«يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٥٠

الحديث رقم ٢٣٥٠ من كتاب «كتاب الحرث والمزارعة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما جاء في الغرس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٣٥٠ في صحيح البخاري

«يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللهُ الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا. فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَُهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾.»

بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ الْأُجَاجُ الْمُرُّ الْمُزْنُ السَّحَابُ بَابٌ فِي الشُّرْبِ وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَقَالَ عُثْمَانُ قَالَ النَّبِيُّ مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٣٥٠

٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٣٥٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ - لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ - فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.

وَقَوْلُهُ: (لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ) الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ: دَسَمُ اللَّحْمِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ.

٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَءا مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ. وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ - حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ - ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ - إِلَى - ﴿الرَّحِيمُ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَغَرَضُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْأَرْبِعَاءِ. وَالسِّلْقُ بِكَسْرِ السِّينِ.

وحديث أبي هريرة (يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ) أَيْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَوْعِدُ، لِأَنَّ الْمَوْعِدَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَإِمَّا ظَرْفُ زَمَانٍ أَوْ ظَرْفُ مَكَانٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَاسِبُنِي إِنْ تَعَمَّدْتُ كَذِبًا وَيُحَاسِبُ مَنْ ظَنَّ بِي ظَنَّ السَّوْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي مِنْهُ شَيْءٌ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَغَرَضُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ الشُّغْلُ فِي الْأَرَاضِي بِالزِّرَاعَةِ وَالْغَرْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي آلَةِ الْحَرْثِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ الْأَنْصَارِ الْقِسْمَةَ، وَحَدِيثِ عُمَرَ لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ. وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ) أي: روايته، وفي «كتاب العلم» [خ¦١١٨]: قال: «إنَّ النَّاس يقولون: أكثرَ أبو هريرة»، وسقط قوله هنا «الحديث» عند أبي ذرٍّ (وَاللهُ المَوْعِدُ) بفتح الميم وكسر (١) العين المهملة بينهما واوٌ ساكنةٌ، وهو مصدرٌ ميميٌّ، أو (٢) ظرف زمانٍ أو مكانٍ، وعلى كلِّ تقديرٍ لا يصحُّ أن يُخبر به عن الله تعالى، فلا بدَّ من إضمارٍ، وتقديره في كونه مصدرًا: «والله الواعد» (٣)، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة، يعني: الواعد في فعله للخير والشَّرِّ، والوعد يُستعمَل في الخير والشَّرِّ، يُقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقط الخير والشَّرَّ، يُقال في الخير: الوعد والعدة، وفي الشَّرِّ: الإيعاد والوعيد، وتقديره في كونه

ظرف زمانٍ، «وعند الله الموعد يوم القيامة»، وتقديره في كونه ظرف مكانٍ: «وعند الله الموعد في الحشر»، والمعنى: على (١) كلِّ تقديرٍ: فالله تعالى يحاسبني إن تعمَّدت كذبًا، ويحاسب من ظنَّ بي السُّوء (وَيَقُولُونَ) أي: النَّاس: (مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟) أي: أبي هريرة (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ) كلمة «من» بيانيَّةٌ (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح الغين المعجمة (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) كنايةً عن التَّبايع (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) في الزِّراعة والغراسة، وهذا موضع التَّرجمة (وَكُنْتُ اِمْرَأً مِسْكِينًا) أي: من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم (فَأَحْضُرُ) مجلس النَّبيِّ (حِينَ يَغِيبُونَ) أي: الأنصار والمهاجرون (وَأَعِي) أي: أحفظ (حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا) من الأيَّام: (لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ) بالنَّصب عطفًا على قوله: «لن (٢) يبسط» أي: يجمع الثَّوب (إِلَى صَدْرِهِ (٣)، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا) والمعنى: أنَّ البسط المذكور والنِّسيان لا يجتمعان؛ لأنَّ البسط الذي بعده الجمع المتعقِّب للنِّسيان منفيٌّ، فعند وجود البسط ينعدم النِّسيان، وبالعكس (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) بفتح النُّون وكسر الميم: بردةً من صوفٍ يلبسها الأعراب، والمراد: بسط بعضها لئلَّا يلزم كشف عورته (لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا) أي: غير النَّمرة (٤) (حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) إلى الثَّقلين (بِالحَقِّ، مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا) ولـ «مسلمٍ» من رواية يونس (٥): فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به، وهو يدلُّ على العموم؛ لأنَّ تنكير «شيئًا» بعد النَّفي يدلُّ على العموم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تدلُّ عليه، فدلَّ على العموم في عدم النِّسيان لكلِّ شيءٍ من الحديث وغيره، لا أنَّه خاصٌّ بتلك المقالة؛ كما يعطيه ظاهر قوله: «من مقالته تلك»، ويعضد العموم ما (٦) في حديث أبي هريرة: أنَّه شكا إلى النَّبيِّ أنَّه ينسى، ففعل ما فعل ليزول عنه النِّسيان، ويحتمل أن يكون وقعت

له قضيَّتان، فالقضيَّة (١) التي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والأخرى عامَّةٌ. (وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي) وفي نسخةٍ «من» (كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ) فيه حذف اللَّام من جواب «لولا»، وهو جائزٌ، والأصل: «لمَا حدَّثتكم» (شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾»، وفي هذا وعيدٌ شديدٌ لمن كتم (٢) ما جاءت به الرُّسل من الدَّلالات البيِّنة الصَّحيحة، والهدى النَّافع للقلوب من بعد ما بيَّنه الله تعالى لعباده (٣) في كتبه التي أنزلها على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقد مضى هذا الحديث في «باب (٤) حفظ العلم» في «كتاب العلم» (٥) [خ¦١١٨] أخصر من هذا، والله (٦) الموفِّق والمعين.

((٤٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ المُسَاقَاةِ) هي مأخوذةٌ من السَّقي المحتاج إليه فيها غالبًا؛ لأنَّه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنةً، وحقيقتها: أن يُعامل غيره على نخلٍ أو شجر عنبٍ ليتعهَّده بالسَّقي والتَّربية على أنَّ الثَّمرة لهما، والمعنى فيها: أنَّ مالكَ الأشجارِ قد لا يُحسن تعهُّدها أو لا يتفرَّغ له، ومن يحسن ويتفرَّغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك (١) إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل له شيءٌ من الثِّمار ويتهاون العامل فيها (٢)، فدعت الحاجة إلى تجويزها.

هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشِّرْبِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: باب الحكم في قسمة الماء، و «الشِّرب» في «الأصل» بالكسر (٣): النَّصيب والحظُّ من الماء، وفي الفرع: بضمِّها، وعزاه عياضٌ للأَصيليِّ، قال: والكسر أولى، وقال السَّفاقسيُّ: من ضبطه بالضَّمِّ أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مُثلَّثٌ (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ «كتاب المساقاة» ولفظ: «باب»، قال ابن حجرٍ: ولا وجه لقوله: «كتاب المساقاة» فإنَّ التَّرجمة التي فيه غالبها تتعلَّق بإحياء الموات. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾) بالجرِّ، صفةٌ لـ «شيءٍ» أي: كلَّ

حيوانٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾ [النور: ٤٥] أو كأنَّما خلقناه من ماءٍ لفرط احتياجه إليه وحبِّه له، وقلَّة صبره عنه؛ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] أو المعنى: صيَّرنا كلَّ شيءٍ حيٍّ بسببٍ من الماء لا يحيا دونه، وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، فأنبئني عن كلِّ شيءٍ، قال: «كلُّ شيءٍ خُلِق من الماء … » الحديث، وإسناده على شرط الشَّيخين إلَّا أبا ميمونة فمن رجال السُّنن، واسمه: سليمٌ، والتِّرمذيُّ يصحِّح له، وروى ابن أبي حاتمٍ عن أبي العالية: أنَّ المراد بـ «الماء» (١): النُّطفة (﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]) مع ظهور الآيات الواضحة (٢). (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾) أي: العذب الصَّالح للشُّرب (﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾) بقدرتنا (﴿لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدٍ: (الأُجَاجُ: المُرُّ) وقيل: هو الشَّديد الملوحة أو المرارة، أو الحارُّ (٣)، حكاه ابن فارسٍ، وقال المؤلِّف تبعًا لقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ عنهما: (المُزْنُ: السَّحَابُ) وقيل: هو الأبيض وماؤه أعذب (٤)، وفي رواية المُستملي: «أجاجًا منصبًّا»، وهو موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ وقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ: «المزن: السَّحاب، الأجاج: المرُّ، فراتًا: عذبًا» وعن السُّدِّيِّ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: العذب (٥): الفرات الحلو، وقوله: «ثجَّاجًا» و «فراتًا» ذكرهما هنا استطرادًا على عادته في زيادته (٦) فرائد الفوائد، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾»، وقد أورد الزَّمخشريُّ هنا سؤالًا فقال: فإن قلت: لِمَ أُدخِلت اللَّام على

جواب «لو» في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاء (١) لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونُزِعت منه (٢) ههنا؟ وأجاب: بأنَّ «لو» لمَّا كانت داخلةً على جملتين، مُعلَّقةٍ ثانيتهما بالأولى تعلُّق (٣) الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلِّصةً للشَّرط كـ «إنْ»، و «لا» عاملةً مثلها، وإنَّما سرى فيها معنى الشَّرط اتِّفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملَتَيها أنَّ الثَّاني امتنع لامتناع الأوَّل، افتقرت في جوابها إلى ما يُنصبُّ علمًا على هذا التعلُّق (٤)، فزيدت هذه اللَّام لتكون عَلَمًا على ذلك، فإذا حُذِفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه؛ فلأنَّ الشَّيء إذا عُلِم وشُهِر موقعُه وصار مألوفًا ومأنوسًا به لم يُبالَ بإسقاطه عن اللَّفظ استغناءً بمعرفة السَّامع، أو أنَّ هذه اللَّام مفيدةٌ معنى التَّوكيد لا محالةَ، فأُدخِلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدَّلالة على أنَّ أمر المطعوم مُقدَّمٌ على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروب إنَّما يُحتاج إليه تبعًا للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشُّرْبِ) بضمِّ المعجمة (وَمَنْ رَأَى) ولأبي ذرٍّ: «باب من رأى» (صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان فيما وصله التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن خزيمة: (قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ) بإضافة «بئر» إلى «رُومة» بضمِّ الرَّاء وسكون الواو فميمٌ فهاءٌ، بئرٌ معروفةٌ بالمدينة (فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا) أي: في البئر المذكورة (كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ) يعني: يوقفها ويكون حظُّه منها كحظِّ غيره منها (٥) من غير مزيَّةٍ (فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ) ووقفها على الفقير والغنيِّ وابن السَّبيل، وقد تمسَّك به من جوَّز الوقف على النَّفس، وأُجيب بأنَّه كما لو كان وقف على الفقراء ثمَّ صار

فقيرًا، فإنَّه يجوز له الأخذ منه، و «رُومة» قيل: إنَّه عَلَمٌ على صاحب البئر، وهو رومة الغفاريُّ كما ذكره ابن منده، فقال: يُقال: إنَّه أسلم، روى حديثه عبد الله بن عمر بن أبان، عن المحاربيِّ، عن أبي مسعودٍ (١)، عن أبي سلمة بِشْر (٢) بن بشيرٍ (٣) الأسلميِّ، عن أبيه قال: لمَّا قدم المهاجرون المدينة استنكروا (٤) الماء، وكانت لرجلٍ من بني غفارٍ عينٌ يُقال لها: رومة، كان يبيع منها القربة بالمُدِّ، فقال له رسول الله : «بِعْنِيها بعينٍ في الجنَّة»، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسةٍ وثلاثين ألف درهمٍ، ثمَّ أتى النَّبيَّ فقال: يا رسول الله، أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة عينًا في الجنَّة؟ قال: «نعم»، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين، قال في «الإصابة»: تعلَّق ابن منده على قوله: «أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة»؟ ظنًّا منه أنَّ المراد به صاحبُ البئر، وليس كذلك؛ لأنَّ في صدر الحديث أنَّ رومة اسم البئر (٥)، وإنَّما المراد بقوله: «جعلت لرومة» أي: لصاحب رومة أو نحو ذلك، وقد أخرجه البغويُّ عن عبد الله بن عمر بن أبان فقال فيه: مثل الذي جعلت له، فأعاد الضَّمير على الغفاريِّ، وكذا أخرجه ابن شاهين والطَّبرانيُّ من طريق ابن أبان، وقال البلاذريُّ (٦) في «تاريخه»: هي بئرٌ قديمةٌ كانت ارتطمت، فأتى قومٌ من مُزَينة حلفاء للأنصار فقاموا عليها وأصلحوها، وكانت رومة امرأةً منهم أو أمةً لهم تسقي منها النَّاس فنُسِبت إليها. انتهى. ويأتي في «الوقف» [خ¦٢٧٧٨]-إن شاء الله تعالى- أنَّ عثمان قال: ألستم تعلمون أنَّ رسول الله قال: «من حفر رُومة فله الجنة»، فحفرتها، وهذا يقتضي أنَّ رومة اسم العين

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي قِدْرٍ لَهَا، فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ - لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ - فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.

وَقَوْلُهُ: (لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ) الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ: دَسَمُ اللَّحْمِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ.

٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ. وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَءا مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ. وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا: لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ - حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ - ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا. وَاللَّهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ - إِلَى - ﴿الرَّحِيمُ﴾

قَوْلُهُ: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ إِنْ كُنَّا لَنَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَغَرَضُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْأَرْبِعَاءِ. وَالسِّلْقُ بِكَسْرِ السِّينِ.

وحديث أبي هريرة (يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ) أَيْ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَوْعِدُ، لِأَنَّ الْمَوْعِدَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَإِمَّا ظَرْفُ زَمَانٍ أَوْ ظَرْفُ مَكَانٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُرَادُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحَاسِبُنِي إِنْ تَعَمَّدْتُ كَذِبًا وَيُحَاسِبُ مَنْ ظَنَّ بِي ظَنَّ السَّوْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي مِنْهُ شَيْءٌ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَغَرَضُهُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ الشُّغْلُ فِي الْأَرَاضِي بِالزِّرَاعَةِ وَالْغَرْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ وَمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، الْمُعَلَّقُ مِنْهَا تِسْعَةٌ وَالْبَقِيَّةُ مَوْصُولَةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فِي آلَةِ الْحَرْثِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ الْأَنْصَارِ الْقِسْمَةَ، وَحَدِيثِ عُمَرَ لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ. وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَجَابِرٍ، وَعَائِشَةَ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَثَرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٣٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ القرشيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد ابن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه (قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ) أي: روايته، وفي «كتاب العلم» [خ¦١١٨]: قال: «إنَّ النَّاس يقولون: أكثرَ أبو هريرة»، وسقط قوله هنا «الحديث» عند أبي ذرٍّ (وَاللهُ المَوْعِدُ) بفتح الميم وكسر (١) العين المهملة بينهما واوٌ ساكنةٌ، وهو مصدرٌ ميميٌّ، أو (٢) ظرف زمانٍ أو مكانٍ، وعلى كلِّ تقديرٍ لا يصحُّ أن يُخبر به عن الله تعالى، فلا بدَّ من إضمارٍ، وتقديره في كونه مصدرًا: «والله الواعد» (٣)، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة، يعني: الواعد في فعله للخير والشَّرِّ، والوعد يُستعمَل في الخير والشَّرِّ، يُقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا أسقط الخير والشَّرَّ، يُقال في الخير: الوعد والعدة، وفي الشَّرِّ: الإيعاد والوعيد، وتقديره في كونه

ظرف زمانٍ، «وعند الله الموعد يوم القيامة»، وتقديره في كونه ظرف مكانٍ: «وعند الله الموعد في الحشر»، والمعنى: على (١) كلِّ تقديرٍ: فالله تعالى يحاسبني إن تعمَّدت كذبًا، ويحاسب من ظنَّ بي السُّوء (وَيَقُولُونَ) أي: النَّاس: (مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ؟) أي: أبي هريرة (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ) كلمة «من» بيانيَّةٌ (كَانَ يَشْغَلُهُمُ) بفتح الغين المعجمة (الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ) كنايةً عن التَّبايع (وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) في الزِّراعة والغراسة، وهذا موضع التَّرجمة (وَكُنْتُ اِمْرَأً مِسْكِينًا) أي: من مساكين الصُّفَّة (أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم (فَأَحْضُرُ) مجلس النَّبيِّ (حِينَ يَغِيبُونَ) أي: الأنصار والمهاجرون (وَأَعِي) أي: أحفظ (حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا) من الأيَّام: (لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ) بالنَّصب عطفًا على قوله: «لن (٢) يبسط» أي: يجمع الثَّوب (إِلَى صَدْرِهِ (٣)، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا) والمعنى: أنَّ البسط المذكور والنِّسيان لا يجتمعان؛ لأنَّ البسط الذي بعده الجمع المتعقِّب للنِّسيان منفيٌّ، فعند وجود البسط ينعدم النِّسيان، وبالعكس (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) بفتح النُّون وكسر الميم: بردةً من صوفٍ يلبسها الأعراب، والمراد: بسط بعضها لئلَّا يلزم كشف عورته (لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا) أي: غير النَّمرة (٤) (حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَوَ) الله (الَّذِي بَعَثَهُ) إلى الثَّقلين (بِالحَقِّ، مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا) ولـ «مسلمٍ» من رواية يونس (٥): فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئًا حدَّثني به، وهو يدلُّ على العموم؛ لأنَّ تنكير «شيئًا» بعد النَّفي يدلُّ على العموم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تدلُّ عليه، فدلَّ على العموم في عدم النِّسيان لكلِّ شيءٍ من الحديث وغيره، لا أنَّه خاصٌّ بتلك المقالة؛ كما يعطيه ظاهر قوله: «من مقالته تلك»، ويعضد العموم ما (٦) في حديث أبي هريرة: أنَّه شكا إلى النَّبيِّ أنَّه ينسى، ففعل ما فعل ليزول عنه النِّسيان، ويحتمل أن يكون وقعت

له قضيَّتان، فالقضيَّة (١) التي رواها الزُّهريُّ مختصَّةٌ بتلك المقالة، والأخرى عامَّةٌ. (وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ) موجودتان (فِي) وفي نسخةٍ «من» (كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ) فيه حذف اللَّام من جواب «لولا»، وهو جائزٌ، والأصل: «لمَا حدَّثتكم» (شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠]) ولأبي ذرٍّ: «﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾»، وفي هذا وعيدٌ شديدٌ لمن كتم (٢) ما جاءت به الرُّسل من الدَّلالات البيِّنة الصَّحيحة، والهدى النَّافع للقلوب من بعد ما بيَّنه الله تعالى لعباده (٣) في كتبه التي أنزلها على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وقد مضى هذا الحديث في «باب (٤) حفظ العلم» في «كتاب العلم» (٥) [خ¦١١٨] أخصر من هذا، والله (٦) الموفِّق والمعين.

((٤٢)) (بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ المُسَاقَاةِ) هي مأخوذةٌ من السَّقي المحتاج إليه فيها غالبًا؛ لأنَّه أنفع أعمالها وأكثرها مؤنةً، وحقيقتها: أن يُعامل غيره على نخلٍ أو شجر عنبٍ ليتعهَّده بالسَّقي والتَّربية على أنَّ الثَّمرة لهما، والمعنى فيها: أنَّ مالكَ الأشجارِ قد لا يُحسن تعهُّدها أو لا يتفرَّغ له، ومن يحسن ويتفرَّغ قد لا يملك الأشجار، فيحتاج ذاك (١) إلى الاستعمال وهذا إلى العمل، ولو اكترى المالك لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل له شيءٌ من الثِّمار ويتهاون العامل فيها (٢)، فدعت الحاجة إلى تجويزها.

هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشِّرْبِ) بكسر الشِّين المعجمة، أي: باب الحكم في قسمة الماء، و «الشِّرب» في «الأصل» بالكسر (٣): النَّصيب والحظُّ من الماء، وفي الفرع: بضمِّها، وعزاه عياضٌ للأَصيليِّ، قال: والكسر أولى، وقال السَّفاقسيُّ: من ضبطه بالضَّمِّ أراد المصدر، وقال غيره: المصدر مُثلَّثٌ (٤)، وسقط لأبي ذرٍّ «كتاب المساقاة» ولفظ: «باب»، قال ابن حجرٍ: ولا وجه لقوله: «كتاب المساقاة» فإنَّ التَّرجمة التي فيه غالبها تتعلَّق بإحياء الموات. (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾) بالجرِّ، صفةٌ لـ «شيءٍ» أي: كلَّ

حيوانٍ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾ [النور: ٤٥] أو كأنَّما خلقناه من ماءٍ لفرط احتياجه إليه وحبِّه له، وقلَّة صبره عنه؛ كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] أو المعنى: صيَّرنا كلَّ شيءٍ حيٍّ بسببٍ من الماء لا يحيا دونه، وفي حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي إذا رأيتك طابت نفسي وقرَّت عيني، فأنبئني عن كلِّ شيءٍ، قال: «كلُّ شيءٍ خُلِق من الماء … » الحديث، وإسناده على شرط الشَّيخين إلَّا أبا ميمونة فمن رجال السُّنن، واسمه: سليمٌ، والتِّرمذيُّ يصحِّح له، وروى ابن أبي حاتمٍ عن أبي العالية: أنَّ المراد بـ «الماء» (١): النُّطفة (﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]) مع ظهور الآيات الواضحة (٢). (وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾) أي: العذب الصَّالح للشُّرب (﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾) بقدرتنا (﴿لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]) قال البخاريُّ تبعًا لأبي عبيدٍ: (الأُجَاجُ: المُرُّ) وقيل: هو الشَّديد الملوحة أو المرارة، أو الحارُّ (٣)، حكاه ابن فارسٍ، وقال المؤلِّف تبعًا لقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ عنهما: (المُزْنُ: السَّحَابُ) وقيل: هو الأبيض وماؤه أعذب (٤)، وفي رواية المُستملي: «أجاجًا منصبًّا»، وهو موافقٌ لتفسير ابن عبَّاسٍ وقتادة ومجاهدٍ فيما أخرجه الطَّبريُّ: «المزن: السَّحاب، الأجاج: المرُّ، فراتًا: عذبًا» وعن السُّدِّيِّ فيما رواه ابن أبي حاتمٍ: العذب (٥): الفرات الحلو، وقوله: «ثجَّاجًا» و «فراتًا» ذكرهما هنا استطرادًا على عادته في زيادته (٦) فرائد الفوائد، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾»، وقد أورد الزَّمخشريُّ هنا سؤالًا فقال: فإن قلت: لِمَ أُدخِلت اللَّام على

جواب «لو» في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاء (١) لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] ونُزِعت منه (٢) ههنا؟ وأجاب: بأنَّ «لو» لمَّا كانت داخلةً على جملتين، مُعلَّقةٍ ثانيتهما بالأولى تعلُّق (٣) الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلِّصةً للشَّرط كـ «إنْ»، و «لا» عاملةً مثلها، وإنَّما سرى فيها معنى الشَّرط اتِّفاقًا من حيث إفادتها في مضمون جملَتَيها أنَّ الثَّاني امتنع لامتناع الأوَّل، افتقرت في جوابها إلى ما يُنصبُّ علمًا على هذا التعلُّق (٤)، فزيدت هذه اللَّام لتكون عَلَمًا على ذلك، فإذا حُذِفت بعد ما صارت علمًا مشهورًا مكانه؛ فلأنَّ الشَّيء إذا عُلِم وشُهِر موقعُه وصار مألوفًا ومأنوسًا به لم يُبالَ بإسقاطه عن اللَّفظ استغناءً بمعرفة السَّامع، أو أنَّ هذه اللَّام مفيدةٌ معنى التَّوكيد لا محالةَ، فأُدخِلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدَّلالة على أنَّ أمر المطعوم مُقدَّمٌ على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشدُّ وأصعبُ من قِبَلِ أنَّ المشروب إنَّما يُحتاج إليه تبعًا للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب. انتهى.

(١) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (فِي الشُّرْبِ) بضمِّ المعجمة (وَمَنْ رَأَى) ولأبي ذرٍّ: «باب من رأى» (صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَقَالَ عُثْمَانُ) بن عفَّان فيما وصله التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن خزيمة: (قَالَ النَّبِيُّ : مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ) بإضافة «بئر» إلى «رُومة» بضمِّ الرَّاء وسكون الواو فميمٌ فهاءٌ، بئرٌ معروفةٌ بالمدينة (فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا) أي: في البئر المذكورة (كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ) يعني: يوقفها ويكون حظُّه منها كحظِّ غيره منها (٥) من غير مزيَّةٍ (فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ) ووقفها على الفقير والغنيِّ وابن السَّبيل، وقد تمسَّك به من جوَّز الوقف على النَّفس، وأُجيب بأنَّه كما لو كان وقف على الفقراء ثمَّ صار

فقيرًا، فإنَّه يجوز له الأخذ منه، و «رُومة» قيل: إنَّه عَلَمٌ على صاحب البئر، وهو رومة الغفاريُّ كما ذكره ابن منده، فقال: يُقال: إنَّه أسلم، روى حديثه عبد الله بن عمر بن أبان، عن المحاربيِّ، عن أبي مسعودٍ (١)، عن أبي سلمة بِشْر (٢) بن بشيرٍ (٣) الأسلميِّ، عن أبيه قال: لمَّا قدم المهاجرون المدينة استنكروا (٤) الماء، وكانت لرجلٍ من بني غفارٍ عينٌ يُقال لها: رومة، كان يبيع منها القربة بالمُدِّ، فقال له رسول الله : «بِعْنِيها بعينٍ في الجنَّة»، فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسةٍ وثلاثين ألف درهمٍ، ثمَّ أتى النَّبيَّ فقال: يا رسول الله، أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة عينًا في الجنَّة؟ قال: «نعم»، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين، قال في «الإصابة»: تعلَّق ابن منده على قوله: «أتجعل لي مثل الذي جعلت لرومة»؟ ظنًّا منه أنَّ المراد به صاحبُ البئر، وليس كذلك؛ لأنَّ في صدر الحديث أنَّ رومة اسم البئر (٥)، وإنَّما المراد بقوله: «جعلت لرومة» أي: لصاحب رومة أو نحو ذلك، وقد أخرجه البغويُّ عن عبد الله بن عمر بن أبان فقال فيه: مثل الذي جعلت له، فأعاد الضَّمير على الغفاريِّ، وكذا أخرجه ابن شاهين والطَّبرانيُّ من طريق ابن أبان، وقال البلاذريُّ (٦) في «تاريخه»: هي بئرٌ قديمةٌ كانت ارتطمت، فأتى قومٌ من مُزَينة حلفاء للأنصار فقاموا عليها وأصلحوها، وكانت رومة امرأةً منهم أو أمةً لهم تسقي منها النَّاس فنُسِبت إليها. انتهى. ويأتي في «الوقف» [خ¦٢٧٧٨]-إن شاء الله تعالى- أنَّ عثمان قال: ألستم تعلمون أنَّ رسول الله قال: «من حفر رُومة فله الجنة»، فحفرتها، وهذا يقتضي أنَّ رومة اسم العين

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله