«جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٦٣

الحديث رقم ٢٥٦٣ من كتاب «كتاب المكاتب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع…

«جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: خُذِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الْوَلَاءُ، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.»

سند حديث: ٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ…

٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع…

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقال له: ابن اللتبية بجمع الزكاة من قبيلة بني سليم، فلما رجع إلى المدينة حاسبه على ما قبض وما صرف، فقال ابن اللتبية:

هذا مالكم الذي جمعته من الزكاة، وهذا المال أهدي إلي.

فقال له صلى الله عليه وسلم:

أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تنظر هل يُهدى لك إن كنت صادقًا؛ فإن الحقوق التي عملت لأجلها هي السبب في الإهداء لك، وأنه لو أقمت في منزلك لم يهد لك شيء، فلا ينبغي لك أن تستحلها بمجرد كونها وصلت إليك على طريق الهدية.

ثم صعد صلى الله عليه وسلم المنبر خطيبًا وهو مغضب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أما بعد فإني أجعل الرجل منكم عاملًا موظفًا على الذي جعل الله لي التصرف فيه من الزكوات والغنائم، فيأتي من عمله، فيقول:

هذا لكم وهذه هدية أهديت لي!

أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد شيئًا مما يعطاه بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة على عنقه، إن كان الذي أخذه بعير له صوت رغاء، أو بقرة لها صوت خوار، أو شاة لها يُعار تصيح.

ثم رفع يديه شديدًا حتى رأى الجالسون بياض إبطيه، ثم قال: اللهم بلغت حكم الله إليكم.

ثم أخبر أبو حميد الساعدي رضي الله عنه: أن هذا مما أبصرته عينه وسمعته أذنه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تبين الحاكم للعاملين معه المطلوب منهم والمحظور في أعمالهم.
  • الوعيد لمن يأخذ أموال الناس ظلمًا.
  • ما من ظالم إلا ويأتي بما ظلم به يوم القيامة.
  • الواجب على الموظف في أي عمل من أعمال الدولة أن يؤدي ما وكل إليه، وليس له أن يأخذ هدايا فيما يتعلق بعمله، وإذا أخذها فليضعها في بيت المال، ولا يجوز له أخذها لنفسه، ولأنها وسيلة للشر والإخلال بالأمانة.
  • قال ابن بطال: دل الحديث على أن الهدية للعامل تكون لشكر معروفه، أو للتحبب إليه، أو للطمع في وضعه من الحق، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه فيما يهدى له من ذلك كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه، وأنه لا يجوز الاستئثار به.
  • قال النووي: وفي هذا الحديث: بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنه خان في ولايته وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث في عقوبته وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغال، وقد بين صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث السبب في تحريم الهدية عليه، وأنها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة.
  • قال ابن المنير: يؤخذ من قوله: "هلا جلس في بيت أبيه وأمه" جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، قال ابن حجر: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة.
  • الأسلوب النبوي في النصيحة هو التعميم لا التشهير.
  • قال ابن حجر: فيه مشروعية محاسبة المؤتمن.
  • قال ابن حجر: وفيه جواز توبيخ المخطئ.
  • استحباب رفع اليدين في الدعاء.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَا عَنْ لَا يُرَادُ بِهَا أَدَاةُ الرِّوَايَةِ بَلْ فِي السِّيَاقِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ فِي إِرَادَتِهَا شِرَاءَ بَرِيرَةَ، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، فَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بَرِيرَةَ أَنَّهَا كَانَ فِيهَا ثَلَاثُ سِنِينَ قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. قُلْتُ: وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ لَمْ يَكُنْ خَطَأً، بَلِ الْمُرَادُ عَنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَلَمْ يُرِدِ الرِّوَايَةَ عَنْهَا نَفْسِهَا.

وَقَدْ قَرَّرْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنَظَائِرِهَا فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَمْنَعُكِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لَا يَمْنَعَنَّكِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.

٣ - بَاب اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ

٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ فيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الْوَلَاءُ، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ تَقَعُ بِالسُّؤَالِ وَبِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَرِيرَةَ عَلَى سُؤَالِهَا عَائِشَةَ فِي إِعَانَتِهَا عَلَى كِتَابَتِهَا، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ يَرْفَعُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قَالَ: حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، فَهُوَ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ: ابْنِ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (فَأَعِينِينِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ الْإِعَانَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَعْيَتْنِي بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الْمَاضِي مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَالضَّمِيرُ لِلْأَوَاقِي، وَهُوَ مُتَّجَهُ الْمَعْنَى، أَيْ أَعْجَزَتْنِي عَنْ تَحْصِيلِهَا. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ فَأَعْتِقِينِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ بِالْعِتْقِ، إِلَّا أَنَّ الثَّابِتَ فِي طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَانْتَهَرْتُهَا، وَكَأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ عَرَفَتِ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ، وَاسْتَشْكَلَ صُدُورُ الْإِذْنِ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرْطَ فِي الْحَدِيثِ، فَرَوَى الْخَطَّابِيُّ فِي الْمعَالِمِ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ الْإِشَارَةُ إِلَى تَضْعِيفِ رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمُصَرِّحَةِ بِالِاشْتِرَاطِ لِكَوْنِهِ انْفَرَدَ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ أَبِيهِ، وَرِوَايَاتُ

غَيْرِهِ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ. وَأَشَارَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ روى بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، وَأَثْبَتَ الرِّوَايَةَ آخَرُونَ وَقَالُوا: هِشَامٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهَا: فَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِلَفْظِ وَأَشْرِطِي بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ، ثُمَّ وَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَظْهَرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ. وَالْإِشْرَاطُ الْإِظْهَارُ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مِعْصَمٌ أَيْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ انْتَهَى. وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ الرِّوَايَةَ. وَالَّذِي فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالْأُمِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَاشْتَرِطِي بِصِيغَةِ أَمْرِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الشَّرْطِ، ثُمَّ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا تَأْوِيلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ اشْتَرِطِي وَأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لَهُمْ بِمَعْنَى على كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْهُ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غَلَطٌ، وَالتَّأْوِيلَ الْمَنْقُولَ عَنِ الْمُزَنِيِّ لَا يَصِحُّ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَأْوِيلُ اللَّامِ بِمَعْنَى عَلَى هُنَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاطَ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلَى لَمْ يُنْكِرْهُ. فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرَ إِلَّا إِرَادَةَ الِاشْتِرَاطِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ. وَضَعَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ: اللَّامُ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ، فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي فَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ آخِرَ أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ اشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا.

وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ الْوَلَاءَ بَاطِلٌ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِبُطْلَانِهِ أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا بِهِ التَّهْدِيدَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وَكَقَوْلِ مُوسَى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أَيْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِكُمْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي لَهُمْ فَسَيَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلَهُ حِينَ خَطَبَهُمْ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا .. إِلَخْ فَوَبَّخَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ اللَّهِ بِإِبْطَالِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُ ذَلِكَ لَبَدَأَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ فِي الْخُطْبَةِ لَا بِتَوْبِيخِ الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَقِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَمَّا كَانَ مَنِ اشْتَرَطَ خِلَافَ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَاصِيًا وَكَانَتْ فِي الْمَعَاصِي حُدُودٌ وَآدَابٌ وَكَانَ مِنْ أَدَبِ الْعَاصِينَ أَنْ يُعَطِّلَ عَلَيْهِمْ شُرُوطَهُمْ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُمْ - كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأَدَبِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى اشْتَرِطِي اتْرُكِي مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا شَرَطُوهُ وَلَا تُظْهِرِي نِزَاعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا إِلَيْهِ مُرَاعَاةً لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يُعْبَّرُ التَّرْكِ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: نَتْرُكُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ إِبَاحَةَ الْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَقْوَى الْأَجْوِبَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِعَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَأَنَّ سَبَبَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَهُوَ كَفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْحَجَّةِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ إِذَا اسْتَلْزَمَ إِزَالَةَ أَشَدِّهِمَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ

لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَابِقًا لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرِطِي مُجَرَّدَ الْوَعْدِ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنَّهُ يَأْمُرُ شَخْصًا أَنْ يَعِدَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفِي بِذَلِكَ الْوَعْدِ.

وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ جَائِزًا فِيهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِخُطْبَتِهِ وَبِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ مَا قَالَ، وَسِيَاقُ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَدْفَعُ فِي وَجْهِ هَذَا الْجَوَابِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَمَّا كَانَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَالْإِنْسَانَ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ثَبَتَ لَهُ نَسَبُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ نَسَبُهُ عَنْهُ وَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ وَلَوْ أَرَادَ نَقْلَ وَلَائِهِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِاشْتِرَاطِهِمُ الْوَلَاءَ، وَقِيلَ: اشْتَرِطِي وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَقْدِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْوِ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَخَّرَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ رَدُّهُ وَإِبْطَالُهُ قَوْلًا شَهِيرًا يُخْطَبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ظَاهِرًا، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكِيرِ وَأَوْكَدُ فِي التَّعْبِيرِ اهـ. وَهُوَ يَئُولُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ) أَيْ بِالِاتِّبَاعِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أَيْ بِاتِّبَاعِ حُدُودِهِ الَّتِي حَدَّهَا، وَلَيْسَتِ الْمُفَاعَلَةُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهَا إِذْ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ لِغَيْرِ التَّفْضِيلِ كَثِيرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَرَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ الْجَوَازِ.

قَوْلُهُ: (مَا بَالُ رِجَالٍ) أَيْ مَا حَالُهُمْ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُحَالَفَةٌ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلَا لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ سَابِيَهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَصِيرُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدْخُلُ فِيمَنْ أَعْتَقَ عِتْقُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ وَلِلْكَافِرِ، وَبِالْعَكْسِ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتَقِ.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ زَوْجِهَا وَكَانَ عَبْدًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ سَتَأْتِي فِي النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي زَوْجِهَا هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَتَسْمِيَتِهِ، وَمَا اتَّفَقَ لَهُ بَعْدَ فِرَاقِهَا.

وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا مِنَ الْفَوَائِدِ - سِوَى مَا سَبَقَ وَسِوَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ - جَوَازُ كِتَابَةِ الْأَمَةِ كَالْعَبْدِ، وَجَوَازُ كِتَابَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ الزَّوْجُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ كِتَابَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى فِرَاقِهَا مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْمُتَزَوِّجِ مَنْعُ السَّيِّدِ مِنْ عِتْقِ أَمَتِهِ الَّتِي تَحْتَهُ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحِهَا.

وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ تَمْكِينِهَا مِنَ السَّعْيِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَتُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ سَعْيِ الْمُكَاتَبَةِ وَسُؤَالِهَا وَاكْتِسَابِهَا وَتَمْكِينِ السَّيِّدِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إِذَا عُرِفَتْ جِهَةُ حِلِّ كَسْبِهَا، وَفِيهِ الْبَيَانُ بِأَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ كَسْبِهَا، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ.

وَفِيهِ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حِينِ الْكِتَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ عَجْزُهُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِ مَالِ الْكِتَابَةِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ وَتَشْدِيدِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ فِيهَا، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ الرَّشِيدَةَ تَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهَا فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا

أَذِنَ السَّيِّدُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ جَازَ تَصَرُّفُهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الرَّقَبَةِ لِيَتَسَاهَلُوا لَهُ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ. وَفِيهِ إِنْكَارُ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ وَانْتِهَارُ الرَّسُولِ فِيهِ.

وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ كَانَتِ الرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ بِيعَ بِالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَهُ بِرِضَاهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَّلَ بَعْضَ كِتَابَتِهِ قَبْلَ الْمَحَلِّ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ سَيِّدُهُ الْبَاقِيَ لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ. وَجَوَازُ الْكِتَابَةِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَقَلَّ مِنْهَا وَأَكْثَرَ، لِأَنَّ بَيْنَ الثَّمَنِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُؤَجَّلِ فَرْقًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَذَلَتْ عَائِشَةُ الْمُؤَجَّلَ نَاجِزًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ بِالتَّأْجِيلِ أَكْثَرَ مِمَّا كُوتِبَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُهَا بَاعُوهَا بِذَلِكَ.

وَفِيهِ أَنَّ المُرَادَ بِالْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الْقُوَّةُ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْوَفَاءُ بِمَا وَقَعَتِ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَالَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، لَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَالُ، مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، فَنُسِبَ إِلَى التَّنَاقُضِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَالُ سَيِّدِهِ وَالْمَالَ الَّذِي مَعَهُ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ؟ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَصِحُّ تَفْسِيرِ الْخَيْرِ بِالْمَالِ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا مَالَ فِيهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ: لَا مَالَ لَهُ. أَوْ: لَا مَالَ عِنْدَهُ، فَكَذَا إِنَّمَا يُقَالُ: فِيهِ وَفَاءٌ وَفِيهِ أَمَانَةٌ وَفِيهِ حُسْنُ مُعَامَلَةٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ كِتَابَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ، وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَلَى كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَمَا احْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ لِأَنَّ كِتَابَتَهَا لَمْ تَكُنْ حَالَّةً. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ابْتَاعَتْ بَرِيرَةَ مُكَاتَبَةً وَهِيَ لَمْ تَقْضِ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا وَتَقَدَّمَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْكِتَابَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَوْسَاخُ النَّاسِ.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ مَعُونَةِ الْمُكَاتَبَةِ بِالصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْكِتَابَةِ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، وَجَوَازُ التَّأْقِيتِ فِي الدُّيُونِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا كَذَا، مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِانْقِضَاءِ الشَّهْرِ الْحُلُولُ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ بَرِيرَةَ: فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ أَيْ فِي غُرَّتِهِ مَثَلًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَيُمْكِنُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالدُّيُونِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا، وَقِصَّةُ بَرِيرَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ قَصَّرَ فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَإِلَّا يَصِيرُ الْأَجَلُ مَجْهُولًا.

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ عَنِ السَّلَفِ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ الْمَعْلُومَةِ الْوَزْنِ يَكْفِي عَنِ الْوَزْنِ، وَأَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ بِالْأَوَاقِيِّ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ. وَزَعَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْعَدِّ إِلَى مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْوَزْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ مَقْدَمِهِ بِنَحْوٍ مِنْ ثَمَانِ سِنِينَ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ قَوْلُ عَائِشَةَ أَعُدُّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيْ أَدْفَعُهَا لَهُمْ، وَلَيْسَ مُرَادُهَا حَقِيقَةَ الْعَدِّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا فِي طَرِيقِ عَمْرَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً.

وَفِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَهَبَهُ مَثَلًا، وَأَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مَا لَا يُبْطِلُ وَلَا يَضُرُّ الْبَيْعَ.

وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَقُلْ إِنَّهَا عَجَزَتْ وَلَا اسْتَفْصَلَهَا النَّبِيُّ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ مُنَاجَاةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ، الهَبَّاريُّ -بفتح الهاء والمُوحَّدة المُشدَّدة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) وفي نسخةٍ في «اليونينيَّة»: «أوقيَّةٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) ولأبي ذرٍّ: «أوقيَّةٌ» بزيادة همزةٍ مضمومةٍ قبل الواو، وهي أربعون درهمًا (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمُؤنَّث، من الإعانة، أي: على مال كتابتي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأعيتني» بصيغة الخبر الماضي، من الإعياء، أي: أعجزتني الأواقيُّ عن تحصيلها (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) لبريرة: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا) أي: الأواقي (لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ) نُصِب عطفًا على «أنْ أعدَّها» (فَعَلْتُ، وَيَكُونَ) بالنَّصب أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «فيكون» بالفاء (١) (وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا) فجاءت إلى عائشة (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا (٢) إِلَّا أَنْ يَكُونَ

الوَلَاءُ لَهُمْ) أي: إلَّا بأن، فحذف منه حرف الجرِّ، أي: إلَّا بشرط ذلك، والاستثناء مُفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] قد أجرى «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قُوبِل ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٢] بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. فقوله (١): ﴿وَيَأْبَى اللّهُ﴾ واقعٌ (٢) موقع «لم يُرِدْ»، قالت عائشة: (فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الولاء»، واستُشكِل قوله: «واشترطي لهم الولاء» لأنَّه يفسد البيع، ومتضمِّنٌ للخداع والتَّغرير، وكيف أذن لأهله بما لا يصحُّ، ومن ثمَّ أنكر يحيى بن أكثم فيما رواه الخطَّابيُّ عنه ذلك، وعن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: الإشارة إلى تضعيف رواية هشامٍ المصرِّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وقال في «المعرفة» فيما قرأته فيها: حديث يحيى عن عمرة عن عائشة أثبتُ من حديث هشامٍ، وأحسبه غلط في قوله: «واشترطي لهم الولاء»، وأحسب حديث عمرة: أنَّ عائشة شرطت لهم الولاء، بغير أمر النَّبيِّ ، وهي ترى ذلك يجوز، فأعلمها رسول الله أنَّها إن أعتقتها فالولاء لها، وقال [خ¦٢٥٦٢]: «لا يمنعك عنها ما تقدَّم من شرطك»، ولا أرى أنَّه (٣) أمرها أن تشترط لهم ما لا يجوز، ثمَّ قال بعد سياقه لحديث نافعٍ عن ابن عمر السَّابق في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٥٦٢] ولعلَّ هشامًا أو عروة حين سمع أنَّ النَّبيَّ قال: «لا يمنعك ذلك» رأى أنَّه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر انتهى. وقد أثبت روايةَ هشامٍ جماعةٌ وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفَقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، واختلفوا في تأويلها فقيل: «لهم» بمعنى «عليهم» كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم،

وهذا رواه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتمٍ الرَّازي عن حرملة عن الشَّافعيِّ، وقال النَّوويُّ: تأويل اللَّام بمعنى «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى «على» لم ينكره، وقيل: الأمر هنا للإباحة، وهو على جهة التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواءٌ، فكأنَّه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، وقال النَّوويُّ: أقوى الأجوبة: أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضيَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وبأنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على خلاف هذه المقالة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩].

(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا) بالفاء في «اليونينيَّة» (بَالُ) أي: ما حالُ (رِجَالٍ مِنْكُمْ (١) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ) ولأبي ذرٍّ: «كان ليس» (فِي كِتَابِ اللهِ) أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ (فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) قال القرطبيُّ: خرج مخرج التَّكثير، يعني أنَّ الشُّروطَ غير المشروعة باطلةٌ ولو كَثُرَتْ (فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليست «المفاعلة» هنا على حقيقتها، إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (مَا) بغير فاءٍ في «اليونينيَّة» (بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ؟ إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ويُستفاد من التَّعبير بـ «إنَّما» إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ، وفيه: جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين السَّيِّد له من ذلك، لكنَّ محلَّ الجواز إذا عُرِفت جهة حِلِّ كسبه، وأنَّ للمُكاتَب أن يَسْأَلَ من حين الكتابة، ولا يُشترَط في ذلك عجزه (٢) خلافًا لمن شرطه، وأنَّه لا بأس بتعجيل

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَا عَنْ لَا يُرَادُ بِهَا أَدَاةُ الرِّوَايَةِ بَلْ فِي السِّيَاقِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ فِي إِرَادَتِهَا شِرَاءَ بَرِيرَةَ، وَقَدْ وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، فَفِي النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بَرِيرَةَ أَنَّهَا كَانَ فِيهَا ثَلَاثُ سِنِينَ قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. قُلْتُ: وَإِذَا حُمِلَ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ لَمْ يَكُنْ خَطَأً، بَلِ الْمُرَادُ عَنْ قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَلَمْ يُرِدِ الرِّوَايَةَ عَنْهَا نَفْسِهَا.

وَقَدْ قَرَّرْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنَظَائِرِهَا فِيمَا كَتَبْتُهُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَمْنَعُكِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ لَا يَمْنَعَنَّكِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ.

٣ - بَاب اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ

٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ فيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الْوَلَاءُ، إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ اسْتِعَانَةِ الْمُكَاتَبِ وَسُؤَالِهِ النَّاسَ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ تَقَعُ بِالسُّؤَالِ وَبِغَيْرِهِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَرِيرَةَ عَلَى سُؤَالِهَا عَائِشَةَ فِي إِعَانَتِهَا عَلَى كِتَابَتِهَا، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ يَرْفَعُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قَالَ: حِرْفَةً، وَلَا تُرْسِلُوهُمْ كَلًّا عَلَى النَّاسِ، فَهُوَ مُرْسَلٌ أَوْ مُعْضَلٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامٍ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ: ابْنِ عُرْوَةَ.

قَوْلُهُ: (فَأَعِينِينِي) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ مِنَ الْإِعَانَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَعْيَتْنِي بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الْمَاضِي مِنَ الْإِعْيَاءِ، وَالضَّمِيرُ لِلْأَوَاقِي، وَهُوَ مُتَّجَهُ الْمَعْنَى، أَيْ أَعْجَزَتْنِي عَنْ تَحْصِيلِهَا. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ فَأَعْتِقِينِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلْمُؤَنَّثِ بِالْعِتْقِ، إِلَّا أَنَّ الثَّابِتَ فِي طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ هِشَامٍ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْوَلَاءُ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَانْتَهَرْتُهَا، وَكَأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ عَرَفَتِ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ عَنْ هِشَامٍ، وَاسْتَشْكَلَ صُدُورُ الْإِذْنِ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ الشَّرْطَ فِي الْحَدِيثِ، فَرَوَى الْخَطَّابِيُّ فِي الْمعَالِمِ بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ الْإِشَارَةُ إِلَى تَضْعِيفِ رِوَايَةِ هِشَامٍ الْمُصَرِّحَةِ بِالِاشْتِرَاطِ لِكَوْنِهِ انْفَرَدَ بِهَا دُونَ أَصْحَابِ أَبِيهِ، وَرِوَايَاتُ

غَيْرِهِ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ. وَأَشَارَ غَيْرُهُ إِلَى أَنَّهُ روى بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ لَهُ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، وَأَثْبَتَ الرِّوَايَةَ آخَرُونَ وَقَالُوا: هِشَامٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّهِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهَا: فَزَعَمَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِلَفْظِ وَأَشْرِطِي بِهَمْزَةِ قَطْعٍ بِغَيْرِ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ، ثُمَّ وَجَّهَهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَظْهَرِي لَهُمْ حُكْمَ الْوَلَاءِ. وَالْإِشْرَاطُ الْإِظْهَارُ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَهُ وَهُوَ مِعْصَمٌ أَيْ أَظْهَرَ نَفْسَهُ انْتَهَى. وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ الرِّوَايَةَ. وَالَّذِي فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالْأُمِّ وَغَيْرِهِمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ كَرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ وَاشْتَرِطِي بِصِيغَةِ أَمْرِ الْمُؤَنَّثِ مِنَ الشَّرْطِ، ثُمَّ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا تَأْوِيلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي بِلَفْظِ اشْتَرِطِي وَأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لَهُمْ بِمَعْنَى على كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَجَزَمَ بِهِ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَسْنَدَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْهُ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ غَلَطٌ، وَالتَّأْوِيلَ الْمَنْقُولَ عَنِ الْمُزَنِيِّ لَا يَصِحُّ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَأْوِيلُ اللَّامِ بِمَعْنَى عَلَى هُنَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الِاشْتِرَاطَ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى عَلَى لَمْ يُنْكِرْهُ. فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرَ إِلَّا إِرَادَةَ الِاشْتِرَاطِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَى ذَلِكَ. وَضَعَّفَهُ أَيْضًا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ: اللَّامُ لَا تَدُلُّ بِوَضْعِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ النَّافِعِ، بَلْ عَلَى مُطْلَقِ الِاخْتِصَاصِ، فَلَا بُدَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: اشْتَرِطِي لِلْإِبَاحَةِ، وَهُوَ عَلَى جِهَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي أَوْ لَا تَشْتَرِطِي فَذَلِكَ لَا يُفِيدُهُمْ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَيْمَنَ الْآتِيَةِ آخِرَ أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ اشْتَرِيهَا وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا.

وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَائِعِ الْوَلَاءَ بَاطِلٌ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ بَرِيرَةَ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَشْتَرِطُوا مَا تَقَدَّمَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِبُطْلَانِهِ أَطْلَقَ الْأَمْرَ مُرِيدًا بِهِ التَّهْدِيدَ عَلَى مَآلِ الْحَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وَكَقَوْلِ مُوسَى: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أَيْ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعِكُمْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: اشْتَرِطِي لَهُمْ فَسَيَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلَهُ حِينَ خَطَبَهُمْ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا .. إِلَخْ فَوَبَّخَهُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ بَيَانُ حُكْمِ اللَّهِ بِإِبْطَالِهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيَانُ ذَلِكَ لَبَدَأَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ فِي الْخُطْبَةِ لَا بِتَوْبِيخِ الْفَاعِلِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَقِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ بِمَعْنَى الْوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: لَمَّا كَانَ مَنِ اشْتَرَطَ خِلَافَ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَاصِيًا وَكَانَتْ فِي الْمَعَاصِي حُدُودٌ وَآدَابٌ وَكَانَ مِنْ أَدَبِ الْعَاصِينَ أَنْ يُعَطِّلَ عَلَيْهِمْ شُرُوطَهُمْ لِيَرْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَيَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُمْ - كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَيْسَرِ الْأَدَبِ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى اشْتَرِطِي اتْرُكِي مُخَالَفَتَهُمْ فِيمَا شَرَطُوهُ وَلَا تُظْهِرِي نِزَاعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا إِلَيْهِ مُرَاعَاةً لِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَقَدْ يُعْبَّرُ التَّرْكِ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَيْ: نَتْرُكُهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِذْنِ إِبَاحَةَ الْإِضْرَارِ بِالسِّحْرِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إِلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمَجَازِ مِنْ حَيْثُ السِّيَاقُ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَقْوَى الْأَجْوِبَةِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِعَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَأَنَّ سَبَبَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَهُوَ كَفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْحَجَّةِ مُبَالَغَةً فِي إِزَالَةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ إِذَا اسْتَلْزَمَ إِزَالَةَ أَشَدِّهِمَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ

لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ كَانَ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ سَابِقًا لِلْعَقْدِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ: اشْتَرِطِي مُجَرَّدَ الْوَعْدِ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ أَنَّهُ يَأْمُرُ شَخْصًا أَنْ يَعِدَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَفِي بِذَلِكَ الْوَعْدِ.

وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، فَوَقَعَ الْأَمْرُ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ جَائِزًا فِيهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِخُطْبَتِهِ وَبِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ مَا قَالَ، وَسِيَاقُ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَدْفَعُ فِي وَجْهِ هَذَا الْجَوَابِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَمَّا كَانَ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَالْإِنْسَانَ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ثَبَتَ لَهُ نَسَبُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ نَسَبُهُ عَنْهُ وَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ثَبَتَ لَهُ وَلَاؤُهُ وَلَوْ أَرَادَ نَقْلَ وَلَائِهِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ لَمْ يَنْتَقِلْ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِاشْتِرَاطِهِمُ الْوَلَاءَ، وَقِيلَ: اشْتَرِطِي وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْعَقْدِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّغْوِ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَخَّرَ إِعْلَامَهُمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ رَدُّهُ وَإِبْطَالُهُ قَوْلًا شَهِيرًا يُخْطَبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ظَاهِرًا، إِذْ هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّكِيرِ وَأَوْكَدُ فِي التَّعْبِيرِ اهـ. وَهُوَ يَئُولُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ) أَيْ بِالِاتِّبَاعِ مِنَ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أَيْ بِاتِّبَاعِ حُدُودِهِ الَّتِي حَدَّهَا، وَلَيْسَتِ الْمُفَاعَلَةُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهَا إِذْ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَدْ وَرَدَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ لِغَيْرِ التَّفْضِيلِ كَثِيرًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَرَدَ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ الْجَوَازِ.

قَوْلُهُ: (مَا بَالُ رِجَالٍ) أَيْ مَا حَالُهُمْ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ كَلِمَةَ إِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ نَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَاسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُحَالَفَةٌ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلَا لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ. وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُسْتَفَادُ مِنْ مَنْطُوقِهِ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ سَابِيَهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَصِيرُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدْخُلُ فِيمَنْ أَعْتَقَ عِتْقُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ وَلِلْكَافِرِ، وَبِالْعَكْسِ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتَقِ.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ زَوْجِهَا وَكَانَ عَبْدًا، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ سَتَأْتِي فِي النِّكَاحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَعَ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي زَوْجِهَا هَلْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَتَسْمِيَتِهِ، وَمَا اتَّفَقَ لَهُ بَعْدَ فِرَاقِهَا.

وَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ هَذَا مِنَ الْفَوَائِدِ - سِوَى مَا سَبَقَ وَسِوَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ - جَوَازُ كِتَابَةِ الْأَمَةِ كَالْعَبْدِ، وَجَوَازُ كِتَابَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنِ الزَّوْجُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ كِتَابَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى فِرَاقِهَا مِنْهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ الْمُتَزَوِّجِ مَنْعُ السَّيِّدِ مِنْ عِتْقِ أَمَتِهِ الَّتِي تَحْتَهُ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى بُطْلَانِ نِكَاحِهَا.

وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ تَمْكِينِهَا مِنَ السَّعْيِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا خِدْمَتُهُ. وَفِيهِ جَوَازُ سَعْيِ الْمُكَاتَبَةِ وَسُؤَالِهَا وَاكْتِسَابِهَا وَتَمْكِينِ السَّيِّدِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إِذَا عُرِفَتْ جِهَةُ حِلِّ كَسْبِهَا، وَفِيهِ الْبَيَانُ بِأَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ عَنْ كَسْبِ الْأَمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ كَسْبِهَا، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ.

وَفِيهِ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ حِينِ الْكِتَابَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ عَجْزُهُ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ السُّؤَالِ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ غُرْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِ مَالِ الْكِتَابَةِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَاوَمَةِ فِي الْبَيْعِ وَتَشْدِيدِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ فِيهَا، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ الرَّشِيدَةَ تَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهَا فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً خِلَافًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدٌ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَأَنَّ مَنْ لَا يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا

أَذِنَ السَّيِّدُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ جَازَ تَصَرُّفُهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْعِتْقِ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الرَّقَبَةِ لِيَتَسَاهَلُوا لَهُ فِي الثَّمَنِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الرِّيَاءِ. وَفِيهِ إِنْكَارُ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ وَانْتِهَارُ الرَّسُولِ فِيهِ.

وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ كَانَتِ الرَّغْبَةُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ بِيعَ بِالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنَهُ بِرِضَاهُ.

وَفِيهِ جَوَازُ الشِّرَاءِ بِالنَّسِيئَةِ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَّلَ بَعْضَ كِتَابَتِهِ قَبْلَ الْمَحَلِّ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ سَيِّدُهُ الْبَاقِيَ لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ. وَجَوَازُ الْكِتَابَةِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَقَلَّ مِنْهَا وَأَكْثَرَ، لِأَنَّ بَيْنَ الثَّمَنِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُؤَجَّلِ فَرْقًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَذَلَتْ عَائِشَةُ الْمُؤَجَّلَ نَاجِزًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ بِالتَّأْجِيلِ أَكْثَرَ مِمَّا كُوتِبَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُهَا بَاعُوهَا بِذَلِكَ.

وَفِيهِ أَنَّ المُرَادَ بِالْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ الْقُوَّةُ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْوَفَاءُ بِمَا وَقَعَتِ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَالَ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ، لَا يَرِدُ عَلَيْهِ هَذَا، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَالُ، مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، فَنُسِبَ إِلَى التَّنَاقُضِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَالُ سَيِّدِهِ وَالْمَالَ الَّذِي مَعَهُ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يُكَاتِبُهُ بِمَالِهِ؟ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَصِحُّ تَفْسِيرِ الْخَيْرِ بِالْمَالِ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا مَالَ فِيهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ: لَا مَالَ لَهُ. أَوْ: لَا مَالَ عِنْدَهُ، فَكَذَا إِنَّمَا يُقَالُ: فِيهِ وَفَاءٌ وَفِيهِ أَمَانَةٌ وَفِيهِ حُسْنُ مُعَامَلَةٍ. وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا جَوَازُ كِتَابَةِ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ وِفَاقًا لِلْجُمْهُورِ، وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَلَى كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ أَوْ حِرْفَةٌ لَمَا احْتَاجَتْ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ لِأَنَّ كِتَابَتَهَا لَمْ تَكُنْ حَالَّةً. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ابْتَاعَتْ بَرِيرَةَ مُكَاتَبَةً وَهِيَ لَمْ تَقْضِ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا وَتَقَدَّمَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَفِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْكِتَابَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ، وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَوْسَاخُ النَّاسِ.

وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ مَعُونَةِ الْمُكَاتَبَةِ بِالصَّدَقَةِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْفَرْضِ. وَفِيهِ جَوَازُ الْكِتَابَةِ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ، وَجَوَازُ التَّأْقِيتِ فِي الدُّيُونِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا كَذَا، مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَجْهُولًا لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِانْقِضَاءِ الشَّهْرِ الْحُلُولُ، كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ بَرِيرَةَ: فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ أَيْ فِي غُرَّتِهِ مَثَلًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَيُمْكِنُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالدُّيُونِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ حَلَّ لِسَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا، وَقِصَّةُ بَرِيرَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ قَصَّرَ فِي بَيَانِ تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَإِلَّا يَصِيرُ الْأَجَلُ مَجْهُولًا.

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ عَنِ السَّلَفِ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَدَّ فِي الدَّرَاهِمِ الصِّحَاحِ الْمَعْلُومَةِ الْوَزْنِ يَكْفِي عَنِ الْوَزْنِ، وَأَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ بِالْأَوَاقِيِّ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ. وَزَعَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالْعَدِّ إِلَى مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ الْمَدِينَةَ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْوَزْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ بَرِيرَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ مَقْدَمِهِ بِنَحْوٍ مِنْ ثَمَانِ سِنِينَ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ قَوْلُ عَائِشَةَ أَعُدُّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيْ أَدْفَعُهَا لَهُمْ، وَلَيْسَ مُرَادُهَا حَقِيقَةَ الْعَدِّ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهَا فِي طَرِيقِ عَمْرَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً.

وَفِيهِ جَوَازُ الْبَيْعِ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَهَبَهُ مَثَلًا، وَأَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مَا لَا يُبْطِلُ وَلَا يَضُرُّ الْبَيْعَ.

وَفِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تَقُلْ إِنَّهَا عَجَزَتْ وَلَا اسْتَفْصَلَهَا النَّبِيُّ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

وَفِيهِ جَوَازُ مُنَاجَاةِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٥٦٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بضمِّ العين مُصغَّرًا، من غير إضافةٍ، الهَبَّاريُّ -بفتح الهاء والمُوحَّدة المُشدَّدة- القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ) ولأبي ذرٍّ: «عن هشام بن عروة» (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ) وفي نسخةٍ في «اليونينيَّة»: «أوقيَّةٍ» (فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ) ولأبي ذرٍّ: «أوقيَّةٌ» بزيادة همزةٍ مضمومةٍ قبل الواو، وهي أربعون درهمًا (فَأَعِينِينِي) بصيغة الأمر للمُؤنَّث، من الإعانة، أي: على مال كتابتي، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فأعيتني» بصيغة الخبر الماضي، من الإعياء، أي: أعجزتني الأواقيُّ عن تحصيلها (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) لبريرة: (إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا) أي: الأواقي (لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ) نُصِب عطفًا على «أنْ أعدَّها» (فَعَلْتُ، وَيَكُونَ) بالنَّصب أيضًا، ولأبي ذرٍّ: «فيكون» بالفاء (١) (وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا) فجاءت إلى عائشة (فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا (٢) إِلَّا أَنْ يَكُونَ

الوَلَاءُ لَهُمْ) أي: إلَّا بأن، فحذف منه حرف الجرِّ، أي: إلَّا بشرط ذلك، والاستثناء مُفرَّغٌ؛ لأنَّ في «أبى» معنى النَّفي، قال الزَّمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] قد أجرى «أبى» مجرى «لم يُرِد»، ألا ترى كيف قُوبِل ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٢] بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. فقوله (١): ﴿وَيَأْبَى اللّهُ﴾ واقعٌ (٢) موقع «لم يُرِدْ»، قالت عائشة: (فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ، فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: خُذِيهَا) اشتريها (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة قطعٍ (وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ولأبي ذرٍّ: «فإنَّ الولاء»، واستُشكِل قوله: «واشترطي لهم الولاء» لأنَّه يفسد البيع، ومتضمِّنٌ للخداع والتَّغرير، وكيف أذن لأهله بما لا يصحُّ، ومن ثمَّ أنكر يحيى بن أكثم فيما رواه الخطَّابيُّ عنه ذلك، وعن الشَّافعيِّ في «الأمِّ»: الإشارة إلى تضعيف رواية هشامٍ المصرِّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وقال في «المعرفة» فيما قرأته فيها: حديث يحيى عن عمرة عن عائشة أثبتُ من حديث هشامٍ، وأحسبه غلط في قوله: «واشترطي لهم الولاء»، وأحسب حديث عمرة: أنَّ عائشة شرطت لهم الولاء، بغير أمر النَّبيِّ ، وهي ترى ذلك يجوز، فأعلمها رسول الله أنَّها إن أعتقتها فالولاء لها، وقال [خ¦٢٥٦٢]: «لا يمنعك عنها ما تقدَّم من شرطك»، ولا أرى أنَّه (٣) أمرها أن تشترط لهم ما لا يجوز، ثمَّ قال بعد سياقه لحديث نافعٍ عن ابن عمر السَّابق في الباب الذي قبل هذا [خ¦٢٥٦٢] ولعلَّ هشامًا أو عروة حين سمع أنَّ النَّبيَّ قال: «لا يمنعك ذلك» رأى أنَّه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر انتهى. وقد أثبت روايةَ هشامٍ جماعةٌ وقالوا: هشامٌ ثقةٌ حافظٌ، والحديث مُتَّفَقٌ على صحَّته، فلا وجه لردِّه، واختلفوا في تأويلها فقيل: «لهم» بمعنى «عليهم» كقوله تعالى: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم،

وهذا رواه البيهقيُّ في «المعرفة» من طريق أبي حاتمٍ الرَّازي عن حرملة عن الشَّافعيِّ، وقال النَّوويُّ: تأويل اللَّام بمعنى «على» هنا ضعيفٌ؛ لأنَّه أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى «على» لم ينكره، وقيل: الأمر هنا للإباحة، وهو على جهة التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواءٌ، فكأنَّه يقول: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، وقال النَّوويُّ: أقوى الأجوبة: أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القضيَّة، وتعقَّبه ابن دقيق العيد: بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليلٍ، وبأنَّ الشَّافعيَّ نصَّ على خلاف هذه المقالة، ويأتي مزيدٌ لذلك إن شاء الله تعالى في «الشُّروط» [خ¦٢٧٢٩].

(قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ فِي النَّاسِ) خطيبًا (فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَا) بالفاء في «اليونينيَّة» (بَالُ) أي: ما حالُ (رِجَالٍ مِنْكُمْ (١) يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ) ولأبي ذرٍّ: «كان ليس» (فِي كِتَابِ اللهِ) أي: في حكمه من كتابٍ أو سنَّةٍ أو إجماعٍ (فَهْوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ) قال القرطبيُّ: خرج مخرج التَّكثير، يعني أنَّ الشُّروطَ غير المشروعة باطلةٌ ولو كَثُرَتْ (فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ) أي: بالاتِّباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ) باتِّباع حدوده التي حدَّها، وليست «المفاعلة» هنا على حقيقتها، إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل (مَا) بغير فاءٍ في «اليونينيَّة» (بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ؟ إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ويُستفاد من التَّعبير بـ «إنَّما» إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمَّا عداه، فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ، وفيه: جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين السَّيِّد له من ذلك، لكنَّ محلَّ الجواز إذا عُرِفت جهة حِلِّ كسبه، وأنَّ للمُكاتَب أن يَسْأَلَ من حين الكتابة، ولا يُشترَط في ذلك عجزه (٢) خلافًا لمن شرطه، وأنَّه لا بأس بتعجيل

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
أستغفر الله