«لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ.» بَابُ اقْتِنَاءِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٢١

الحديث رقم ٢٣٢١ من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٢١ في صحيح البخاري

«لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ.»

بَابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٣٢١

٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٢١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ رَأَى نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالُوا: مُسْلِمٌ، قَالَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ.

فَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَبَاقِيهِ: فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا بِلَفْظِ: سَبُعٌ بَدَلَ بَهِيمَةٍ، وَفِيهَا: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً فِيهَا أَجْرٌ وَمِنْهَا أُمِّ مُبَشِّرٍ أَوْ أُمِّ مَعْبَدٍ عَلَى الشَّكِّ، وَفِي أُخْرَى أُمِّ مَعْبَدٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِي أُخْرَى امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَهَا كُنْيَتَانِ وَقِيلَ: اسْمُهَا خُلَيْدَةُ، وَفِي أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَالْحَضُّ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اتِّخَاذُ الضَّيْعَةِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا. وَفِيهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَزَهِّدَةِ. وَحُمِلَ مَا وَرَدَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا شَغَلَ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَحَمْلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اتِّخَاذِهَا لِلْكَفَافِ أَوْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَتَحْصِيلِ ثَوَابِهَا.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الْغَرْسُ أَوِ الزَّرْعُ مَأْكُولًا مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ زَارِعُهُ أَوْ غَارِسُهُ وَلَوِ انْتَقَلَ مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِمُتَعَاطِي الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ ثُمَّ سَأَلَهَا عَمَّنْ غَرْسَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَكَّرَ مُسْلِمًا وَأَوْقَعَهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَزَادَ مِنْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةَ وَعَمَّ الْحَيَوَانَ لِيَدُلَّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَلَى أَنَّ أَيَّ مُسْلِمٍ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ مِنَ الْمُبَاحِ يَنْتَفِعُ بِمَا عَمِلَهُ أَيُّ حَيَوَانٍ كَانَ؛ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الزَّرْعِ إِلَى الْآدَمِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَوِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: حَرَثْتُ، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَرْمِيَّ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ بِمِثْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرِ مَرْفُوعٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ كَانَ الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَفِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بُعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

٢ - بَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ

٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ - سَمِعْتُ رسول الله يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ. قَالَ محمد: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) هَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ أَوْ تَجَاوَزَ وَلِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ جَاوَزَ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِّ مَا شُرِعَ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) هُوَ الْحِمْصِيُّ يُكْنَى أَبَا يُوسُفَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي هَذَا الصَّحِيحِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الحِمْصِيُّ) أبو يوسف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ) بفتح الهمزة وسكون اللَّام بعدها هاءٌ فألفٌ فنونٌ فياء نسبٍ (١)، أبو سفيان الحمصيُّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ) أنَّه (قَالَ: وَ) الحال أنَّه (رَأَى سِكَّةً) بكسر السِّين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة: الحديدة التي تُحرَث (٢) بها الأرض (وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت رسول الله» ( يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ) يعملون بها بأنفسهم (إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، و «الذُّلُّ»: رُفِع نائبٌ عن الفاعل، فلو كان لهم مَن يعمل لهم وأُدخِلت الآلة المذكورة (٣) دارهم (٤) للحفظ فليس مرادًا (٥)، أو هو على عمومه، فإنَّ الذُّلَّ (٦) داخلٌ (٧) شاملٌ لكلِّ من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيَّما إذا كان المُطالِب من ظَلَمة الولاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أَدخَله الله» بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل، «الذُّلَّ»: مفعولٌ للاسم الكريم، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ» بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة، و «الذُّلُّ» رُفِعَ، وفي «مستخرج أبي نُعيمٍ»: «إلَّا أدخلوا على أنفسهم ذلًّا لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة» أي: لِما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضَّرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد، فإن مات أحدٌ منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب

والظُّلم، وربَّما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربَّما أخذوا من ببلد الزُّرَّاع (١) فجعلوه زرَّاعًا، وربَّما أخذوا ماله كما شاهدنا (٢) فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وكان العمل في الأراضي أوَّل ما افتُتِحت (٣) على أهل الذِّمَّة، فكان الصَّحابة يكرهون تعاطي ذلك، قال في «فتح الباري»: وقد أشار البخاريُّ بالتَّرجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث السَّابق في فضل الزَّرع والغرس [خ¦٢٣٢٠] وذلك بأحد أمرين: إمَّا أن يحمل ما ورد من الذَّمِّ على عاقبة ذلك، ومحلُّه إذا اشتغل به فضيَّع بسببه ما أُمِر بحفظه، وإمَّا أن يُحمَل على ما إذا لم يضيِّع إلَّا أنَّه جاوز الحدَّ فيه.

(قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن زيادٍ الرَّاوي: (وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ) الباهليِّ المذكور (صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللَّام ألفٌ ونونٌ، و «صُدَيٌّ» بضمِّ الصَّاد وفتح الدَّال المهملتين آخره تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، آخر من مات بالشَّام من الصَّحابة، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخرين في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٨] و «الجهاد» [خ¦٢٩٠٩] وهو ثابتٌ هنا في بعض النُّسخ وعليه شرح العينيِّ، وهو في هامش (٤) «اليونينيَّة» بإزاء قوله في السَّند: «عن أبي أمامة» من غير إشارةٍ لمحلِّه (٥) مرقومٌ عليه علامة أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ. وفي بعض (٦) النُّسخ -وعزاه في «الفتح» وتبعه العينيُّ للمُستملي-: «قال أبو عبد الله»، أي: البخاريُّ بدل قوله: «قال محمَّدٌ»، وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ.

(٣) (باب اقْتِنَاءِ الكَلْبِ) بالقاف، أي: اتِّخاذه (لِلْحَرْثِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ رَأَى نَخْلًا لِأُمِّ مُبَشِّرٍ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ فَقَالُوا: مُسْلِمٌ، قَالَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ.

فَأَحَالَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَبَاقِيهِ: فَقَالَ: لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا بِلَفْظِ: سَبُعٌ بَدَلَ بَهِيمَةٍ، وَفِيهَا: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً فِيهَا أَجْرٌ وَمِنْهَا أُمِّ مُبَشِّرٍ أَوْ أُمِّ مَعْبَدٍ عَلَى الشَّكِّ، وَفِي أُخْرَى أُمِّ مَعْبَدٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، وَفِي أُخْرَى امْرَأَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهِيَ وَاحِدَةٌ لَهَا كُنْيَتَانِ وَقِيلَ: اسْمُهَا خُلَيْدَةُ، وَفِي أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَالْحَضُّ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ، وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ اتِّخَاذُ الضَّيْعَةِ وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا. وَفِيهِ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَزَهِّدَةِ. وَحُمِلَ مَا وَرَدَ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا إِذَا شَغَلَ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا الْحَدِيثَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ بِحَمْلِهِ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ عَنْ أَمْرِ الدِّينِ، وَحَمْلَ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى اتِّخَاذِهَا لِلْكَفَافِ أَوْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَتَحْصِيلِ ثَوَابِهَا.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَسْتَمِرُّ مَا دَامَ الْغَرْسُ أَوِ الزَّرْعُ مَأْكُولًا مِنْهُ وَلَوْ مَاتَ زَارِعُهُ أَوْ غَارِسُهُ وَلَوِ انْتَقَلَ مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَجْرَ يَحْصُلُ لِمُتَعَاطِي الزَّرْعِ أَوِ الْغَرْسِ وَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ ثُمَّ سَأَلَهَا عَمَّنْ غَرْسَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نَكَّرَ مُسْلِمًا وَأَوْقَعَهُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَزَادَ مِنْ الِاسْتِغْرَاقِيَّةَ وَعَمَّ الْحَيَوَانَ لِيَدُلَّ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَلَى أَنَّ أَيَّ مُسْلِمٍ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا يَعْمَلُ أَيَّ عَمَلٍ مِنَ الْمُبَاحِ يَنْتَفِعُ بِمَا عَمِلَهُ أَيُّ حَيَوَانٍ كَانَ؛ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ نِسْبَةِ الزَّرْعِ إِلَى الْآدَمِيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ حَدِيثٌ غَيْرُ قَوِيٍّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: زَرَعْتُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: حَرَثْتُ، أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَرْمِيَّ قَالَ فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ: رُبَّمَا أَخْطَأَ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ بِمِثْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرِ مَرْفُوعٍ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ أَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ كَانَ الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَفِي أَخْذِ هَذَا الْحُكْمِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بُعْدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَفْضَلِ الْمَكَاسِبِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

٢ - بَاب مَا يُحَذَّرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ

٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ - سَمِعْتُ رسول الله يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الذُّلَّ. قَالَ محمد: وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الِاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ) هَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ أَوْ تَجَاوَزَ وَلِلنَّسَفِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ جَاوَزَ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِّ مَا شُرِعَ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ) هُوَ الْحِمْصِيُّ يُكْنَى أَبَا يُوسُفَ وَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِشَيْخِهِ فِي هَذَا الصَّحِيحِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٢١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الحِمْصِيُّ) أبو يوسف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ) بفتح الهمزة وسكون اللَّام بعدها هاءٌ فألفٌ فنونٌ فياء نسبٍ (١)، أبو سفيان الحمصيُّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ) أنَّه (قَالَ: وَ) الحال أنَّه (رَأَى سِكَّةً) بكسر السِّين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة: الحديدة التي تُحرَث (٢) بها الأرض (وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) ولأبي ذرٍّ: «سمعت رسول الله» ( يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ) يعملون بها بأنفسهم (إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ) بضمِّ الهمزة وكسر الخاء المعجمة مبنيًّا للمفعول، و «الذُّلُّ»: رُفِع نائبٌ عن الفاعل، فلو كان لهم مَن يعمل لهم وأُدخِلت الآلة المذكورة (٣) دارهم (٤) للحفظ فليس مرادًا (٥)، أو هو على عمومه، فإنَّ الذُّلَّ (٦) داخلٌ (٧) شاملٌ لكلِّ من أدخل على نفسه ما يستلزم مطالبة آخر له، ولا سيَّما إذا كان المُطالِب من ظَلَمة الولاة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «إلَّا أَدخَله الله» بفتح الهمزة والخاء مبنيًّا للفاعل، «الذُّلَّ»: مفعولٌ للاسم الكريم، وله عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ» بإسقاط الهمزة وحذف الجلالة، و «الذُّلُّ» رُفِعَ، وفي «مستخرج أبي نُعيمٍ»: «إلَّا أدخلوا على أنفسهم ذلًّا لا يخرج عنهم إلى يوم القيامة» أي: لِما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضَّرب والحبس، بل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد، فإن مات أحدٌ منهم أخذوا ولده عوضه بالغصب

والظُّلم، وربَّما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربَّما أخذوا من ببلد الزُّرَّاع (١) فجعلوه زرَّاعًا، وربَّما أخذوا ماله كما شاهدنا (٢) فلا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، وكان العمل في الأراضي أوَّل ما افتُتِحت (٣) على أهل الذِّمَّة، فكان الصَّحابة يكرهون تعاطي ذلك، قال في «فتح الباري»: وقد أشار البخاريُّ بالتَّرجمة إلى الجمع بين حديث أبي أمامة، والحديث السَّابق في فضل الزَّرع والغرس [خ¦٢٣٢٠] وذلك بأحد أمرين: إمَّا أن يحمل ما ورد من الذَّمِّ على عاقبة ذلك، ومحلُّه إذا اشتغل به فضيَّع بسببه ما أُمِر بحفظه، وإمَّا أن يُحمَل على ما إذا لم يضيِّع إلَّا أنَّه جاوز الحدَّ فيه.

(قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن زيادٍ الرَّاوي: (وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ) الباهليِّ المذكور (صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبعد اللَّام ألفٌ ونونٌ، و «صُدَيٌّ» بضمِّ الصَّاد وفتح الدَّال المهملتين آخره تحتيَّةٌ مُشدَّدةٌ، آخر من مات بالشَّام من الصَّحابة، وليس له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، وآخرين في «الأطعمة» [خ¦٥٤٥٨] و «الجهاد» [خ¦٢٩٠٩] وهو ثابتٌ هنا في بعض النُّسخ وعليه شرح العينيِّ، وهو في هامش (٤) «اليونينيَّة» بإزاء قوله في السَّند: «عن أبي أمامة» من غير إشارةٍ لمحلِّه (٥) مرقومٌ عليه علامة أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ. وفي بعض (٦) النُّسخ -وعزاه في «الفتح» وتبعه العينيُّ للمُستملي-: «قال أبو عبد الله»، أي: البخاريُّ بدل قوله: «قال محمَّدٌ»، وهذا الحديث من أفراد البخاريِّ.

(٣) (باب اقْتِنَاءِ الكَلْبِ) بالقاف، أي: اتِّخاذه (لِلْحَرْثِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله