الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠
الحديث رقم ١٠ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ:
أَخْبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلمَ كاملَ الإسلامِ هو مَن سَلِم المسلمون من لسانه فلا يَسُبُّهم، ولا يَلعنُهم، ولا يغتابهم، ولا يسعى بينهم بأيِّ نوع من أنواع الأذى بلسانه،
وسلِموا مِن يده فلا يَعتدي عليهم، ولا يأخذ أموالَهم بغير حق، وما أشبه ذلك،
والمهاجر من ترك ما حرَّم الله تعالى.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوَالِدَيْنِ، وَفِيهِ اجْتِنَابُ الْعُقُوقِ، وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَطَاعَةُ السَّادَةِ، أَوِ الرِّفْقُ بِالْعَبِيدِ.
وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّةِ، وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: الْقِيَامُ بِالْإِمْرَةِ مَعَ الْعَدْلِ، وَمُتَابَعَةُ الْجَمَاعَةِ، وَطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْبِرِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادُ، وَمِنْهُ الْمُرَابَطَةُ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَمِنْهُ أَدَاءُ الْخُمُسِ، وَالْقَرْضُ مَعَ وَفَائِهِ، وَإِكْرَامُ الْجَارِ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَفِيهِ جَمْعُ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ، وَمِنْهُ تَرْكُ التَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ، وَاجْتِنَابُ اللَّهْوِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَهَذِهِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ خَصْلَةً، وَيُمْكِنُ عَدُّهَا تِسْعًا وَسَبْعِينَ خَصْلَةً بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ مَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مِمَّا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَرَاتِبَهَا مُتَفَاوِتَةٌ.
(تَنْبِيهٌ): فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ، وَهِيَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ; لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ، فَإِنْ وُجِدَتْ رِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ صَارَ مِنَ الْمُدَبَّجِ. وَرِجَالُهُ مِنْ سُلَيْمَانَ إِلَى مُنْتَهَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ دَخَلَهَا الْبَاقُونَ.
٤ - بَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ١٠ - طرفه في: ٦٤٨٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَبْوَابِ. وَهُوَ مُنَوَّنٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِضَافَةُ إِلَى جُمْلَةِ الْحَدِيثِ، لَكِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمُ) اسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةً مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَبِي إِيَاسٍ) اسْمُهُ نَاهِيَةُ بِالنُّونِ وَبَيْنَ الْهَاءَيْنِ يَاءٌ أَخِيرَةٌ. وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (أَبِي السَّفَرِ) اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِسْمَاعِيلُ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمُ) قِيلَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْكَمَالِ نَحْوَ زَيْدٌ الرَّجُلُ أَيِ: الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا خَاصَّةً كَانَ كَامِلًا. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ بَاقِي الْأَرْكَانِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَمَعَ إِلَى أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَدَاءَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى. وَإِثْبَاتُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْكَمَالِ لَهُ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ عَلَامَةَ الْمُسْلِمِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، كَمَا ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْحَثِّ عَلَى حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ مُعَامَلَةَ إِخْوَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُحْسِنَ مُعَامَلَةَ رَبِّهِ، مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.
(تَنْبِيهٌ): ذِكْرُ الْمُسْلِمِينَ هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ; لِأَنَّ مُحَافَظَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى كَفِّ الْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا ; وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحِبُّ الْكَفَّ عَنْهُ. وَالْإِتْيَانُ بِجَمْعِ التَّذْكِيرِ لِلتَّغْلِيبِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ.
ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا، وابن ماجه.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ.
١٠ - وبالسَّند السَّابق للمؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مُهملةٌ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ولابن عساكر: «عن شعبةَ» غير منصرفٍ، ابن الحجَّاج بن الورد الواسطيُّ، المُتوفَّى بالبصرة أوَّل سنة
ستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح المُهملَة والفاء، وحُكِيَ إسكانُها، ابن يُحمَدَ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الميم أو بكسرها، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ، المُتوفَّى في خلافة مروان بن محمَّدٍ (وَ) عن (إِسْمَاعِيلَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: «ابن أبي خالدٍ» أي: الأحمسيِّ (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ، كلاهما (٢) (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المُعجَمة وسكون المُهمَلة وكسر الموحَّدة؛ نسبةً إلى شَعْبٍ، بطن من هَمْدان، أبي عمرٍو عامر بن شراحيلَ، الكوفيِّ التَّابعيِّ الجليل، قاضي الكوفة، المُتوفَّى بعد المئة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص القرشيِّ السَّهميِّ، المُتوفَّى بمكَّة أو الطَّائف أو مصرَ، في ذي الحجَّة سنةَ خمسٍ أو ثلاثٍ أو سبعٍ وستِّين أو اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين، وكان أسلم قبل أبيه (﵄) وكان بينه وبينه في السِّنِّ إحدى عشْرةَ سنةً، فيما (٣) جزم به المِزِّيُّ، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وعشرون حديثًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: المُسْلِمُ) الكامل (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ) وكذا المسلِمات وأهل الذِّمَّة إلَّا في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وهذا من جوامع كَلِمِهِ (٤) ﵊ الذي لم يُسبَق إليه، فإن قلت: هذا يستلزم أنَّ من اتَّصف بهذه خاصَّةً كان مسلمًا كاملًا، أجيب: بأنَّ
المُرَاد بذلك: مع مراعاة باقي الصِّفات التي هي أركان الإسلام، أو يكون المُرَاد: أفضل المسلمين، كما قاله الخطَّابيُّ، وعبَّر بـ «اللِّسان» دون القول ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاءً بصاحبه، وقدَّمه على اليد لأنَّ إيذاءَه أكثرُ وقوعًا وأشدُّ نكايةً، ولله دَرُّ القائل:
جراحاتُ السِّنانِ (١) لها التئامُ … ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
وخصَّ اليدَ مع أنَّ الفعل قد يحصل بغيرها لأنَّ سلطنة الأفعال إنَّما تظهر بها؛ إذ بها البطش، والقطع والوصل، والأخذ والمنع، ومن ثمَّ غُلِّبت، فقِيلَ في كلِّ عملٍ: هذا ممَّا عملت أيديهم، وإن كان مُتعذَّر الوقوع بها، فالمراد من الحديث ما هو أعمُّ من الجارحة؛ كالاستيلاء على حقِّ الغير من غير حقٍّ، فإنَّه أيضًا إيذاءٌ، لكنه ليس باليد الحقيقية.
ثمَّ عطف على ما سبق قوله: (وَالمُهَاجِرُ) أي: المهاجر حقيقةً (مَنْ هَجَرَ) أي: ترك (مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) كأنَّ المهاجرين خُوطِبوا بذلك لئلَّا يتَّكلوا على مجرَّد الانتقال من دارهم، أو وقع ذلك بعد انقطاع الهجرة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك.
وفي إسناد هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٤]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدُّنْيَا وفظاعة الْآخِرَة فينزجر عَن الْمعاصِي ويمتثل الطَّاعَات كلهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى إِفْرَاد الْحيَاء بِالذكر بعد دُخُوله فِي الشّعب كَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه شُعْبَة وَاحِدَة من شعبه، فَهَل تحصى شعبه كلهَا؟ هَيْهَات ان الْبَحْر لَا يغْرف.
٤ - (بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب، فالمبتدأ مَحْذُوف، وَيجوز ترك التَّنْوِين بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَيجوز الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بَاب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب السَّابِق أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، هَذَا الْبَاب فِيهِ بَيَان شعبتين من هَذِه الشّعب، وهما: سَلامَة الْمُسلمين من لِسَان الْمُسلم وَيَده، وَالْمُهَاجِر من هجر المنهيات.
١٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبِي إيَاسٍ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
أوصل بِهَذَا مَا علقه أَولا، وَإِنَّمَا علقه لأجل التَّبْوِيب. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يبوب على الْجُمْلَة الْأَخِيرَة من الحَدِيث؟ قلت: لِأَن فِي صدر الحَدِيث لَفْظَة الْمُسلم، وَالْكتاب الَّذِي يحوي هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا من أُمُور الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. فَإِن قلت: هجر المنهيات أَيْضا من أُمُور الْإِسْلَام. قلت: بلَى، وَلكنه فِي تبويبه بصدر الحَدِيث اعتناء بِذكر لفظ فِيهِ مَادَّة من الْإِسْلَام.
(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْحسن آدم بن أبي إِيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره سين مُهْملَة، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ناهية، بالنُّون وَبَين الهائين يَاء آخر الْحُرُوف خَفِيفَة، أَصله من خُرَاسَان، نَشأ بِبَغْدَاد وَكتب عَن شيوخها، ثمَّ رَحل إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة والحجاز ومصر وَالشَّام، واستوطن عسقلان، وَتُوفِّي بهَا سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة مَأْمُون متعبد، من خِيَار عباد الله تَعَالَى، وَكَانَ ورَّاقاً، وَكَانَ عمره حِين مَاتَ ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: نيفا وَتِسْعين سنة، وَلَيْسَ فِي كتب الحَدِيث آدم بن أبي إِيَاس غير هَذَا، وَفِي مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي أَيْضا فَحسب، وَفِي الروَاة آدم بن عُيَيْنَة، أَخُو سُفْيَان، لَا يحْتَج بِهِ، وآدَم بن فَايِد عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَجْهُول. الثَّانِي: شُعْبَة، غير منصرف، ابْن الْحجَّاج بن الْورْد، أَبُو بسطَام الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَأَجْمعُوا على إِمَامَته وجلالة قدره، قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: شُعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ أمة وَحده فِي هَذَا الشَّأْن، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ أول سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ ألثغ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: شُعْبَة بن الْحجَّاج غَيره، وَفِي النَّسَائِيّ: شُعْبَة بن دِينَار الْكُوفِي، صَدُوق. وَفِي أبي دَاوُد: شُعْبَة بن دِينَار، عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي الضُّعَفَاء: شُعْبَة بن عَمْرو ويروي عَن أنس. قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَفِي الصَّحَابَة: شُعْبَة بن التوأم وَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح الْفَاء، وَحكى إسكانها، وَاسم أبي السّفر: سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الغساني: بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، وَيُقَال: أَحْمد الثَّوْريّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن السّفر، كُله بِإِسْكَان الْفَاء فِي الِاسْم، وتحريكها فِي الكنية. وَمِنْهُم من سكن الْفَاء فِي عبد الله الْمَذْكُور كَمَا مضى. الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد هُرْمُز، وَقيل: سعد، وَقيل: كثير البَجلِيّ الأحمسي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم: أنس بن مَالك وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام، وَكَانَ عَالما متقناً صَالحا ثِقَة، وَكَانَ يُسمى: الْمِيزَان، وَكَانَ طحاناً، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: الشّعبِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ أَبُو عَمْرو عَامر بن شرَاحِيل، وَقيل: ابْن عبد الله بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الثِّقَة، روى عَن خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَسعد وَسَعِيد، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ، قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ومرسله صَحِيح. روى عَنهُ قَتَادَة وَخلق من التَّابِعين، ولي قَضَاء الْكُوفَة، وَولد لست سِنِين مَضَت من خلَافَة عُثْمَان، وَمَات بعد الْمِائَة إِمَّا سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس أَو سِتّ، وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مزاحا، وَأمه من
سبي جلولا، وَهِي قريبَة بِنَاحِيَة فَارس. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هِشَام بن سعيد، بِضَم السِّين وَفتح الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص، بِضَم الْهَاء وبصادين مهملتين، ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، أَبُو مُحَمَّد أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو نصير، بِضَم النُّون، الْقرشِي السَّهْمِي الزَّاهِد العابد الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَأمه، ريطة بنت منيه بن الْحجَّاج، أسلم قبل أَبِيه وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن: اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل: إِحْدَى عشرَة، وَكَانَ غزير الْعلم مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ أَكثر حَدِيثا من أبي هُرَيْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَبُو هُرَيْرَة لَا يكْتب، وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِي رُوِيَ لَهُ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رُوِيَ لأبي هُرَيْرَة. رُوِيَ لَهُ سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بِعشْرين: مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالطَّائِف أَو بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس أَو ثَلَاث أَو سبع وَسِتِّينَ، أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين، عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو جماعات آخر عدتهمْ: ثَمَانِيَة عشر نفسا. وَعَمْرو، وَيكْتب بِالْوَاو ليتميز عَن عمر، وَهَذَا فِي غير النصب، وَأما فِي النصب فيتميز بِالْألف.
(بَيَان الْأَنْسَاب) الْأَزْدِيّ: فِي كهلاان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، والأسد بِالسِّين. والواسطي: نِسْبَة إِلَى وَاسِط، مَدِينَة اختطها الْحجَّاج بن يُوسُف بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فِي أَرض كسكر، وَهِي نِصْفَانِ على شاطىء دجلة وَبَينهمَا جسر من سفن، وَسميت، وَاسِط، لِأَنَّهُ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة خمسين فرسخاً، وَمِنْهَا إِلَى الْكُوفَة خمسين فرسخاً، وَإِلَى الأهواز خمسين فرسخاً، وَإِلَى بَغْدَاد خمسين فرسخاً، والبجلي: بِضَم الْبَاء وَالْجِيم، فِي كهلان ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج. وَالشعْبِيّ: نِسْبَة إِلَى شعب، بطن من هَمدَان، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: هُوَ من حمير، وعداده فِي هَمدَان، وَنسب إِلَى جبل بِالْيمن نزله حسان بن عَمْرو والحميري وَلَده، وَدفن بِهِ، وَقَالَ الْهَمدَانِي: الشّعب الْأَصْغَر بطن، مِنْهُم: عَامر بن شرَاحِيل. قَالَ: والشعب الْأَصْفَر بن شرَاحِيل بن حسان ابْن الشّعب الْأَكْبَر بن عَمْرو بن شعْبَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شعب جبل بِالْيمن، وَهُوَ ذُو شعبتين، نزله حسان بن عَمْرو الْحِمْيَرِي وَولده فنسبوا إِلَيْهِ، وَأَن من نزل من أَوْلَاده بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم: شعبيون. مِنْهُم عَامر الشّعبِيّ، وَمن كَانَ مِنْهُم بِالشَّام قيل لَهُم: شعبيون وَمن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن يُقَال لَهُم: آل ذِي شعبين، وَمن كَانَ مِنْهُم بِمصْر وَالْمغْرب يُقَال لَهُم: الأشعوب.
(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط السِّتَّة إلَاّ آدم فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط مُسلم وَأبي دَاوُد. وَمِنْهَا: أَن شُعْبَة فِيهِ يروي عَن اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: عبد الله بن أبي السّفر، وَالْآخر: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَكِلَاهُمَا يرويانه عَن الشّعبِيّ، وَلِهَذَا إِسْمَاعِيل بِفَتْح اللَّام عطفا على عبد الله وَهُوَ مجرور، وَإِسْمَاعِيل أَيْضا مجرور جر مَا لَا ينْصَرف بالفتحة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة.
(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بجملته عَن مُسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم، عَن زَكَرِيَّا، عَن عَامر. وَأخرج مُسلم بعضه فِي (صَحِيحه) عَن جَابر مَرْفُوعا: (الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) ، مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وَخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر أَيْضا: (إِن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَي الْمُسلمُونَ خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَزَاد ابْن حبَان، وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أنس صَحِيحا: (وَالْمُؤمن من أَمنه النَّاس) . وَأخرج أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا مثل البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، إلَاّ أَن لفظ النَّسَائِيّ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) .
(بَيَان الغات) : قَوْله: (من يَده) الْيَد هِيَ اسْم للجارحة، وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا أَعم من أَن تكون يدا حَقِيقِيَّة، أَو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر حق، فَإِنَّهُ أَيْضا إِيذَاء، لَكِن لَا بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّة. قَوْله: (المُهَاجر) هُوَ الَّذِي فَارق عشيرته ووطنه. قَوْله: (من هجر) أَي: ترك، من هجره يهجره، بِالضَّمِّ هجراً وهجراناً. وَالِاسْم: الْهِجْرَة، وَفِي (الْعباب) : الْهِجْرَة ضد الْوَصْل. والتركيب يدل على قطع وَقَطِيعَة، وَالْمُهَاجِر مفاعل مِنْهُ. قيل: لِأَنَّهُ لما انْقَطَعت الْهِجْرَة وفضلها، حزن على فَوَاتهَا من لم يُدْرِكهَا، فاعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن المُهَاجر على الْحَقِيقَة من هجر مَا نهى الله عَنهُ، وَقيل: بل أعلم الْمُهَاجِرين لِئَلَّا يتكلوا على الْهِجْرَة. فَإِن قلت: المُهَاجر من بَاب المفاعلة. وَهِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك بَين الِاثْنَيْنِ. قلت: المُهَاجر بِمَعْنى الهاجر،
كالمسافر بِمَعْنى السافر، والمنازع بِمَعْنى النازع، لِأَن بَاب: فَاعل، قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل.
(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (الْمُسلم) مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (من سلم الْمُسلمُونَ) ، وَيجوز أَن يكون: من سلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فالجملة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: الْمُسلم هُوَ من سلم، فَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ صلتها، وَقَوله: (من لِسَانه) مُتَعَلق بقوله: (سلم) . قَوْله: (وَالْمُهَاجِر) عطف على قَوْله: (الْمُسلم) . وَمن أَيْضا فِي: (من هجر) مَوْصُولَة. و: (مَا نهى الله عَنهُ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول هجر، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَنهى الله عَنْهَا، صلتها.
(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (الْمُسلم من سلم) إِلَى آخِره ظَاهره يدل على الْحصْر لوُقُوع جزئي الْجُمْلَة معرفتين، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْلهم: زيد الرجل، أَي: زيد الْكَامِل فِي الرجولية، فَيكون التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم إِلَى آخِره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره: المُرَاد: الْكَامِل الْإِسْلَام وَالْجَامِع لخصاله مَا لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل، وَهَذَا من جَامع كَلَامه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وفصيحه كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَالنَّاس الْعَرَب، على التَّفْضِيل لَا على الْحصْر، وَقد بَين البُخَارِيّ مَا يبين هَذَا التَّأْوِيل، وَهُوَ قَول السَّائِل: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم الممدوح من كَانَ هَذَا وَصفه، وَلَيْسَ ذَلِك على معنى أَن من لم يسلم النَّاس مِنْهُ مِمَّن دخل فِي عقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ ذَلِك بِمُسلم، وَكَانَ ذَلِك خَارِجا عَن الْملَّة أَيْضا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك: النَّاس الْعَرَب، تُرِيدُ أَن أفضل النَّاس الْعَرَب، فههنا المُرَاد أفضل الْمُسلمين من جمع إِلَى أَدَاء حُقُوق الله أَدَاء حُقُوق الْمُسلمين والكف عَن أعراضهم، وَكَذَلِكَ المُهَاجر الممدوح هُوَ الَّذِي جمع إِلَى هجران وَطنه مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَنفي اسْم الشَّيْء على معنى نفي الْكَمَال عَنهُ مستفيض فِي كَلَامهم. قلت: وَكَذَا إِثْبَات اسْم الشَّيْء على الشَّيْء على معنى إِثْبَات الْكَمَال مستفيض فِي كَلَامهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم، يلْزم من ذَلِك أَن يكون من اتّصف بِهَذَا خَاصَّة كَامِلا. قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن المُرَاد هُوَ الْكَامِل مَعَ مراعات بَاقِي الصِّفَات، أَو يكون هَذَا وارداً على سَبِيل الْمُبَالغَة تَعْظِيمًا لترك الْإِيذَاء، كَمَا كَانَ ترك الْإِيذَاء هُوَ نفس الْإِسْلَام الْكَامِل، وَهُوَ مَحْصُور فِيهِ على سَبِيل الإدعاء. وَأَمْثَاله كَثِيرَة. فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه، لِأَنَّهُ إِذا أحسن مُعَاملَة إخوانه فَأولى، أَن يحسن مُعَاملَة ربه، من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى. قلت: فِيهِ نظر وخدش من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن قَوْله: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه مَمْنُوع، لِأَن الْإِشَارَة مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وتركيبه مثل الْعبارَة، غير أَن الثَّابِت من الْإِشَارَة غير مَقْصُود من الْكَلَام، وَلَا سيق الْكَلَام لَهُ فَانْظُر هَل تَجِد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى؟ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: فَأولى أَن يحسن مُعَاملَة ربه مَمْنُوع أَيْضا، وَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة فِي ذَلِك، والأولوية مَوْقُوفَة على تحقق الْمُدَّعِي وَالدَّعْوَى غير صَحِيحَة، لأنَّا نجد كثيرا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم وأيديهم، وَمَعَ هَذَا لَا يحسنون الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى؛ وَفِيه الْعَطف بَين الجملتين تَنْبِيها على التَّشْرِيك فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَفِيه من أَنْوَاع البديع: تجنيس الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فاقم وَجهك للدّين الْقيم} (الرّوم: ٤٣) فَإِن: أقِم والقيم، يرجعان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى: الْقيام.
(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ الْحَث على ترك أَذَى الْمُسلمين بِكُل مَا يُؤْذِي. وسر الْأَمر فِي ذَلِك حسن التخلق مَعَ الْعَالم، كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير الْأَبْرَار: هم الَّذين لَا يُؤْذونَ الذَّر وَلَا يرضون الشَّرّ. الثَّانِيَة: فِيهِ الرَّد على المرجئة، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم إِسْلَام نَاقص. الثَّالِثَة: فِيهِ الْحَث على ترك الْمعاصِي وَاجْتنَاب المناهي.
(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا: مَا قيل لم خص الْيَد مَعَ أَن الْفِعْل قد يحصل بغَيْرهَا؟ أُجِيب: بِأَن سلطنة الْأَفْعَال إِنَّمَا تظهر فِي الْيَد إِذْ بهَا الْبَطْش وَالْقطع والوصل وَالْأَخْذ وَالْمَنْع والإعطاء وَنَحْوه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لما كَانَت أَكثر الْأَعْمَال تباشر بِالْأَيْدِي غلبت، فَقيل: فِي كل عمل: هَذَا مِمَّا علمت أَيْديهم، وَإِن كَانَ عملا لَا يَأْتِي فِيهِ الْمُبَاشرَة بِالْأَيْدِي. وَمِنْهَا: مَا قيل لم قرن اللِّسَان بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن الْإِيذَاء بِاللِّسَانِ وَالْيَد أَكثر من غَيرهمَا. فَاعْتبر الْغَالِب. وَمِنْهَا: مَا قيل: لم قدم اللِّسَان على الْيَد؟ أُجِيب: بإن إِيذَاء اللِّسَان أَكثر وقوعاً وأسهل. وَلِأَنَّهُ أَشد نكاية، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحسان: (اهج الْمُشْركين فَإِنَّهُ أشق عَلَيْهِم من رشق النبل) وَقَالَ الشَّاعِر:
(جراحات السنان لَهَا التئام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)
وَمِنْهَا: مَا قيل: الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه، إِذا لم يسلم الْمُسلمُونَ مِنْهُ لَا يكون مُسلما، لَكِن الِاتِّفَاق على أَنه إِذا أَتَى بالأركان الْخَمْسَة فَهُوَ مُسلم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْمُسلم الْكَامِل كَمَا ذكرنَا، وَإِذا لم يسلم مِنْهُ الْمُسلمُونَ فَلَا يكون مُسلما كَامِلا، وَذَلِكَ لِأَن الْجِنْس إِذا أطلق يكون مَحْمُولا على الْكَامِل، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو: الرجل زيد. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَتهم أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يخصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألَا ترى كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ؟ وَقد يُقَال: سَلامَة الْمُسلمين خَاصَّة الْمُسلم، وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الْخَاصَّة انْتِفَاء مَا لَهُ الْخَاصَّة. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا يُقَال فِي إِقَامَة الْحُدُود، وإجراء التعازير، والتأديبات إِلَى آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك مُسْتَثْنى من هَذَا الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع، أَو أَنه لَيْسَ إِيذَاء بل هُوَ عِنْد التَّحْقِيق استصلاح وَطلب للسلامة لَهُم وَلَو فِي الْمَآل. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِذا آذَى ذِمِّيا مَا يكون حَاله؟ لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِالْمُسْلِمين أُجِيب: بِأَنَّهُ قد ذكر الْمُسلمُونَ هُنَا بطرِيق الْغَالِب، وَلِأَن كف الْأَذَى عَن الْمُسلم أَشد تَأْكِيدًا لأصل الْإِسْلَام، وَلِأَن الْكفَّار بصدد أَن يقاتلوا، وَإِن كَانَ فيهم من يجب الْكَفّ عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا حكم المسلمات فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ذكر بِجمع التَّذْكِير؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا من بَاب التغليب، فَإِن المسلمات يدخلن فِيهِ كَمَا فِي سَائِر النُّصُوص والمخاطبات. وَمِنْهَا: مَا قيل: لِمَ عبر بِاللِّسَانِ دون القَوْل، فَإِنَّهُ لَا يكون إلَاّ بِاللِّسَانِ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا عبر بِهِ دون القَوْل حَتَّى يدْخل فِيهِ من أخرج لِسَانه على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا الْفرق بَين الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَبَين الْأَذَى بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن إِيذَاء اللِّسَان عَام، لِأَنَّهُ يكون فِي الماضين والموجودين والحادثين بعد بِخِلَاف الْيَد، لِأَن إيذاءها مَخْصُوص بالموجودين، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كتب بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ حينئذٍ تشارك اللِّسَان، فحينئذٍ يكون الحَدِيث عَاما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَأما فِي الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دون الْيَد. فَافْهَم.
قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقالَ أبُو مُعَاوَيَةَ حَدثنَا داودُ عَنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
هَذَانِ تعليقان رجالهما خَمْسَة. الأول: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، الضَّرِير الْكُوفِي التَّمِيمِي، السَّعْدِيّ، مولى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، يُقَال: عمي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو ثَمَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ ثَبت فِي الْأَعْمَش، وَكَانَ مرجئاً، مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: أَبُو مُعَاوِيَة النَّخعِيّ عمر، وَأَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي هِنْد دِينَار، مولى امْرَأَة من قُشَيْر، وَيُقَال: مولى عبد الله عَامر بن كريز، أحد الْأَعْلَام الثِّقَات، بَصرِي، رأى أنسا وَسمع الشّعبِيّ وَغَيره من التَّابِعين، وَعنهُ شُعْبَة وَالْقطَّان، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث، وَكَانَ حَافِظًا صواماً دهره قَانِتًا لله، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة بطرِيق مَكَّة، عَن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ هُنَا خَاصَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه ذكر إلَاّ هُنَا. الثَّالِث: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، من بني سامة بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْبَصْرِيّ، روى عَن الْجريرِي وَغَيره، وَعنهُ بنْدَار، وَهُوَ ثِقَة قدري لكنه غير دَاعِيَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَة: هَذَا، وَفِي ابْن مَاجَه آخر واهٍ، وَآخر كَذَلِك وَآخر صَدُوق، وَفِي النَّسَائِيّ آخر ثِقَة، وَفِيه وَفِي التِّرْمِذِيّ آخر ثِقَة، وَفِي الْأَرْبَعَة آخرَانِ ضعفهما أَحْمد، فالجملة تِسْعَة، وَفِي الضُّعَفَاء سَبْعَة أُخْرَى. الرَّابِع: عَامر، هُوَ الشّعبِيّ الْمَذْكُور عَن قريب. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر آنِفا. واراد بِالتَّعْلِيقِ الأول بَيَان سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو لِأَن وهيب بن خَالِد روى عَن دَاوُد، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ، عَن عبيد الله بن عَمْرو. وَحَكَاهُ ابْن مَنْدَه، فَأخْرج البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق لينبه بِهِ على سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو، فعلى هَذَا لَعَلَّ الشّعبِيّ بلغه ذَاك عَن عبد الله بن عَمْرو، ثمَّ لقِيه فَسَمعهُ مِنْهُ. وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي مُعَاوِيَة مَوْصُولا، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن زُهَيْر الْحَافِظ بتستر، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو وَرب هَذِه البنية لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (المُهَاجر من هجر السَّيِّئَات، وَالْمُسلم من سلم النَّاس من
لِسَانه وَيَده) وَأَرَادَ بِالتَّعْلِيقِ الثَّانِي: التَّنْبِيه على أَن عبد الله الَّذِي أبهم فِي رِوَايَة عبد الْأَعْلَى هُوَ عبد الله بن عَمْرو الَّذِي بَين فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَقَالَ قطب الدّين فِي شَرحه: هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ، لِأَن البُخَارِيّ، لم يلْحق أَبَا مُعَاوِيَة وَلَا عبد الْأَعْلَى، والْحَدِيث الْمُعَلق عِنْد أهل الحَدِيث هُوَ الَّذِي حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد فَأكْثر، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَلم يَسْتَعْمِلهُ مُسلم إلَاّ قَلِيلا، قَالَ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح: فِيمَا جَاءَ بِصِيغَة الْجَزْم، كقال وَحدث وَذكر، دون مَا جَاءَ بِغَيْر صيغته: كيروى وَيذكر، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن صَاحِبي (الصَّحِيحَيْنِ) ترجما كتابهما بِالصَّحِيحِ من أَخْبَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فلولا أَنه عِنْدهمَا مُسْند مُتَّصِل صَحِيح لم يستجيز أَن يدخلا فِي كِتَابَيْهِمَا: قَوْله قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، لِأَن أَبَا عبد الله كنيته. قَوْله: (حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا دَاوُد هُوَ ابْن أبي هِنْد. قَوْله فِي حَدِيث ابْن حبَان: (وَالْمُسلم من سلم النَّاس) : يتَنَاوَل الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة، وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسلمُونَ. كَمَا فِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فهم النَّاس حَقِيقَة، وَيُمكن حمله على عُمُومه على إِرَادَة شَرط وَهُوَ إلَاّ بِحَق، وَإِرَادَة هَذِه الشَّرْط متعينة على كل حَال؛ قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: قَوْله: فهم النَّاس حَقِيقَة يدل على أَن غير الْمُسلمين من بني آدم لَيْسُوا بِإِنْسَان حَقِيقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل النَّاس يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ، قَالَه فِي (الْعباب) . وَالثَّانِي: قَوْله: (وَيُمكن حمله) . اسْتِعْمَال الْإِمْكَان هَهُنَا غير سديد، بل هُوَ عَام قطعا. وَالثَّالِث: تَخْصِيصه الشَّرْط الْمَذْكُور بِهَذَا الحَدِيث غير موجه، بل هَذَا الشَّرْط مراعى هَهُنَا وَفِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فَبِهَذَا الشَّرْط يخرج عَن الْعُمُوم فِي حق الْأَذَى بِالْحَقِّ، وَأما فِي حق الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فعلى عُمُومه. فَافْهَم.
٥ - (بَاب أيُّ الإِسْلَام أفْضَلُ)
يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده، وعَلى كل التَّقْدِير أَي بِالرَّفْع لَا غير، وَفِي الْوَجْهَيْنِ هُوَ: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز التسكين فِيهِ من غير إِعْرَاب، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بالتركيب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كليهمَا فِي بَيَان وصف خَاص من أَوْصَاف الْمُسلم، وَذكر جُزْء الحَدِيث لأجل التَّبْوِيب.
١١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ قالَ حَدثنَا أبِي قالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ قالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الإِسْلَامِ أفْضَلُ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ أَخذ جُزْءا مِنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ.
(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: سعيد بن يحيى بن أبان بن سعيد بن العَاصِي بن أُميَّة بن عبد شمس الْأمَوِي، يكنى بِأبي عُثْمَان، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة مَا خلا ابْن مَاجَه، وروى عَنهُ عبد الله بن أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبَغوِيّ وَخلق كثير، توفّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن سُفْيَان: سعيد وَأَبوهُ يحيى ثقتان، وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ أثبت من أَبِيه. وَقَالَ صَالح بن مُحَمَّد: هُوَ ثِقَة إلَاّ أَنه كَانَ يغلط، والعاصي قتل يَوْم بدر كَافِرًا. وَأَبَان أَخُوهُ عَمْرو الْأَشْدَق. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، سمع يحيى الْأنْصَارِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة وَيزِيد وَآخَرين، قَالَ ابْن معِين: هُوَ من أهل الصدْق وَلَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: ثِقَة، توفّي سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة بعد أَن بلغ الثَّمَانِينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَيحيى بن سعيد فِي الْكتب السِّتَّة: أَرْبَعَة. الأول: هَذَا. وَالثَّانِي: يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ. وَالثَّالِث: يحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ. وَالرَّابِع: يحيى سعيد بن فروخ الْقطَّان. الثَّالِث: أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، واسْمه بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه وجده وَالْحسن وَعَطَاء، وَعنهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره من الْأَعْلَام، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتقن يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بذلك الْقوي. وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: كُوفِي ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة بريد غير هَذَا، وَفِي الْأَرْبَعَة: بريد ابْن أبي مَرْيَم مَالك، وَفِي مُسْند عَليّ النَّسَائِيّ: بريد بن أَصْرَم مَجْهُول. كَمَا قَالَ البُخَارِيّ. وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه بريد، وَيشْتَبه بريد بأَرْبعَة أَشْيَاء وهم يزِيد، وبريد، وبزيد، وتريد. الرَّابِع: أَبُو بردة
بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مثل الأول، وَهُوَ جد أبي بردة بريد، وَافقه فِي كنيته لَا فِي اسْمه، فَإِن اسْم الأول بريد كَمَا قُلْنَا، وَاسم جده هَذَا عَامر. وَقيل: الْحَارِث. سمع: أَبَاهُ وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عمر وَابْن سَلام وَعَائِشَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: عمر بن عبد الْعَزِيز، وَالشعْبِيّ وَبَنوهُ أَبُو بكر وَعبد الله وَسَعِيد وبلال وَابْن ابْنه بريد بن عبد الله قَالَ أَبُو نعيم: ولّى أَبُو بردة قَضَاء الْكُوفَة بعد شُرَيْح قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي بِالْكُوفَةِ سنة ثَلَاث وَمِائَة. وَقَالَ ابْن سعيد:، قيل: إِنَّه توفّي هُوَ وَالشعْبِيّ فِي جُمُعَة. وَكَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة: أَبُو بردة، سَبْعَة. مِنْهُم: ابْن نيار البلوي هاني أَو الْحَارِث أَو مَالك، وَفِي الروَاة هُوَ أَبُو بردة بريد الْمَذْكُور. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس بن سُلَيْمَان، بِضَم السِّين، بن حضار بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقيل بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الضَّاد، الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ الْكَبِير، اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على زبيد وعدن وساحل الْيمن، وَاسْتَعْملهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَشهد وَفَاة أبي عُبَيْدَة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وَقدم دمشق على مُعَاوِيَة. لَهُ ثلثمِائة وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على خمسين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة، وَمُسلم بِخَمْسَة عشر. روى عَنهُ أنس بن مَالك وطارق بن شهَاب وَخلق من التَّابِعين وَبَنوهُ أَبُو بردة وَأَبُو بكر وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى، مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالْكُوفَةِ سنة خمس أَو إِحْدَى أَو أَربع وَأَرْبَعين، عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ من عُلَمَاء الصَّحَابَة ومفتيهم، وَأَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة أَرْبَعَة: هَذَا، والأنصاري، والغافقي: مَالك بن عبَادَة أَو ابْن عبد الله، وَأَبُو مُوسَى الْحكمِي. وَفِي الروَاة: أَبُو مُوسَى جمَاعَة، مِنْهُم: فِي سنَن أبي دَاوُد اثْنَان، وَآخر فِي سنَن النَّسَائِيّ. وَالله أعلم.
(بَيَان الْأَنْسَاب) الْقرشِي: نِسْبَة إِلَى قُرَيْش، وَهُوَ فهر بن مَالك، وَقد ذَكرْنَاهُ. والأموي، بِضَم الْهمزَة، نِسْبَة إِلَى أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب، وَأُميَّة تَصْغِير: أمة. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: أموي، بِالضَّمِّ، قَالَ ابْن دُرَيْد: وَمن فتحهَا فقد أَخطَأ، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: أميي، بِأَرْبَع ياآت، لَكِن حذفت الْيَاء الزَّائِدَة للاستثقال، كَمَا تحذف من سليم وَثَقِيف عِنْد النِّسْبَة، وقلبت الْيَاء الأولى واواً كَرَاهَة اجْتِمَاع الياآت مَعَ الكسرتين. وَحكى سِيبَوَيْهٍ قَالَ: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يَقُولُونَ أميي، فَلَا يغيرون. وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول: أموي بِالْفَتْح، وَأُميَّة أَيْضا بطن من الانصار، وَهُوَ أُميَّة بن زيد بن مَالك، وَفِي قضاعة وَهُوَ: أُميَّة بن عصبَة، وَفِي طَيء وَهُوَ: أُميَّة بن عدي بن كنَانَة، والأشعري: نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر، وَهُوَ نبت بن ادد، وَقيل لَهُ: الْأَشْعر، لِأَن أمه وَلدته أشعر، مِنْهُم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَشَاهِير: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ.
(بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن إِسْنَاده كلهم كوفيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة فَقَط. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي سعيد بن يحيى شَيْخه الْقرشِي، وَلم يقل الْأمَوِي، مَعَ كَون الْأمَوِي أشهر فِي نسبته نظرا إِلَى النِّسْبَة الأعمية. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ راويان متفقان فِي الكنية أَحدهمَا: أَبُو بردة بريد، وَالْآخر أَبُو بردة عَامر أَو الْحَارِث، كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ شيخ الأول وجده.
(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِهِ، وَأخرجه أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي عَن أبي أُسَامَة، عَن أبي بردة. وَفِيه: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَأخرجه فِي الْإِيمَان. وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد.
(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (أَي الْإِسْلَام) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: أفضل، خَبره و: أَي، هَهُنَا للاستفهام، وَقد علم أَن أقسامه على خَمْسَة أوجه. شَرط: نَحْو {أياً مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} (الْإِسْرَاء: ١١٠) ، {أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان على} (الْقَصَص: ٢٨) وموصول: نَحْو: {لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد} (مَرْيَم: ٦٩) التَّقْدِير: لننزعن الَّذِي هُوَ أَشد. وَصفَة للنكرة: نَحْو زيد رجل أَي رجل، أَي: كَامِل فِي صِفَات الرِّجَال. وَحَال للمعرفة: كَقَوْلِك مَرَرْت بِعَبْد الله أَي رجل. ووصلة مَا فِيهِ: ال، نَحْو: يَا أَيهَا الرجل. وَالْخَامِس: الِاسْتِفْهَام: نَحْو: {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا} (التَّوْبَة: ١٢٤) . {فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٥ والمرسلات: ٥٠) . وَمِنْه الحَدِيث. فَإِن قيل: شَرط أَن تدخل على مُتَعَدد، وَهَهُنَا دخلت على مُفْرد لِأَن نفس الْإِسْلَام لَا تعدد فِيهِ. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: أَي أَصْحَاب الْإِسْلَام أفضل؟ وَيُؤَيّد هَذَا التَّقْدِير رِوَايَة مُسلم: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَقد قدر الشَّيْخ قطب الدّين، والكرماني فِي (شرحيهما) : أَي خِصَال الْإِسْلَام أفضل. وَهَذَا غير موجه لِأَن الِاسْتِفْهَام عَن الْأَفْضَلِيَّة فِي الْمُسلمين، لَا عَن خِصَال الْإِسْلَام بِدَلِيل رِوَايَة مُسلم وَلِأَن فِي تقديرهما لَا يَقع الْجَواب مطابقاً للسؤال. فَإِن قيل: أفضل، افْعَل التَّفْضِيل وَقد علم أَنه لَا بُد أَن يسْتَعْمل بِأحد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْوَالِدَيْنِ، وَفِيهِ اجْتِنَابُ الْعُقُوقِ، وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَطَاعَةُ السَّادَةِ، أَوِ الرِّفْقُ بِالْعَبِيدِ.
وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَامَّةِ، وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: الْقِيَامُ بِالْإِمْرَةِ مَعَ الْعَدْلِ، وَمُتَابَعَةُ الْجَمَاعَةِ، وَطَاعَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْبِرِّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادُ، وَمِنْهُ الْمُرَابَطَةُ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَمِنْهُ أَدَاءُ الْخُمُسِ، وَالْقَرْضُ مَعَ وَفَائِهِ، وَإِكْرَامُ الْجَارِ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَفِيهِ جَمْعُ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، وَإِنْفَاقُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ، وَمِنْهُ تَرْكُ التَّبْذِيرِ وَالْإِسْرَافِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ، وَاجْتِنَابُ اللَّهْوِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَهَذِهِ تِسْعٌ وَسِتُّونَ خَصْلَةً، وَيُمْكِنُ عَدُّهَا تِسْعًا وَسَبْعِينَ خَصْلَةً بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ مَا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مِمَّا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ): فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنَ الزِّيَادَةِ أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَرَاتِبَهَا مُتَفَاوِتَةٌ.
(تَنْبِيهٌ): فِي الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ، وَهِيَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ; لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ، فَإِنْ وُجِدَتْ رِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ صَارَ مِنَ الْمُدَبَّجِ. وَرِجَالُهُ مِنْ سُلَيْمَانَ إِلَى مُنْتَهَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ دَخَلَهَا الْبَاقُونَ.
٤ - بَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
[الحديث ١٠ - طرفه في: ٦٤٨٤]
قَوْلُهُ: (بَابُ) سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَكَذَا أَكْثَرُ الْأَبْوَابِ. وَهُوَ مُنَوَّنٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِضَافَةُ إِلَى جُمْلَةِ الْحَدِيثِ، لَكِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ الرِّوَايَةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمُ) اسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةً مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَبِي إِيَاسٍ) اسْمُهُ نَاهِيَةُ بِالنُّونِ وَبَيْنَ الْهَاءَيْنِ يَاءٌ أَخِيرَةٌ. وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
قَوْلُهُ: (أَبِي السَّفَرِ) اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ يَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِسْمَاعِيلُ مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ كِلَاهُمَا عَنِ الشَّعْبِيِّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الْعَاصِ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمُ) قِيلَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْكَمَالِ نَحْوَ زَيْدٌ الرَّجُلُ أَيِ: الْكَامِلُ فِي الرُّجُولِيَّةِ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذَا خَاصَّةً كَانَ كَامِلًا. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مُرَاعَاةُ بَاقِي الْأَرْكَانِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَادُ أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَمَعَ إِلَى أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَدَاءَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، انْتَهَى. وَإِثْبَاتُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَى مَعْنَى إِثْبَاتِ الْكَمَالِ لَهُ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ عَلَامَةَ الْمُسْلِمِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إِسْلَامِهِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، كَمَا ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي عَلَامَةِ الْمُنَافِقِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْحَثِّ عَلَى حُسْنِ مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ لِأَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ مُعَامَلَةَ إِخْوَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُحْسِنَ مُعَامَلَةَ رَبِّهِ، مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى.
(تَنْبِيهٌ): ذِكْرُ الْمُسْلِمِينَ هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ; لِأَنَّ مُحَافَظَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى كَفِّ الْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا ; وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ بِصَدَدِ أَنْ يُقَاتِلُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُحِبُّ الْكَفَّ عَنْهُ. وَالْإِتْيَانُ بِجَمْعِ التَّذْكِيرِ لِلتَّغْلِيبِ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
أيضًا إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] مع القطع بأنَّه لا تحقُّقَ للشَّيء بدون ركنه، ولا يخفى أنَّ هذه الوجوه إنَّما تقوم حجَّةً على من يجعلِ الطَّاعاتِ ركنًا من حقيقة الإيمان، بحيث إنَّ تاركها لا يكون مؤمنًا كما هو رأي المعتزلة، لا على من ذهب إلى أنَّها ركنٌ من الإيمان الكامل؛ بحيث لا يخرج تاركها عن حقيقة الإيمان كما هو مذهب الشَّافعيِّ رحمه الله تعالى، قاله العلَّامة التَّفتازانيُّ.
ومن لطائف إسناد حديث هذا الباب: أنَّ رجاله كلَّهم مدنيُّون، إلَّا العقديَّ فإنَّه بصريٌّ، وإلَّا المُسْنَديَّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ، وهو عبد الله بن دينارٍ عن أبي صالحٍ، وأخرج متنه أبو داودَ في «السُّنَّة»، والتِّرمذيُّ في «الإيمان» وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الإيمان» أيضًا، وابن ماجه.
(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وسقط لفظ «بابٌ» للأَصيليِّ.
١٠ - وبالسَّند السَّابق للمؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) بكسر الهمزة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة آخره سينٌ مُهملةٌ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ولابن عساكر: «عن شعبةَ» غير منصرفٍ، ابن الحجَّاج بن الورد الواسطيُّ، المُتوفَّى بالبصرة أوَّل سنة
ستِّين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ) بفتح المُهملَة والفاء، وحُكِيَ إسكانُها، ابن يُحمَدَ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الميم أو بكسرها، الهَمْدانيِّ الكوفيِّ، المُتوفَّى في خلافة مروان بن محمَّدٍ (وَ) عن (إِسْمَاعِيلَ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: «ابن أبي خالدٍ» أي: الأحمسيِّ (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وأربعين ومئةٍ، كلاهما (٢) (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح المُعجَمة وسكون المُهمَلة وكسر الموحَّدة؛ نسبةً إلى شَعْبٍ، بطن من هَمْدان، أبي عمرٍو عامر بن شراحيلَ، الكوفيِّ التَّابعيِّ الجليل، قاضي الكوفة، المُتوفَّى بعد المئة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي: ابن العاص القرشيِّ السَّهميِّ، المُتوفَّى بمكَّة أو الطَّائف أو مصرَ، في ذي الحجَّة سنةَ خمسٍ أو ثلاثٍ أو سبعٍ وستِّين أو اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين، وكان أسلم قبل أبيه (﵄) وكان بينه وبينه في السِّنِّ إحدى عشْرةَ سنةً، فيما (٣) جزم به المِزِّيُّ، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وعشرون حديثًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: المُسْلِمُ) الكامل (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ) وكذا المسلِمات وأهل الذِّمَّة إلَّا في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ (مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) وهذا من جوامع كَلِمِهِ (٤) ﵊ الذي لم يُسبَق إليه، فإن قلت: هذا يستلزم أنَّ من اتَّصف بهذه خاصَّةً كان مسلمًا كاملًا، أجيب: بأنَّ
المُرَاد بذلك: مع مراعاة باقي الصِّفات التي هي أركان الإسلام، أو يكون المُرَاد: أفضل المسلمين، كما قاله الخطَّابيُّ، وعبَّر بـ «اللِّسان» دون القول ليدخل فيه من أخرج لسانه استهزاءً بصاحبه، وقدَّمه على اليد لأنَّ إيذاءَه أكثرُ وقوعًا وأشدُّ نكايةً، ولله دَرُّ القائل:
جراحاتُ السِّنانِ (١) لها التئامُ … ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
وخصَّ اليدَ مع أنَّ الفعل قد يحصل بغيرها لأنَّ سلطنة الأفعال إنَّما تظهر بها؛ إذ بها البطش، والقطع والوصل، والأخذ والمنع، ومن ثمَّ غُلِّبت، فقِيلَ في كلِّ عملٍ: هذا ممَّا عملت أيديهم، وإن كان مُتعذَّر الوقوع بها، فالمراد من الحديث ما هو أعمُّ من الجارحة؛ كالاستيلاء على حقِّ الغير من غير حقٍّ، فإنَّه أيضًا إيذاءٌ، لكنه ليس باليد الحقيقية.
ثمَّ عطف على ما سبق قوله: (وَالمُهَاجِرُ) أي: المهاجر حقيقةً (مَنْ هَجَرَ) أي: ترك (مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ) كأنَّ المهاجرين خُوطِبوا بذلك لئلَّا يتَّكلوا على مجرَّد الانتقال من دارهم، أو وقع ذلك بعد انقطاع الهجرة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك.
وفي إسناد هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦٦٤٨٤]
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
الدُّنْيَا وفظاعة الْآخِرَة فينزجر عَن الْمعاصِي ويمتثل الطَّاعَات كلهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى إِفْرَاد الْحيَاء بِالذكر بعد دُخُوله فِي الشّعب كَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه شُعْبَة وَاحِدَة من شعبه، فَهَل تحصى شعبه كلهَا؟ هَيْهَات ان الْبَحْر لَا يغْرف.
٤ - (بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)
أَي: هَذَا بَاب، فالمبتدأ مَحْذُوف، وَيجوز ترك التَّنْوِين بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَيجوز الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بَاب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب السَّابِق أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، هَذَا الْبَاب فِيهِ بَيَان شعبتين من هَذِه الشّعب، وهما: سَلامَة الْمُسلمين من لِسَان الْمُسلم وَيَده، وَالْمُهَاجِر من هجر المنهيات.
١٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبِي إيَاسٍ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.
أوصل بِهَذَا مَا علقه أَولا، وَإِنَّمَا علقه لأجل التَّبْوِيب. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يبوب على الْجُمْلَة الْأَخِيرَة من الحَدِيث؟ قلت: لِأَن فِي صدر الحَدِيث لَفْظَة الْمُسلم، وَالْكتاب الَّذِي يحوي هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا من أُمُور الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. فَإِن قلت: هجر المنهيات أَيْضا من أُمُور الْإِسْلَام. قلت: بلَى، وَلكنه فِي تبويبه بصدر الحَدِيث اعتناء بِذكر لفظ فِيهِ مَادَّة من الْإِسْلَام.
(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْحسن آدم بن أبي إِيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره سين مُهْملَة، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ناهية، بالنُّون وَبَين الهائين يَاء آخر الْحُرُوف خَفِيفَة، أَصله من خُرَاسَان، نَشأ بِبَغْدَاد وَكتب عَن شيوخها، ثمَّ رَحل إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة والحجاز ومصر وَالشَّام، واستوطن عسقلان، وَتُوفِّي بهَا سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة مَأْمُون متعبد، من خِيَار عباد الله تَعَالَى، وَكَانَ ورَّاقاً، وَكَانَ عمره حِين مَاتَ ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: نيفا وَتِسْعين سنة، وَلَيْسَ فِي كتب الحَدِيث آدم بن أبي إِيَاس غير هَذَا، وَفِي مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي أَيْضا فَحسب، وَفِي الروَاة آدم بن عُيَيْنَة، أَخُو سُفْيَان، لَا يحْتَج بِهِ، وآدَم بن فَايِد عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَجْهُول. الثَّانِي: شُعْبَة، غير منصرف، ابْن الْحجَّاج بن الْورْد، أَبُو بسطَام الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَأَجْمعُوا على إِمَامَته وجلالة قدره، قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: شُعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ أمة وَحده فِي هَذَا الشَّأْن، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ أول سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ ألثغ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: شُعْبَة بن الْحجَّاج غَيره، وَفِي النَّسَائِيّ: شُعْبَة بن دِينَار الْكُوفِي، صَدُوق. وَفِي أبي دَاوُد: شُعْبَة بن دِينَار، عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي الضُّعَفَاء: شُعْبَة بن عَمْرو ويروي عَن أنس. قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَفِي الصَّحَابَة: شُعْبَة بن التوأم وَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح الْفَاء، وَحكى إسكانها، وَاسم أبي السّفر: سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الغساني: بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، وَيُقَال: أَحْمد الثَّوْريّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن السّفر، كُله بِإِسْكَان الْفَاء فِي الِاسْم، وتحريكها فِي الكنية. وَمِنْهُم من سكن الْفَاء فِي عبد الله الْمَذْكُور كَمَا مضى. الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد هُرْمُز، وَقيل: سعد، وَقيل: كثير البَجلِيّ الأحمسي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم: أنس بن مَالك وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام، وَكَانَ عَالما متقناً صَالحا ثِقَة، وَكَانَ يُسمى: الْمِيزَان، وَكَانَ طحاناً، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: الشّعبِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ أَبُو عَمْرو عَامر بن شرَاحِيل، وَقيل: ابْن عبد الله بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الثِّقَة، روى عَن خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَسعد وَسَعِيد، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ، قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ومرسله صَحِيح. روى عَنهُ قَتَادَة وَخلق من التَّابِعين، ولي قَضَاء الْكُوفَة، وَولد لست سِنِين مَضَت من خلَافَة عُثْمَان، وَمَات بعد الْمِائَة إِمَّا سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس أَو سِتّ، وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مزاحا، وَأمه من
سبي جلولا، وَهِي قريبَة بِنَاحِيَة فَارس. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هِشَام بن سعيد، بِضَم السِّين وَفتح الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص، بِضَم الْهَاء وبصادين مهملتين، ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، أَبُو مُحَمَّد أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو نصير، بِضَم النُّون، الْقرشِي السَّهْمِي الزَّاهِد العابد الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَأمه، ريطة بنت منيه بن الْحجَّاج، أسلم قبل أَبِيه وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن: اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل: إِحْدَى عشرَة، وَكَانَ غزير الْعلم مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ أَكثر حَدِيثا من أبي هُرَيْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَبُو هُرَيْرَة لَا يكْتب، وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِي رُوِيَ لَهُ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رُوِيَ لأبي هُرَيْرَة. رُوِيَ لَهُ سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بِعشْرين: مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالطَّائِف أَو بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس أَو ثَلَاث أَو سبع وَسِتِّينَ، أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين، عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو جماعات آخر عدتهمْ: ثَمَانِيَة عشر نفسا. وَعَمْرو، وَيكْتب بِالْوَاو ليتميز عَن عمر، وَهَذَا فِي غير النصب، وَأما فِي النصب فيتميز بِالْألف.
(بَيَان الْأَنْسَاب) الْأَزْدِيّ: فِي كهلاان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، والأسد بِالسِّين. والواسطي: نِسْبَة إِلَى وَاسِط، مَدِينَة اختطها الْحجَّاج بن يُوسُف بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فِي أَرض كسكر، وَهِي نِصْفَانِ على شاطىء دجلة وَبَينهمَا جسر من سفن، وَسميت، وَاسِط، لِأَنَّهُ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة خمسين فرسخاً، وَمِنْهَا إِلَى الْكُوفَة خمسين فرسخاً، وَإِلَى الأهواز خمسين فرسخاً، وَإِلَى بَغْدَاد خمسين فرسخاً، والبجلي: بِضَم الْبَاء وَالْجِيم، فِي كهلان ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج. وَالشعْبِيّ: نِسْبَة إِلَى شعب، بطن من هَمدَان، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: هُوَ من حمير، وعداده فِي هَمدَان، وَنسب إِلَى جبل بِالْيمن نزله حسان بن عَمْرو والحميري وَلَده، وَدفن بِهِ، وَقَالَ الْهَمدَانِي: الشّعب الْأَصْغَر بطن، مِنْهُم: عَامر بن شرَاحِيل. قَالَ: والشعب الْأَصْفَر بن شرَاحِيل بن حسان ابْن الشّعب الْأَكْبَر بن عَمْرو بن شعْبَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شعب جبل بِالْيمن، وَهُوَ ذُو شعبتين، نزله حسان بن عَمْرو الْحِمْيَرِي وَولده فنسبوا إِلَيْهِ، وَأَن من نزل من أَوْلَاده بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم: شعبيون. مِنْهُم عَامر الشّعبِيّ، وَمن كَانَ مِنْهُم بِالشَّام قيل لَهُم: شعبيون وَمن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن يُقَال لَهُم: آل ذِي شعبين، وَمن كَانَ مِنْهُم بِمصْر وَالْمغْرب يُقَال لَهُم: الأشعوب.
(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط السِّتَّة إلَاّ آدم فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط مُسلم وَأبي دَاوُد. وَمِنْهَا: أَن شُعْبَة فِيهِ يروي عَن اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: عبد الله بن أبي السّفر، وَالْآخر: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَكِلَاهُمَا يرويانه عَن الشّعبِيّ، وَلِهَذَا إِسْمَاعِيل بِفَتْح اللَّام عطفا على عبد الله وَهُوَ مجرور، وَإِسْمَاعِيل أَيْضا مجرور جر مَا لَا ينْصَرف بالفتحة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة.
(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بجملته عَن مُسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم، عَن زَكَرِيَّا، عَن عَامر. وَأخرج مُسلم بعضه فِي (صَحِيحه) عَن جَابر مَرْفُوعا: (الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) ، مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وَخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر أَيْضا: (إِن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَي الْمُسلمُونَ خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَزَاد ابْن حبَان، وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أنس صَحِيحا: (وَالْمُؤمن من أَمنه النَّاس) . وَأخرج أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا مثل البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، إلَاّ أَن لفظ النَّسَائِيّ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) .
(بَيَان الغات) : قَوْله: (من يَده) الْيَد هِيَ اسْم للجارحة، وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا أَعم من أَن تكون يدا حَقِيقِيَّة، أَو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر حق، فَإِنَّهُ أَيْضا إِيذَاء، لَكِن لَا بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّة. قَوْله: (المُهَاجر) هُوَ الَّذِي فَارق عشيرته ووطنه. قَوْله: (من هجر) أَي: ترك، من هجره يهجره، بِالضَّمِّ هجراً وهجراناً. وَالِاسْم: الْهِجْرَة، وَفِي (الْعباب) : الْهِجْرَة ضد الْوَصْل. والتركيب يدل على قطع وَقَطِيعَة، وَالْمُهَاجِر مفاعل مِنْهُ. قيل: لِأَنَّهُ لما انْقَطَعت الْهِجْرَة وفضلها، حزن على فَوَاتهَا من لم يُدْرِكهَا، فاعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن المُهَاجر على الْحَقِيقَة من هجر مَا نهى الله عَنهُ، وَقيل: بل أعلم الْمُهَاجِرين لِئَلَّا يتكلوا على الْهِجْرَة. فَإِن قلت: المُهَاجر من بَاب المفاعلة. وَهِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك بَين الِاثْنَيْنِ. قلت: المُهَاجر بِمَعْنى الهاجر،
كالمسافر بِمَعْنى السافر، والمنازع بِمَعْنى النازع، لِأَن بَاب: فَاعل، قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل.
(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (الْمُسلم) مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (من سلم الْمُسلمُونَ) ، وَيجوز أَن يكون: من سلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فالجملة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: الْمُسلم هُوَ من سلم، فَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ صلتها، وَقَوله: (من لِسَانه) مُتَعَلق بقوله: (سلم) . قَوْله: (وَالْمُهَاجِر) عطف على قَوْله: (الْمُسلم) . وَمن أَيْضا فِي: (من هجر) مَوْصُولَة. و: (مَا نهى الله عَنهُ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول هجر، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَنهى الله عَنْهَا، صلتها.
(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (الْمُسلم من سلم) إِلَى آخِره ظَاهره يدل على الْحصْر لوُقُوع جزئي الْجُمْلَة معرفتين، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْلهم: زيد الرجل، أَي: زيد الْكَامِل فِي الرجولية، فَيكون التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم إِلَى آخِره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره: المُرَاد: الْكَامِل الْإِسْلَام وَالْجَامِع لخصاله مَا لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل، وَهَذَا من جَامع كَلَامه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وفصيحه كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَالنَّاس الْعَرَب، على التَّفْضِيل لَا على الْحصْر، وَقد بَين البُخَارِيّ مَا يبين هَذَا التَّأْوِيل، وَهُوَ قَول السَّائِل: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم الممدوح من كَانَ هَذَا وَصفه، وَلَيْسَ ذَلِك على معنى أَن من لم يسلم النَّاس مِنْهُ مِمَّن دخل فِي عقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ ذَلِك بِمُسلم، وَكَانَ ذَلِك خَارِجا عَن الْملَّة أَيْضا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك: النَّاس الْعَرَب، تُرِيدُ أَن أفضل النَّاس الْعَرَب، فههنا المُرَاد أفضل الْمُسلمين من جمع إِلَى أَدَاء حُقُوق الله أَدَاء حُقُوق الْمُسلمين والكف عَن أعراضهم، وَكَذَلِكَ المُهَاجر الممدوح هُوَ الَّذِي جمع إِلَى هجران وَطنه مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَنفي اسْم الشَّيْء على معنى نفي الْكَمَال عَنهُ مستفيض فِي كَلَامهم. قلت: وَكَذَا إِثْبَات اسْم الشَّيْء على الشَّيْء على معنى إِثْبَات الْكَمَال مستفيض فِي كَلَامهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم، يلْزم من ذَلِك أَن يكون من اتّصف بِهَذَا خَاصَّة كَامِلا. قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن المُرَاد هُوَ الْكَامِل مَعَ مراعات بَاقِي الصِّفَات، أَو يكون هَذَا وارداً على سَبِيل الْمُبَالغَة تَعْظِيمًا لترك الْإِيذَاء، كَمَا كَانَ ترك الْإِيذَاء هُوَ نفس الْإِسْلَام الْكَامِل، وَهُوَ مَحْصُور فِيهِ على سَبِيل الإدعاء. وَأَمْثَاله كَثِيرَة. فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه، لِأَنَّهُ إِذا أحسن مُعَاملَة إخوانه فَأولى، أَن يحسن مُعَاملَة ربه، من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى. قلت: فِيهِ نظر وخدش من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن قَوْله: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه مَمْنُوع، لِأَن الْإِشَارَة مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وتركيبه مثل الْعبارَة، غير أَن الثَّابِت من الْإِشَارَة غير مَقْصُود من الْكَلَام، وَلَا سيق الْكَلَام لَهُ فَانْظُر هَل تَجِد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى؟ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: فَأولى أَن يحسن مُعَاملَة ربه مَمْنُوع أَيْضا، وَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة فِي ذَلِك، والأولوية مَوْقُوفَة على تحقق الْمُدَّعِي وَالدَّعْوَى غير صَحِيحَة، لأنَّا نجد كثيرا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم وأيديهم، وَمَعَ هَذَا لَا يحسنون الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى؛ وَفِيه الْعَطف بَين الجملتين تَنْبِيها على التَّشْرِيك فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَفِيه من أَنْوَاع البديع: تجنيس الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فاقم وَجهك للدّين الْقيم} (الرّوم: ٤٣) فَإِن: أقِم والقيم، يرجعان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى: الْقيام.
(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ الْحَث على ترك أَذَى الْمُسلمين بِكُل مَا يُؤْذِي. وسر الْأَمر فِي ذَلِك حسن التخلق مَعَ الْعَالم، كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير الْأَبْرَار: هم الَّذين لَا يُؤْذونَ الذَّر وَلَا يرضون الشَّرّ. الثَّانِيَة: فِيهِ الرَّد على المرجئة، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم إِسْلَام نَاقص. الثَّالِثَة: فِيهِ الْحَث على ترك الْمعاصِي وَاجْتنَاب المناهي.
(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا: مَا قيل لم خص الْيَد مَعَ أَن الْفِعْل قد يحصل بغَيْرهَا؟ أُجِيب: بِأَن سلطنة الْأَفْعَال إِنَّمَا تظهر فِي الْيَد إِذْ بهَا الْبَطْش وَالْقطع والوصل وَالْأَخْذ وَالْمَنْع والإعطاء وَنَحْوه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لما كَانَت أَكثر الْأَعْمَال تباشر بِالْأَيْدِي غلبت، فَقيل: فِي كل عمل: هَذَا مِمَّا علمت أَيْديهم، وَإِن كَانَ عملا لَا يَأْتِي فِيهِ الْمُبَاشرَة بِالْأَيْدِي. وَمِنْهَا: مَا قيل لم قرن اللِّسَان بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن الْإِيذَاء بِاللِّسَانِ وَالْيَد أَكثر من غَيرهمَا. فَاعْتبر الْغَالِب. وَمِنْهَا: مَا قيل: لم قدم اللِّسَان على الْيَد؟ أُجِيب: بإن إِيذَاء اللِّسَان أَكثر وقوعاً وأسهل. وَلِأَنَّهُ أَشد نكاية، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحسان: (اهج الْمُشْركين فَإِنَّهُ أشق عَلَيْهِم من رشق النبل) وَقَالَ الشَّاعِر:
(جراحات السنان لَهَا التئام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)
وَمِنْهَا: مَا قيل: الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه، إِذا لم يسلم الْمُسلمُونَ مِنْهُ لَا يكون مُسلما، لَكِن الِاتِّفَاق على أَنه إِذا أَتَى بالأركان الْخَمْسَة فَهُوَ مُسلم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْمُسلم الْكَامِل كَمَا ذكرنَا، وَإِذا لم يسلم مِنْهُ الْمُسلمُونَ فَلَا يكون مُسلما كَامِلا، وَذَلِكَ لِأَن الْجِنْس إِذا أطلق يكون مَحْمُولا على الْكَامِل، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو: الرجل زيد. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَتهم أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يخصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألَا ترى كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ؟ وَقد يُقَال: سَلامَة الْمُسلمين خَاصَّة الْمُسلم، وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الْخَاصَّة انْتِفَاء مَا لَهُ الْخَاصَّة. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا يُقَال فِي إِقَامَة الْحُدُود، وإجراء التعازير، والتأديبات إِلَى آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك مُسْتَثْنى من هَذَا الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع، أَو أَنه لَيْسَ إِيذَاء بل هُوَ عِنْد التَّحْقِيق استصلاح وَطلب للسلامة لَهُم وَلَو فِي الْمَآل. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِذا آذَى ذِمِّيا مَا يكون حَاله؟ لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِالْمُسْلِمين أُجِيب: بِأَنَّهُ قد ذكر الْمُسلمُونَ هُنَا بطرِيق الْغَالِب، وَلِأَن كف الْأَذَى عَن الْمُسلم أَشد تَأْكِيدًا لأصل الْإِسْلَام، وَلِأَن الْكفَّار بصدد أَن يقاتلوا، وَإِن كَانَ فيهم من يجب الْكَفّ عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا حكم المسلمات فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ذكر بِجمع التَّذْكِير؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا من بَاب التغليب، فَإِن المسلمات يدخلن فِيهِ كَمَا فِي سَائِر النُّصُوص والمخاطبات. وَمِنْهَا: مَا قيل: لِمَ عبر بِاللِّسَانِ دون القَوْل، فَإِنَّهُ لَا يكون إلَاّ بِاللِّسَانِ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا عبر بِهِ دون القَوْل حَتَّى يدْخل فِيهِ من أخرج لِسَانه على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا الْفرق بَين الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَبَين الْأَذَى بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن إِيذَاء اللِّسَان عَام، لِأَنَّهُ يكون فِي الماضين والموجودين والحادثين بعد بِخِلَاف الْيَد، لِأَن إيذاءها مَخْصُوص بالموجودين، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كتب بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ حينئذٍ تشارك اللِّسَان، فحينئذٍ يكون الحَدِيث عَاما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَأما فِي الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دون الْيَد. فَافْهَم.
قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقالَ أبُو مُعَاوَيَةَ حَدثنَا داودُ عَنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
هَذَانِ تعليقان رجالهما خَمْسَة. الأول: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، الضَّرِير الْكُوفِي التَّمِيمِي، السَّعْدِيّ، مولى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، يُقَال: عمي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو ثَمَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ ثَبت فِي الْأَعْمَش، وَكَانَ مرجئاً، مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: أَبُو مُعَاوِيَة النَّخعِيّ عمر، وَأَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي هِنْد دِينَار، مولى امْرَأَة من قُشَيْر، وَيُقَال: مولى عبد الله عَامر بن كريز، أحد الْأَعْلَام الثِّقَات، بَصرِي، رأى أنسا وَسمع الشّعبِيّ وَغَيره من التَّابِعين، وَعنهُ شُعْبَة وَالْقطَّان، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث، وَكَانَ حَافِظًا صواماً دهره قَانِتًا لله، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة بطرِيق مَكَّة، عَن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ هُنَا خَاصَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه ذكر إلَاّ هُنَا. الثَّالِث: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، من بني سامة بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْبَصْرِيّ، روى عَن الْجريرِي وَغَيره، وَعنهُ بنْدَار، وَهُوَ ثِقَة قدري لكنه غير دَاعِيَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَة: هَذَا، وَفِي ابْن مَاجَه آخر واهٍ، وَآخر كَذَلِك وَآخر صَدُوق، وَفِي النَّسَائِيّ آخر ثِقَة، وَفِيه وَفِي التِّرْمِذِيّ آخر ثِقَة، وَفِي الْأَرْبَعَة آخرَانِ ضعفهما أَحْمد، فالجملة تِسْعَة، وَفِي الضُّعَفَاء سَبْعَة أُخْرَى. الرَّابِع: عَامر، هُوَ الشّعبِيّ الْمَذْكُور عَن قريب. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر آنِفا. واراد بِالتَّعْلِيقِ الأول بَيَان سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو لِأَن وهيب بن خَالِد روى عَن دَاوُد، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ، عَن عبيد الله بن عَمْرو. وَحَكَاهُ ابْن مَنْدَه، فَأخْرج البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق لينبه بِهِ على سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو، فعلى هَذَا لَعَلَّ الشّعبِيّ بلغه ذَاك عَن عبد الله بن عَمْرو، ثمَّ لقِيه فَسَمعهُ مِنْهُ. وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي مُعَاوِيَة مَوْصُولا، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن زُهَيْر الْحَافِظ بتستر، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو وَرب هَذِه البنية لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (المُهَاجر من هجر السَّيِّئَات، وَالْمُسلم من سلم النَّاس من
لِسَانه وَيَده) وَأَرَادَ بِالتَّعْلِيقِ الثَّانِي: التَّنْبِيه على أَن عبد الله الَّذِي أبهم فِي رِوَايَة عبد الْأَعْلَى هُوَ عبد الله بن عَمْرو الَّذِي بَين فِي رِوَايَة أبي مُعَاوِيَة، وَقَالَ قطب الدّين فِي شَرحه: هَذَا من تعليقات البُخَارِيّ، لِأَن البُخَارِيّ، لم يلْحق أَبَا مُعَاوِيَة وَلَا عبد الْأَعْلَى، والْحَدِيث الْمُعَلق عِنْد أهل الحَدِيث هُوَ الَّذِي حذف من مُبْتَدأ إِسْنَاده وَاحِد فَأكْثر، وَقد أَكثر البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَلم يَسْتَعْمِلهُ مُسلم إلَاّ قَلِيلا، قَالَ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح: فِيمَا جَاءَ بِصِيغَة الْجَزْم، كقال وَحدث وَذكر، دون مَا جَاءَ بِغَيْر صيغته: كيروى وَيذكر، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَن صَاحِبي (الصَّحِيحَيْنِ) ترجما كتابهما بِالصَّحِيحِ من أَخْبَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فلولا أَنه عِنْدهمَا مُسْند مُتَّصِل صَحِيح لم يستجيز أَن يدخلا فِي كِتَابَيْهِمَا: قَوْله قَالَ أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، لِأَن أَبَا عبد الله كنيته. قَوْله: (حَدثنَا دَاوُد عَن عَامر) وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا دَاوُد هُوَ ابْن أبي هِنْد. قَوْله فِي حَدِيث ابْن حبَان: (وَالْمُسلم من سلم النَّاس) : يتَنَاوَل الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة، وَقَالَ بَعضهم: وَالْمرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسلمُونَ. كَمَا فِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فهم النَّاس حَقِيقَة، وَيُمكن حمله على عُمُومه على إِرَادَة شَرط وَهُوَ إلَاّ بِحَق، وَإِرَادَة هَذِه الشَّرْط متعينة على كل حَال؛ قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: قَوْله: فهم النَّاس حَقِيقَة يدل على أَن غير الْمُسلمين من بني آدم لَيْسُوا بِإِنْسَان حَقِيقَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل النَّاس يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ، قَالَه فِي (الْعباب) . وَالثَّانِي: قَوْله: (وَيُمكن حمله) . اسْتِعْمَال الْإِمْكَان هَهُنَا غير سديد، بل هُوَ عَام قطعا. وَالثَّالِث: تَخْصِيصه الشَّرْط الْمَذْكُور بِهَذَا الحَدِيث غير موجه، بل هَذَا الشَّرْط مراعى هَهُنَا وَفِي الحَدِيث الْمَوْصُول، فَبِهَذَا الشَّرْط يخرج عَن الْعُمُوم فِي حق الْأَذَى بِالْحَقِّ، وَأما فِي حق الْمُسلم وَالذِّمِّيّ فعلى عُمُومه. فَافْهَم.
٥ - (بَاب أيُّ الإِسْلَام أفْضَلُ)
يجوز فِي: بَاب، التَّنْوِين وَتَركه للإضافة إِلَى مَا بعده، وعَلى كل التَّقْدِير أَي بِالرَّفْع لَا غير، وَفِي الْوَجْهَيْنِ هُوَ: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز التسكين فِيهِ من غير إِعْرَاب، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بالتركيب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة لِأَن كليهمَا فِي بَيَان وصف خَاص من أَوْصَاف الْمُسلم، وَذكر جُزْء الحَدِيث لأجل التَّبْوِيب.
١١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ قالَ حَدثنَا أبِي قالَ حَدثنَا أبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِي مُوسَى رَضِي الله عَنهُ قالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الإِسْلَامِ أفْضَلُ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة، فَإِنَّهُ أَخذ جُزْءا مِنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ.
(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: سعيد بن يحيى بن أبان بن سعيد بن العَاصِي بن أُميَّة بن عبد شمس الْأمَوِي، يكنى بِأبي عُثْمَان، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة مَا خلا ابْن مَاجَه، وروى عَنهُ عبد الله بن أَحْمد وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبَغوِيّ وَخلق كثير، توفّي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، قَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَيَعْقُوب بن سُفْيَان: سعيد وَأَبوهُ يحيى ثقتان، وَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: هُوَ أثبت من أَبِيه. وَقَالَ صَالح بن مُحَمَّد: هُوَ ثِقَة إلَاّ أَنه كَانَ يغلط، والعاصي قتل يَوْم بدر كَافِرًا. وَأَبَان أَخُوهُ عَمْرو الْأَشْدَق. الثَّانِي: أَبوهُ يحيى بن سعيد الْمَذْكُور، سمع يحيى الْأنْصَارِيّ وَهِشَام بن عُرْوَة وَيزِيد وَآخَرين، قَالَ ابْن معِين: هُوَ من أهل الصدْق وَلَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان: ثِقَة، توفّي سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة بعد أَن بلغ الثَّمَانِينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَيحيى بن سعيد فِي الْكتب السِّتَّة: أَرْبَعَة. الأول: هَذَا. وَالثَّانِي: يحيى بن سعيد التَّيْمِيّ. وَالثَّالِث: يحيى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ. وَالرَّابِع: يحيى سعيد بن فروخ الْقطَّان. الثَّالِث: أَبُو بردة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الرَّاء، واسْمه بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْكُوفِي، يروي عَن أَبِيه وجده وَالْحسن وَعَطَاء، وَعنهُ ابْن الْمُبَارك وَغَيره من الْأَعْلَام، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بالمتقن يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بذلك الْقوي. وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله: كُوفِي ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة بريد غير هَذَا، وَفِي الْأَرْبَعَة: بريد ابْن أبي مَرْيَم مَالك، وَفِي مُسْند عَليّ النَّسَائِيّ: بريد بن أَصْرَم مَجْهُول. كَمَا قَالَ البُخَارِيّ. وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه بريد، وَيشْتَبه بريد بأَرْبعَة أَشْيَاء وهم يزِيد، وبريد، وبزيد، وتريد. الرَّابِع: أَبُو بردة
بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مثل الأول، وَهُوَ جد أبي بردة بريد، وَافقه فِي كنيته لَا فِي اسْمه، فَإِن اسْم الأول بريد كَمَا قُلْنَا، وَاسم جده هَذَا عَامر. وَقيل: الْحَارِث. سمع: أَبَاهُ وَعلي بن أبي طَالب وَابْن عمر وَابْن سَلام وَعَائِشَة وَغَيرهم، روى عَنهُ: عمر بن عبد الْعَزِيز، وَالشعْبِيّ وَبَنوهُ أَبُو بكر وَعبد الله وَسَعِيد وبلال وَابْن ابْنه بريد بن عبد الله قَالَ أَبُو نعيم: ولّى أَبُو بردة قَضَاء الْكُوفَة بعد شُرَيْح قَالَ الْوَاقِدِيّ: توفّي بِالْكُوفَةِ سنة ثَلَاث وَمِائَة. وَقَالَ ابْن سعيد:، قيل: إِنَّه توفّي هُوَ وَالشعْبِيّ فِي جُمُعَة. وَكَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة: أَبُو بردة، سَبْعَة. مِنْهُم: ابْن نيار البلوي هاني أَو الْحَارِث أَو مَالك، وَفِي الروَاة هُوَ أَبُو بردة بريد الْمَذْكُور. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس بن سُلَيْمَان، بِضَم السِّين، بن حضار بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَقيل بِكَسْر الْحَاء وَتَخْفِيف الضَّاد، الْأَشْعَرِيّ الصَّحَابِيّ الْكَبِير، اسْتَعْملهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على زبيد وعدن وساحل الْيمن، وَاسْتَعْملهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَشهد وَفَاة أبي عُبَيْدَة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وَقدم دمشق على مُعَاوِيَة. لَهُ ثلثمِائة وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على خمسين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بأَرْبعَة، وَمُسلم بِخَمْسَة عشر. روى عَنهُ أنس بن مَالك وطارق بن شهَاب وَخلق من التَّابِعين وَبَنوهُ أَبُو بردة وَأَبُو بكر وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى، مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالْكُوفَةِ سنة خمس أَو إِحْدَى أَو أَربع وَأَرْبَعين، عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ من عُلَمَاء الصَّحَابَة ومفتيهم، وَأَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة أَرْبَعَة: هَذَا، والأنصاري، والغافقي: مَالك بن عبَادَة أَو ابْن عبد الله، وَأَبُو مُوسَى الْحكمِي. وَفِي الروَاة: أَبُو مُوسَى جمَاعَة، مِنْهُم: فِي سنَن أبي دَاوُد اثْنَان، وَآخر فِي سنَن النَّسَائِيّ. وَالله أعلم.
(بَيَان الْأَنْسَاب) الْقرشِي: نِسْبَة إِلَى قُرَيْش، وَهُوَ فهر بن مَالك، وَقد ذَكرْنَاهُ. والأموي، بِضَم الْهمزَة، نِسْبَة إِلَى أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب، وَأُميَّة تَصْغِير: أمة. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ: أموي، بِالضَّمِّ، قَالَ ابْن دُرَيْد: وَمن فتحهَا فقد أَخطَأ، وَكَانَ الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: أميي، بِأَرْبَع ياآت، لَكِن حذفت الْيَاء الزَّائِدَة للاستثقال، كَمَا تحذف من سليم وَثَقِيف عِنْد النِّسْبَة، وقلبت الْيَاء الأولى واواً كَرَاهَة اجْتِمَاع الياآت مَعَ الكسرتين. وَحكى سِيبَوَيْهٍ قَالَ: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يَقُولُونَ أميي، فَلَا يغيرون. وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول: أموي بِالْفَتْح، وَأُميَّة أَيْضا بطن من الانصار، وَهُوَ أُميَّة بن زيد بن مَالك، وَفِي قضاعة وَهُوَ: أُميَّة بن عصبَة، وَفِي طَيء وَهُوَ: أُميَّة بن عدي بن كنَانَة، والأشعري: نِسْبَة إِلَى الْأَشْعر، وَهُوَ نبت بن ادد، وَقيل لَهُ: الْأَشْعر، لِأَن أمه وَلدته أشعر، مِنْهُم من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْمَشَاهِير: أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي الله عَنهُ.
(بَيَان لطائف أسناده) : مِنْهَا: أَن إِسْنَاده كلهم كوفيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة فَقَط. وَمِنْهَا: أَنه ذكر فِي سعيد بن يحيى شَيْخه الْقرشِي، وَلم يقل الْأمَوِي، مَعَ كَون الْأمَوِي أشهر فِي نسبته نظرا إِلَى النِّسْبَة الأعمية. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ راويان متفقان فِي الكنية أَحدهمَا: أَبُو بردة بريد، وَالْآخر أَبُو بردة عَامر أَو الْحَارِث، كَمَا ذكرنَا، وَهُوَ شيخ الأول وجده.
(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظِهِ، وَأخرجه أَيْضا عَن إِبْرَاهِيم بن سعيد الْجَوْهَرِي عَن أبي أُسَامَة، عَن أبي بردة. وَفِيه: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَأخرجه فِي الْإِيمَان. وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الزّهْد.
(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (أَي الْإِسْلَام) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَقَوله: أفضل، خَبره و: أَي، هَهُنَا للاستفهام، وَقد علم أَن أقسامه على خَمْسَة أوجه. شَرط: نَحْو {أياً مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى} (الْإِسْرَاء: ١١٠) ، {أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت فَلَا عدوان على} (الْقَصَص: ٢٨) وموصول: نَحْو: {لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد} (مَرْيَم: ٦٩) التَّقْدِير: لننزعن الَّذِي هُوَ أَشد. وَصفَة للنكرة: نَحْو زيد رجل أَي رجل، أَي: كَامِل فِي صِفَات الرِّجَال. وَحَال للمعرفة: كَقَوْلِك مَرَرْت بِعَبْد الله أَي رجل. ووصلة مَا فِيهِ: ال، نَحْو: يَا أَيهَا الرجل. وَالْخَامِس: الِاسْتِفْهَام: نَحْو: {أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا} (التَّوْبَة: ١٢٤) . {فَبِأَي حَدِيث بعده يُؤمنُونَ} (الْأَعْرَاف: ١٨٥ والمرسلات: ٥٠) . وَمِنْه الحَدِيث. فَإِن قيل: شَرط أَن تدخل على مُتَعَدد، وَهَهُنَا دخلت على مُفْرد لِأَن نفس الْإِسْلَام لَا تعدد فِيهِ. قلت: فِيهِ حذف تَقْدِيره: أَي أَصْحَاب الْإِسْلَام أفضل؟ وَيُؤَيّد هَذَا التَّقْدِير رِوَايَة مُسلم: (أَي الْمُسلمين أفضل) ؟ وَقد قدر الشَّيْخ قطب الدّين، والكرماني فِي (شرحيهما) : أَي خِصَال الْإِسْلَام أفضل. وَهَذَا غير موجه لِأَن الِاسْتِفْهَام عَن الْأَفْضَلِيَّة فِي الْمُسلمين، لَا عَن خِصَال الْإِسْلَام بِدَلِيل رِوَايَة مُسلم وَلِأَن فِي تقديرهما لَا يَقع الْجَواب مطابقاً للسؤال. فَإِن قيل: أفضل، افْعَل التَّفْضِيل وَقد علم أَنه لَا بُد أَن يسْتَعْمل بِأحد