج إِلَى آخِره.

قَوْله: (يتقاضاه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فَأَغْلَظ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الإغلاظ التَّشْدِيد فِي الْمُطَالبَة من غير كَلَام يَقْتَضِي الْكفْر، أَو كَانَ المتقاضي كَافِرًا. قَوْله: (فهمَّ بِهِ أَصْحَابه) أَي: قصدوه ليؤذوه بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك. قَوْله: (دَعوه) أَي: أتركوه وَلَا تتعرضوا لَهُ، وَهَذَا من غَايَة حلمه وَحسن خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) ، يَعْنِي: صولة الطّلب وَقُوَّة الْحجَّة، لَكِن على من يمطل أَو يسيء الْمُعَامَلَة، وَأما من أنصف من نَفسه فبذل مَا عِنْده وَاعْتذر عَمَّا لَيْسَ عِنْده فَلَا تجوز الاستطالة عَلَيْهِ بِحَال. قَوْله: (إلَاّ مثل) ، تَقْدِيره: لَا نجد سنا إلَاّ سنا أمثل، أَي: أفضل من سنه، وَقَالَ الْمُهلب: من آذَى السُّلْطَان بجفاء وَشبهه فَإِن لأَصْحَابه أَن يعاقبوه وينكروا عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْمُرهُم السُّلْطَان بذلك.

٧ - (بابٌ إِذا وهَبَ شَيْئا لوكِيلٍ أوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب أحد شَيْئا لوكيل، بِالتَّنْوِينِ أَي: لوكيل قوم، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى قوم الْمَذْكُور من قبيل قَوْله: بَين ذراعي وجبهة الْأسد، وَالتَّقْدِير: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. قَوْله: (أَو شَفِيع قوم) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: أَو وهب شَيْئا لشفيع قوم. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب الشَّرْط.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سألُوهُ المَغَانِمَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَصِيبيي لَكُمْ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة بَيَانه أَن وَفد هوَازن كَانُوا رسلًا أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ الَّذِي سباه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الْمَغَانِم، فَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شفاعتهم، فَرد إِلَيْهِم نصِيبه من السَّبي، وتوضيح ذَلِك فِيمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحنين، فَلَمَّا أصَاب من هوَازن مَا أصَاب من أَمْوَالهم وسباياهم أدركهم وَفد هوَازن بالجعرانة، وَقد أَسْلمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُول الله أمنن علينا منَّ الله عَلَيْك. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِسَاؤُكُمْ وأبناؤكم أحب إِلَيْكُم أم أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خيرتنا بَين أحسابنا وَأَمْوَالنَا، بل أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أحب إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، وَقَالَت الْأَنْصَار: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، فَردُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم، وَكَانَت قسْمَة غَنَائِم هوَازن قبل دُخُوله، عَلَيْهِ السَّلَام، مَكَّة مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة. قَالَ إِبْنِ اسحاق: لما انْصَرف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الطَّائِف وَنزل الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس، وَمَعَهُ من هوَازن سبي كثير، وَقد قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَوْم ظعن من ثَقِيف: يَا رَسُول الله! أدع عَلَيْهِم. فَقَالَ: أللهم إهدِ ثقيفا وإيت بهم. قَالَ: ثمَّ أَتَاهُ وَفد هوَازن بالجعرانة. وَكَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سبي هوَازن سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، وَمن الْإِبِل وَالشَّاة مَا لَا يدْرِي عدته. وَقَالَ غَيره: وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير، وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة. وَالْمَقْصُود أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم رد إِلَيْهِم سَبْيهمْ، فَعِنْدَ ابْن إِسْحَاق: قبل الْقِسْمَة، وَعند غَيره بعْدهَا. وَكَانَت غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين بعد الْفَتْح فِي خَامِس من شَوَّال سنة ثَمَان، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وهوازن فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة، فَفِي قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَفِي هوَازن قيس غيلَان بطُون كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطُّيُور، وَقَالَ غَيره: هُوَ جمع هوزن، وَقيل: الهوزون السراب ووزنه: فوعل. قلت: هَذَا يدل على أَن الْوَاو زَائِدَة، مثل وَاو جَهورِي الصَّوْت، أَي: شَدِيد عَال.

٨٠٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مرْوَانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وَفد هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِم أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أصْدَقهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالُوا قالُوا فَإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فقامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المُسْلِمِينِ فأثْنَى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هؤُلاءِ قَدْ جاؤُنا تَائِبِينَ وإنِّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ بِذَلكَ فَلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُمْ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إلَيْنَا عُرَفَاءَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا ...

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِيهِ (إِنِّي أردْت أَن أرد إِلَيْهِم سَبْيهمْ) الحَدِيث ... وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن وَفد هوَازن كَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ، فَهَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. السَّابِع: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الرَّابِع هُوَ قَوْله: زعم، لِأَن زعم هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي: والزعم يسْتَعْمل فِي القَوْل الْمُحَقق. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وَاللَّيْث مصريان وَأَن عقيلاً أيلي والبقية مدنيون وَأَن مَرْوَان من أَفْرَاده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عفير وَفِي الْعتْق وَالْهِبَة عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَفِي الْهِبَة والمغازي أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هَارُون بن مُوسَى بِقصَّة العرفاء مختصرة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَفد هوَازن) ، الْوَفْد هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويريدون الْبِلَاد، واحدهم وَافد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وهوازن مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) حَال. قَوْله: (أحب الحَدِيث) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: أصدقة. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت بهم) أَي: انتظرت بهم وتربصت، يُقَال: أنيت وتأنيت واستأنيت، وَيُقَال للمتمكث فِي الْأَمر: مستأنِ، ويروى: فقد كنت اسْتَأْنَيْت بكم. قَوْله: (فَلَمَّا تبين لَهُم) ، أَي: فحين ظهر لَهُم. وَقَوله: (أَن رَسُول الله) ، فِي مَحل الرّفْع فَاعل، تبين، قَوْله: (حِين قفل من الطَّائِف) ، أَي: حِين رَجَعَ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لعشر بَقينَ مِنْهُ سنة ثَمَان، ثمَّ خرج إِلَى هوَازن فِي خَامِس شَوَّال لغزوهم، وَجرى مَا جرى، وَهزمَ الله تَعَالَى أعداءه، ثمَّ سَار إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين، وَهِي غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين، وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف، فَضرب بِهِ عسكره. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حاصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الطَّائِف ثَلَاثِينَ لَيْلَة ثمَّ انْصَرف عَنْهُم لتأخر الْفَتْح إِلَى الْعَام الْقَابِل، وَلما انْصَرف عَن الطَّائِف

نزل على الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس وَلما نزل على الْجِعِرَّانَة انْتظر وَفد هوَازن بضع عشرَة لَيْلَة، وَهُوَ معنى قَوْله فِي الحَدِيث: (انتظرهم بضع عشرَة لَيْلَة حِين قفل من الطَّائِف) ، ثمَّ جرى مَا ذكر فِي الحَدِيث. قَوْله: (أَن يطيب) من الثلاثي من طَابَ يطيب وَمن بَاب أطاب يطيب، وَمن بَاب التفعيل من طيب يطيب. قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي يرد السَّبي مجَّانا بِرِضا نَفسه وَطيب قلبه. وَفِي (التَّوْضِيح) : أَرَادَ أَن يطيب أنفسهم، لأهل هوَازن، بِمَا أَخذ مِنْهُم من الْعِيَال لرفع الشحناء والعداوة وَلَا تبقى إحْنَة الْغَلَبَة لَهُم فِي انتزاع السَّبي مِنْهُم فِي قُلُوبهم، فيولد ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة. قلت: الْمَعْنى على كَونه من الثلاثي: أَن يطيب نَفسه بذلك أَي: يدْفع السَّبي إلهم فَلْيفْعَل، وَهُوَ جَوَاب: من المتضمنة معنى الشَّرْط، فَلذَلِك حصلت فِيهِ الْفَاء، وَالْفِعْل هُنَا لَازم وعَلى كَونه من بَاب الإفعال أَو التفعيل يكون الْفِعْل مُتَعَدِّيا وَالْمَفْعُول محذوفا تَقْدِيره: أَن يطيب نَفسه بذلك، بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَأَن يطيب، بِضَم الْيَاء وَفتح الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (على حَظه) أَي: على نصِيبه من السَّبي. قَوْله: (مَا يفِيء الله) من: أَفَاء يفِيء من بَاب: أفعل يفعل من الْفَيْء، وَهُوَ مَا يحصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد، وأصل الْفَيْء: الرُّجُوع. يُقَال: فَاء يفِيء فيئة وفيوا كَأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل لَهُم فَرجع إِلَيْهِم، وَمِنْه قيل للظل الَّذِي بعد الزَّوَال: فَيْء، لِأَنَّهُ يرجع من جَانب الغرب إِلَى جَانب الشرق. قَوْله: (قد طيبنَا ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: لأَجله، ويروى: يَا رَسُول الله. قَوْله: (حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) العرفاء جمع عريف، وَهُوَ الَّذِي يعرف أَمر الْقَوْم وأحوالهم، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. وَفِي (التَّلْوِيح) : العريف: الْقيم بِأَمْر الْقَبِيلَة والمحلة يَلِي أَمرهم وَيعرف الْأَمِير حَالهم، وَهُوَ مُبَالغَة فِي اسْم من يعرف الْجند وَنَحْوهم، فعيل بِمَعْنى فَاعل، والعرافة عمله وَهُوَ النَّقِيب، وَقيل: النَّقِيب فَوق العريف وَإِنَّمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يرجع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) للتقصي عَن أصل الشَّيْء فِي استطابة النُّفُوس، ويروى: حَتَّى يرفعوا إِلَيْنَا، على لُغَة أكلوني البراغيث. قَوْله: (أَخْبرُوهُ) أَي: وَأخْبر عُرَفَاؤُهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنهم قد طيبُوا ذَلِك وأذنوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يرد السَّبي إِلَيْهِم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الْغَنِيمَة إِنَّمَا يملكهَا الغانمون بِالْقِسْمَةِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، واستفيد ذَلِك من انْتِظَاره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: دَلِيل أَيْضا على استرقاق الْعَرَب وتملكهم كالعجم، إلَاّ أَن الْأَفْضَل عتقهم للترحم ومراعاتها، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي خِلَافَته، حِين ملك الْمُرْتَدين، وَهُوَ على وَجه النّدب لَا على الْوُجُوب. وَفِيه: أَن الْعِوَض إِلَى أجل مَجْهُول جَائِز، قَالَه ابْن التِّين: قَالَ: إِذْ لَا يدْرِي مَتى يفِيء الله عَلَيْهِم. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: يُمكن أَن يُقَاس عَلَيْهِ من أكره على بيع مَاله فِي حق عَلَيْهِ، قَالَ ابْن بطال: فِيهِ بيع الْمُكْره فِي الْحق جَائِز، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حكم دبر السَّبي، قَالَ: من أحب أَن يكون على حَظه وَلم يَجْعَل لَهُم الْخِيَار فِي إمْسَاك السَّبي أصلا وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي أَن يعوضهم من غَنَائِم أخر، وَلم يخيرهم فِي أَعْيَان السَّبي، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُم بعد أَن رد أهلهم: وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لِئَلَّا تجحف بِالْمُسْلِمين فِي مغانمهم. وَفِيه: أَنه يجوز للامام إِذا جَاءَهُ أهل الْحَرْب مُسلمين بعد أَن غنم أَمْوَالهم وأهليهم أَن يرد عَلَيْهِم إِذا رأى فِي ذَلِك مصلحَة. وَفِيه: اتِّخَاذ العرفاء. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: من رأى قبُول إِقْرَار الْوَكِيل على مُوكله، لِأَن العرفاء كَانُوا كالوكلاء فِيمَا أقِيمُوا لَهُ من أَمرهم، فَلَمَّا سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مقَالَة العرفاء أنفذ ذَلِك وَلم يسألهم عَمَّا قَالُوهُ، وَكَانَ فِي ذَلِك تَحْرِيم فروج السبايا على من كَانَت حلت لَهُ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو يُوسُف، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِقْرَار الْوَكِيل جَائِز عِنْد الْحَاكِم، وَلَا يجوز عِنْد غَيره، وَقَالَ مَالك: لَا يقبل إِقْرَاره وَلَا إِنْكَاره إلَاّ أَن يَجْعَل ذَلِك إِلَيْهِ مُوكله. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقبل إِقْرَاره عَلَيْهِ، وَالله أعلم.

٨ - (بابٌ إذَا وكِّل رَجُلٌ أنْ يُعْطِيَ شَيْئا ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي فأعْطَى عَلَى مَا يتَعَارَفُهُ الناسُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وكل رجل رجلا أَن يُعْطي شَيْئا وَلم يعين أَي: الَّذِي وكل كم يُعْطي أَي: الْوَكِيل فَأعْطى أَي: الْوَكِيل على مَا يتعارفه النَّاس، أَي: على عرف النَّاس فِي هَذِه الصُّورَة، وَجَزَاء: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز أَو نَحوه.

٩٠٣٢ - حدَّثنا المَكِّيُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ وغَيْرِهِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ولَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ واحِدٌ مِنْهُمْ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفالٍ إنَّما هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فمَرَّ بِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالِ مَنْ هَذَا قُلْتُ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ مَا لَكَ قلْتُ إنِّي على جَمَلٍ ثَفالٍ قَالَ أمَعَكَ قَضيبٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أعْطِنِيهِ فأعْطَيْتُهُ فَضَرَبهُ فزَجَرهُ فكانَ مِنْ ذَلِكَ المَكانِ مِنْ أوَّلِ الْقَوْمِ قَالَ بِعْنِيهِ فقُلْتُ بلْ هُوَ لكَ يَا رسولَ الله قَالَ بِعْنِيهِ قَدْ أخَذْتُهُ بأرْبَعَةِ دَنانِيرَ ولَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أخَذْتُ أرْتَحِلُ قَالَ أيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً قَدْ خلَا مِنْها زَوْجُها قَالَ فهَلَاّ جارِيةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ قلْتُ إنَّ أبي تُوَفِّيَ وتَرَكَ بَناتٍ فأردْتُ أنْ أنْكِحَ امرَأةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلا مِنْها قَالَ فَذَلِكَ فلَمَّا قَدِمنا المَدِينَةِ قَالَ يَا بِلَالُ إقْضِيه وزِدْهُ فأعْطَاهُ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ وزَادَهُ قِيرَاطا قَالَ جابرٌ لَا تُفَارِقُنِي زِيادَةُ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلَمْ يَكنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا بِلَال اقضِهِ وزده، فَأعْطَاهُ أَرْبَعَة دَنَانِير وزاده قيراطا) فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر مِقْدَار مَا يُعْطِيهِ عِنْد أمره بِالزِّيَادَةِ، فاعتمد بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْعرف فِي ذَلِك، فزاده قيراطا.

وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَنهُ عَن عَطاء عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: قد أخذت جملك بأَرْبعَة دَنَانِير، وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة لم يزدْ على هَذَا، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عبيد الله عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غزَاة فأبطأني جملي. . الحَدِيث مطولا، وَفِيه: فَأمر بِلَالًا أَن يزن لي أُوقِيَّة، فوزن لي بِلَال فأرجح. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تقدم فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك. قلت: لَيْسَ فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا الَّذِي تقدم فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ وَالْحمير، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض وَلم يبلغهُ كلهم رجل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر) كَذَا وَقع فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض لم يبلغهُ كُله رجل مِنْهُم، ثمَّ قَالَ: كَذَا للْأَكْثَر، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَي: لَيْسَ جَمِيع الحَدِيث عِنْد وَاحِد مِنْهُم بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا عِنْد بَعضهم مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد الآخر. انْتهى. قلت: فِي (شرح عَلَاء الدّين صَاحب (التَّلْوِيح) بِخَطِّهِ وَضَبطه: عَن عَطاء وَغَيره إِلَى آخِره، مثل مَا ذَكرْنَاهُ الْآن بِعَيْنِه، ثمَّ قَالَ: كَذَا فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يبلغهُ كل رجل مِنْهُم عَن جَابر، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا لفظ حَدِيث حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، أَنبأَنَا ابْن جريج، وَعند أبي نعيم: لم يبلغهم كلهم إلَاّ رجل وَاحِد عَن جَابر، وَكَذَا هُوَ عِنْد أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي كتاب (الْأَطْرَاف) وَتَبعهُ الْمزي، وَفِيه نظر، إِذْ ذكرَاهُ من (صَحِيح البُخَارِيّ) ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْمَذْكُور: وَفِي بعض النّسخ المقروءة على شَيخنَا الْحَافِظ أبي مُحَمَّد التوني على يبلغهُ، ضمة على الْيَاء وفتحة على الْبَاء وَشدَّة على اللَّام وجزمة على الْغَيْن. وَفِي أُخْرَى على الْيَاء فَتْحة وعَلى الْبَاء جزمة، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ أَن بَعضهم بَينه وَبَين جَابر غَيره، قَالَ: وَفِي رِوَايَة لم يبلغهُ كلهم، وكل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر، وَفِي (التَّوْضِيح) : وبخط الدمياطي لم يبلغهُ بِضَم أَوله وَكسر ثالثه مشددا، ثمَّ قَالَ: وَذكر ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَة: (وكل) ، بدل رجل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَعضهم، الضَّمِير فِيهِ رَاجع إِلَى الْغَيْر، وَهُوَ فِي معنى الْجمع وَفِي: لم يبلغهُ، إِلَى الحَدِيث أَو إِلَى الرَّسُول، وَرجل يدل عَن الْكل، وَعَن جَابر مُتَعَلق بعطاء، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات لَفْظَة: الْغَيْر، بِالْجَرِّ، وَأما رَفعه

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قيسٍ، والوفد: قومٌ يجتمعون ويردون البلاد (حِينَ سَأَلُوهُ) أن يردَّ إليهم (المَغَانِمَ) التي أصابها منهم (فَقَالَ النَّبِيُّ : نَصِيبِي) منها (لَكُمْ) وهذا طرفٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه ابن إسحاق في «المغازي»، وظاهره كما قال (١) ابن المنيِّر: يوهم أنَّ الموهِبة وقعت للوسائط الذين جاؤوا شفعاء في قومهم، وليس كذلك، بل المقصود هبة الكلِّ، من غاب منهم ومن حضر، فيدلُّ على أنَّ الألفاظ تُنزَّل على المقاصد لا على الصُّور، وأنَّ من شفع لغيره في هبةٍ فقال المشفوع عنده للشَّفيع: قد وهبتك ذلك فليس للشَّفيع أن يتعلَّق بظاهر اللَّفظ ويخصَّ بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له.

٢٣٠٧ - ٢٣٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء اسم جدِّه (٢)، واسم (٣) أبيه (٤)

كثيرٌ، ونسبه لجدِّه لشهرته به (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضمِّ العين وفتح القاف، ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ، أنَّه (قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ) بن الزُّبير بن العوَّام، والواو عطفٌ على محذوفٍ، وقول الحافظ ابن حجرٍ: -إنَّه معطوفٌ على قصَّة الحديبية- لم أعرف له وجهًا فليُنظَر، والزَّعم هنا بمعنى: القول المُحقَّق كما قاله الكِرمانيُّ، وفي «كتاب الأحكام» [خ¦٧١٧٦] [خ¦٧١٧٧]: عن موسى ابن عقبة قال (١) ابن شهابٍ: حدَّثني عروة بن الزُّبير: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ) بن أبي العاص، الأمويَّ، ابن عمِّ عثمان بن عفَّان ، وُلِد بعد الهجرة بسنتين أو بأربعٍ (٢)، قال ابن أبي داود (٣): لا ندري أسمع من النَّبيِّ شيئًا أم لا، قال في «الإصابة»: ولم أرَ من جزم بصحبته، فكأنَّه لم يكن حينئذٍ مميِّزًا، ولم يثبت له أَزْيَد من الرُّؤية، وأرسل عن النَّبيِّ (وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة وفتح الواو، و «مَخْرَمة»: بفتح الميم والرَّاء بينهما خاءٌ معجمةٌ ساكنةٌ، ابن نوفلٍ الزُّهريَّ، وكان مولده بعد الهجرة بسنتين فيما قاله يحيى ابن بُكَيرٍ، وقدم المدينة في ذي الحجَّة بعد الفتح سنة ثمانٍ وهو ابن ستِّ سنين، وقال البغويُّ: حفظ عن النَّبيِّ أحاديث، وحديثه عن النَّبيِّ في خطبة عليٍّ لابنة أبي جهل في

«الصَّحيحين» [خ¦٣١١٠] وغيرهما (أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ) ظاهره: أنَّ مروان بن الحكم والمِسور بن مَخرمة حضرا ذلك، لكنَّ مروان لا يصحُّ له سماعٌ من النَّبيِّ ولا صحبة، وأمَّا المِسور فصحَّ (١) سماعه منه، لكنَّه إنَّما قدم مع أبيه وهو صغيرٌ بعد الفتح، وكانت هذه القصَّة بعده، لكنَّه كان في غزوة حنينٍ مميِّزًا، فقد ضبط في ذلك الأوان قصَّة (٢) خطبة عليٍّ لابنة أبي جهلٍ (قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) حال كونهم (مُسْلِمِينَ) وكان فيهم تسعة نفرٍ من أشرافهم (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ) وعند الواقديِّ: كان فيهم أبو برقان السَّعديُّ، فقال: يا رسول الله، إن في هذه الحظائر إلَّا أمَّهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا منَّ الله عليك (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ : أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) رُفِعَ خبرُ قوله (٣): «أَحَبُّ» (فَاخْتَارُوا) أن أردَّ إليكم (إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ) بالواو، ولأبوي (٤) ذرٍّ والوقت: «فقد» (كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، لكنَّ موضع الهمزة في الفرع سكونٌ فقط من غير همزٍ (٥)، أي: انتظرت (بِكمْ) ولأبي ذرٍّ: «بهم» (وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ انْتَظَرَهُمْ) ليحضروا (بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) لم يقسم السَّبي (٦) وتركه بالجِعْرَانة (حِينَ قَفَلَ) بفتح القاف والفاء، أي: رجع (مِنَ الطَّائِفِ) إلى الجِعْرَانة، فقسم الغنائم بها، وكان توجَّه إلى الطَّائف فحاصرها، ثمَّ رجع عنها فجاءه وفد هوازن بعد ذلك، فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم ليحضروا فأبطأوا (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ) ظهر لوفد هوازن (أَنَّ رَسُولَ اللهِ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) المالَ أو السَّبيَ (قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا) وفي «مغازي» ابن عقبة: قالوا:

خيَّرتنا يا رسول الله بين المال والحسب، فالحسب أحبُّ إلينا، ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ) وفد هوازن (قَدْ جَاؤوْنَا) حال كونهم (تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ) هذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ الوفد كانوا وكلاء شفعاء في ردِّ سبيهم (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ) بضمِّ أوَّله وفتح الطَّاء وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة المكسورة، مضارع «طيَّب يطيِّب تطييبًا»، من باب «التَّفعيل»، ولأبي ذرٍّ: «يَطِيب» بفتح أوَّله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، من الثُّلاثيِّ، من طاب يطيب، والمعنى: من أحبَّ أن يُطيِّب بدفع السَّبي إلى هوازن نفسَه مجَّانًا من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ) جواب «مَن» المتضمِّنة معنى الشَّرط فلذا دخلت الفاء فيه (وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ (١) أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي: نصيبه من السَّبي (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) أي: عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ) بضمِّ حرف المضارعة من أفاء يفيء، والفيء: ما يحصل للمسلمين من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصل الفيء: الرُّجوع، كأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظِّلِّ الذي بعد الزَّوال: فيءٌ؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشَّرق (٢) (فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ) بتشديد التَّحتيَّة، أي: جعلناه طيِّبًا من حيث كونهم رضوا بذلك

وطابت أنفسهم (١) به (لِرَسُولِ اللهِ) أي: لأجله ( لَهُمْ) ولأبي الوقت: «قد طيَّبنا ذلك يا رسول الله لهم»، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «لهم» (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا) بالواو على لغة: «أكلوني البراغيث»، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «حتَّى يرفع» (إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) جمع عريفٍ؛ وهو الذي يعرف أمور القوم، وهو النَّقيب ودون الرَّئيس، وأراد بذلك التَّقصِّي عن أمرهم استطابةً لنفوسهم (فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ) في ذلك، فطابت نفوسهم به (ثُمَّ رَجَعُوا) أي: العرفاء (إِلَى رَسُولِ اللهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ) أي: القوم (٢) (قَدْ (٣) طَيَّبُوا) ذلك (وَأَذِنُوا) لرسول الله أن يردَّ السَّبي إليهم، وفيه أنَّ إقرار الوكيل عن موكِّله مقبولٌ؛ لأنَّ العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أُقيموا له من أمرهم، وبهذا قال أبو يوسف، وقيَّده أبو حنيفة ومحمَّدٌ بالحاكم، وقال الشَّافعيَّة: لا يصحُّ إقرار الوكيل عن (٤) الموكِّل (٥) بأن يقول: وكَّلتك لتُقِرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فيقول الوكيل: أقررت عنه بكذا، أو جعلته مقرًّا بكذا؛ لأنَّه إخبارٌ عن حقٍّ، فلا يقبل التَّوكيل كالشَّهادة، لكنَّ التَّوكيل فيه إقرارٌ من الموكِّل لإشعاره بثبوت الحقِّ عليه، وقيل: ليس بإقرارٍ، كما أنَّ التَّوكيل بالإبراء ليس بإبراءٍ، ومحلُّ الخلاف إذا قال: وكَّلتك لتقرَّ عنِّي لفلانٍ بكذا، فلو قال: أَقِرَّ عنِّي لفلانٍ بألفٍ له عليَّ، كان إقرارًا مطلقًا (٦)، ولو قال: أَقِرَّ له عليَّ بألفٍ، لم يكن إقرارًا قطعًا، صرَّح به صاحب التَّعجيز، وليس في الحديث حجَّةٌ لجواز الإقرار من الوكيل؛ لأنَّ العرفاء (٧) ليسوا وكلاء، وإنَّما هم كالأمراء عليهم، فقبول قولهم في حقِّهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حقِّ من هو حاكمٌ عليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

ابْن الْحجَّاج إِلَى آخِره.

قَوْله: (يتقاضاه) ، جملَة وَقعت حَالا. قَوْله: (فَأَغْلَظ) ، يحْتَمل أَن يكون المُرَاد من الإغلاظ التَّشْدِيد فِي الْمُطَالبَة من غير كَلَام يَقْتَضِي الْكفْر، أَو كَانَ المتقاضي كَافِرًا. قَوْله: (فهمَّ بِهِ أَصْحَابه) أَي: قصدوه ليؤذوه بِاللِّسَانِ أَو بِالْيَدِ أَو غير ذَلِك. قَوْله: (دَعوه) أَي: أتركوه وَلَا تتعرضوا لَهُ، وَهَذَا من غَايَة حلمه وَحسن خلقه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَإِن لصَاحب الْحق مقَالا) ، يَعْنِي: صولة الطّلب وَقُوَّة الْحجَّة، لَكِن على من يمطل أَو يسيء الْمُعَامَلَة، وَأما من أنصف من نَفسه فبذل مَا عِنْده وَاعْتذر عَمَّا لَيْسَ عِنْده فَلَا تجوز الاستطالة عَلَيْهِ بِحَال. قَوْله: (إلَاّ مثل) ، تَقْدِيره: لَا نجد سنا إلَاّ سنا أمثل، أَي: أفضل من سنه، وَقَالَ الْمُهلب: من آذَى السُّلْطَان بجفاء وَشبهه فَإِن لأَصْحَابه أَن يعاقبوه وينكروا عَلَيْهِ وَإِن لم يَأْمُرهُم السُّلْطَان بذلك.

٧ - (بابٌ إِذا وهَبَ شَيْئا لوكِيلٍ أوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جازَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وهب أحد شَيْئا لوكيل، بِالتَّنْوِينِ أَي: لوكيل قوم، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى قوم الْمَذْكُور من قبيل قَوْله: بَين ذراعي وجبهة الْأسد، وَالتَّقْدِير: بَين ذراعي الْأسد وجبهته. قَوْله: (أَو شَفِيع قوم) ، عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: أَو وهب شَيْئا لشفيع قوم. قَوْله: (جَازَ) ، جَوَاب الشَّرْط.

لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سألُوهُ المَغَانِمَ فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نَصِيبيي لَكُمْ

هَذَا تَعْلِيل للتَّرْجَمَة بَيَانه أَن وَفد هوَازن كَانُوا رسلًا أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ الَّذِي سباه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ الْمَغَانِم، فَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شفاعتهم، فَرد إِلَيْهِم نصِيبه من السَّبي، وتوضيح ذَلِك فِيمَا ذكره مُحَمَّد بن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بحنين، فَلَمَّا أصَاب من هوَازن مَا أصَاب من أَمْوَالهم وسباياهم أدركهم وَفد هوَازن بالجعرانة، وَقد أَسْلمُوا، فَقَالُوا يَا رَسُول الله أمنن علينا منَّ الله عَلَيْك. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِسَاؤُكُمْ وأبناؤكم أحب إِلَيْكُم أم أَمْوَالكُم؟ فَقَالُوا: يَا رَسُول الله خيرتنا بَين أحسابنا وَأَمْوَالنَا، بل أَبْنَاؤُنَا وَنِسَاؤُنَا أحب إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أما مَا كَانَ لي ولبني عبد الْمطلب فَهُوَ لكم، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، وَقَالَت الْأَنْصَار: وَمَا كَانَ لنا فَهُوَ لرَسُول الله، فَردُّوا إِلَى النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم، وَكَانَت قسْمَة غَنَائِم هوَازن قبل دُخُوله، عَلَيْهِ السَّلَام، مَكَّة مُعْتَمِرًا من الْجِعِرَّانَة. قَالَ إِبْنِ اسحاق: لما انْصَرف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الطَّائِف وَنزل الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس، وَمَعَهُ من هوَازن سبي كثير، وَقد قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه يَوْم ظعن من ثَقِيف: يَا رَسُول الله! أدع عَلَيْهِم. فَقَالَ: أللهم إهدِ ثقيفا وإيت بهم. قَالَ: ثمَّ أَتَاهُ وَفد هوَازن بالجعرانة. وَكَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من سبي هوَازن سِتَّة آلَاف من الذَّرَارِي وَالنِّسَاء، وَمن الْإِبِل وَالشَّاة مَا لَا يدْرِي عدته. وَقَالَ غَيره: وَكَانَت عدَّة الْإِبِل أَرْبَعَة وَعشْرين ألف بعير، وَالْغنم أَكثر من أَرْبَعِينَ ألف شَاة، وَمن الْفضة أَرْبَعَة آلَاف أُوقِيَّة. وَالْمَقْصُود أَن النبيصلى الله عَلَيْهِ وَسلم رد إِلَيْهِم سَبْيهمْ، فَعِنْدَ ابْن إِسْحَاق: قبل الْقِسْمَة، وَعند غَيره بعْدهَا. وَكَانَت غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين بعد الْفَتْح فِي خَامِس من شَوَّال سنة ثَمَان، وحنين وَاد بَينه وَبَين مَكَّة ثَلَاثَة أَمْيَال، وهوازن فِي قيس غيلَان وَفِي خُزَاعَة، فَفِي قيس غيلَان: هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس غيلَان، وَفِي خُزَاعَة: هوَازن بن أسلم بن أقْصَى، وهوازن هَذَا بطن، وَفِي هوَازن قيس غيلَان بطُون كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: هوَازن ضرب من الطُّيُور، وَقَالَ غَيره: هُوَ جمع هوزن، وَقيل: الهوزون السراب ووزنه: فوعل. قلت: هَذَا يدل على أَن الْوَاو زَائِدَة، مثل وَاو جَهورِي الصَّوْت، أَي: شَدِيد عَال.

٨٠٣٢ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ قَالَ حدَّثني عُقَيْلٌ عنِ ابنِ شِهابٍ قالَ وزَعَمَ عُرْوَةُ أنَّ مرْوَانَ بنَ الحَكَمِ والمِسْوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ قَالَ أخْبَرَاهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قامَ حِينَ جاءَهُ وَفد هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ فسَألُوهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْهِم أمْوَالَهُمْ وسَبْيَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أصْدَقهُ فاخْتَارُوا إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمَّا السَّبْيَ وإمَّا المَالَ وقَدْ كُنْتُ اسْتَأنَيْتُ بِكُمْ وقَدْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشَرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غَيْرُ رَادٍّ إلَيْهِمْ إلَاّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قالُوا قالُوا فَإنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا فقامَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي المُسْلِمِينِ فأثْنَى عَلى الله بِما هُوَ أهْلُهُ ثُمَّ قَالَ أمَّا بَعْدُ فإنَّ إخْوَانَكُمْ هؤُلاءِ قَدْ جاؤُنا تَائِبِينَ وإنِّي قَدْ رَأيْتُ أنْ أرُدَّ إلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يُطَيِّبَ بِذَلكَ فَلْيَفْعَلْ ومنْ أحَبَّ مِنْكُمْ أنْ يَكونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إيَّاهُ مِنْ أوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَهُمْ فقالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّا لَا نَدْرِي منْ أذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ فارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إلَيْنَا عُرَفَاءَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأخْبَرُوهُ أنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وأذِنُوا ...

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فِيهِ (إِنِّي أردْت أَن أرد إِلَيْهِم سَبْيهمْ) الحَدِيث ... وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن وَفد هوَازن كَانُوا وكلاء وشفعاء فِي رد سَبْيهمْ، فَهَذَا يُطَابق التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: سعيد بن عفير، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْفَاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَفِي آخِره رَاء: وَهُوَ سعيد بن كثير بن عفير أَبُو عُثْمَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. السَّادِس: مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ الْأمَوِي، قَالَ الْوَاقِدِيّ: إِنَّه رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يحفظ عَنهُ شَيْئا، وَتُوفِّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. السَّابِع: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وَفِي آخِره رَاء: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة بَينهمَا: ابْن نَوْفَل الزُّهْرِيّ، سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة التَّثْنِيَة فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الرَّابِع هُوَ قَوْله: زعم، لِأَن زعم هَهُنَا بِمَعْنى: قَالَ: قَالَ الْكرْمَانِي: والزعم يسْتَعْمل فِي القَوْل الْمُحَقق. وَفِيه: أَن شَيْخه مَذْكُور بنسبته إِلَى جده وَأَنه وَاللَّيْث مصريان وَأَن عقيلاً أيلي والبقية مدنيون وَأَن مَرْوَان من أَفْرَاده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْخمس وَفِي الْمَغَازِي عَن سعيد بن عفير وَفِي الْعتْق وَالْهِبَة عَن سعيد بن أبي مَرْيَم وَفِي الْهِبَة والمغازي أَيْضا عَن يحيى بن بكير. وَفِي الْمَغَازِي أَيْضا عَن إِسْحَاق عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن سعيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي السّير عَن هَارُون بن مُوسَى بِقصَّة العرفاء مختصرة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وَفد هوَازن) ، الْوَفْد هم الْقَوْم يَجْتَمعُونَ ويريدون الْبِلَاد، واحدهم وَافد، وَكَذَلِكَ الَّذين يقصدون الْأُمَرَاء لزيارة واسترفاد وانتجاع وَغير ذَلِك، تَقول: وَفد يفد فَهُوَ وَافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشَّيْء فَهُوَ موفد إِذا أشرف، وهوازن مر تَفْسِيره عَن قريب. قَوْله: (مُسلمين) حَال. قَوْله: (أحب الحَدِيث) ، كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: أصدقة. قَوْله: (اسْتَأْنَيْت بهم) أَي: انتظرت بهم وتربصت، يُقَال: أنيت وتأنيت واستأنيت، وَيُقَال للمتمكث فِي الْأَمر: مستأنِ، ويروى: فقد كنت اسْتَأْنَيْت بكم. قَوْله: (فَلَمَّا تبين لَهُم) ، أَي: فحين ظهر لَهُم. وَقَوله: (أَن رَسُول الله) ، فِي مَحل الرّفْع فَاعل، تبين، قَوْله: (حِين قفل من الطَّائِف) ، أَي: حِين رَجَعَ، وَذَلِكَ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما فتح مَكَّة فِي رَمَضَان لعشر بَقينَ مِنْهُ سنة ثَمَان، ثمَّ خرج إِلَى هوَازن فِي خَامِس شَوَّال لغزوهم، وَجرى مَا جرى، وَهزمَ الله تَعَالَى أعداءه، ثمَّ سَار إِلَى الطَّائِف حِين فرغ من حنين، وَهِي غَزْوَة هوَازن يَوْم حنين، وَنزل قَرِيبا من الطَّائِف، فَضرب بِهِ عسكره. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: حاصر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أهل الطَّائِف ثَلَاثِينَ لَيْلَة ثمَّ انْصَرف عَنْهُم لتأخر الْفَتْح إِلَى الْعَام الْقَابِل، وَلما انْصَرف عَن الطَّائِف

نزل على الْجِعِرَّانَة فِيمَن مَعَه من النَّاس وَلما نزل على الْجِعِرَّانَة انْتظر وَفد هوَازن بضع عشرَة لَيْلَة، وَهُوَ معنى قَوْله فِي الحَدِيث: (انتظرهم بضع عشرَة لَيْلَة حِين قفل من الطَّائِف) ، ثمَّ جرى مَا ذكر فِي الحَدِيث. قَوْله: (أَن يطيب) من الثلاثي من طَابَ يطيب وَمن بَاب أطاب يطيب، وَمن بَاب التفعيل من طيب يطيب. قَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي يرد السَّبي مجَّانا بِرِضا نَفسه وَطيب قلبه. وَفِي (التَّوْضِيح) : أَرَادَ أَن يطيب أنفسهم، لأهل هوَازن، بِمَا أَخذ مِنْهُم من الْعِيَال لرفع الشحناء والعداوة وَلَا تبقى إحْنَة الْغَلَبَة لَهُم فِي انتزاع السَّبي مِنْهُم فِي قُلُوبهم، فيولد ذَلِك اخْتِلَاف الْكَلِمَة. قلت: الْمَعْنى على كَونه من الثلاثي: أَن يطيب نَفسه بذلك أَي: يدْفع السَّبي إلهم فَلْيفْعَل، وَهُوَ جَوَاب: من المتضمنة معنى الشَّرْط، فَلذَلِك حصلت فِيهِ الْفَاء، وَالْفِعْل هُنَا لَازم وعَلى كَونه من بَاب الإفعال أَو التفعيل يكون الْفِعْل مُتَعَدِّيا وَالْمَفْعُول محذوفا تَقْدِيره: أَن يطيب نَفسه بذلك، بِضَم الْيَاء وَكسر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء، وَأَن يطيب، بِضَم الْيَاء وَفتح الطَّاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (على حَظه) أَي: على نصِيبه من السَّبي. قَوْله: (مَا يفِيء الله) من: أَفَاء يفِيء من بَاب: أفعل يفعل من الْفَيْء، وَهُوَ مَا يحصل للْمُسلمين من أَمْوَال الْكفَّار من غير حَرْب وَلَا جِهَاد، وأصل الْفَيْء: الرُّجُوع. يُقَال: فَاء يفِيء فيئة وفيوا كَأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل لَهُم فَرجع إِلَيْهِم، وَمِنْه قيل للظل الَّذِي بعد الزَّوَال: فَيْء، لِأَنَّهُ يرجع من جَانب الغرب إِلَى جَانب الشرق. قَوْله: (قد طيبنَا ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: لأَجله، ويروى: يَا رَسُول الله. قَوْله: (حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) العرفاء جمع عريف، وَهُوَ الَّذِي يعرف أَمر الْقَوْم وأحوالهم، وَهُوَ النَّقِيب وَهُوَ دون الرئيس. وَفِي (التَّلْوِيح) : العريف: الْقيم بِأَمْر الْقَبِيلَة والمحلة يَلِي أَمرهم وَيعرف الْأَمِير حَالهم، وَهُوَ مُبَالغَة فِي اسْم من يعرف الْجند وَنَحْوهم، فعيل بِمَعْنى فَاعل، والعرافة عمله وَهُوَ النَّقِيب، وَقيل: النَّقِيب فَوق العريف وَإِنَّمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يرجع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) للتقصي عَن أصل الشَّيْء فِي استطابة النُّفُوس، ويروى: حَتَّى يرفعوا إِلَيْنَا، على لُغَة أكلوني البراغيث. قَوْله: (أَخْبرُوهُ) أَي: وَأخْبر عُرَفَاؤُهُمْ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنهم قد طيبُوا ذَلِك وأذنوا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يرد السَّبي إِلَيْهِم.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الْغَنِيمَة إِنَّمَا يملكهَا الغانمون بِالْقِسْمَةِ، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، واستفيد ذَلِك من انْتِظَاره، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: دَلِيل أَيْضا على استرقاق الْعَرَب وتملكهم كالعجم، إلَاّ أَن الْأَفْضَل عتقهم للترحم ومراعاتها، كَمَا فعل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي خِلَافَته، حِين ملك الْمُرْتَدين، وَهُوَ على وَجه النّدب لَا على الْوُجُوب. وَفِيه: أَن الْعِوَض إِلَى أجل مَجْهُول جَائِز، قَالَه ابْن التِّين: قَالَ: إِذْ لَا يدْرِي مَتى يفِيء الله عَلَيْهِم. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: يُمكن أَن يُقَاس عَلَيْهِ من أكره على بيع مَاله فِي حق عَلَيْهِ، قَالَ ابْن بطال: فِيهِ بيع الْمُكْره فِي الْحق جَائِز، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، حكم دبر السَّبي، قَالَ: من أحب أَن يكون على حَظه وَلم يَجْعَل لَهُم الْخِيَار فِي إمْسَاك السَّبي أصلا وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي أَن يعوضهم من غَنَائِم أخر، وَلم يخيرهم فِي أَعْيَان السَّبي، لِأَنَّهُ قَالَ لَهُم بعد أَن رد أهلهم: وَإِنَّمَا خَيرهمْ فِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لِئَلَّا تجحف بِالْمُسْلِمين فِي مغانمهم. وَفِيه: أَنه يجوز للامام إِذا جَاءَهُ أهل الْحَرْب مُسلمين بعد أَن غنم أَمْوَالهم وأهليهم أَن يرد عَلَيْهِم إِذا رأى فِي ذَلِك مصلحَة. وَفِيه: اتِّخَاذ العرفاء. وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد. وَفِيه: من رأى قبُول إِقْرَار الْوَكِيل على مُوكله، لِأَن العرفاء كَانُوا كالوكلاء فِيمَا أقِيمُوا لَهُ من أَمرهم، فَلَمَّا سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مقَالَة العرفاء أنفذ ذَلِك وَلم يسألهم عَمَّا قَالُوهُ، وَكَانَ فِي ذَلِك تَحْرِيم فروج السبايا على من كَانَت حلت لَهُ، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو يُوسُف، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِقْرَار الْوَكِيل جَائِز عِنْد الْحَاكِم، وَلَا يجوز عِنْد غَيره، وَقَالَ مَالك: لَا يقبل إِقْرَاره وَلَا إِنْكَاره إلَاّ أَن يَجْعَل ذَلِك إِلَيْهِ مُوكله. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يقبل إِقْرَاره عَلَيْهِ، وَالله أعلم.

٨ - (بابٌ إذَا وكِّل رَجُلٌ أنْ يُعْطِيَ شَيْئا ولَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي فأعْطَى عَلَى مَا يتَعَارَفُهُ الناسُ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا وكل رجل رجلا أَن يُعْطي شَيْئا وَلم يعين أَي: الَّذِي وكل كم يُعْطي أَي: الْوَكِيل فَأعْطى أَي: الْوَكِيل على مَا يتعارفه النَّاس، أَي: على عرف النَّاس فِي هَذِه الصُّورَة، وَجَزَاء: إِذا، مَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ جَائِز أَو نَحوه.

٩٠٣٢ - حدَّثنا المَكِّيُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابنُ جُرَيْجٍ عنْ عَطَاءِ بنِ أبِي رَبَاحٍ وغَيْرِهِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ولَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ واحِدٌ مِنْهُمْ عنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفالٍ إنَّما هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ فمَرَّ بِي النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقالِ مَنْ هَذَا قُلْتُ جابِرُ بنُ عَبْدِ الله قَالَ مَا لَكَ قلْتُ إنِّي على جَمَلٍ ثَفالٍ قَالَ أمَعَكَ قَضيبٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ أعْطِنِيهِ فأعْطَيْتُهُ فَضَرَبهُ فزَجَرهُ فكانَ مِنْ ذَلِكَ المَكانِ مِنْ أوَّلِ الْقَوْمِ قَالَ بِعْنِيهِ فقُلْتُ بلْ هُوَ لكَ يَا رسولَ الله قَالَ بِعْنِيهِ قَدْ أخَذْتُهُ بأرْبَعَةِ دَنانِيرَ ولَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ فلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أخَذْتُ أرْتَحِلُ قَالَ أيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ تَزَوَّجْتُ امْرَأةً قَدْ خلَا مِنْها زَوْجُها قَالَ فهَلَاّ جارِيةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ قلْتُ إنَّ أبي تُوَفِّيَ وتَرَكَ بَناتٍ فأردْتُ أنْ أنْكِحَ امرَأةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلا مِنْها قَالَ فَذَلِكَ فلَمَّا قَدِمنا المَدِينَةِ قَالَ يَا بِلَالُ إقْضِيه وزِدْهُ فأعْطَاهُ أرْبَعَةَ دَنانِيرَ وزَادَهُ قِيرَاطا قَالَ جابرٌ لَا تُفَارِقُنِي زِيادَةُ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلَمْ يَكنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يَا بِلَال اقضِهِ وزده، فَأعْطَاهُ أَرْبَعَة دَنَانِير وزاده قيراطا) فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر مِقْدَار مَا يُعْطِيهِ عِنْد أمره بِالزِّيَادَةِ، فاعتمد بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْعرف فِي ذَلِك، فزاده قيراطا.

وَرِجَال هَذَا الحَدِيث قد ذكرُوا غير مرّة، وَابْن جريج هُوَ عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج الْمَكِّيّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشُّرُوط. وَأخرجه مُسلم فِي الْبيُوع عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَنهُ عَن عَطاء عَن جَابر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: قد أخذت جملك بأَرْبعَة دَنَانِير، وَلَك ظَهره إِلَى الْمَدِينَة لم يزدْ على هَذَا، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي كتاب الْبيُوع: حَدثنَا مُحَمَّد بن بشار حَدثنَا عبد الْوَهَّاب حَدثنَا عبيد الله عَن وهب بن كيسَان عَن جَابر بن عبد الله، قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي غزَاة فأبطأني جملي. . الحَدِيث مطولا، وَفِيه: فَأمر بِلَالًا أَن يزن لي أُوقِيَّة، فوزن لي بِلَال فأرجح. وَقَالَ بَعضهم: وَقد تقدم فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك. قلت: لَيْسَ فِي الْحَج شَيْء من ذَلِك، وَإِنَّمَا الَّذِي تقدم فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب شِرَاء الدَّوَابّ وَالْحمير، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض وَلم يبلغهُ كلهم رجل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر) كَذَا وَقع فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: عَن عَطاء بن أبي رَبَاح وَغَيره يزِيد بَعضهم على بعض لم يبلغهُ كُله رجل مِنْهُم، ثمَّ قَالَ: كَذَا للْأَكْثَر، وَكَذَا وَقع عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ أَي: لَيْسَ جَمِيع الحَدِيث عِنْد وَاحِد مِنْهُم بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا عِنْد بَعضهم مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد الآخر. انْتهى. قلت: فِي (شرح عَلَاء الدّين صَاحب (التَّلْوِيح) بِخَطِّهِ وَضَبطه: عَن عَطاء وَغَيره إِلَى آخِره، مثل مَا ذَكرْنَاهُ الْآن بِعَيْنِه، ثمَّ قَالَ: كَذَا فِي أَكثر نسخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَفِي الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يبلغهُ كل رجل مِنْهُم عَن جَابر، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا لفظ حَدِيث حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، أَنبأَنَا ابْن جريج، وَعند أبي نعيم: لم يبلغهم كلهم إلَاّ رجل وَاحِد عَن جَابر، وَكَذَا هُوَ عِنْد أبي مَسْعُود الدِّمَشْقِي فِي كتاب (الْأَطْرَاف) وَتَبعهُ الْمزي، وَفِيه نظر، إِذْ ذكرَاهُ من (صَحِيح البُخَارِيّ) ثمَّ قَالَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْمَذْكُور: وَفِي بعض النّسخ المقروءة على شَيخنَا الْحَافِظ أبي مُحَمَّد التوني على يبلغهُ، ضمة على الْيَاء وفتحة على الْبَاء وَشدَّة على اللَّام وجزمة على الْغَيْن. وَفِي أُخْرَى على الْيَاء فَتْحة وعَلى الْبَاء جزمة، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْن التِّين مَعْنَاهُ أَن بَعضهم بَينه وَبَين جَابر غَيره، قَالَ: وَفِي رِوَايَة لم يبلغهُ كلهم، وكل وَاحِد مِنْهُم عَن جَابر، وَفِي (التَّوْضِيح) : وبخط الدمياطي لم يبلغهُ بِضَم أَوله وَكسر ثالثه مشددا، ثمَّ قَالَ: وَذكر ابْن التِّين أَن فِي رِوَايَة: (وكل) ، بدل رجل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: بَعضهم، الضَّمِير فِيهِ رَاجع إِلَى الْغَيْر، وَهُوَ فِي معنى الْجمع وَفِي: لم يبلغهُ، إِلَى الحَدِيث أَو إِلَى الرَّسُول، وَرجل يدل عَن الْكل، وَعَن جَابر مُتَعَلق بعطاء، وَفِي أَكثر الرِّوَايَات لَفْظَة: الْغَيْر، بِالْجَرِّ، وَأما رَفعه

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده