الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١
الحديث رقم ١١ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أي الإسلام أفضل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ
⦗١٢⦘
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَإِنَّ الْمُسْلِمَاتِ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ. وَخَصَّ اللِّسَانَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي النَّفْسِ، وَهَكَذَا الْيَدُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ بِهَا، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَانِ دُونَ الْيَدِ ; لِأَنَّ اللِّسَانَ يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِينَ وَالْمَوْجُودِينَ وَالْحَادِثِينَ بَعْدُ، بِخِلَافِ الْيَدِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ تُشَارِكَ اللِّسَانَ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ، وَإِنَّ أَثَرَهَا فِي ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا تَعَاطِي الضَّرْبَ بِالْيَدِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَوْلِ نُكْتَةٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ. وَفِي ذِكْرِ الْيَدِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْجَوَارِحِ نُكْتَةٌ، فَيَدْخُلُ فِيهَا الْيَدُ الْمَعْنَوِيَّةُ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(فَائِدَةٌ): فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ تَجْنِيسُ الِاشْتِقَاقِ، وَهُوَ كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُهَاجِرُ) هُوَ مَعْنَى الْهَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُفَاعِلِ يَقْتَضِي وُقُوعَ فِعْلٍ مِنِ اثْنَيْنِ ; لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ هَاجِرًا وَطَنَهُ مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُورٌ مِنْ وَطَنِهِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ. فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ. وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الْهِجْرَةِ تَحْصُلُ لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَاشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ عَلَى جَوَامِعَ مِنْ مَعَانِي الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ.
(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ صَحِيحًا الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ لِمَعْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ) هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ الْمَوْصُولِ. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ رِوَايَةُ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَةِ رَفِيقِهِ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا أَصْلَ الْحَدِيثِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ، فَهُمُ النَّاسُ حَقِيقَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ، وَلَا كَمَالَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ عَلَى إِرَادَةِ شَرْطٍ وَهُوَ إِلَّا بِحَقٍّ، مَعَ أَنَّ إِرَادَةَ هَذَا الشَّرْطِ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو ممَّا انفرد بجملته عن مسلمٍ، وأخرج مسلمٌ بعضه في «صحيحه»، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ بإسقاط: «قال أبو عبد الله» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمُعجمَتين- الضَّرير الكوفيُّ، وكان مُرجِئًا، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ في صَفَرَ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ) زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وابن عساكرَ: «هو ابن أبي هندٍ» المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ السَّابق قريبًا (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بن عمرٍو، وللأَصيليِّ: «يعني: ابن عمرٍو» ولابن عساكر: «هو ابن عمرٍو» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهملَة- من بني سامة بن لُؤَيٍّ، القرشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى في شعبانَ سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي هندٍ السَّابق (عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن العاصِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وهذا التَّعليق وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مُسنَده».
(٥) (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟).
١١ - وبالسَّند الماضي إلى المؤلِّف أوَّلًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ) بجرِّ
الياء كما في «اليونينيَّة»، صفةٌ لـ «سعيدٍ» الثَّاني، المُتوفَّى سنة تسع (١) وأربعين ومئتين، وليس عند الأَصيليِّ: «ابن سعيدٍ القرشيِّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بنُ سعيدٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بِضَمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء واسمه: بُرَيْدٌ بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضمِّ المُوحَّدة، جدِّ الذي قبلَه، وافقه في الكنية لا في الاسم، واسمه: عامرٌ، المُتوفَّى - فيما قاله الواقديُّ- بالكوفة سنة ثلاثٍ ومئةٍ، أو هو والشَّعبيُّ في جمعةٍ واحدةٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُلَيْمٍ؛ بضمِّ السِّين، الأشعريِّ؛ نسبةً إلى الأشعر لأنَّه وُلِدَ أشعرَ، المُتوفَّى بالكوفة سنة خمسٍ أو إحدى أو أربعٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» سبعةٌ وخمسون حديثًا (﵁ قَالَ: قَالُوا) وعند «مسلمٍ»: قلنا، وعند ابن منده: قلت: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ) -شَرْطُ «أيٍّ» أن تدخل على متعدِّدٍ وهو هنا مقدَّرٌ بذوي، أي: أيُّ أصحابِ- (الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) وعند «مسلمٍ»: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ (قَالَ) ﵊: هو (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي: أفضلُ من غيره لكثرة ثوابه.
ومن لطائف إسناد هذا المتن: أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة، وكلُّ رجاله كوفيُّون، وأخرج متنَه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد».
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو عند الأَصيليِّ ساقطٌ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (إِطْعَامُ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فَإِنَّ الْمُسْلِمَاتِ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ. وَخَصَّ اللِّسَانَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي النَّفْسِ، وَهَكَذَا الْيَدُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ بِهَا، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَانِ دُونَ الْيَدِ ; لِأَنَّ اللِّسَانَ يُمْكِنُهُ الْقَوْلُ فِي الْمَاضِينَ وَالْمَوْجُودِينَ وَالْحَادِثِينَ بَعْدُ، بِخِلَافِ الْيَدِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ تُشَارِكَ اللِّسَانَ فِي ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ، وَإِنَّ أَثَرَهَا فِي ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا تَعَاطِي الضَّرْبَ بِالْيَدِ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ. وَفِي التَّعْبِيرِ بِاللِّسَانِ دُونَ الْقَوْلِ نُكْتَةٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ. وَفِي ذِكْرِ الْيَدِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْجَوَارِحِ نُكْتَةٌ، فَيَدْخُلُ فِيهَا الْيَدُ الْمَعْنَوِيَّةُ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(فَائِدَةٌ): فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ تَجْنِيسُ الِاشْتِقَاقِ، وَهُوَ كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُهَاجِرُ) هُوَ مَعْنَى الْهَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُفَاعِلِ يَقْتَضِي وُقُوعَ فِعْلٍ مِنِ اثْنَيْنِ ; لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ هَاجِرًا وَطَنَهُ مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُورٌ مِنْ وَطَنِهِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ. فَالْبَاطِنَةُ تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرَةُ الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ. وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيلَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ الْهِجْرَةِ تَحْصُلُ لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَاشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ عَلَى جَوَامِعَ مِنْ مَعَانِي الْحِكَمِ وَالْأَحْكَامِ.
(تَنْبِيهٌ): هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ، بِخِلَافِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ. عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ صَحِيحًا الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ وَكَأَنَّهُ اخْتَصَرَهُ هُنَا لِتَضَمُّنِهِ لِمَعْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ) هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ، عَنْ عَامِرٍ وَهُوَ الشَّعْبِيِّ الْمَذْكُورِ فِي الْإِسْنَادِ الْمَوْصُولِ. وَأَرَادَ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانُ سَمَاعِهِ لَهُ مِنَ الصَّحَابِيِّ، وَالنُّكْتَةُ فِيهِ رِوَايَةُ وُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ لَهُ عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، حَكَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ، فَعَلَى هَذَا لَعَلَّ الشَّعْبِيَّ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَسَمِعَهُ مِنْهُ. وَنَبَّهَ بِالتَّعْلِيقِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الَّذِي أُهْمِلَ فِي رِوَايَتِهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي بُيِّنَ فِي رِوَايَةِ رَفِيقِهِ، وَالتَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلَّا أَصْلَ الْحَدِيثِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ، فَهُمُ النَّاسُ حَقِيقَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ، وَلَا كَمَالَ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ عَلَى إِرَادَةِ شَرْطٍ وَهُوَ إِلَّا بِحَقٍّ، مَعَ أَنَّ إِرَادَةَ هَذَا الشَّرْطِ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِمَا قَدَّمْتُهُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُسْلِمِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
٥ - بَاب أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
وهو ممَّا انفرد بجملته عن مسلمٍ، وأخرج مسلمٌ بعضه في «صحيحه»، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابن حبَّان والحاكم.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكرَ بإسقاط: «قال أبو عبد الله» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ -بالمُعجمَتين- الضَّرير الكوفيُّ، وكان مُرجِئًا، المُتوفَّى سنة خمسٍ وتسعين ومئةٍ في صَفَرَ: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ) زاد في رواية الكُشْمِيهَنيِّ وابن عساكرَ: «هو ابن أبي هندٍ» المُتوفَّى سنة أربعين ومئةٍ (عَنْ عَامِرٍ) الشَّعبيِّ السَّابق قريبًا (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) بن عمرٍو، وللأَصيليِّ: «يعني: ابن عمرٍو» ولابن عساكر: «هو ابن عمرٍو» (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ).
(وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي -بالمُهملَة- من بني سامة بن لُؤَيٍّ، القرشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى في شعبانَ سنة سبعٍ وثمانين ومئةٍ (عَنْ دَاوُدَ) بن أبي هندٍ السَّابق (عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن العاصِ (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وهذا التَّعليق وصله إسحاق بن رَاهُوْيَه في «مُسنَده».
(٥) (بابٌ) بالتَّنوين (أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟).
١١ - وبالسَّند الماضي إلى المؤلِّف أوَّلًا قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ) بجرِّ
الياء كما في «اليونينيَّة»، صفةٌ لـ «سعيدٍ» الثَّاني، المُتوفَّى سنة تسع (١) وأربعين ومئتين، وليس عند الأَصيليِّ: «ابن سعيدٍ القرشيِّ» (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) يحيى بنُ سعيدٍ، المُتوفَّى سنة أربعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) بِضَمِّ المُوحَّدة وسكون الرَّاء واسمه: بُرَيْدٌ بالتَّصغير (بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَة) بضمِّ المُوحَّدة، جدِّ الذي قبلَه، وافقه في الكنية لا في الاسم، واسمه: عامرٌ، المُتوفَّى - فيما قاله الواقديُّ- بالكوفة سنة ثلاثٍ ومئةٍ، أو هو والشَّعبيُّ في جمعةٍ واحدةٍ (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُلَيْمٍ؛ بضمِّ السِّين، الأشعريِّ؛ نسبةً إلى الأشعر لأنَّه وُلِدَ أشعرَ، المُتوفَّى بالكوفة سنة خمسٍ أو إحدى أو أربعٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» سبعةٌ وخمسون حديثًا (﵁ قَالَ: قَالُوا) وعند «مسلمٍ»: قلنا، وعند ابن منده: قلت: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ) -شَرْطُ «أيٍّ» أن تدخل على متعدِّدٍ وهو هنا مقدَّرٌ بذوي، أي: أيُّ أصحابِ- (الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟) وعند «مسلمٍ»: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ (قَالَ) ﵊: هو (مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) أي: أفضلُ من غيره لكثرة ثوابه.
ومن لطائف إسناد هذا المتن: أنَّ فيه التَّحديث والعنعنة، وكلُّ رجاله كوفيُّون، وأخرج متنَه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «الزُّهد».
(٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين، وهو عند الأَصيليِّ ساقطٌ، كما في فرع «اليونينيَّة» كهي (إِطْعَامُ