الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٣٨٨
الحديث رقم ٢٣٨٨ من كتاب «كتاب في الاستقراض» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أداء الديون.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٣٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا)
حَذَفَ الْجَوَابَ اغْتِنَاءً بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا مُقَيَّدَةٌ بِالْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ فَقَدْ أَخَذَ لَا يُرِيدُ الْوَفَاءَ إِلَّا بِطَرِيقِ التَّمَنِّي وَالتَّمَنِّي خِلَافُ الْإِرَادَةِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْوَفَاءَ مِمَّا سَيَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ اللَّهَ يُؤَدِّي عَنْهُ إِمَّا بِأَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا بِأَنْ يَتَكَفَّلَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنِ التَّقْيِيدُ بِالْقُدْرَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ سُلِّمَ مَا قَالَ: فَهُنَاكَ مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ يَقْدِرُ أَوْ يَعْجِزُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ الدِّيلِيُّ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ثَوْرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْغَيْثِ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ. قُلْتُ: وَاسْمُهُ سَالِمٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَظَاهِرُهُ يُحِيلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ يَعْسُرَ مَثَلًا أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عَلَى الْغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَتْلَفَهُ اللَّهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا نَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِتْلَافِ عَذَابُ الْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ اسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَعْتِقُ وَلَا يَتَصَدَّقُ وَإِنْ فَعَلَ رُدَّ اهـ. وَفِي أَخْذِ هَذَا مِنْ هَذَا بُعْدٌ كَثِيرٌ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ وَأَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الدَّيْنِ لِمَنْ يَنْوِي الْوَفَاءَ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ، فَسُئِلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ، قَالَتْ: فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ، وَسَاقَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ.
وَفِيهِ: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ بَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ حُلُولُ الْأَجَلِ لِاقْتِصَارِهِ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِرَدِّ الْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ.
٣ - بَاب أَدَاءِ الدَّيْون، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
٢٣٨٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن﴾) أي: بأن (﴿تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا﴾)، أي: نِعْمَ شيئًا (﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾) أو (١) نِعْم الشَّيء الذي (٢) يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نِعْمَ ما يعظكم به ذاك (٣)، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]) يدرك المسموعات حال حدوثها، والمُبصَرات حال وجودها، ولأبي ذرٍّ: «﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ … الآية»، وأسقط ما عدا ذلك.
٢٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) بن عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه الحنَّاط -بالحاء المهملة والنُّون المُشدَّدة- المعروف بالأصغر (٤) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهمدانيِّ الجهنيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (﵁) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي: أُحُدًا-) الجبل المشهور (قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ) أي: أنَّ أُحُدًا (تحَوَّل لِي ذَهَبًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، كـ «تفعَّل»، ولغير أبي ذرٍّ: «يُحوَّل» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، من «باب
التَّفعيل» (١)، وفيه «حوَّل» بمعنى: صيَّر، قال في «التَّوضيح»: وهو استعمالٌ صحيحٌ، وقد خفي على أكثر النَّحويِّين حتَّى أنكر بعضهم على الحريريِّ قوله في الخمر:
وما شيءٌ إذا فَسَدا … تَحَوَّل غيُّه (٢) رشَدا
زكيُّ العِرْقِ (٣) والدُه … ولكنْ بئسَ ما ولَدا
وحينئذٍ فيستدعي (٤) مفعولين، قال: والرِّواية لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، فرفعت أوَّل المفعولين، وهو الضَّمير في «تحوَّل» (٥) الرَّاجع إلى «أُحُدٍ»، ونصبت الثَّاني خبرًا لها، وهو «ذهبًا» (يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ) أي: من الذَّهب (دِينَارٌ) رفع فاعل «يمكث»، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «ذهبًا» (فَوْقَ ثَلَاثٍ) من اللَّيالي (إِلَّا دِينَارًا) نُصِب على الاستثناء من سابقه، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا دينارٌ» بالرَّفع على البدل من «دينارٌ» السَّابق (أُرْصِدُهُ) بضمِّ الهمزة وكسر الصَّاد المهملة (٦)، من الإرصاد، أي: أعدُّه (لِدَيْنٍ) والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «دينارٍ»، وفي نسخةٍ بالفرع، وحكاها السَّفاقسيُّ وابن قُرْقُولٍ: «أَرصده» بفتح الهمزة، من رصدته، أي: رقبته. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ) أي: إلَّا من صرف المال على النَّاس في وجوه البرِّ والصَّدقة (هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه المذكور (بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) وفيه التَّعبير عن الفعل بالقول، نحو (٧) قولهم: قال بيده، أي: أخذ أو رفع، وقال برجله، أي: مشى (وَقَلِيلٌ (٨) مَا هُمْ) جملةٌ اسميَّةٌ، فـ «هم» مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «قليلٌ» خبره، و «ما» زائدةٌ أو صفةٌ (وَقَالَ) ﵊: (مَكَانَكَ) بالنَّصب، أي: الزم مكانك حتَّى آتيك (وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ) ﵊ (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ): الزم (مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ، فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ما هو (الَّذِي سَمِعْتُ؟ أَوْ قَالَ): ما هو
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا)
حَذَفَ الْجَوَابَ اغْتِنَاءً بِمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا مُقَيَّدَةٌ بِالْعِلْمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ، قَالَ: لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ فَقَدْ أَخَذَ لَا يُرِيدُ الْوَفَاءَ إِلَّا بِطَرِيقِ التَّمَنِّي وَالتَّمَنِّي خِلَافُ الْإِرَادَةِ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْوَفَاءَ مِمَّا سَيَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ اللَّهَ يُؤَدِّي عَنْهُ إِمَّا بِأَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا بِأَنْ يَتَكَفَّلَ عَنْهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَتَعَيَّنِ التَّقْيِيدُ بِالْقُدْرَةِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ سُلِّمَ مَا قَالَ: فَهُنَاكَ مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ يَقْدِرُ أَوْ يَعْجِزُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ الدِّيلِيُّ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ثَوْرٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي الْغَيْثِ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ. قُلْتُ: وَاسْمُهُ سَالِمٌ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَدَّاهَا اللَّهُ عَنْهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَظَاهِرُهُ يُحِيلُ الْمَسْأَلَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ يَعْسُرَ مَثَلًا أَوْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ وَلَهُ مَالٌ مَخْبُوءٌ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ وَلَمْ يُوَفَّ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ عَلَى الْغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ، بَلْ يَتَكَفَّلُ اللَّهُ عَنْهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَتْلَفَهُ اللَّهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَقَعُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَذَلِكَ فِي مَعَاشِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ. وَهُوَ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِمَا نَرَاهُ بِالْمُشَاهَدَةِ مِمَّنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِتْلَافِ عَذَابُ الْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ اسْتِئْكَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي حُسْنِ التَّأْدِيَةِ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الْمُدَايَنَةِ وَأَنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: فِيهِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَعْتِقُ وَلَا يَتَصَدَّقُ وَإِنْ فَعَلَ رُدَّ اهـ. وَفِي أَخْذِ هَذَا مِنْ هَذَا بُعْدٌ كَثِيرٌ. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي تَحْسِينِ النِّيَّةِ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ وَأَنَّ مَدَارَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا. وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الدَّيْنِ لِمَنْ يَنْوِي الْوَفَاءَ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِينُ، فَسُئِلَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَوْنٌ، قَالَتْ: فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ، وَسَاقَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ.
وَفِيهِ: أَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَيْنٍ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يُرَدُّ بَلْ يُنْتَظَرُ بِهِ حُلُولُ الْأَجَلِ لِاقْتِصَارِهِ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِرَدِّ الْبَيْعِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ.
٣ - بَاب أَدَاءِ الدَّيْون، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
٢٣٨٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن﴾) أي: بأن (﴿تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا﴾)، أي: نِعْمَ شيئًا (﴿يَعِظُكُم بِهِ﴾) أو (١) نِعْم الشَّيء الذي (٢) يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوفٌ، أي: نِعْمَ ما يعظكم به ذاك (٣)، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم (﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]) يدرك المسموعات حال حدوثها، والمُبصَرات حال وجودها، ولأبي ذرٍّ: «﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ … الآية»، وأسقط ما عدا ذلك.
٢٣٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) بن عبد الله التَّميميُّ اليربوعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه الحنَّاط -بالحاء المهملة والنُّون المُشدَّدة- المعروف بالأصغر (٤) (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) الهمدانيِّ الجهنيِّ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة (﵁) أنَّه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي: أُحُدًا-) الجبل المشهور (قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ) أي: أنَّ أُحُدًا (تحَوَّل لِي ذَهَبًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، كـ «تفعَّل»، ولغير أبي ذرٍّ: «يُحوَّل» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا للمفعول، من «باب
التَّفعيل» (١)، وفيه «حوَّل» بمعنى: صيَّر، قال في «التَّوضيح»: وهو استعمالٌ صحيحٌ، وقد خفي على أكثر النَّحويِّين حتَّى أنكر بعضهم على الحريريِّ قوله في الخمر:
وما شيءٌ إذا فَسَدا … تَحَوَّل غيُّه (٢) رشَدا
زكيُّ العِرْقِ (٣) والدُه … ولكنْ بئسَ ما ولَدا
وحينئذٍ فيستدعي (٤) مفعولين، قال: والرِّواية لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، فرفعت أوَّل المفعولين، وهو الضَّمير في «تحوَّل» (٥) الرَّاجع إلى «أُحُدٍ»، ونصبت الثَّاني خبرًا لها، وهو «ذهبًا» (يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ) أي: من الذَّهب (دِينَارٌ) رفع فاعل «يمكث»، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «ذهبًا» (فَوْقَ ثَلَاثٍ) من اللَّيالي (إِلَّا دِينَارًا) نُصِب على الاستثناء من سابقه، ولأبي ذرٍّ: «إلَّا دينارٌ» بالرَّفع على البدل من «دينارٌ» السَّابق (أُرْصِدُهُ) بضمِّ الهمزة وكسر الصَّاد المهملة (٦)، من الإرصاد، أي: أعدُّه (لِدَيْنٍ) والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «دينارٍ»، وفي نسخةٍ بالفرع، وحكاها السَّفاقسيُّ وابن قُرْقُولٍ: «أَرصده» بفتح الهمزة، من رصدته، أي: رقبته. (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) ثوابًا (إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ) أي: إلَّا من صرف المال على النَّاس في وجوه البرِّ والصَّدقة (هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ) عبد ربِّه المذكور (بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) وفيه التَّعبير عن الفعل بالقول، نحو (٧) قولهم: قال بيده، أي: أخذ أو رفع، وقال برجله، أي: مشى (وَقَلِيلٌ (٨) مَا هُمْ) جملةٌ اسميَّةٌ، فـ «هم» مبتدأٌ مُؤخَّرٌ، و «قليلٌ» خبره، و «ما» زائدةٌ أو صفةٌ (وَقَالَ) ﵊: (مَكَانَكَ) بالنَّصب، أي: الزم مكانك حتَّى آتيك (وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ) ﵊ (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ): الزم (مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ، فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ) ما هو (الَّذِي سَمِعْتُ؟ أَوْ قَالَ): ما هو