«اسْتَقْبَلَ وَاللهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٠٤

الحديث رقم ٢٧٠٤ من كتاب «كتاب الصلح» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄ ابني هذا سيد.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٧٠٤ في صحيح البخاري

«اسْتَقْبَلَ وَاللهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ أَيْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ، مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَا وَقَالَا لَهُ، فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.» قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

بَابٌ: هَلْ يُشِيرُ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٧٠٤

٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٧٠٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) سقط لفظ «باب» لأبي ذَرٍّ، فيكون «قولُ النَّبي» رفعًا (١) على ما لا يخفى (لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) «هذا» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، و «سيِّدٌ» خبرٌ بعد خبرٍ، واللَّام في «للحَسَن» بمعنى «عن» (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) الفئة الَّتي من جهته والفئة الَّتي من جهة معاوية عند اختلافهما على الخلافة (وَقَوْلُِهُِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور بالإضافة، وبالرَّفع عطفًا على رواية سقوط لفظ «باب»، وسقط قوله «جلَّ ذكره» في رواية أبي ذرٍّ: (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الصُّلح مندوبٌ إليه.

٢٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي مُوسَى) إسرائيل بن موسى البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللهِ

الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ) نصبٌ على المفعوليَّة، ابن أبي سفيان (بِكَتَائِبَ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: بجيوش (أَمْثَالِ الجِبَالِ) أي: لا يُرى طرفها لكثرتها، كما لا يُرى من قابلَ الجبل طرفَيه (فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِي) بإثبات الياء محرِّضًا لمعاوية على قتال الحسن: (إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي) أي لا تدبر (حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) بفتح الهمزة، جمع قِرْن بكسر القاف، وهو الكفء والنَّظير في الشَّجاعة والحرب (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) جوابًا عن مقالته: (- وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ-) جملةٌ معترضةٌ من قول الحسن البصريِّ، أي: وكان معاوية خيرًا من عمرو بن العاص؛ لأنَّه كان يحرِّض معاوية على القتال، ومعاوية يتوقَّع الصُّلح، وأنَّ الحسن يبايعه، ويأخذ منه ما يريد من غير قتال (أَيْ عَمْرُو) حرف نداءٍ ومنادى مبنيٌّ على الضَّمِّ (إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ) الأوَّل مرفوعٌ على الفاعليَّة، والثَّاني منصوبٌ على المفعوليَّة في الموضعين، أي: إن قتل جيشُنا جيشَه، أو قتل جيشُه جيشَنا (مَنْ لِي) أي: من يتكفَّلْ لي (بِأُمُورِ النَّاسِ؟) هو جواب الشَّرط في قوله: «إن قتل» يعني: أنَّه المطالَب عند الله على كِلا التَّقديرَين (مَنْ لِي) ولأبي ذَرٍّ: «من لنا» (بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون التَّحتيَّة وبالعين المهملة، أي: عيالهم، وقال العينيُّ: ويُروى: «بصبيتهم» بالصَّاد المهملة والموحَّدة، قال: وعلى هذه الرِّواية فسَّرها الكِرمانيُّ بقوله: والصِّبيةُ المراد بها الأطفال والضُّعفاء؛ لأنَّهم لو تُرِكُوا بحالهم؛ لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش. انتهى. والَّذي في النُّسخة الَّتي وقفتُ عليها من الكِرمانيِّ: «والضَّيعة» بالضَّاد المعجمة، نعم؛ روى المؤلِّف الحديث في «الفتن» بلفظ: «قال معاوية: من لذراري المسلمين؟» [خ¦٧١٠٩] ومفهوم هذا: أنَّ معاوية كان راغبًا في الصُّلح وترك الحرب؛ ليسلم من تَبِعَة النَّاس دنيا وأخرى (فَبَعَثَ إِلَيْهِ) أي: بعث معاوية (١) إلى الحسن (رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ) بالنَّصب بدلًا من «رجلين»، ابن حبيب بن عبد شمس القرشيَّ من مسلمة الفتح (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ

عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة آخره زايٌ، وسقط قوله «ابن كريز» في رواية الأَصيليِّ (فَقَالَ) معاوية لهما: (اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ) الحسن (فَاعْرِضَا عَلَيْهِ) الصُّلح (وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ) قال الكِرمانيُّ: أي: يكون مطلوبكما مفوَّضًا إليه وطلبكما منتهيًا إليه، أي: التزما مطالبه (١) (فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وتكلَّما» بالواو بدل الفاء (وَقَالَا لَهُ) ولأبي ذَرٍّ وحده: «فقالا له» (وطَلَبَا) بالواو، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فطلبا» (إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا) أي: للرَّسولَين، ولأبوي الوقت وذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقال لهم» (الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: للرَّسولين ومن معهما: (إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ) بالخلافة ما صارت لنا به عادةٌ في الإنفاق، والإفضال على الأهل والحاشية، فإن (٢) تخلَّيت من أمر (٣) الخلافة قطعت العادة (وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا) بعينٍ مهملةٍ فألفٍ فمثلَّثةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، أي: اتَّسعت في القتل والإفساد، فلا تكفُّ إلَّا بالمال (قَالَا) عبد الرَّحمن وعبد الله: (فَإِنَّهُ) أي: معاوية (يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا) أي: من المال (٤) والأقوات والثِّياب (وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ، وَيَسْأَلُكَ) وكان الحسن -فيما قاله ابن الأثير في «الكامل» - قد كتب إلى معاوية كتابًا، وذكر فيه شروطًا، وأرسل معاوية رسولَيه المذكورَين قبل وصول كتاب الحسن إليه، ومعهما صحيفةٌ بيضاءُ مختومٌ على أسفلها، وكتب إليه: أن اكتب إليَّ في هذه الصَّحيفة الَّتي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك (قَالَ) الحسن: (فَمَنْ لِي) أي: فمن يتكفَّل لي (بِهَذَا) الَّذي ذكرتماه؟ (قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا) الحسن (شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ) (٥) وسقط من قوله «فما سألهما … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، (فَصَالَحَهُ) الحسن على ما وقع من الشُّروط رعايةً لمصلحةٍ دينيَّةٍ (٦) ومصلحة الأمة، وقيل: إنَّ معاوية أجاز الحسن بثلاث مئة ألفٍ وألف (٧) ثوبٍ وثلاثين عبدًا ومئة جملٍ،

وقرأت في «كامل ابن الأثير»: أنَّ الحسن لمَّا سلَّم معاوية أمر الخلافة؛ طلب منه (١) أن يعطيه الشُّروط الَّتي في الصَّحيفة الَّتي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية، وقال: قد أعطيتك ما كنت (٢) تطلب، وكان الَّذي طلب الحسن منه أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألفٍ وخراج دار بجرد من فارس، ثمَّ انصرف الحسن إلى المدينة، قال الكِرمانيُّ: وقد كان يومئذٍ الحسن أحقَّ النَّاس بهذا الأمر، فدعاه ورعه إلى ترك المُلك رغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلَّة ولا لذلَّة ولا لقلَّة، فقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، وفيه دلالة على جواز النُّزول عن (٣) الوظائف الدينيَّة والدنيويَّة بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أَولى من النَّازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل.

(فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (الحَسَنُ) أي: البصريُّ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) نُفيعَ بن الحارث الثَّقفيَّ (يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى) الواو في قوله: «والحسن»، وفي قوله: «وهو يقبل» للحال (وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ) تثنية فئة، أي: فرقتين (عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٩) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) سقط لفظ «باب» لأبي ذَرٍّ، فيكون «قولُ النَّبي» رفعًا (١) على ما لا يخفى (لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ) «هذا» مبتدأٌ مؤخَّرٌ، و «سيِّدٌ» خبرٌ بعد خبرٍ، واللَّام في «للحَسَن» بمعنى «عن» (وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ) الفئة الَّتي من جهته والفئة الَّتي من جهة معاوية عند اختلافهما على الخلافة (وَقَوْلُِهُِ جَلَّ ذِكْرُهُ) بالجرِّ عطفًا على المجرور بالإضافة، وبالرَّفع عطفًا على رواية سقوط لفظ «باب»، وسقط قوله «جلَّ ذكره» في رواية أبي ذرٍّ: (﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الصُّلح مندوبٌ إليه.

٢٧٠٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي مُوسَى) إسرائيل بن موسى البصريُّ أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ) البصريَّ (يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللهِ

الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ) نصبٌ على المفعوليَّة، ابن أبي سفيان (بِكَتَائِبَ) بالمثنَّاة الفوقيَّة، أي: بجيوش (أَمْثَالِ الجِبَالِ) أي: لا يُرى طرفها لكثرتها، كما لا يُرى من قابلَ الجبل طرفَيه (فَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِي) بإثبات الياء محرِّضًا لمعاوية على قتال الحسن: (إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي) أي لا تدبر (حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا) بفتح الهمزة، جمع قِرْن بكسر القاف، وهو الكفء والنَّظير في الشَّجاعة والحرب (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) جوابًا عن مقالته: (- وَكَانَ وَاللهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ-) جملةٌ معترضةٌ من قول الحسن البصريِّ، أي: وكان معاوية خيرًا من عمرو بن العاص؛ لأنَّه كان يحرِّض معاوية على القتال، ومعاوية يتوقَّع الصُّلح، وأنَّ الحسن يبايعه، ويأخذ منه ما يريد من غير قتال (أَيْ عَمْرُو) حرف نداءٍ ومنادى مبنيٌّ على الضَّمِّ (إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ) الأوَّل مرفوعٌ على الفاعليَّة، والثَّاني منصوبٌ على المفعوليَّة في الموضعين، أي: إن قتل جيشُنا جيشَه، أو قتل جيشُه جيشَنا (مَنْ لِي) أي: من يتكفَّلْ لي (بِأُمُورِ النَّاسِ؟) هو جواب الشَّرط في قوله: «إن قتل» يعني: أنَّه المطالَب عند الله على كِلا التَّقديرَين (مَنْ لِي) ولأبي ذَرٍّ: «من لنا» (بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟) بفتح الضَّاد المعجمة وسكون التَّحتيَّة وبالعين المهملة، أي: عيالهم، وقال العينيُّ: ويُروى: «بصبيتهم» بالصَّاد المهملة والموحَّدة، قال: وعلى هذه الرِّواية فسَّرها الكِرمانيُّ بقوله: والصِّبيةُ المراد بها الأطفال والضُّعفاء؛ لأنَّهم لو تُرِكُوا بحالهم؛ لضاعوا لعدم استقلالهم بالمعاش. انتهى. والَّذي في النُّسخة الَّتي وقفتُ عليها من الكِرمانيِّ: «والضَّيعة» بالضَّاد المعجمة، نعم؛ روى المؤلِّف الحديث في «الفتن» بلفظ: «قال معاوية: من لذراري المسلمين؟» [خ¦٧١٠٩] ومفهوم هذا: أنَّ معاوية كان راغبًا في الصُّلح وترك الحرب؛ ليسلم من تَبِعَة النَّاس دنيا وأخرى (فَبَعَثَ إِلَيْهِ) أي: بعث معاوية (١) إلى الحسن (رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ) بالنَّصب بدلًا من «رجلين»، ابن حبيب بن عبد شمس القرشيَّ من مسلمة الفتح (وَعَبْدَ اللهِ بْنَ

عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ) بضمِّ الكاف وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة آخره زايٌ، وسقط قوله «ابن كريز» في رواية الأَصيليِّ (فَقَالَ) معاوية لهما: (اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ) الحسن (فَاعْرِضَا عَلَيْهِ) الصُّلح (وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ) قال الكِرمانيُّ: أي: يكون مطلوبكما مفوَّضًا إليه وطلبكما منتهيًا إليه، أي: التزما مطالبه (١) (فَأَتَيَاهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَا) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «وتكلَّما» بالواو بدل الفاء (وَقَالَا لَهُ) ولأبي ذَرٍّ وحده: «فقالا له» (وطَلَبَا) بالواو، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «فطلبا» (إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا) أي: للرَّسولَين، ولأبوي الوقت وذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «فقال لهم» (الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي: للرَّسولين ومن معهما: (إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا المَالِ) بالخلافة ما صارت لنا به عادةٌ في الإنفاق، والإفضال على الأهل والحاشية، فإن (٢) تخلَّيت من أمر (٣) الخلافة قطعت العادة (وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا) بعينٍ مهملةٍ فألفٍ فمثلَّثةٍ فمثنَّاةٍ فوقيَّةٍ، أي: اتَّسعت في القتل والإفساد، فلا تكفُّ إلَّا بالمال (قَالَا) عبد الرَّحمن وعبد الله: (فَإِنَّهُ) أي: معاوية (يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا) أي: من المال (٤) والأقوات والثِّياب (وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ، وَيَسْأَلُكَ) وكان الحسن -فيما قاله ابن الأثير في «الكامل» - قد كتب إلى معاوية كتابًا، وذكر فيه شروطًا، وأرسل معاوية رسولَيه المذكورَين قبل وصول كتاب الحسن إليه، ومعهما صحيفةٌ بيضاءُ مختومٌ على أسفلها، وكتب إليه: أن اكتب إليَّ في هذه الصَّحيفة الَّتي ختمت أسفلها بما شئت فهو لك (قَالَ) الحسن: (فَمَنْ لِي) أي: فمن يتكفَّل لي (بِهَذَا) الَّذي ذكرتماه؟ (قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا) الحسن (شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ) نتكفَّل (لَكَ بِهِ) (٥) وسقط من قوله «فما سألهما … » إلى آخره في رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ، (فَصَالَحَهُ) الحسن على ما وقع من الشُّروط رعايةً لمصلحةٍ دينيَّةٍ (٦) ومصلحة الأمة، وقيل: إنَّ معاوية أجاز الحسن بثلاث مئة ألفٍ وألف (٧) ثوبٍ وثلاثين عبدًا ومئة جملٍ،

وقرأت في «كامل ابن الأثير»: أنَّ الحسن لمَّا سلَّم معاوية أمر الخلافة؛ طلب منه (١) أن يعطيه الشُّروط الَّتي في الصَّحيفة الَّتي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية، وقال: قد أعطيتك ما كنت (٢) تطلب، وكان الَّذي طلب الحسن منه أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألفٍ وخراج دار بجرد من فارس، ثمَّ انصرف الحسن إلى المدينة، قال الكِرمانيُّ: وقد كان يومئذٍ الحسن أحقَّ النَّاس بهذا الأمر، فدعاه ورعه إلى ترك المُلك رغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لعلَّة ولا لذلَّة ولا لقلَّة، فقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، وفيه دلالة على جواز النُّزول عن (٣) الوظائف الدينيَّة والدنيويَّة بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شرائطه، بأن يكون المنزول له أَولى من النَّازل، وأن يكون المبذول من مال الباذل.

(فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال» (الحَسَنُ) أي: البصريُّ: (وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ) نُفيعَ بن الحارث الثَّقفيَّ (يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى) الواو في قوله: «والحسن»، وفي قوله: «وهو يقبل» للحال (وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ) تثنية فئة، أي: فرقتين (عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
أستغفر الله