«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٣

الحديث رقم ٣٣ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب علامة المنافق.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٣٣ في صحيح البخاري

«آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».

إسناد حديث البخاري رقم ٣٣

٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٣٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّخَعِيِّ، عَنْ خَالِهِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ، وَالثَّلَاثَةُ كُوفِيُّونَ فُقَهَاءُ، وَعَبْدُ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَحَدُ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ.

وَالْأَعْمَشُ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الَّتِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ عَنْهُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا إِلَّا فِي هَذَا الطَّرِيقِ. وَفِي الْمَتْنِ مِنَ الْفَوَائِدِ: الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ، وَأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ وَالْمُبَيَّنَ عَنِ الْمُجْمَلِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِمَصْلَحَةِ دَفْعِ التَّعَارُضِ، وَأَنَّ دَرَجَاتِ الظُّلْمِ تَتَفَاوَتُ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُسَمَّى شِرْكًا، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَلَهُ الْأَمْنُ وَهُوَ مُهْتَدٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْعَاصِي قَدْ يُعَذَّبُ فَمَا هُوَ الْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ آمِنٌ مِنَ التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ، مُهْتَدٍ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٤ - بَاب عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ

٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

[الحديث ٣٣ - أطرافه في: ٦٠٩٥، ٢٧٤٩، ٢٦٨٢،]

٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. " تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ

[الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٣١٧٨، ٣٤٥٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ) لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَرَاتِبَ الْكُفْرِ مُتَفَاوِتَةٌ وَكَذَلِكَ الظُّلْمُ أَتْبَعَهُ بِأَنَّ النِّفَاقَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُنْقِصُ الْإِيمَانَ، كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ تَزِيدُهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِكِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ النِّفَاقَ عَلَامَةُ عَدَمِ الْإِيمَانِ، أَوْ لِيُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ بَعْضَ النِّفَاقِ كُفْرٌ دُونَ بَعْضٍ، وَالنِّفَاقُ لُغَةً: مُخَالَفَةُ الْبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ فَهُوَ نِفَاقُ الْكُفْرِ، وَإِلَّا فَهُوَ نِفَاقُ الْعَمَلِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) هُوَ الزَّهْرَانِيُّ، بَصْرِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ، وَمِنْ شَيْخِهِ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَنَافِعُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ) الْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَإِفْرَادُ الْآيَةِ إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، أَوْ أَنَّ الْعَلَامَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاثِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِصَنِيعِ الْمُؤَلِّفِ، وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالْجَمْعِ وَعَقَّبَ بِالْمَتْنِ الشَّاهِدِ لِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ الْحَصْرُ فِي الثَّلَاثِ فَكَيْفَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِلَفْظِ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . الْحَدِيثَ. أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اسْتَجَدَّ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ. وَأَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ الْخَصْلَةِ

الْمَذْمُومَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ النِّفَاقِ كَوْنُهَا عَلَامَةً عَلَى النِّفَاقِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتُ دَالَّاتٍ عَلَى أَصْلِ النِّفَاقِ، وَالْخَصْلَةُ الزَّائِدَةُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى ذَلِكَ كَمُلَ بِهَا خُلُوصُ النِّفَاقِ. عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَإِذَا حُمِلَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا لَمْ يَرِدِ السُّؤَالُ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتِ، وَبِبَعْضِهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا وَالنَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ ; لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ، وَزَادَ الْأَوَّلُ الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ وَالثَّانِي الْغَدْرَ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْفُجُورَ فِي الْخُصُومَةِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الثَّانِي بَدَلُ الْغَدْرِ فِي الْمُعَاهَدَةِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ تَصَرَّفَ فِي لَفْظِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَزِيدُ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْفُجُورُ فِي الْخُصُومَةِ، وَالْفُجُورُ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ وَالِاحْتِيَالُ فِي رَدِّهِ. وَهَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْكَذِبُ فِي الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَا عَدَاهَا، إِذْ أَصْلُ الدِّيَانَةِ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثٍ: الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالنِّيَّةِ. فَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِالْكَذِبِ، وَعَلَى فَسَادِ الْفِعْلِ بِالْخِيَانَةِ، وَعَلَى فَسَادِ النِّيَّةِ بِالْخُلْفِ ; لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَا يَقْدَحُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْعَزْمُ عَلَيْهِ مُقَارِنًا لِلْوَعْدِ، أَمَّا لَوْ كَانَ عَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ أَوْ بَدَا لَهُ رَأْيٌ فَهَذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ النِّفَاقِ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ، فَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُخْلِفُ وَكَذَا قَالَ فِي بَاقِي الْخِصَالِ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أُجْمِعَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مُخْتَصَرٌ بِلَفْظِ إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ فَلَمْ يَفِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَعَدَ) قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: يُقَالُ وَعَدْتُهُ خَيْرًا، وَوَعَدْتُهُ شَرًّا. فَإِذَا أَسْقَطُوا الْفِعْلَ قَالُوا فِي الْخَيْرِ: وَعَدْتُهُ، وَفِي الشَّرِّ: أَوْعَدْتُهُ. وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي نَوَادِرِهِ: أَوْعَدْتُهُ خَيْرًا بِالْهَمْزَةِ. فَالْمُرَادُ بِالْوَعْدِ فِي الْحَدِيثِ الْوَعْدُ بِالْخَيْرِ، وَأَمَّا الشَّرُّ فَيُسْتَحَبُّ إِخْلَافُهُ. وَقَدْ يَجِبُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِ إِنْفَاذِهِ مَفْسَدَةٌ.

وَأَمَّا الْكَذِبُ فِي الْحَدِيثِ فَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جُرِّبَ عَلَيْهِ كَذِبٌ فَقَالَ: أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ؟ لَعَلَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَيْشٍ لَهُ سَلَفَ فَبَالَغَ فِي وَصْفِهِ، فَهَذَا لَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَشْيَاءِ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ قَاصِدًا الْكَذِبَ انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُشْكَلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ، بَلْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَالَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ خِصَالُ نِفَاقٍ، وَصَاحِبَهَا شَبِيهٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ. قُلْتُ: وَمُحَصَّلُ هَذَا الْجَوَابِ الْحَمْلُ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْمَجَازِ، أَيْ: صَاحِبُ هَذِهِ الْخِصَالِ كَالْمُنَافِقِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْكُفْرِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْعَمَلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَهَذَا ارْتَضَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ، لِحُذَيْفَةَ: هَلْ تَعْلَمُ فِيَّ شَيْئًا مِنَ النِّفَاقِ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نِفَاقَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نِفَاقَ الْعَمَلِ. وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُهُ بِالْخَالِصِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِإِطْلَاقِ النِّفَاقِ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ عَنِ ارْتِكَابِ هَذِهِ الْخِصَالِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَهَذَا ارْتَضَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ هُوَ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ وَصَارَ لَهُ دَيْدَنًا. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِإِذَا، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ. كَذَا قَالَ.

وَالْأَوْلَى مَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ مِنْ حَدَّثَ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَيْ: إِذَا حَدَّثَ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَذَبَ فِيهِ. أَوْ يَصِيرُ قَاصِرًا، أَيْ: إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّخعيِّ عن خاله علقمة بن قيسٍ، والثَّلاثة كوفيُّون فقهاء، وهذا أحد ما قِيلَ فيه: إنَّه أصحُّ الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلِّف -فيما مرَّ- في رواية حفص بن غياثٍ عنه: حدَّثنا إبراهيم [خ¦٣٣٦٠] وفيه التَّحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٤٢٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان مراتب الكفر والظُّلم، وأنَّها متفاوتةٌ عَقَّبَه بأنَّ النِّفاق كذلك، فقال:

(٢٤) هذا (بابُ عَلَامَات المُنَافِقِ) جمع عَلَامةٍ؛ وهي ما يُستَدلُّ به على الشَّيء، وعدل عن التَّعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المسوق هنا لـ «علامات» موافقةً لما ورد في «صحيح أبي عوانة»، ولفظ «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، والجمعُ في «العلامات» روايةُ الأربعة، والنِّفاق لغةً: مخالفة الظَّاهر للباطن، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلَّا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والتَّرك، وتتفاوت مراتبه، ولفظ «المنافق» من باب المفاعلة، وأصلها أن تكون من (١) اثنين، لكنَّها هنا من باب «خادَعَ» و «طارَقَ».

٣٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داودَ الزَّهرانيُّ العتكيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٢) كثيرٍ

الأنصاريُّ، الزُّرقيُّ مولاهم المدنيُّ، قارئ أهل المدينة، الثِّقة الثَّبت، وهو من الثَّامنة المُتوفَّى ببغداد سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحيُّ التَّيميُّ المدنيُّ، من الرَّابعة، المُتوفَّى بعد الأربعين (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ، جدِّ إمام الأئمَّة مالك، المُتوفَّى سنة ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) أي: علامته، و «اللَّام» للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو «آيةُ» ليطابق الخبر الذي هو (ثَلَاثٌ) وأُجِيب: بأنَّ «الثَّلاثَ» اسمُ جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وقال الحافظ ابن حجرٍ: الإفراد على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث، قال: والأوَّل أليق بصنيع المؤلِّف؛ ولهذا ترجم بالجمع. انتهى. وتعقَّبه العلَّامة العينيُّ، فقال: كيف يُرَاد الجنس والتَّاء فيها تمنع ذلك (١)؛ لأنَّ التاء فيها كالتَّاء في تمرة، فالآية والآي كالتَّمرة والتَّمر؟ قال: وقوله: «إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث» يشعر بأنَّه إذا وُجِدَ فيه واحدٌ من الثَّلاث؛ لا يُطلَق عليه منافقٌ، وليس كذلك، بل يُطلَق عليه اسم المنافق، غير أنَّه إذا وُجِدَ فيه الثَّلاث كلُّها؛ يكون منافقًا كاملًا، وأُجِيب: بأنَّه مفردٌ مضافٌ فيعمُّ، كأنَّه قال: آياتُه ثلاثٌ: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ (كَذَبَ) أي: أَخْبَرَ عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب (وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المُستقبَل (أَخْلَفَ) فلم يَفِ، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الوعد نوعٌ من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث» ولكنَّه أفرده بالذِّكر معطوفًا؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، فإن قلت: الخاصُّ إذا عُطِفَ على العامِّ لا يخرج من تحت العامِّ، وحينئذٍ تكون الآية

ثنتين لا ثلاثًا، أُجِيب: بأنَّ لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث -الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا- متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخُلْفُ الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا، ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ فهذا لم توجد منه صورة النِّفاق، وفي حديث الطَّبرانيِّ ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسَه أنَّه يُخْلِفُ» وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأسَ به، وهو عند التِّرمذيِّ وأبي داودَ مُختصَرًا بلفظ: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيِّته أن يَفِي له فلم يَفِ فلا إثمَ عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ فيُستحَبُّ إخلافه، وقد يجب (وَ) الثَّالثة من الخصال (١): (إِذَا اؤْتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان أمانةً (خَانَ) بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع، ووجه الاقتصار على هذه الثَّلاث: أنَّها منبِّهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل عمل الدِّيانة منحصرٌ في ثلاثٍ: القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، وحينئذٍ فلا يُعارَض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: «أربعٌ مَنْ كنَّ فيه» [خ¦٣٤] وفيه: «وإذا عاهد غدر» إذ هو معنى قوله: «وإذا اؤتُمِن خان» لأنَّ الغدرَ خيانةٌ، فإن قلت: إذا وُجِدت هذه الخصال في مسلمٍ فهل يكون منافقًا؟ أُجِيب: بأنَّها خصالُ نِفَاقٍ لا نِفَاقٌ، فهو على سبيل المجاز، أو المُرَاد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو مُرَاده: مَنِ اتَّصف بها وكانت له ديدنًا وعادةً، ويدلُّ عليه التَّعبير بـ «إذا» المفيدة لتكرار الفعل، أو هو محمولٌ على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإنَّ من كان كذلك؛ كان فاسد الاعتقاد غالبًا، أو مُرَاده الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأنَّ الظَّاهر

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

النَّخَعِيِّ، عَنْ خَالِهِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ، وَالثَّلَاثَةُ كُوفِيُّونَ فُقَهَاءُ، وَعَبْدُ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ أَحَدُ مَا قِيلَ فِيهِ إِنَّهُ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ.

وَالْأَعْمَشُ مَوْصُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الَّتِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ عَنْهُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا إِلَّا فِي هَذَا الطَّرِيقِ. وَفِي الْمَتْنِ مِنَ الْفَوَائِدِ: الْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ، وَأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ وَالْمُبَيَّنَ عَنِ الْمُجْمَلِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِمَصْلَحَةِ دَفْعِ التَّعَارُضِ، وَأَنَّ دَرَجَاتِ الظُّلْمِ تَتَفَاوَتُ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ، وَأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُسَمَّى شِرْكًا، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا فَلَهُ الْأَمْنُ وَهُوَ مُهْتَدٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْعَاصِي قَدْ يُعَذَّبُ فَمَا هُوَ الْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ آمِنٌ مِنَ التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ، مُهْتَدٍ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٤ - بَاب عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ

٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

[الحديث ٣٣ - أطرافه في: ٦٠٩٥، ٢٧٤٩، ٢٦٨٢،]

٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ. " تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ

[الحديث ٣٤ - طرفاه في: ٣١٧٨، ٣٤٥٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ) لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَرَاتِبَ الْكُفْرِ مُتَفَاوِتَةٌ وَكَذَلِكَ الظُّلْمُ أَتْبَعَهُ بِأَنَّ النِّفَاقَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُنْقِصُ الْإِيمَانَ، كَمَا أَنَّ الطَّاعَةَ تَزِيدُهُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِكِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّ النِّفَاقَ عَلَامَةُ عَدَمِ الْإِيمَانِ، أَوْ لِيُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ بَعْضَ النِّفَاقِ كُفْرٌ دُونَ بَعْضٍ، وَالنِّفَاقُ لُغَةً: مُخَالَفَةُ الْبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ، فَإِنْ كَانَ فِي اعْتِقَادِ الْإِيمَانِ فَهُوَ نِفَاقُ الْكُفْرِ، وَإِلَّا فَهُوَ نِفَاقُ الْعَمَلِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) هُوَ الزَّهْرَانِيُّ، بَصْرِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ، وَمِنْ شَيْخِهِ فَصَاعِدًا مَدَنِيُّونَ، وَنَافِعُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ.

قَوْلُهُ: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ) الْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، وَإِفْرَادُ الْآيَةِ إِمَّا عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ، أَوْ أَنَّ الْعَلَامَةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الثَّلَاثِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِصَنِيعِ الْمُؤَلِّفِ، وَلِهَذَا تَرْجَمَ بِالْجَمْعِ وَعَقَّبَ بِالْمَتْنِ الشَّاهِدِ لِذَلِكَ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ عَلَامَاتُ الْمُنَافِقِ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ الْحَصْرُ فِي الثَّلَاثِ فَكَيْفَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ بِلَفْظِ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . الْحَدِيثَ. أَجَابَ الْقُرْطُبِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اسْتَجَدَّ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ بِخِصَالِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ. وَأَقُولُ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ تَعَارُضٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِّ الْخَصْلَةِ

الْمَذْمُومَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ النِّفَاقِ كَوْنُهَا عَلَامَةً عَلَى النِّفَاقِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتُ دَالَّاتٍ عَلَى أَصْلِ النِّفَاقِ، وَالْخَصْلَةُ الزَّائِدَةُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى ذَلِكَ كَمُلَ بِهَا خُلُوصُ النِّفَاقِ. عَلَى أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ عَدَمِ الْحَصْرِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ مِنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ وَكَذَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَإِذَا حُمِلَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا لَمْ يَرِدِ السُّؤَالُ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْعَلَامَاتِ فِي وَقْتِ، وَبِبَعْضِهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا وَالنَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ ; لِأَنَّهُمَا تَوَارَدَتَا عَلَى الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ وَالْخِيَانَةِ فِي الْأَمَانَةِ، وَزَادَ الْأَوَّلُ الْخُلْفَ فِي الْوَعْدِ وَالثَّانِي الْغَدْرَ فِي الْمُعَاهَدَةِ وَالْفُجُورَ فِي الْخُصُومَةِ. قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الثَّانِي بَدَلُ الْغَدْرِ فِي الْمُعَاهَدَةِ الْخُلْفُ فِي الْوَعْدِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ تَصَرَّفَ فِي لَفْظِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا قَدْ يَتَّحِدُ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَزِيدُ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْفُجُورُ فِي الْخُصُومَةِ، وَالْفُجُورُ الْمَيْلُ عَنِ الْحَقِّ وَالِاحْتِيَالُ فِي رَدِّهِ. وَهَذَا قَدْ يَنْدَرِجُ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْكَذِبُ فِي الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَا عَدَاهَا، إِذْ أَصْلُ الدِّيَانَةِ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثٍ: الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، وَالنِّيَّةِ. فَنَبَّهَ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِالْكَذِبِ، وَعَلَى فَسَادِ الْفِعْلِ بِالْخِيَانَةِ، وَعَلَى فَسَادِ النِّيَّةِ بِالْخُلْفِ ; لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَا يَقْدَحُ إِلَّا إِذَا كَانَ الْعَزْمُ عَلَيْهِ مُقَارِنًا لِلْوَعْدِ، أَمَّا لَوْ كَانَ عَازِمًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ مَانِعٌ أَوْ بَدَا لَهُ رَأْيٌ فَهَذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ صُورَةُ النِّفَاقِ، قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ، فَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ إِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُخْلِفُ وَكَذَا قَالَ فِي بَاقِي الْخِصَالِ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أُجْمِعَ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مُخْتَصَرٌ بِلَفْظِ إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ فَلَمْ يَفِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (إِذَا وَعَدَ) قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: يُقَالُ وَعَدْتُهُ خَيْرًا، وَوَعَدْتُهُ شَرًّا. فَإِذَا أَسْقَطُوا الْفِعْلَ قَالُوا فِي الْخَيْرِ: وَعَدْتُهُ، وَفِي الشَّرِّ: أَوْعَدْتُهُ. وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي نَوَادِرِهِ: أَوْعَدْتُهُ خَيْرًا بِالْهَمْزَةِ. فَالْمُرَادُ بِالْوَعْدِ فِي الْحَدِيثِ الْوَعْدُ بِالْخَيْرِ، وَأَمَّا الشَّرُّ فَيُسْتَحَبُّ إِخْلَافُهُ. وَقَدْ يَجِبُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى تَرْكِ إِنْفَاذِهِ مَفْسَدَةٌ.

وَأَمَّا الْكَذِبُ فِي الْحَدِيثِ فَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ جُرِّبَ عَلَيْهِ كَذِبٌ فَقَالَ: أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْكَذِبِ؟ لَعَلَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَيْشٍ لَهُ سَلَفَ فَبَالَغَ فِي وَصْفِهِ، فَهَذَا لَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ مَنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَشْيَاءِ بِخِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ قَاصِدًا الْكَذِبَ انْتَهَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُشْكَلًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ قَدْ تُوجَدُ فِي الْمُسْلِمِ الْمُجْمَعِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ. قَالَ: وَلَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ، بَلْ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ وَالَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ خِصَالُ نِفَاقٍ، وَصَاحِبَهَا شَبِيهٌ بِالْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِهِمْ. قُلْتُ: وَمُحَصَّلُ هَذَا الْجَوَابِ الْحَمْلُ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْمَجَازِ، أَيْ: صَاحِبُ هَذِهِ الْخِصَالِ كَالْمُنَافِقِ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْكُفْرِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّفَاقِ نِفَاقُ الْعَمَلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَهَذَا ارْتَضَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ عُمَرَ، لِحُذَيْفَةَ: هَلْ تَعْلَمُ فِيَّ شَيْئًا مِنَ النِّفَاقِ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ نِفَاقَ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نِفَاقَ الْعَمَلِ. وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُهُ بِالْخَالِصِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِإِطْلَاقِ النِّفَاقِ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ عَنِ ارْتِكَابِ هَذِهِ الْخِصَالِ وَأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَهَذَا ارْتَضَاهُ الْخَطَّابِيُّ. وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِذَلِكَ هُوَ مَنِ اعْتَادَ ذَلِكَ وَصَارَ لَهُ دَيْدَنًا. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِإِذَا، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ. كَذَا قَالَ.

وَالْأَوْلَى مَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: إِنَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ مِنْ حَدَّثَ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَيْ: إِذَا حَدَّثَ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَذَبَ فِيهِ. أَوْ يَصِيرُ قَاصِرًا، أَيْ: إِذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّخعيِّ عن خاله علقمة بن قيسٍ، والثَّلاثة كوفيُّون فقهاء، وهذا أحد ما قِيلَ فيه: إنَّه أصحُّ الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلِّف -فيما مرَّ- في رواية حفص بن غياثٍ عنه: حدَّثنا إبراهيم [خ¦٣٣٦٠] وفيه التَّحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦٣٤٢٨] وفي «التَّفسير» [خ¦٤٧٧٦]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان مراتب الكفر والظُّلم، وأنَّها متفاوتةٌ عَقَّبَه بأنَّ النِّفاق كذلك، فقال:

(٢٤) هذا (بابُ عَلَامَات المُنَافِقِ) جمع عَلَامةٍ؛ وهي ما يُستَدلُّ به على الشَّيء، وعدل عن التَّعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المسوق هنا لـ «علامات» موافقةً لما ورد في «صحيح أبي عوانة»، ولفظ «باب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، والجمعُ في «العلامات» روايةُ الأربعة، والنِّفاق لغةً: مخالفة الظَّاهر للباطن، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلَّا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والتَّرك، وتتفاوت مراتبه، ولفظ «المنافق» من باب المفاعلة، وأصلها أن تكون من (١) اثنين، لكنَّها هنا من باب «خادَعَ» و «طارَقَ».

٣٣ - وبالسَّند إلى المصنِّف قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ) بن داودَ الزَّهرانيُّ العتكيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة أربعٍ وثلاثين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي (٢) كثيرٍ

الأنصاريُّ، الزُّرقيُّ مولاهم المدنيُّ، قارئ أهل المدينة، الثِّقة الثَّبت، وهو من الثَّامنة المُتوفَّى ببغداد سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ) الأصبحيُّ التَّيميُّ المدنيُّ، من الرَّابعة، المُتوفَّى بعد الأربعين (عَنْ أَبِيهِ) مالكٍ، جدِّ إمام الأئمَّة مالك، المُتوفَّى سنة ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: آيَةُ المُنَافِقِ) أي: علامته، و «اللَّام» للجنس، وكان القياس جمع المبتدأ الذي هو «آيةُ» ليطابق الخبر الذي هو (ثَلَاثٌ) وأُجِيب: بأنَّ «الثَّلاثَ» اسمُ جمعٍ، ولفظه مفردٌ، على أنَّ التَّقدير: آية المنافق معدودةٌ بالثَّلاث، وقال الحافظ ابن حجرٍ: الإفراد على إرادة الجنس، أو أنَّ العلامة إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث، قال: والأوَّل أليق بصنيع المؤلِّف؛ ولهذا ترجم بالجمع. انتهى. وتعقَّبه العلَّامة العينيُّ، فقال: كيف يُرَاد الجنس والتَّاء فيها تمنع ذلك (١)؛ لأنَّ التاء فيها كالتَّاء في تمرة، فالآية والآي كالتَّمرة والتَّمر؟ قال: وقوله: «إنَّما تحصل باجتماع الثَّلاث» يشعر بأنَّه إذا وُجِدَ فيه واحدٌ من الثَّلاث؛ لا يُطلَق عليه منافقٌ، وليس كذلك، بل يُطلَق عليه اسم المنافق، غير أنَّه إذا وُجِدَ فيه الثَّلاث كلُّها؛ يكون منافقًا كاملًا، وأُجِيب: بأنَّه مفردٌ مضافٌ فيعمُّ، كأنَّه قال: آياتُه ثلاثٌ: (إِذَا حَدَّثَ) في كلِّ شيءٍ (كَذَبَ) أي: أَخْبَرَ عنه بخلاف ما هو به قاصدًا للكذب (وَإِذَا وَعَدَ) بالخير في المُستقبَل (أَخْلَفَ) فلم يَفِ، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ الوعد نوعٌ من التَّحديث، وكان داخلًا في قوله: «وإذا حدَّث» ولكنَّه أفرده بالذِّكر معطوفًا؛ تنبيهًا على زيادة قبحه، فإن قلت: الخاصُّ إذا عُطِفَ على العامِّ لا يخرج من تحت العامِّ، وحينئذٍ تكون الآية

ثنتين لا ثلاثًا، أُجِيب: بأنَّ لازم الوعد الذي هو الإخلاف الذي قد يكون فعلًا، ولازم التَّحديث -الذي هو الكذب الذي لا يكون فعلًا- متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وخُلْفُ الوعد لا يقدح إلَّا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا، ثمَّ عرض له مانعٌ أو بدا له رأيٌ فهذا لم توجد منه صورة النِّفاق، وفي حديث الطَّبرانيِّ ما يشهد له حيث قال: «إذا وعد وهو يحدِّث نفسَه أنَّه يُخْلِفُ» وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأسَ به، وهو عند التِّرمذيِّ وأبي داودَ مُختصَرًا بلفظ: «إذا وعد الرَّجلُ أخاه ومن نيِّته أن يَفِي له فلم يَفِ فلا إثمَ عليه»، وهذا في الوعد بالخير، أمَّا الشَّرُّ فيُستحَبُّ إخلافه، وقد يجب (وَ) الثَّالثة من الخصال (١): (إِذَا اؤْتُمِنَ) على صيغة المجهول من الائتمان أمانةً (خَانَ) بأن تصرَّف فيها على خلاف الشَّرع، ووجه الاقتصار على هذه الثَّلاث: أنَّها منبِّهةٌ على ما عداها؛ إذ أصل عمل الدِّيانة منحصرٌ في ثلاثٍ: القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخُلْف، وحينئذٍ فلا يُعارَض هذا الحديث بما وقع في الآتي بلفظ: «أربعٌ مَنْ كنَّ فيه» [خ¦٣٤] وفيه: «وإذا عاهد غدر» إذ هو معنى قوله: «وإذا اؤتُمِن خان» لأنَّ الغدرَ خيانةٌ، فإن قلت: إذا وُجِدت هذه الخصال في مسلمٍ فهل يكون منافقًا؟ أُجِيب: بأنَّها خصالُ نِفَاقٍ لا نِفَاقٌ، فهو على سبيل المجاز، أو المُرَاد: نفاق العمل لا نفاق الكفر، أو مُرَاده: مَنِ اتَّصف بها وكانت له ديدنًا وعادةً، ويدلُّ عليه التَّعبير بـ «إذا» المفيدة لتكرار الفعل، أو هو محمولٌ على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها واستخفَّ بأمرها، فإنَّ من كان كذلك؛ كان فاسد الاعتقاد غالبًا، أو مُرَاده الإنذار والتَّحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأنَّ الظَّاهر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله