الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٠٨
الحديث رقم ٢٥٠٨ من كتاب «كتاب الرهن» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الرهن.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ
٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٨ - كِتَاب الرَّهْنِ
١ - بَاب في الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ، وَقَوْل الله ﷿:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾
٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ رسول الله ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فِي الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ بَدَلَ كِتَابُ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ: بَابُ مَا جَاءَ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا الْآيَةَ مِنْ أَوَّلِهَا. وَالرَّهْنُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - فِي اللُّغَةِ: الِاحْتِبَاسُ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَهَنَ الشَّيْءُ، إِذَا دَامَ وَثَبَتَ. وَمِنْهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَفِي الشَّرْعِ: جَعْلُ مَالٍ وَثِيقَةً عَلَى دَيْنٍ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ. وَأَمَّا الرُّهُنُ بِضَمَّتَيْنِ فَالْجَمْعُ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رِهَانٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَكُتُبٍ وَكِتَابٍ، وَقُرِئَ بِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: فِي الْحَضَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ تَوْثِقَةً عَلَى الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الْكَاتِبِ فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ فِيمَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا فَقَال: لَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي السَّفَرِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْكَاتِبُ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ جَازَ، وَحَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ شِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنِ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مَقْرُونًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ، وَهُنَا عَلَى لَفْظِ: مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، بَيَّنَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ. وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (بِشَعِيرٍ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ. وَهَذَا الْيَهُودِيُّ هُوَ أَبُو الشَّحْمِ، بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظَفَرٍ فِي شَعِيرٍ، انْتَهَى. وَأَبُو الشَّحْمِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَظَفَرٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ بَطْنٌ مِنْ الْأَوْسِ وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَمْزَةٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ وَمَكْسُورَةٍ،
اسْمُ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِبَاءِ، وَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبِي اللَّحْمِ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْرُ الشَّعِيرِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثِينَ صَاعًا كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْجِهَادِ وَأَوَاخِرِ الْمَغَازِي. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَا: بِعِشْرِينَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِينَ فَجَبَرَ الْكَسْرَ تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى، وَوَقَعَ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ كَانَتْ دِينَارًا، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْآتِيَةِ فِي آخِرِهِ: فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ) وَالْإِهَالَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مَا أُذِيبَ مِنَ الشَّحْمِ وَالْإلْيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ دَسَمٍ جَامِدٍ، وَقِيلَ: مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مِنَ الْأَدْهَانِ. وَقَوْلُهُ: سَنِخَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ؛ أَيِ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيحِ. وَيُقَالُ فِيهَا بِالزَّايِ أَيْضًا. وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: لَقَدْ دُعِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَكَأَنَّ الْيَهُودِيَّ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ، فَلِهَذَا قَالَ: مَشَيْتُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) فَاعِلُ سَمِعْتُ أَنَسٌ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فَاعِلُ يَقُولُ. وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَنَسٌ وَفَاعِلُ سَمِعْتُ قَتَادَةُ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَفْظَ ابْنِ مَاجَهْ، وَسَاقَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْكَجِّيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلَا أَمْسَى إِلَّا صَاعٌ. وَخُولِفَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ بِلَفْظِ: مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَلَا صَاعٌ مِنْ حَبٍّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: بُرٍّ بَدَلَ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ) فِي رِوَايَةِ الْمَذْكُورِينَ: وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُ أَسْمَائِهِنَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ أَنَسٍ لِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ مَا قَبْلَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى سَبَبِ قَوْلِهِ ﷺ هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مُتَضَجِّرًا وَلَا شَاكِيًا - مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا قَالَهُ مُعْتَذِرًا عَنْ إِجَابَتِهِ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ وَلِرَهْنِهِ عِنْدَهُ دِرْعَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ الَّذِي زَعَمَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ أَنَسٌ فِرَارًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمُتَعَامَلِ فِيهِ وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ. وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ وَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْبِيًّا، وَفِيهِ ثُبُوتُ أَمْلَاكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَيْدِيهِمْ، وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَاتِّخَاذِ الدُّرُوعِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ، وَأَنَّ قُنْيَةَ آلَةِ الْحَرْبِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْبِيسِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَأَنَّ أَكْثَرَ قُوتِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الشَّعِيرُ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ. وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الْمَرْهُونِ مَعَ يَمِينِهِ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَالْكَرَمِ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى عَدَمِ الِادِّخَارِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رَهْنِ دِرْعِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ، وَفَضِيلَةٌ لِأَزْوَاجِهِ لِصَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى وَيَأْتِي.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي عُدُولِهِ ﷺ عَنْ مُعَامَلَةِ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الْيَهُودِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ طَعَامٌ فَاضِلٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
التَّرجمة بالحضر؛ إشارةً إلى أنَّ التَّقييد بالسَّفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيَّته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا له من حيث المعنى: بأنَّ الرَّهن شُرِع توثقة (١) على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنَّه يشير إلى أنَّ المراد بالرَّهن: الاستيثاق (٢)، وإنَّما قيَّده بالسَّفر لأنَّه مظنَّة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، وخالف (٣) في ذلك مجاهدٌ والضَّحَّاك فيما نقله الطَّبريُّ عنهما فقالا: لا يُشرَع إلَّا في السَّفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظَّاهر، وفي رواية أبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى: ﴿فَرُهُنٌ (٤) مَّقْبُوضَةٌ﴾» كذا في الفرع، وهو ينافي قول الحافظ ابن حجرٍ: وكلُّهم ذكر الآية من أوَّلها.
٢٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (٥) (قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ رَسُولُ اللهِ) هو عطفٌ على شيءٍ محذوفٍ بيَّنه أحمد من طريق أبان العطَّار عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ يهوديًّا دعا رسول الله ﷺ فأجابه». ولقد رهن رسول الله، ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ دِرْعَهُ) بكسر الدَّال وسكون الرَّاء (بِشَعِيرٍ) أي: في مقابلة شعيرٍ، فالباء للمقابلة عند أبي الشَّحم اليهوديِّ، وكان قدر الشَّعير ثلاثين صاعًا كما عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] وغيره (٦) [خ¦٤٤٦٧].
قال أنسٌ: (وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) بالإضافة (وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ) بكسر الهمزة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٤٨ - كِتَاب الرَّهْنِ
١ - بَاب في الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ، وَقَوْل الله ﷿:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾
٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ رسول الله ﷺ دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فِي الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ، وَقَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: بَابُ بَدَلَ كِتَابُ، وَلِابْنِ شَبَّوَيْهِ: بَابُ مَا جَاءَ، وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا الْآيَةَ مِنْ أَوَّلِهَا. وَالرَّهْنُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - فِي اللُّغَةِ: الِاحْتِبَاسُ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَهَنَ الشَّيْءُ، إِذَا دَامَ وَثَبَتَ. وَمِنْهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ وَفِي الشَّرْعِ: جَعْلُ مَالٍ وَثِيقَةً عَلَى دَيْنٍ. وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ. وَأَمَّا الرُّهُنُ بِضَمَّتَيْنِ فَالْجَمْعُ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى رِهَانٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَكُتُبٍ وَكِتَابٍ، وَقُرِئَ بِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: فِي الْحَضَرِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالسَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ فِي الْحَضَرِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَاحْتَجُّوا لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ تَوْثِقَةً عَلَى الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ فَقْدِ الْكَاتِبِ فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ فِيمَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُمَا فَقَال: لَا يُشْرَعُ إِلَّا فِي السَّفَرِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْكَاتِبُ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إِنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فِي الْحَضَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الرَّاهِنُ جَازَ، وَحَمَلَ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كَعَادَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي بَابِ شِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَعُرِفَ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنِ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مَقْرُونًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ، وَسَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِهِ، وَهُنَا عَلَى لَفْظِ: مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ رَهَنَ دِرْعَهُ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، بَيَّنَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ. وَالدِّرْعُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (بِشَعِيرٍ) وَقَعَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ. وَهَذَا الْيَهُودِيُّ هُوَ أَبُو الشَّحْمِ، بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ظَفَرٍ فِي شَعِيرٍ، انْتَهَى. وَأَبُو الشَّحْمِ - بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَظَفَرٌ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَالْفَاءِ بَطْنٌ مِنْ الْأَوْسِ وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَضَبَطَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَمْزَةٍ مُوَحَّدَةٍ مَمْدُودَةٍ وَمَكْسُورَةٍ،
اسْمُ الْفَاعِلِ مِنَ الْإِبَاءِ، وَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِأَبِي اللَّحْمِ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْرُ الشَّعِيرِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثِينَ صَاعًا كَمَا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْجِهَادِ وَأَوَاخِرِ الْمَغَازِي. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَا: بِعِشْرِينَ، وَلَعَلَّهُ كَانَ دُونَ الثَّلَاثِينَ فَجَبَرَ الْكَسْرَ تَارَةً وَأَلْغَى أُخْرَى، وَوَقَعَ لِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ كَانَتْ دِينَارًا، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْآتِيَةِ فِي آخِرِهِ: فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَوْلُهُ: (وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ) وَالْإِهَالَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَاءِ مَا أُذِيبَ مِنَ الشَّحْمِ وَالْإلْيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ دَسَمٍ جَامِدٍ، وَقِيلَ: مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مِنَ الْأَدْهَانِ. وَقَوْلُهُ: سَنِخَةٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ؛ أَيِ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيحِ. وَيُقَالُ فِيهَا بِالزَّايِ أَيْضًا. وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: لَقَدْ دُعِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فَكَأَنَّ الْيَهُودِيَّ دَعَا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى لِسَانِ أَنَسٍ، فَلِهَذَا قَالَ: مَشَيْتُ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَضَرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) فَاعِلُ سَمِعْتُ أَنَسٌ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فَاعِلُ يَقُولُ. وَجَزَمَ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ أَنَسٌ وَفَاعِلُ سَمِعْتُ قَتَادَةُ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَفْظَ ابْنِ مَاجَهْ، وَسَاقَهُ أَحْمَدُ بِتَمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا صَاعٌ وَلَا أَمْسَى) كَذَا لِلْجَمِيعِ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْكَجِّيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: مَا أَصْبَحَ لِآلِ مُحَمَّدٍ وَلَا أَمْسَى إِلَّا صَاعٌ. وَخُولِفَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ بِلَفْظِ: مَا أَمْسَى فِي آلِ مُحَمَّدٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ وَلَا صَاعٌ مِنْ حَبٍّ، وَتَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ بِلَفْظِ: بُرٍّ بَدَلَ تَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ) فِي رِوَايَةِ الْمَذْكُورِينَ: وَإِنَّ عِنْدَهُ يَوْمَئِذَ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ، وَسَيَأْتِي سِيَاقُ أَسْمَائِهِنَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ أَنَسٍ لِهَذَا الْقَدْرِ مَعَ مَا قَبْلَهُ الْإِشَارَةُ إِلَى سَبَبِ قَوْلِهِ ﷺ هَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مُتَضَجِّرًا وَلَا شَاكِيًا - مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا قَالَهُ مُعْتَذِرًا عَنْ إِجَابَتِهِ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ وَلِرَهْنِهِ عِنْدَهُ دِرْعَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحَامِلُ الَّذِي زَعَمَ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ أَنَسٌ فِرَارًا مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّضَجُّرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ فِيمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْرِيمُ عَيْنِ الْمُتَعَامَلِ فِيهِ وَعَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ جَوَازُ مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ. وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ السِّلَاحِ وَرَهْنِهِ وَإِجَارَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكَافِرِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرْبِيًّا، وَفِيهِ ثُبُوتُ أَمْلَاكِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَيْدِيهِمْ، وَجَوَازُ الشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ وَاتِّخَاذِ الدُّرُوعِ وَالْعُدَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَأَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي التَّوَكُّلِ، وَأَنَّ قُنْيَةَ آلَةِ الْحَرْبِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْبِيسِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. وَأَنَّ أَكْثَرَ قُوتِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الشَّعِيرُ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ. وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الْمَرْهُونِ مَعَ يَمِينِهِ، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ. وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّقَلُّلِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَالْكَرَمِ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى عَدَمِ الِادِّخَارِ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى رَهْنِ دِرْعِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضِيقِ الْعَيْشِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ، وَفَضِيلَةٌ لِأَزْوَاجِهِ لِصَبْرِهِنَّ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا مَضَى وَيَأْتِي.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي عُدُولِهِ ﷺ عَنْ مُعَامَلَةِ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الْيَهُودِ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِذْ ذَاكَ طَعَامٌ فَاضِلٌ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
التَّرجمة بالحضر؛ إشارةً إلى أنَّ التَّقييد بالسَّفر في الآية خرج للغالب، فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيَّته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا له من حيث المعنى: بأنَّ الرَّهن شُرِع توثقة (١) على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنَّه يشير إلى أنَّ المراد بالرَّهن: الاستيثاق (٢)، وإنَّما قيَّده بالسَّفر لأنَّه مظنَّة فقد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب، وخالف (٣) في ذلك مجاهدٌ والضَّحَّاك فيما نقله الطَّبريُّ عنهما فقالا: لا يُشرَع إلَّا في السَّفر حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظَّاهر، وفي رواية أبي ذرٍّ: «وقول الله تعالى: ﴿فَرُهُنٌ (٤) مَّقْبُوضَةٌ﴾» كذا في الفرع، وهو ينافي قول الحافظ ابن حجرٍ: وكلُّهم ذكر الآية من أوَّلها.
٢٥٠٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ قال: (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) بن دعامة (عَنْ أَنَسٍ ﵁) أنَّه (٥) (قَالَ: وَلَقَدْ رَهَنَ رَسُولُ اللهِ) هو عطفٌ على شيءٍ محذوفٍ بيَّنه أحمد من طريق أبان العطَّار عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ يهوديًّا دعا رسول الله ﷺ فأجابه». ولقد رهن رسول الله، ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (ﷺ دِرْعَهُ) بكسر الدَّال وسكون الرَّاء (بِشَعِيرٍ) أي: في مقابلة شعيرٍ، فالباء للمقابلة عند أبي الشَّحم اليهوديِّ، وكان قدر الشَّعير ثلاثين صاعًا كما عند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦٢٩١٦] وغيره (٦) [خ¦٤٤٦٧].
قال أنسٌ: (وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ) بالإضافة (وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ) بكسر الهمزة