الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2703
الحديث رقم 2703 من كتاب «كتاب الصلح» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصلح في الدية.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ:
أفاد الحديث أنَّ الربيع رضي الله عنها كسرت بعض مقدم أسنان جارية من الأنصار فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليها القصاص، وهو أن تكسر ثنيتها، فقام أنس بن النضر-وهو أخوها- فسأل مُستفهمًا وليس منكرا لحكم الله، وحلف ألا تكسر ثنيتها رضي الله عنها إحسانًا للظن بالله تعالى ، فذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- بأن حكم الله قاضٍ بالقصاص، فلما رأى القوم ذلك رضوا بالدية وعفوا عن القصاص، فحينذاك أخبر -عليه الصلاة والسلام- أن من عباد الله من لو أقسم يمينًا لأتمها الله له، لصلاحه وثقته بالله تعالى .
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ وَبِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لِأَبِي إِسْحَاقَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أيضا لكنه مختصر، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ أيضا.
وَحَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ وَالْمُرَادُ مُصَالَحَةُ أَهْلِهَا الْيَهُودِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَكَانِهِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ.
٨ - بَاب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ.
[الحديث ٢٧٠٣ - أطرافه في: ٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ) أَيْ بِأَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فَيَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ - وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ - وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: زَادَ الْفَزَارِيُّ يَعْنِي مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ) أَيْ زَادَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ ذِكْرَ قَبُولِهِمُ الْأَرْشَ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِصَاصَ وَالْأَرْشَ مُطْلَقًا، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ عَفَوْا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى قَبُولِ الْأَرْشِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَطَرِيقُ الْفَزَارِيِّ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ - وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ -: أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ، مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ - فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ).
٢٧٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك (الأَنْصَارِيُّ) البصريُّ قاضيها (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (أَنَّ أَنَسًا) هو ابن مالك ﵁ (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، آخره عين مهملة (-وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ-) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، الأنصاريَّة عمَّة أنس بن مالك (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) أي: شابَّة، لا رقيقةً، ولم تُسَمَّ (فَطَلَبُوا) أي: قوم الجارية (الأَرْشَ (١)، وَطَلَبُوا) منهم أيضًا (العَفْوَ) عن الرُّبَيِّع (فَأَبَوْا) أي: امتنع قوم الجارية فلم يرضوا بأخذ الأرش منهم (٢)، ولا بالعفو عنها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ) وتخاصموا بين يديه (فَأَمَرَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ: «فأمر» بحذف ضمير النَّصب (بِالقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) وهو عمُّ أنس بن مالك المستشهد يوم أُحد المُنزَّل (٣) فيه قوله
تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لَا وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) قال البيضاويُّ: لم يرد به الردُّ على الرَّسول والإنكار لحكمه، وإنَّما قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبه أن يعفو عنها ابتغاء مرضاته. وقال شارح «المشكاة»: «لا» في قوله: «لا والَّذي بعثك» ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه (١)، وقوله: «لا تكسر»، إخبارٌ عن عدم الوقوع، وذلك لما كان له عند الله من القرب والزُّلفى والثِّقة بفضل الله ولطفه في حقِّه أنَّه لا يخيِّبه، بل يلهمهم العفو، يدلُّ عليه قوله في رواية مسلم: «لا والله لا يُقتَصُّ منها أبدًا»، أو أنَّه لم يكن يعرف أنَّ كتاب الله القصاص على التَّعيين، بل ظنَّ التَّخيير لهم بين القصاص والدِّية، أو أراد الاستشفاع به ﷺ إليهم (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (يَا أَنَسُ (٢) كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) برفعهما على الابتداء والخبر، والمعنى: حكم الكتاب على حذف المضاف، وأشار به إلى (٣) نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يردْ له (٤) نسخٌ في شرعنا. قال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: ويُروى «كتابَ الله» بالنَّصب على الإغراء، أي: عليكم كتاب الله، «القصاصُ» بالرَّفع مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: القصاص واجب أو مستحَقٌّ أو نحو ذلك (فَرَضِيَ القَوْمُ، وَعَفَوْا) عن الرُّبَيِّع، فتركوا القصاص (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه، وهو ضدُّ الحنث، وجعله من زمرة المخلصين، وأولياء الله المطيعين (زَادَ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي والرَّاء، مروان بن معاوية الكوفيُّ سكن مكَّة، فيما وصله المؤلِّف في «سورة المائدة» [خ¦٤٦١١] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ).
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ قَبول الأرش عوض القصاص لم يكن إلَّا بالصُّلح. وهذا الحديث أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٠] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٤]، ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: (مُعْتَمِرًا) حَال. قَوْله: (فحال كفار قُرَيْش) ، أَي: منعُوا بَينه وَبَين الْبَيْت. قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) ، أَي: صَالحهمْ، وَهَذِه الْمُصَالحَة ترتبت عَلَيْهَا الْمصلحَة الْعَظِيمَة، وَهِي مَا ظهر من ثمراتها: فتح مَكَّة، وَدخُول النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قبل الصُّلْح لم يَكُونُوا يختلطون بِالْمُسْلِمين وَلَا يعْرفُونَ طَريقَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مفصلة، فَلَمَّا حصل الصُّلْح واختلطوا بهم وَعرفُوا أَحْوَاله من المعجزات الباهرة وَحسن السِّيرَة وَجَمِيل الطَّرِيقَة، تألفت نُفُوسهم إِلَى الْإِسْلَام فأسلموا قبل الْفَتْح كثيرا، وَيَوْم الْفَتْح كلهم، وَكَانَت الْعَرَب فِي الْبَوَادِي ينتظرون إِسْلَام أهل مَكَّة، فَلَمَّا أَسْلمُوا أسلم الْعَرَب كلهم، وَالْحَمْد لله.
٢٠٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنُ سهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عبْدُ الله بنُ سَهْل ومُحيِّصةُ بنُ مسْعُودِ بنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) يَعْنِي: مصالحة أَهلهَا الْيَهُود مَعَ الْمُسلمين، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، وَقد مر فِي الْعلم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مصغر بشر: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَسَهل بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَاسم أبي حثْمَة: عَامر ابْن سَاعِدَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمدنِي الصَّحَابِيّ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، الَّذِي قَتله الْيَهُود بِخَيْبَر ابْن أخي محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مَكْسُورَة وتخفيفها وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود بن كَعْب بن عَامر بن عدي الْحَارِثِيّ، وَوَقع هُنَا عِنْد البُخَارِيّ: مَسْعُود بن زيد، وَعند جَمِيع أَصْحَاب الْكتب كَابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَغَيرهمَا لم يذكرُوا إلَاّ مَسْعُود بن كَعْب.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد أَيْضا، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الله بن عمر القواريري عَن حَمَّاد وَعَن القواريري عَن بشر بن الْمفضل بِهِ، وَعَن عَمْرو بن النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن القواريري وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقسَامَة عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن يحيى بن حَكِيم.
قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) ، ويروى: وهم يَوْمئِذٍ صلح، أَي: أهل خَيْبَر يَوْمئِذٍ فِي صلح مَعَ الْمُسلمين.
٨ - (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الصُّلْح فِي الدِّيَة بِأَن وَجب قصاص وَوَقع على مَال معِين، وَالدية أَصْلهَا: ودية، لِأَنَّهُ من: ودى يَدي، يُقَال: وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، واتديت إِذا أخذت دِيَته، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو المحذوفة.
٣٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّ أنَساً حدَّثَهُمْ أنَّ الرُّبَيِّعَ وهْيَ ابنَةُ الَّنضْرِ كَسَرَتْ ثَنيَّةَ جارِيَةٍ فطَلَبُوا الأرْشَ وطلَبُوا العَفْوَ فأبَوْا فأتَوْا النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمرَهُمْ بالقِصاصِ فَقَالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ أتُكْسَرَ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رسولَ الله لَا والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا تكْسَرُ ثَنيَّتُهَا فَقَالَ يَا أنسُ كِتابُ الله القِصاصُ فَرضيَ القَوْم وعَفوْا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ منْ عِبَادِ الله منْ لَوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ زادَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنسٍ ثُمَّ رَضيَ القَوْمُ وقَبِلُوا الأرْشَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رَضِي الْقَوْم وقبلوا الْأَرْش) لِأَن قبُول الْأَرْش عوض الْقصاص لم يكن إلَاّ بِالصُّلْحِ، فَإِن قلت: قَوْله:
(فرضيب الْقَوْم وعفوا) يدل على أَن لَا صلح فِيهِ، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: رِوَايَة الْفَزارِيّ تدل على أَن معنى: عفوا، يَعْنِي: عَن الْقصاص، وَفِيه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَافْهَم. والْحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهِي الْعَاشِرَة مِنْهَا.
وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، ولي قَضَاء الْبَصْرَة ثمَّ قصاء بَغْدَاد أَيَّام الرشيد، وَولد سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَمَات سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَحميد هُوَ الطَّوِيل، وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الدِّيات عَن الْأنْصَارِيّ تَارَة مطولا وَتارَة مُخْتَصرا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس: أَن أُخْت الرّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا، وَفِيه: فَقَالَت أم الرّبيع: وَالله لَا تكسر ثنيتها، وَكَذَا هُوَ فِي (سنَن النَّسَائِيّ) فرجح جمَاعَة من الْعلمَاء رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقرر النَّوَوِيّ فجعلهما قضيتين، فَينْظر، لِأَن الأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي شيبَة فِي آخَرين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن الرُّبَيْعَ) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: بنت النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام بن حبيب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي عمَّة أنس بن مَالك، خَادِم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثنية جَارِيَة) ، الثَّنية مقدم الْأَسْنَان، وَالْجَارِيَة الْمَرْأَة الشَّابَّة لَا الْأمة هُنَا، ليتصور الْقصاص بَينهمَا. قَوْله: (فطلبوا الْأَرْش) ، أَي: فَطلب قوم الربيّع من قوم الْجَارِيَة أَخذ الْأَرْش. قَوْله: (وطلبوا الْعَفو) ، يَعْنِي: قَالُوا: خُذُوا الْأَرْش أَو اعْفُوا عَن هَذِه، فَأَبَوا، يَعْنِي: قوم الْجَارِيَة امْتَنعُوا فَلَا رَضوا بِأخذ الْأَرْش وَلَا بِالْعَفو، فَعِنْدَ ذَلِك أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتخاصموا بَين يَدَيْهِ، فَأَمرهمْ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْقصاصِ. قَوْله: فَقَالَ أنس بن النَّضر، وَهُوَ عَم أنس بن مَالك، قتل يَوْم أحد شَهِيدا وَوجد بِهِ بضعَة وَثَمَانُونَ من ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية بِسَهْم، وَفِيه نزلت: {رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه} (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قَوْله: (أتُكسر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وتكسر على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يُنكر أنس حكم الشَّرْع، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ قبل أَن يعرف أَن (كتاب الله الْقصاص) وَظن التَّخْيِير لَهُم بَين الْقصاص وَالدية، أَو كَانَ مُرَاده الاستشفاع من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ ذَلِك توقعاً ورجاء من فضل الله تَعَالَى أَن يُرْضِي خصمها ويلقي فِي قلبه أَن يعْفُو عَنْهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَا، فِي قَوْله: (لَا وَالله) ، لَيْسَ ردا للْحكم بل نفي لوُقُوعه. وَلَفظ: (لَا تُكسر) إِخْبَار عَن عدم الْوُقُوع، وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لَهُ عِنْد الله من الثِّقَة بِفضل الله ولطفه فِي حَقه أَنه لَا يخيبه، بل يلهمهم الْعَفو، وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لأبرّه) ، حَيْثُ يُعلمهُ من جملَة عباد الله المخلصين. قَوْله: (كتاب الله الْقصاص) ، أَي: حكم كتاب الله الْقصاص على حذف مُضَاف، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالسّن بِالسِّنِّ} (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ٦٢١) . أَو الْكتاب بِمَعْنى الْفَرْض والإيجاب. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: صدقه، يُقَال بر الله قسمه وأبره. قَوْله: (زَاد الْفَزارِيّ) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وَالرَّاء، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْكُوفِي سكن مَكَّة. شرفها الله، والفزاري ينْسب إِلَى فَزَارَة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان، وَتَعْلِيق الْفَزارِيّ أسْندهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، فَذكره، وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: وجوب الْقصاص فِي السن، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إِذا قلعهَا كلهَا، وَفِي كسر بَعْضهَا، وَفِي كسر الْعِظَام خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه: لَا قصاص قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذهب مَالك إِلَى أَن الْقصاص فِي ذَلِك كُله إِذا أمكنت الْمُمَاثلَة، وَمَا لم يكن مخوفا كعظم الْفَخْذ والصلب أخذا بقوله تَعَالَى: {فَمن اعْتدي عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسّن بِالسِّنِّ} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه: لَا قَوَدَ فِي كسر الْعِظَام مَا خلا السن لعدم الثِّقَة بالمماثلة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قيل لِأَحْمَد: كَيفَ يقْتَصّ من السن؟ قَالَ يبرد. وَذكر ابْن رشد فِي (الْقَوَاعِد) أَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ (أَن لَا قصاص فِي عظم) ، وَكَذَا عَن ابْن عمر، قَالَ: وَرُوِيَ عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لم يقد من الْعظم الْمَقْطُوع فِي غير الْمفصل) إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَفِيه: جَوَاز الْحلف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان. وَفِيه: جَوَاز الثَّنَاء على من لَا يخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بذلك. وَفِيه: دلَالَة على كرامات الْأَوْلِيَاء. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْعَفو عَن الْقصاص والشفاعة فِيهِ. وَفِيه: إِثْبَات الْقصاص بَين النِّسَاء وَفِي الْأَسْنَان. وَفِيه: فَضِيلَة أنس. وَفِيه: أَن الْخيرَة فِي الْقصاص وَالدية إِلَى مُسْتَحقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحق عَلَيْهِ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
تَصْرِيحُ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ وَبِتَحْدِيثِ الْبَرَاءِ لِأَبِي إِسْحَاقَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أيضا لكنه مختصر، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ أيضا.
وَحَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ وَالْمُرَادُ مُصَالَحَةُ أَهْلِهَا الْيَهُودِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَكَانِهِ مِنْ كِتَابِ الْحُدُودِ.
٨ - بَاب الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الْأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ. فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. زَادَ الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ.
[الحديث ٢٧٠٣ - أطرافه في: ٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ) أَيْ بِأَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ فَيَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ - وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَكْسُورَةِ - وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: زَادَ الْفَزَارِيُّ يَعْنِي مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ) أَيْ زَادَ عَلَى رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ ذِكْرَ قَبُولِهِمُ الْأَرْشَ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِصَاصَ وَالْأَرْشَ مُطْلَقًا، فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ قَوْلَهُ عَفَوْا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى قَبُولِ الْأَرْشِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَطَرِيقُ الْفَزَارِيِّ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٩ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ - وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ -: أَيْ عَمْرُو إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ، مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ، مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ - فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ).
٢٧٠٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك (الأَنْصَارِيُّ) البصريُّ قاضيها (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (أَنَّ أَنَسًا) هو ابن مالك ﵁ (حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وكسر المثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، آخره عين مهملة (-وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ-) بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة، الأنصاريَّة عمَّة أنس بن مالك (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ) أي: شابَّة، لا رقيقةً، ولم تُسَمَّ (فَطَلَبُوا) أي: قوم الجارية (الأَرْشَ (١)، وَطَلَبُوا) منهم أيضًا (العَفْوَ) عن الرُّبَيِّع (فَأَبَوْا) أي: امتنع قوم الجارية فلم يرضوا بأخذ الأرش منهم (٢)، ولا بالعفو عنها (فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ) وتخاصموا بين يديه (فَأَمَرَهُمْ) ولأبي ذَرٍّ: «فأمر» بحذف ضمير النَّصب (بِالقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) وهو عمُّ أنس بن مالك المستشهد يوم أُحد المُنزَّل (٣) فيه قوله
تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لَا وَ) الله (الَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ؛ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) قال البيضاويُّ: لم يرد به الردُّ على الرَّسول والإنكار لحكمه، وإنَّما قاله توقعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يرضي خصمها، ويلقي في قلبه أن يعفو عنها ابتغاء مرضاته. وقال شارح «المشكاة»: «لا» في قوله: «لا والَّذي بعثك» ليس ردًّا للحكم، بل نفيٌ لوقوعه (١)، وقوله: «لا تكسر»، إخبارٌ عن عدم الوقوع، وذلك لما كان له عند الله من القرب والزُّلفى والثِّقة بفضل الله ولطفه في حقِّه أنَّه لا يخيِّبه، بل يلهمهم العفو، يدلُّ عليه قوله في رواية مسلم: «لا والله لا يُقتَصُّ منها أبدًا»، أو أنَّه لم يكن يعرف أنَّ كتاب الله القصاص على التَّعيين، بل ظنَّ التَّخيير لهم بين القصاص والدِّية، أو أراد الاستشفاع به ﷺ إليهم (فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (يَا أَنَسُ (٢) كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) برفعهما على الابتداء والخبر، والمعنى: حكم الكتاب على حذف المضاف، وأشار به إلى (٣) نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] إن قلنا: شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يردْ له (٤) نسخٌ في شرعنا. قال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: ويُروى «كتابَ الله» بالنَّصب على الإغراء، أي: عليكم كتاب الله، «القصاصُ» بالرَّفع مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: القصاص واجب أو مستحَقٌّ أو نحو ذلك (فَرَضِيَ القَوْمُ، وَعَفَوْا) عن الرُّبَيِّع، فتركوا القصاص (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قسمه، وهو ضدُّ الحنث، وجعله من زمرة المخلصين، وأولياء الله المطيعين (زَادَ الفَزَارِيُّ) بفتح الفاء وتخفيف الزَّاي والرَّاء، مروان بن معاوية الكوفيُّ سكن مكَّة، فيما وصله المؤلِّف في «سورة المائدة» [خ¦٤٦١١] (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ).
وهذا موضع التَّرجمة؛ لأنَّ قَبول الأرش عوض القصاص لم يكن إلَّا بالصُّلح. وهذا الحديث أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٠] و «الدِّيات» [خ¦٦٨٩٤]، ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
قَوْله: (مُعْتَمِرًا) حَال. قَوْله: (فحال كفار قُرَيْش) ، أَي: منعُوا بَينه وَبَين الْبَيْت. قَوْله: (وَقَاضَاهُمْ) ، أَي: صَالحهمْ، وَهَذِه الْمُصَالحَة ترتبت عَلَيْهَا الْمصلحَة الْعَظِيمَة، وَهِي مَا ظهر من ثمراتها: فتح مَكَّة، وَدخُول النَّاس فِي الدّين أَفْوَاجًا، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا قبل الصُّلْح لم يَكُونُوا يختلطون بِالْمُسْلِمين وَلَا يعْرفُونَ طَريقَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مفصلة، فَلَمَّا حصل الصُّلْح واختلطوا بهم وَعرفُوا أَحْوَاله من المعجزات الباهرة وَحسن السِّيرَة وَجَمِيل الطَّرِيقَة، تألفت نُفُوسهم إِلَى الْإِسْلَام فأسلموا قبل الْفَتْح كثيرا، وَيَوْم الْفَتْح كلهم، وَكَانَت الْعَرَب فِي الْبَوَادِي ينتظرون إِسْلَام أهل مَكَّة، فَلَمَّا أَسْلمُوا أسلم الْعَرَب كلهم، وَالْحَمْد لله.
٢٠٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدَّثنا بِشْرٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيى عنْ بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ عنُ سهْلِ بنِ أبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عبْدُ الله بنُ سَهْل ومُحيِّصةُ بنُ مسْعُودِ بنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) يَعْنِي: مصالحة أَهلهَا الْيَهُود مَعَ الْمُسلمين، وَبشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: ابْن الْمفضل، وَقد مر فِي الْعلم، وَيحيى هُوَ ابْن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مصغر بشر: ابْن يسَار ضد الْيَمين الْمدنِي مولى الْأَنْصَار، وَسَهل بن أبي حثْمَة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، وَاسم أبي حثْمَة: عَامر ابْن سَاعِدَة أَبُو يحيى الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ الْمدنِي الصَّحَابِيّ، وَعبد الله بن سهل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ، الَّذِي قَتله الْيَهُود بِخَيْبَر ابْن أخي محيصة، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف مَكْسُورَة وتخفيفها وبالصاد الْمُهْملَة: ابْن مَسْعُود بن كَعْب بن عَامر بن عدي الْحَارِثِيّ، وَوَقع هُنَا عِنْد البُخَارِيّ: مَسْعُود بن زيد، وَعند جَمِيع أَصْحَاب الْكتب كَابْن عبد الْبر وَابْن الْأَثِير وَغَيرهمَا لم يذكرُوا إلَاّ مَسْعُود بن كَعْب.
وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِزْيَة عَن مُسَدّد أَيْضا، وَفِي الْأَدَب عَن سُلَيْمَان بن حَرْب وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم وَفِي الْأَحْكَام عَن عبد الله بن يُوسُف وَإِسْمَاعِيل بن أبي أويس، كِلَاهُمَا عَن مَالك. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن عبد الله بن عمر القواريري عَن حَمَّاد وَعَن القواريري عَن بشر بن الْمفضل بِهِ، وَعَن عَمْرو بن النَّاقِد وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن قُتَيْبَة عَن لَيْث وَعَن يحيى بن يحيى وَعَن القعْنبِي عَن سُلَيْمَان بن بِلَال وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الدِّيات عَن القواريري وَمُحَمّد بن عبيد وَعَن الْحسن بن عَليّ وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وَعَن الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء وَفِي الْقسَامَة عَن قُتَيْبَة وَعَن أبي الطَّاهِر وَعَن أَحْمد بن عَبدة وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود وَعَن عَمْرو بن عَليّ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن يحيى بن حَكِيم.
قَوْله: (وَهِي يَوْمئِذٍ صلح) ، ويروى: وهم يَوْمئِذٍ صلح، أَي: أهل خَيْبَر يَوْمئِذٍ فِي صلح مَعَ الْمُسلمين.
٨ - (بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَّةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الصُّلْح فِي الدِّيَة بِأَن وَجب قصاص وَوَقع على مَال معِين، وَالدية أَصْلهَا: ودية، لِأَنَّهُ من: ودى يَدي، يُقَال: وديت الْقَتِيل أديه دِيَة: إِذا أَعْطَيْت دِيَته، واتديت إِذا أخذت دِيَته، وَالْهَاء فِيهِ عوض عَن الْوَاو المحذوفة.
٣٠٧٢ - حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله الأنْصَارِيُّ قَالَ حدَّثني حُمَيْدٌ أنَّ أنَساً حدَّثَهُمْ أنَّ الرُّبَيِّعَ وهْيَ ابنَةُ الَّنضْرِ كَسَرَتْ ثَنيَّةَ جارِيَةٍ فطَلَبُوا الأرْشَ وطلَبُوا العَفْوَ فأبَوْا فأتَوْا النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فأمرَهُمْ بالقِصاصِ فَقَالَ أنسُ بنُ النَّضْرِ أتُكْسَرَ ثَنيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رسولَ الله لَا والَّذِي بعَثَكَ بالحَقِّ لَا تكْسَرُ ثَنيَّتُهَا فَقَالَ يَا أنسُ كِتابُ الله القِصاصُ فَرضيَ القَوْم وعَفوْا فَقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إنَّ منْ عِبَادِ الله منْ لَوْ أقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ زادَ الفَزَارِيُّ عنْ حُمَيْدٍ عنْ أنسٍ ثُمَّ رَضيَ القَوْمُ وقَبِلُوا الأرْشَ..
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ثمَّ رَضِي الْقَوْم وقبلوا الْأَرْش) لِأَن قبُول الْأَرْش عوض الْقصاص لم يكن إلَاّ بِالصُّلْحِ، فَإِن قلت: قَوْله:
(فرضيب الْقَوْم وعفوا) يدل على أَن لَا صلح فِيهِ، فَمن أَيْن الْمُطَابقَة؟ قلت: رِوَايَة الْفَزارِيّ تدل على أَن معنى: عفوا، يَعْنِي: عَن الْقصاص، وَفِيه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ فَافْهَم. والْحَدِيث من ثلاثيات البُخَارِيّ، وَهِي الْعَاشِرَة مِنْهَا.
وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْمثنى بن عبد الله بن أنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ، ولي قَضَاء الْبَصْرَة ثمَّ قصاء بَغْدَاد أَيَّام الرشيد، وَولد سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَمَات سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وَحميد هُوَ الطَّوِيل، وَقد تكَرر ذكره.
والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير وَفِي الدِّيات عَن الْأنْصَارِيّ تَارَة مطولا وَتارَة مُخْتَصرا، وَفِي (صَحِيح مُسلم) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس: أَن أُخْت الرّبيع أم حَارِثَة جرحت إنْسَانا، وَفِيه: فَقَالَت أم الرّبيع: وَالله لَا تكسر ثنيتها، وَكَذَا هُوَ فِي (سنَن النَّسَائِيّ) فرجح جمَاعَة من الْعلمَاء رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقرر النَّوَوِيّ فجعلهما قضيتين، فَينْظر، لِأَن الأول رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن أبي شيبَة فِي آخَرين.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن الرُّبَيْعَ) ، بِضَم الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة: بنت النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن ضَمْضَم بن زيد بن حرَام بن حبيب بن عَامر بن غنم بن عدي بن النجار الْأَنْصَارِيَّة، وَهِي عمَّة أنس بن مَالك، خَادِم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثنية جَارِيَة) ، الثَّنية مقدم الْأَسْنَان، وَالْجَارِيَة الْمَرْأَة الشَّابَّة لَا الْأمة هُنَا، ليتصور الْقصاص بَينهمَا. قَوْله: (فطلبوا الْأَرْش) ، أَي: فَطلب قوم الربيّع من قوم الْجَارِيَة أَخذ الْأَرْش. قَوْله: (وطلبوا الْعَفو) ، يَعْنِي: قَالُوا: خُذُوا الْأَرْش أَو اعْفُوا عَن هَذِه، فَأَبَوا، يَعْنِي: قوم الْجَارِيَة امْتَنعُوا فَلَا رَضوا بِأخذ الْأَرْش وَلَا بِالْعَفو، فَعِنْدَ ذَلِك أَتَوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتخاصموا بَين يَدَيْهِ، فَأَمرهمْ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْقصاصِ. قَوْله: فَقَالَ أنس بن النَّضر، وَهُوَ عَم أنس بن مَالك، قتل يَوْم أحد شَهِيدا وَوجد بِهِ بضعَة وَثَمَانُونَ من ضَرْبَة بِسيف وطعنة بِرُمْح ورمية بِسَهْم، وَفِيه نزلت: {رجال صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمنهمْ من قضى نحبه} (الْأَحْزَاب: ٣٢) . قَوْله: (أتُكسر؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام، وتكسر على صِيغَة الْمَجْهُول، وَلم يُنكر أنس حكم الشَّرْع، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ قبل أَن يعرف أَن (كتاب الله الْقصاص) وَظن التَّخْيِير لَهُم بَين الْقصاص وَالدية، أَو كَانَ مُرَاده الاستشفاع من رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو قَالَ ذَلِك توقعاً ورجاء من فضل الله تَعَالَى أَن يُرْضِي خصمها ويلقي فِي قلبه أَن يعْفُو عَنْهَا. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: كلمة: لَا، فِي قَوْله: (لَا وَالله) ، لَيْسَ ردا للْحكم بل نفي لوُقُوعه. وَلَفظ: (لَا تُكسر) إِخْبَار عَن عدم الْوُقُوع، وَذَلِكَ بِمَا كَانَ لَهُ عِنْد الله من الثِّقَة بِفضل الله ولطفه فِي حَقه أَنه لَا يخيبه، بل يلهمهم الْعَفو، وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لأبرّه) ، حَيْثُ يُعلمهُ من جملَة عباد الله المخلصين. قَوْله: (كتاب الله الْقصاص) ، أَي: حكم كتاب الله الْقصاص على حذف مُضَاف، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {والجروح قصاص} (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَالسّن بِالسِّنِّ} (الْمَائِدَة: ٥٤) . أَو إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} (النَّحْل: ٦٢١) . أَو الْكتاب بِمَعْنى الْفَرْض والإيجاب. قَوْله: (لَأَبَره) أَي: صدقه، يُقَال بر الله قسمه وأبره. قَوْله: (زَاد الْفَزارِيّ) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَخْفِيف الزَّاي وَالرَّاء، وَهُوَ مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْكُوفِي سكن مَكَّة. شرفها الله، والفزاري ينْسب إِلَى فَزَارَة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان، وَتَعْلِيق الْفَزارِيّ أسْندهُ البُخَارِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَائِدَة، فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الْفَزارِيّ، فَذكره، وَالله أعلم.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: وجوب الْقصاص فِي السن، قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ إِذا قلعهَا كلهَا، وَفِي كسر بَعْضهَا، وَفِي كسر الْعِظَام خلاف مَشْهُور بَين الْعلمَاء، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه: لَا قصاص قَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَذهب مَالك إِلَى أَن الْقصاص فِي ذَلِك كُله إِذا أمكنت الْمُمَاثلَة، وَمَا لم يكن مخوفا كعظم الْفَخْذ والصلب أخذا بقوله تَعَالَى: {فَمن اعْتدي عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالسّن بِالسِّنِّ} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَنه: لَا قَوَدَ فِي كسر الْعِظَام مَا خلا السن لعدم الثِّقَة بالمماثلة، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قيل لِأَحْمَد: كَيفَ يقْتَصّ من السن؟ قَالَ يبرد. وَذكر ابْن رشد فِي (الْقَوَاعِد) أَن ابْن عَبَّاس روى عَنهُ (أَن لَا قصاص فِي عظم) ، وَكَذَا عَن ابْن عمر، قَالَ: وَرُوِيَ عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لم يقد من الْعظم الْمَقْطُوع فِي غير الْمفصل) إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَفِيه: جَوَاز الْحلف فِيمَا يَظُنّهُ الْإِنْسَان. وَفِيه: جَوَاز الثَّنَاء على من لَا يخَاف عَلَيْهِ الْفِتْنَة بذلك. وَفِيه: دلَالَة على كرامات الْأَوْلِيَاء. وَفِيه: اسْتِحْبَاب الْعَفو عَن الْقصاص والشفاعة فِيهِ. وَفِيه: إِثْبَات الْقصاص بَين النِّسَاء وَفِي الْأَسْنَان. وَفِيه: فَضِيلَة أنس. وَفِيه: أَن الْخيرَة فِي الْقصاص وَالدية إِلَى مُسْتَحقّه لَا إِلَى الْمُسْتَحق عَلَيْهِ.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56