حيث لم يتعرَّض لذكر صفِّين إبعادًا لأهلها عن نسبة البغي إليهم، وفيما تقدَّم من الاعتذار عنهم بكونهم مجتهدين، والمجتهد إذا أخطأ له أجر ما يكفي عن هذا التَّأويل البعيد.
وهذا الحديث قد مرَّ في «باب التَّعاون في بناء المسجد» من «كتاب الصَّلاة» [خ¦٤٤٧].
(١٨) (بابُ) جواز (الغَسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالغُبَارِ).
٢٨١٣ - وبه (١) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (مُحَمَّدٌ) بغير نسبةٍ، ونسبه أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ فقال: «محمَّد بن سلَام» بتخفيف اللَّام، ابن الفرج السَّلميُّ البيكنديُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحَّدة، ابن سليمان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقِ) الَّذي حفره الصَّحابة، لمَّا تحزَّبت عليهم الأحزاب بالمدينة سنة أربعٍ أو سنة خمسٍ (وَوَضَعَ السِّلَاحَ) وسقط لأبي ذرٍّ لفظ «السِّلاح» (وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ (٢) جِبْرِيلُ) ﵇ (وَ) الحال أنَّه (قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ) بتخفيف الصَّاد المهملة، أي: ركب على رأسه الغبار، وعلق به كالعصابة تحيط بالرَّأس (فَقَالَ) له: (وَضَعْتَ السِّلَاحَ فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَيْنَ)؟ وفي «المغازي» [خ¦٤١١٧] من طريق عبد الله ابن أبي شيبة عن ابن نُميرٍ عن هشامٍ: والله ما وضعناه فاخرج إليهم، قال (٣): «فإلى أين»؟ (قَالَ: هَهُنَا، وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ) بضمِّ القاف وفتح الرَّاء وسكون التَّحتيَّة وفتح الظَّاء المعجمة،
قبيلةٌ من اليهود (قَالَتْ) عائشة ﵂: (فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ): وهذا الحديث أخرجه في «المغازي» [خ¦٤١١٧] أيضًا.
(١٩) (بابُ فَضْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) أي: فضل من ورد فيه قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ: «﷿»: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء﴾) أي: بل هم أحياء (﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾) ذوو زلفى منه (﴿يُرْزَقُونَ﴾) من الجنَّة (﴿فَرِحِينَ﴾) حالٌ من الضَّمير في ﴿يُرْزَقُونَ﴾ (﴿بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾) وهو شرفُ الشَّهادة والفوز بالحياة الأبديَّة، والقرب من الله تعالى والتَّمتُّع بنعيم الجنَّة (﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾) عطف على ﴿فَرِحِينَ﴾ أي: يُسَرُّون بالبشارة (﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾) أي: بإخوانهم المؤمنين الَّذين فارقوهم أحياء فيلحقوا بهم (﴿مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾) فيمن خلَّفوه (١) من ذرِّيَّتهم (﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) على ما خلَّفوا من أموالهم (﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾) قال القاضي: كرَّره للتَّوكيد، أو ليعلِّق (٢) به ما هو بيانٌ لقوله: ﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ (٣)﴾ ويجوز أن يكون الأوَّل بحال (٤) إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم (﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ﴾) ثوابٍ لأعمالهم (﴿وَفَضْلٍ﴾) زيادةٍ عليه، كقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وتنكيرهما للتَّعظيم (﴿وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]) من جملة المستبشر به، عطف على ﴿فَضْلٍ﴾. وفي (٥) حديث ابن عبَّاس عند الإمام أحمد مرفوعًا: «الشُّهداء على بارق نهرٍ بباب الجنَّة في قبَّةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقهم بكرةً وعشيًّا» وقال سعيد بن جُبَير: لمَّا دخلوا الجنَّة ورأوا ما فيها من الكرامة للشُّهداء قالوا: يا ليت إخواننا الَّذين في الدُّنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال؛ باشروها (٦) بأنفسهم حتَّى يستشهدوا،