«آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ.»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧

الحديث رقم ١٧ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب علامة الإيمان حب الأنصار.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧ في صحيح البخاري

«آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ.»

بَابٌ

إسناد حديث البخاري رقم ١٧

١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ تَوَهُّمُ التَّسْوِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ مَحَاسِنِ الْأَجْوِبَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَقِصَّةِ الْخَطِيبِ أَنَّ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَحَبَّتَيْنِ، لَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا وَحْدَهَا لَاغِيَةٌ إِذَا لَمْ تَرْتَبِطْ بِالْأُخْرَى. فَمَنْ يَدَّعِي حُبَّ اللَّهِ مَثَلًا وَلَا يُحِبُّ رَسُولَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَأَوْقَعَ مُتَابَعَتَهُ مُكْتَنِفَةً بَيْنَ قُطْرَيْ مَحَبَّةِ الْعِبَادِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ.

وَأَمَّا أَمْرُ الْخَطِيبِ بِالْإِفْرَادِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِصْيَانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزَامِ الْغَوَايَةِ، إِذِ الْعَطْفُ فِي تَقْدِيرِ التَّكْرِيرِ، وَالْأَصْلُ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْحُكْمِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فَأَعَادَ أَطِيعُوا فِي الرَّسُولِ وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُمْ فِي الطَّاعَةِ كَاسْتِقْلَالِ الرَّسُولِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَالطِّيبِيِّ. وَمِنْهَا أَجْوِبَةٌ أُخْرَى فِيهَا تَكَلُّمٌ: مِنْهَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: حَقِيقَةُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ بِالْبِرِّ وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْمُصَنِّفِ: بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَكَذَا هُوَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى لِلْمُصَنِّفِ، وَالْإِنْقَاذُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعِصْمَةِ مِنْهُ ابْتِدَاءٌ بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرَّ، أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْعَوْدَةَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أدَّى الْعَوْدَ بِفِي وَلَمْ يُعَدِّهِ بِإِلَى؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَسْتَقِرُّ فِيهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَتُرِكَ الْبَتَّةَ إِلَى أَنْ قُتِلَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْأَدَبِ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ، وَلَفْظُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُنَا جُعِلَ الْوُقُوعُ فِي نَارِ الدُّنْيَا أَوْلَى مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ من نَارِ الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَصَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَزَادَ فِي الْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ ذِكْرَ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَلَفْظُهُ: وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَرْجَمَتِهِ: وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٠ - بَاب عَلَامَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ

١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ.

[الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ: لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَقَّبَهُ بِمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ حُبَّ الْأَنْصَارِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَحَبَّةَ مَنْ يُحِبُّهُمْ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْوَصْفُ - وَهُوَ النُّصْرَةُ - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُمْ وَإِنْ دَخَلُوا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ لَكِنَّ التَّنْصِيصَ بِالتَّخْصِيصِ دَلِيلُ الْعِنَايَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (جَبْرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهَذَا الرَّاوِي مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: (آيَةُ الْإِيمَانِ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَالْإِيمَانُ مَجْرُورٌ بِالْإِضَافَةِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ وَالْمَسَانِيدِ. وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَوَقَعَ فِي إِعْرَابِ الْحَدِيثِ لِأَبِي الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيِّ: إِنَّهُ الْإِيمَانُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَاءٍ، وَالْإِيمَانُ مَرْفُوعٌ، وَأَعْرَبَهُ فَقَالَ: إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْإِيمَانُ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّ الشَّأْنَ الْإِيمَانُ حُبُّ الْأَنْصَارِ. وَهَذَا تَصْحِيفٌ مِنْهُ. ثُمَّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الْإِيمَانِ فِي حُبِّ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: وَاللَّفْظُ الْمَشْهُورُ أَيْضًا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَكَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَلَامَةَ كَالْخَاصَّةِ تَطَّرِدُ وَلَا تَنْعَكِسُ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَهُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ. سَلَّمْنَا الْحَصْرَ لَكِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلِ ادِّعَائِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقِيٌّ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ حَيْثُ النُّصْرَةُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ غَايَتَهُ أَنْ لَا يَقَعَ حُبُّ الْأَنْصَارِ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ. وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ لَا يُحِبُّهُمْ.

فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى الشِّقِّ الثَّانِي هَلْ يَكُونُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ مُنَافِقًا وَإِنْ صَدَقَ وَأَقَرَّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ; لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِ الْبُغْضِ بِالْجِهَةِ، فَمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ - وَهِيَ كَوْنُهُمْ نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي تَصْدِيقِهِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ مُنَافِقٌ. وَيُقَرِّبُ هَذَا الْحَمْلَ زِيَادَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ فَبُحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا الْحُبِّ كَمَا سَبَقَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارِ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ: حُبُّ الْأَنْصَارِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ نِفَاقٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ فَلَا يُرَادُ ظَاهِرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُقَابِلِ الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ، بَلْ قَابَلَهُ بِالنِّفَاقِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ إِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ، أَمَّا مَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ فَلَا ; لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (الْأَنْصَارُ) هُوَ جَمْعُ نَاصِرٍ كَأَصْحَابٍ وَصَاحِبٍ، أَوْ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأَشْرَافٍ وَشَرِيفٍ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أَيْ: أَنْصَارُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُعْرَفُونَ بِبَنِي قَيْلَةَ، بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ، وَهِيَ الْأُمُّ الَّتِي تَجْمَعُ الْقَبِيلَتَيْنِ، فَسَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ الْأَنْصَارَ فَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ، وَأُطْلِقَ أَيْضًا عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. وَخُصُّوا بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعُظْمَى لِمَا فَازُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ مِنْ إِيوَاءِ النَّبِيِّ وَمَنْ مَعَهُ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَإِيثَارِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ صَنِيعُهُمْ لِذَلِكَ مُوجِبًا لِمُعَادَاتِهِمْ جَمِيعَ الْفِرَقِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ عَرَبٍ وَعَجَمٍ، وَالْعَدَاوَةُ تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثُمَّ كَانَ مَا اخْتَصُّوا بِهِ مِمَّا ذُكِرَ مُوجِبًا لِلْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ يَجُرُّ الْبُغْضَ، فَلِهَذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ مِنْ بُغْضِهِمْ وَالتَّرْغِيبُ فِي حُبِّهِمْ حَتَّى جُعِلَ ذَلِكَ آيَةَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، تَنْوِيهًا بِعَظِيمِ فَضْلِهِمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى كَرِيمِ فِعْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ كُلٌّ بِقِسْطِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَهَذَا جَارٍ بِاطِّرَادٍ فِي أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، لِتَحَقُّقِ مُشْتَرَكِ الْإِكْرَامِ، لِمَا لَهُمْ مِنْ حُسْنِ الْغَنَاءِ فِي الدِّينِ.

قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ: وَأَمَّا الْحُرُوبُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ بُغْضٌ لِبَعْضٍ فَذَاكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلِ الْأَمْرُ الطَّارِئُ الَّذِي اقْتَضَى الْمُخَالَفَةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالنِّفَاقِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَالُهُمْ فِي ذَاكَ حَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ: لِلْمُصِيبِ أَجْرَانِ، وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ وَاحِدٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وجوابه: أنَّ المستفاد منها كون مجرَّد التَّصديق بالقلب لا يكفي حتَّى تنتصب عليه علامةٌ من الأعمال الظَّاهرة، التي هي مؤازرةُ الأنصار ومُوادَدَتُهم.

١٧ - وبسندي المذكور أوَّلًا إلى الإمام البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ؛ نسبةً لبيع الطَّيالسة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة [سبعٍ و] عشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين فيهما (بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وإسكان المُوحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أنس بن مالكٍ» ( عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) بالهمزة الممدودة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة، أي: علامة الإيمان الكامل (حُبُّ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج، جمع قلَّةٍ على وزن «أَفْعالٍ»، واستُشكِل: بأنَّه لا يكون لِمَا فوق

العشرة، وهم ألوفٌ، وأُجِيب: بأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف فلا فرق بينهما (وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بُغْضُ الأَنْصَارِ) إذا كان من حيث إنَّهم أنصاره ؛ لأنَّه لا يجتمع مع التَّصديق، وإنَّما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة لِمَا فازوا به من نصره (١) ، والسَّعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقِّهم حقَّ القيام، مع مُعادَاتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثمَّ كان حبُّهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق؛ مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، وقال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان كذلك لأنَّهم تبوَّؤُوا الدَّار والإيمان وجعلوه مُستَقَرًّا وموطنًا؛ لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فَمَنْ أحبَّهم فذلك من كمال إيمانه، ومَنْ أَبْغَضَهم فذلك من علامة نفاقه، فإن قلت: لمَ عَدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النِّفاق؟ أُجِيب: بأنَّ الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، فميَّزهم عن ذوي الإيمان الحقيقيِّ، فلم يقل: وآية الكفر كذا، إذ هو ليس بكافرٍ ظاهرًا.

وهذا الحديث وقع للمؤلِّف رباعيَّ الإسناد، ولـ «مسلمٍ» خماسيَّه، وفيه راوٍ وافق اسمُه اسمَ أبيه، وفيه: التَّحديث، والإخبار بالجمع والإفراد، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٨٤]، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ تَوَهُّمُ التَّسْوِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ مَحَاسِنِ الْأَجْوِبَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ وَقِصَّةِ الْخَطِيبِ أَنَّ تَثْنِيَةَ الضَّمِيرِ هُنَا لِلْإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمَحَبَّتَيْنِ، لَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا وَحْدَهَا لَاغِيَةٌ إِذَا لَمْ تَرْتَبِطْ بِالْأُخْرَى. فَمَنْ يَدَّعِي حُبَّ اللَّهِ مَثَلًا وَلَا يُحِبُّ رَسُولَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فَأَوْقَعَ مُتَابَعَتَهُ مُكْتَنِفَةً بَيْنَ قُطْرَيْ مَحَبَّةِ الْعِبَادِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ.

وَأَمَّا أَمْرُ الْخَطِيبِ بِالْإِفْرَادِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْعِصْيَانَيْنِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِلْزَامِ الْغَوَايَةِ، إِذِ الْعَطْفُ فِي تَقْدِيرِ التَّكْرِيرِ، وَالْأَصْلُ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ مِنَ الْمَعْطُوفَيْنِ فِي الْحُكْمِ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فَأَعَادَ أَطِيعُوا فِي الرَّسُولِ وَلَمْ يُعِدْهُ فِي أُولِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمْ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُمْ فِي الطَّاعَةِ كَاسْتِقْلَالِ الرَّسُولِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَالطِّيبِيِّ. وَمِنْهَا أَجْوِبَةٌ أُخْرَى فِيهَا تَكَلُّمٌ: مِنْهَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ) قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: حَقِيقَةُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ بِالْبِرِّ وَلَا يَنْقُصَ بِالْجَفَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ) زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْمُصَنِّفِ: بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَكَذَا هُوَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى لِلْمُصَنِّفِ، وَالْإِنْقَاذُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْعِصْمَةِ مِنْهُ ابْتِدَاءٌ بِأَنْ يُولَدَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَسْتَمِرَّ، أَوْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ كَمَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ يَعُودُ عَلَى مَعْنَى الصَّيْرُورَةِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْعَوْدَةَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أدَّى الْعَوْدَ بِفِي وَلَمْ يُعَدِّهِ بِإِلَى؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَسْتَقِرُّ فِيهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾

(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَتُرِكَ الْبَتَّةَ إِلَى أَنْ قُتِلَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْأَدَبِ فِي فَضْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ، وَلَفْظُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ وَهِيَ أَبْلَغُ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُنَا جُعِلَ الْوُقُوعُ فِي نَارِ الدُّنْيَا أَوْلَى مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ من نَارِ الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَصَرَّحَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَزَادَ فِي الْخَصْلَةِ الثَّانِيَةِ ذِكْرَ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَلَفْظُهُ: وَأَنْ يُحِبَّ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَرْجَمَتِهِ: وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٠ - بَاب عَلَامَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ

١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ.

[الحديث ١٧ - طرفه في: ٣٧٨٤]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَلَمَّا ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ: لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَقَّبَهُ بِمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ حُبَّ الْأَنْصَارِ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مَحَبَّةَ مَنْ يُحِبُّهُمْ مِنْ حَيْثُ هَذَا الْوَصْفُ - وَهُوَ النُّصْرَةُ - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُمْ وَإِنْ دَخَلُوا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ لَكِنَّ التَّنْصِيصَ بِالتَّخْصِيصِ دَلِيلُ الْعِنَايَةِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ.

قَوْلُهُ: (جَبْرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهَذَا الرَّاوِي مِمَّنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: (آيَةُ الْإِيمَانِ) هُوَ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءِ تَأْنِيثٍ، وَالْإِيمَانُ مَجْرُورٌ بِالْإِضَافَةِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ وَالْمَسَانِيدِ. وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ كَمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَوَقَعَ فِي إِعْرَابِ الْحَدِيثِ لِأَبِي الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيِّ: إِنَّهُ الْإِيمَانُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ وَهَاءٍ، وَالْإِيمَانُ مَرْفُوعٌ، وَأَعْرَبَهُ فَقَالَ: إِنَّ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْإِيمَانُ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّ الشَّأْنَ الْإِيمَانُ حُبُّ الْأَنْصَارِ. وَهَذَا تَصْحِيفٌ مِنْهُ. ثُمَّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الْإِيمَانِ فِي حُبِّ الْأَنْصَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: وَاللَّفْظُ الْمَشْهُورُ أَيْضًا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَكَذَا مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَلَامَةَ كَالْخَاصَّةِ تَطَّرِدُ وَلَا تَنْعَكِسُ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَهُوَ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ. سَلَّمْنَا الْحَصْرَ لَكِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلِ ادِّعَائِيًّا لِلْمُبَالَغَةِ، أَوْ هُوَ حَقِيقِيٌّ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ حَيْثُ النُّصْرَةُ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي أَنَّ غَايَتَهُ أَنْ لَا يَقَعَ حُبُّ الْأَنْصَارِ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ. وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ لَا يُحِبُّهُمْ.

فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى الشِّقِّ الثَّانِي هَلْ يَكُونُ مَنْ أَبْغَضَهُمْ مُنَافِقًا وَإِنْ صَدَقَ وَأَقَرَّ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ; لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِ الْبُغْضِ بِالْجِهَةِ، فَمَنْ أَبْغَضَهُمْ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ - وَهِيَ كَوْنُهُمْ نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي تَصْدِيقِهِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ مُنَافِقٌ. وَيُقَرِّبُ هَذَا الْحَمْلَ زِيَادَةُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: مَنْ أَحَبَّ الْأَنْصَارَ فَبُحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْأَنْصَارَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَيَأْتِي مِثْلُ هَذَا الْحُبِّ كَمَا سَبَقَ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارِ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِهِ: حُبُّ الْأَنْصَارِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ نِفَاقٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عَلَى مَعْنَى التَّحْذِيرِ فَلَا يُرَادُ ظَاهِرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُقَابِلِ الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ، بَلْ قَابَلَهُ بِالنِّفَاقِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ إِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ، أَمَّا مَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ فَلَا ; لِأَنَّهُ مُرْتَكِبٌ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (الْأَنْصَارُ) هُوَ جَمْعُ نَاصِرٍ كَأَصْحَابٍ وَصَاحِبٍ، أَوْ جَمْعُ نَصِيرٍ كَأَشْرَافٍ وَشَرِيفٍ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أَيْ: أَنْصَارُ رَسُولِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ: الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُعْرَفُونَ بِبَنِي قَيْلَةَ، بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ وَيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ، وَهِيَ الْأُمُّ الَّتِي تَجْمَعُ الْقَبِيلَتَيْنِ، فَسَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ الْأَنْصَارَ فَصَارَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَيْهِمْ، وَأُطْلِقَ أَيْضًا عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ. وَخُصُّوا بِهَذِهِ الْمَنْقَبَةِ الْعُظْمَى لِمَا فَازُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ مِنْ إِيوَاءِ النَّبِيِّ وَمَنْ مَعَهُ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَإِيثَارِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ صَنِيعُهُمْ لِذَلِكَ مُوجِبًا لِمُعَادَاتِهِمْ جَمِيعَ الْفِرَقِ الْمَوْجُودِينَ مِنْ عَرَبٍ وَعَجَمٍ، وَالْعَدَاوَةُ تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثُمَّ كَانَ مَا اخْتَصُّوا بِهِ مِمَّا ذُكِرَ مُوجِبًا لِلْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ يَجُرُّ الْبُغْضَ، فَلِهَذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ مِنْ بُغْضِهِمْ وَالتَّرْغِيبُ فِي حُبِّهِمْ حَتَّى جُعِلَ ذَلِكَ آيَةَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، تَنْوِيهًا بِعَظِيمِ فَضْلِهِمْ، وَتَنْبِيهًا عَلَى كَرِيمِ فِعْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مُشَارِكًا لَهُمْ فِي الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ كُلٌّ بِقِسْطِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ، وَهَذَا جَارٍ بِاطِّرَادٍ فِي أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، لِتَحَقُّقِ مُشْتَرَكِ الْإِكْرَامِ، لِمَا لَهُمْ مِنْ حُسْنِ الْغَنَاءِ فِي الدِّينِ.

قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ: وَأَمَّا الْحُرُوبُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ بُغْضٌ لِبَعْضٍ فَذَاكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ، بَلِ الْأَمْرُ الطَّارِئُ الَّذِي اقْتَضَى الْمُخَالَفَةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالنِّفَاقِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَالُهُمْ فِي ذَاكَ حَالَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ: لِلْمُصِيبِ أَجْرَانِ، وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ وَاحِدٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وجوابه: أنَّ المستفاد منها كون مجرَّد التَّصديق بالقلب لا يكفي حتَّى تنتصب عليه علامةٌ من الأعمال الظَّاهرة، التي هي مؤازرةُ الأنصار ومُوادَدَتُهم.

١٧ - وبسندي المذكور أوَّلًا إلى الإمام البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ؛ نسبةً لبيع الطَّيالسة، البصريُّ، المُتوفَّى سنة [سبعٍ و] عشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بفتح العين فيهما (بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وإسكان المُوحَّدة الأنصاريُّ المدنيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ: «أنس بن مالكٍ» ( عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (قَالَ: آيَةُ الإِيمَانِ) بالهمزة الممدودة والمُثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة، أي: علامة الإيمان الكامل (حُبُّ الأَنْصَارِ) الأوس والخزرج، جمع قلَّةٍ على وزن «أَفْعالٍ»، واستُشكِل: بأنَّه لا يكون لِمَا فوق

العشرة، وهم ألوفٌ، وأُجِيب: بأنَّ القلَّة والكثرة إنَّما يُعتَبران في نكرات الجموع، أمَّا في المعارف فلا فرق بينهما (وَآيَةُ النِّفَاقِ) الذي هو: إظهار الإيمان وإبطان الكفر (بُغْضُ الأَنْصَارِ) إذا كان من حيث إنَّهم أنصاره ؛ لأنَّه لا يجتمع مع التَّصديق، وإنَّما خُصُّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة لِمَا فازوا به من نصره (١) ، والسَّعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وقيامهم بحقِّهم حقَّ القيام، مع مُعادَاتهم جميع من وُجِدَ من قبائل العرب والعجم، فمن ثمَّ كان حبُّهم علامة الإيمان، وبغضهم علامة النِّفاق؛ مجازاةً لهم على عملهم، والجزاء من جنس العمل، وقال في «شرح المشكاة»: وإنَّما كان كذلك لأنَّهم تبوَّؤُوا الدَّار والإيمان وجعلوه مُستَقَرًّا وموطنًا؛ لتمكُّنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدينة كذلك، فَمَنْ أحبَّهم فذلك من كمال إيمانه، ومَنْ أَبْغَضَهم فذلك من علامة نفاقه، فإن قلت: لمَ عَدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النِّفاق؟ أُجِيب: بأنَّ الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، فميَّزهم عن ذوي الإيمان الحقيقيِّ، فلم يقل: وآية الكفر كذا، إذ هو ليس بكافرٍ ظاهرًا.

وهذا الحديث وقع للمؤلِّف رباعيَّ الإسناد، ولـ «مسلمٍ» خماسيَّه، وفيه راوٍ وافق اسمُه اسمَ أبيه، وفيه: التَّحديث، والإخبار بالجمع والإفراد، والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «فضائل الأنصار» [خ¦٣٧٨٤]، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل