«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥

الحديث رقم ١٥ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حب الرسول ﷺ من الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده…

«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».

بَابُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ

سند حديث: ١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ…

١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ (ح). وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده…

يُخْبِرُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلم لا يكون كاملَ الإيمان حتى يُقَدِّمَ محبةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على محبة أمه وأبيه وابنه وابنته والناس أجمعين، وهذه المحبة تقتضي طاعتَه ونصرتَه، وتركَ معصيتِه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقديمها على محبَّة كل مخلوق.
  • من علامة كمال المحبة: نَصرُ سنة رسول الله، وبذل النفس والمال في ذلك.
  • محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تقتضي طاعتَه فيما أمر وتصديقَه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، واتباعَه وترك البدع.
  • حق النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وآكَدُ من كل الناس؛ لأنه كان سببًا في هدايتِنا من الضلالة واستنقاذِنا من النار والفوز بالجنة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (يَعْقُوبُ) أبو يوسفَ (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ العبديُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهملَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، نسبةً إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ الأسديُّ؛ أسد خزاعة، الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلَة وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُوحَّدةٌ، البُنانيِّ -بضمِّ المُوحَّدة وبالنُّون- نسبةً إلى بُنانة؛ بطنٍ من قريشٍ، التَّابعيِّ كأبيه (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ: «بن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية ابن عساكرَ: «عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ» () ولفظ متن هذا السَّند كما رواه ابن خزيمةَ في «صحيحه» عن يعقوبَ شيخ البخاريِّ بهذا الإسناد: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله»، بدل من «والده وولده».

وفي فرع «اليونينيَّة» هنا علامة التَّحويل: (ح: وَحَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ؛ بواو العطف على السَّند السَّابق العاري عن المتن، المُوهمة لاستواء السَّندين في المتن الآتي، وليس كذلك؛ إذ لفظ متنه لم يذكره المؤلِّف مقتصرًا على لفظ رواية قتادة؛ نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه؛ لكونها موافقةً للفظ أبي هريرةَ في الحديث السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكرَ وأبي الوقت: «قال رسول الله» (: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمانَ التَّامَّ (حَتَّى أَكُونَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَو حق بَادر إِلَى الْإِنْصَاف من نَفسه، وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَعْنى عَن الفضيل بن عِيَاض رَحمَه الله إِنَّه قَالَ لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة، رَحمَه الله: إِن كنت تُرِيدُ أَن تكون النَّاس كلهم مثلك فَمَا أدّيت لله الْكَرِيم نصحه، فَكيف وَأَنت تود أَنهم دُونك؟ انْتهى. قلت: الْمحبَّة فِي اللُّغَة: ميل الْقلب إِلَى الشَّيْء لتصور كَمَال فِيهِ بِحَيْثُ يرغب فِيمَا يقربهُ إِلَيْهِ من حبه يُحِبهُ فَهُوَ مَحْبُوب، بِكَسْر عين الْفِعْل فِي الْمُضَارع، قَالَ الشَّاعِر:

(أحِب أَبَا مَرْوَان من أجل تَمْرَة ... وَأعلم بِأَن الرِّفْق بِالْمَرْءِ ارْفُقْ)

قَالَ الصغاني: وَهَذَا شَاذ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي المضاعف: يفعل، بِالْكَسْرِ، إلَاّ ويشركه يفعل، بِالضَّمِّ، أَو كَانَ مُتَعَدِّيا، مَا خلا هَذَا الْحَرْف، وَيُقَال أَيْضا: أحبه فَهُوَ مَحْبُوب، وَمثله مزكوم وَمَجْنُون ومكزوز ومقرور ومسلول ومهموم ومزعوق ومضعوف ومبرور ومملوء ومضؤد ومأروض ومحزون ومحموم وموهون ومنبوت ومسعود، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا كُله: قد فعل بِغَيْر ألف ثمَّ بني مفعول على فعل، وإلَاّ فَلَا وَجه لَهُ، فَإِذا قَالُوا: فعله، فَهُوَ كُله بِالْألف.

(وَأما الْإِعْرَاب) فَقَوله: (لَا يُؤمن) نفي، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْفَاعِل هُوَ أحد، كَمَا ثَبت فِي بعض نسخ البُخَارِيّ أَو: عبد، كَمَا وَقع فِي إِحْدَى روايتي مُسلم، وَالْمعْنَى: لَا يُؤمن الْإِيمَان الْكَامِل، لِأَن أصل الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال ذَلِك، أَو التَّقْدِير: لَا يكمل إِيمَان أحدكُم. قَوْله: (حَتَّى) : هَهُنَا جَارة لَا عاطفة وَلَا ابتدائية، وَمَا بعْدهَا خلاف مَا قبلهَا، وَأَن بعْدهَا مضمرة، وَلِهَذَا نصب: يحب، وَلَا يجوز رَفعه هَهُنَا لِأَن عدم الْإِيمَان لَيْسَ سَببا للمحبة. قَوْله: (لِأَخِيهِ) مُتَعَلق بقوله: يحب. قَوْله: (مَا يحب) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول يحب، وَقَوله: (لنَفسِهِ) يتَعَلَّق بِهِ، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف، أَي: مَا يُحِبهُ، وَفِيه حذف تَقْدِيره: مَا يحب من الْخَيْر لنَفسِهِ، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ؟ وَكَيف يحصل ذَلِك المحبوب فِي محلين وَهُوَ محَال؟ قلت: تَقْدِير الْكَلَام: حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مثل مَا يحب لنَفسِهِ.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: إِذا كَانَ المُرَاد بِالنَّفْيِ كَمَال الْإِيمَان يلْزم أَن يكون من حصلت لَهُ هَذِه الْخصْلَة مُؤمنا كَامِلا، وَإِن لم يَأْتِ بِبَقِيَّة الْأَركان. وَأجِيب: بِأَن هَذَا مُبَالغَة، كَأَن الرُّكْن الْأَعْظَم فِيهِ هَذِه الْمحبَّة نَحْو: (لَا صَلَاة إلَاّ بِطهُور) ، أَو هِيَ مستلزمة لَهَا، أويلزم ذَلِك لصدقه فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ عِنْد حُصُول سَائِر الْأَركان، إِذْ لَا عُمُوم للمفهوم. وَمِنْهَا مَا قيل: من الْإِيمَان أَن يبغض لِأَخِيهِ مَا يبغض لنَفسِهِ وَلم لم؟ يذكرهُ. وَأجِيب: بِأَن حب الشَّيْء مُسْتَلْزم لِبُغْض نقيضه، فَيدْخل تَحت ذَلِك أَو أَن الشَّخْص لَا يبغض شَيْئا لنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره بالمحبة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله لِأَخِيهِ لَيْسَ لَهُ عُمُوم، فَلَا يتَنَاوَل سَائِر الْمُسلمين. وَأجِيب: بِأَن معنى قَوْله: لِأَخِيهِ، للْمُسلمين تعميماً للْحكم أَو يكون التَّقْدِير: لِأَخِيهِ من الْمُسلمين، فَيتَنَاوَل كل أَخ مُسلم.

٨ - (بَاب حُبُّ الرَّسولِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الإِيمَانِ)

يجوز فِي بَاب الرّفْع مَعَ التَّنْوِين على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده، لِأَن قَوْله: حب الرَّسُول، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو قَوْله: من الْإِيمَان خَبره، وَيجوز فِيهِ الْوَقْف. لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بالتركيب. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على وجوب محبَّة كائنة من الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: الرَّسُول، للْعهد، وَالْمرَاد بِهِ: سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا جنس الرَّسُول وَلَا الِاسْتِغْرَاق بِقَرِينَة. قَوْله: (حَتَّى أكون أحب) وَإِن كَانَت محبَّة الْكل وَاجِبَة.

١٤ - حدّثنا أبُو اليَمانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قالَ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إليهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَقد ذكر. الثَّانِي: شُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون، وَهُوَ عبد الله بن ذكْوَان الْمدنِي الْقرشِي، وَكَانَ يغْضب من هَذِه الكنية لَكِن اشْتهر بهَا، ويكنى أَيْضا، بِأبي عبد الرَّحْمَن، وَقد اتّفق على إِمَامَته وجلالته، وَكَانَ الثَّوْريّ يُسَمِّيه: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة صَاحب سنة وَهُوَ مِمَّن تقوم بِهِ الْحجَّة إِذْ روى عَنهُ الثِّقَات، وَشهد مَعَ عبد الله بن جَعْفَر جَنَازَة

فَهُوَ إِذن تَابِعِيّ صَغِير، وروى عَنهُ جماعات من التَّابِعين وَهَذَا من فضائله، لِأَنَّهُ لم يسمع من الصَّحَابَة، وروى عَنهُ التابعون، وولاه عمر بن عبد الْعَزِيز خراج الْعرَاق، وَقَالَ اللَّيْث بن سعد: رَأَيْت أَبَا الزِّنَاد وَخَلفه ثَلَاثمِائَة تَابع من طَالب علم وَفقه وَشعر وصنوف، ثمَّ لم يلبث أَن بَقِي وَحده، وَأَقْبلُوا على ربيعَة، وَكَانَ ربيعَة يَقُول: شبر من خطْوَة خير من ذِرَاع من علم، وَقَالَ أَحْمد: أَبُو الزِّنَاد افقه من ربيعَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ أَبُو الزِّنَاد فَجْأَة فِي مغتسله سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَسِتِّينَ سنة. وَقَالَ البُخَارِيّ: أصح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة: أَبُو الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْأَعْرَج وَهُوَ أَبُو دَاوُد عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، تَابِعِيّ مدنِي قرشي، مولى ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، روى عَن أبي سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَارِي، روى عَنهُ: الزُّهْرِيّ وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَيحيى بن أبي كثير وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بالإسكندرية سنة سبع عشرَة وَمِائَة على الصَّحِيح، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن مَالِكًا لم يرو عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز هَذَا إلَاّ بِوَاسِطَة، وَأما عبد الله بن يزِيد بن هُرْمُز فقد روى عَنهُ مَالك، وَأخذ عَنهُ الْفِقْه وَهُوَ عَالم من عُلَمَاء الْمَدِينَة قَلِيل الرِّوَايَة جدا، توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَحَيْثُ يذكر مَالك بن هُرْمُز ويحكى عَنهُ فَإِنَّمَا يُرِيد: عبد الله بن يزِيد هَذَا الْفَقِيه، لِأَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، صَاحب أبي الزِّنَاد الْمُحدث، هَذَا، إِنَّمَا يحدث عَنهُ بِوَاسِطَة ذَلِك، ووفاته سنة: سبع عشرَة وَمِائَة على مَا ذكرنَا، وَهَذَا وَفَاته سنة: ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَهَذَا مَوضِع التباس على كثير من النَّاس ذكرته للْفرق بَينهمَا، فَافْهَم. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى ذكره.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَفِي بعض النّسخ: أخبرنَا شُعَيْب، فعلى هَذَا يكون فِيهِ: الْإِخْبَار أَيْضا، والتفريق بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا لَا يَقُول بِهِ البُخَارِيّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعلم. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على حمصيين ومدنيين. وَمِنْهَا: أَنه قد وَقع فِي (غرائب مَالك) للدارقطني إِدْخَال رجل، وَهُوَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، بَين الْأَعْرَج وَأبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي زِيَادَة شَاذَّة، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِدُونِهَا من حَدِيث مَالك وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، وروى ابْن مَنْدَه من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُصَرحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الاسناد، وَكَذَا للنسائي من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش، عَن شُعَيْب.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُمَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى، وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَرَوَاهُ عَن زُهَيْر عَن ابْن علية، وَعَن شَيبَان بن فروخ عَن عبد الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للنسائي: (حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من مَاله وَأَهله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (وَالَّذِي) الْوَاو: فِيهِ للقسم، وَالَّذِي، صفة موصوفه مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالله الَّذِي. قَوْله: (نَفسِي) مُبْتَدأ و (بِيَدِهِ) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول أَعنِي: الَّذِي. قَوْله: (لَا يُؤمن) نفي وَهُوَ جَوَاب الْقسم. قَوْله: (حَتَّى) للغاية هُنَا (وأكون) مَنْصُوب بِتَقْدِير: حَتَّى أَن أكون، وَقد علم أَن الْفِعْل بعد حَتَّى لَا ينْتَصب إلَاّ إِذا كَانَ مُسْتَقْبلا، ثمَّ إِن كَانَ استقباله بِالنّظرِ إِلَى زمن الْمُتَكَلّم فالنصب وَاجِب نَحْو: {لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى} (طه: ٩١) وَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبلهَا خَاصَّة فالوجهان نَحْو: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) الْآيَة، فَإِن قَوْلهم: إِنَّمَا هُوَ مُسْتَقْبل بِالنّظرِ إِلَى الزلزال لَا بِالنّظرِ إِلَى زمن قصّ ذَلِك علينا. قَوْله: (أحب) نصب لِأَنَّهُ خبر أكون، وَلَفظه: أحب، أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ على خلاف الْقيَاس، وَإِن كَانَ كثيرا إِذْ الْقيَاس أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل، وَقَالَ ابْن مَالك: إِنَّمَا يشذ بِنَاؤُه للْمَفْعُول إِذا خيف اللّبْس بالفاعل، فَإِن أَمن بِأَن لم يسْتَعْمل الْفِعْل للْفَاعِل، أَو قرن بِهِ مَا يشْعر بِأَنَّهُ للْمَفْعُول لَا يشذ كَقَوْلِهِم: هُوَ أشغل من ذَات النحيين وَهُوَ أكسر من البصل. وَعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى، وَلَا أحرم مِمَّن عدم الْإِنْصَاف، وَلَا أظلم من قَتِيل كربلا، وَهُوَ أزهى من الديك، وأرجى، وأخوف، وأهيب وَلَا يقْتَصر على السماع لِكَثْرَة مَجِيئه. فَإِن قلت: لَا يجوز الْفَصْل بَين الْفِعْل ومعموله لِأَنَّهُ كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَكيف وَقع لَفْظَة: إِلَيْهِ، هَهُنَا فصلا بَينهمَا؟ قلت: الْفَصْل بالأجنبي مَمْنُوع لَا مُطلقًا والظرف فِيهِ توسع فَلَا يمْنَع.

(بَيَان الْمعَانِي) فَائِدَة القَسَم، تَأْكِيد الْكَلَام بِهِ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الْقسم على الْأَمر الْمُبْهم توكيداً، وَإِن لم يكن هُنَاكَ من

يَسْتَدْعِي الْحلف، وَلَفظ الْيَد من المتشابهات، فَفِي مثل هَذَا افترق الْعلمَاء على فرْقَتَيْن: إِحْدَاهمَا: مَا تسمى مفوضة: وهم الَّذين يفوضون الْأَمر فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى قائلين: {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله} (آل عمرَان: ٧) وَالْأُخْرَى: تسمى مؤولة، وهم الَّذين يؤولون مثل هَذَا، كَمَا يُقَال: المُرَاد من الْيَد الْقُدْرَة، عاطفين {والراسخون فِي الْعلم} (آل عمرَان: ٧) على: الله وَالْأول أسلم، وَالثَّانِي أحكم. قلت: ذكر أَبُو حنيفَة أَن تَأْوِيل الْيَد بِالْقُدْرَةِ، وَنَحْو ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى التعطيل، فَإِن الله تَعَالَى أثبت لنَفسِهِ يدا، فَإِذا أولت بِالْقُدْرَةِ يصير عين التعطيل، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي فِي مثل هَذَا أَن نؤمن بِمَا ذكره الله من ذَلِك على مَا أَرَادَهُ، وَلَا نشتغل بتأويله، فَنَقُول: لَهُ يَد على مَا أَرَادَهُ لَا كيد المخلوقين، وَكَذَلِكَ فِي نَظَائِر ذَلِك. قَوْله: (لَا يُؤمن) أَي: إِيمَانًا كَامِلا، وَيُقَال المُرَاد من الحَدِيث: بذل النَّفس دونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} (الْأَنْفَال: ٦٤) أَي: وحسبك من اتبعك من الْمُؤمنِينَ، ببذل أنفسهم دُونك. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ أَبُو الزِّنَاد: هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّذِي أوتيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ أَقسَام الْمحبَّة ثَلَاثَة: محبَّة إجلال وإعظام كمحبة الْوَالِد، ومحبة رَحْمَة وإشفاق كمحبة الْوَلَد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة النَّاس بَعضهم بَعْضًا، فَجمع عَلَيْهِ السَّلَام، ذَلِك كُله. قَالَ القَاضِي: وَمن محبته: نصْرَة سنته، والذب عَن شَرِيعَته، وتمني حُضُور حَيَاته، فيبذل نَفسه وَمَاله دونه، وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تتمّ إلَاّ بِهِ، وَلَا يَصح الْإِيمَان إلَاّ بتحقيق إنافة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومنزلته على كل وَالِد وَولد ومحسن ومتفضل، وَمن لم يعْتَقد ذَلِك واعتقد سواهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن، وَاعْتَرضهُ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْقُرْطُبِيّ الْمَالِكِي، صَاحب (الْمُفْهم) فَقَالَ: ظَاهر كَلَام القَاضِي عِيَاض صرف الْمحبَّة إِلَى اعْتِقَاد تَعْظِيمه وإجلاله، وَلَا شكّ فِي كفر من لَا يعْتَقد ذَلِك، غير أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث اعْتِقَاد الأعظمية إِذْ اعْتِقَاد الأعظمية لَيْسَ بمحبة وَلَا مستلزماً لَهَا، إِذْ قد يحمد الْإِنْسَان إعظام شَيْء مَعَ خلوه عَن محبته، قَالَ: فعلى هَذَا من لم يجد من نَفسه ذَلِك لم يكمل إيمَانه على أَن كل من آمن إِيمَانًا صَحِيحا لَا يَخْلُو من تِلْكَ الْمحبَّة، وَقد قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله عَنهُ، وَمَا كَانَ أحد أحب إِلَيّ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أجل فِي عَيْني مِنْهُ، وَمَا كنت أُطِيق أَن أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالاً لَهُ، وَأَن عمر رَضِي الله عَنهُ، لما سمع هَذَا الحَدِيث، قَالَ: يَا رَسُول الله أَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إلَاّ من نَفسِي، فَقَالَ: وَمن نَفسك يَا عمر، فَقَالَ: وَمن نَفسِي. فَقَالَ: الْآن يَا عمر. وَهَذِه الْمحبَّة لَيست باعتقاد تَعْظِيم بل ميل قلب، وَلَكِن النَّاس يتفاوتون فِي ذَلِك، قَالَ الله تَعَالَى: {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (الْمَائِدَة: ٥٤) وَلَا شكّ أَن حَظّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، من هَذَا الْمَعْنى أتم، لِأَن الْمحبَّة ثَمَرَة الْمعرفَة، وهم بِقَدرِهِ ومنزلته أعلم، وَالله أعلم. وَيُقَال: الْمحبَّة إِمَّا اعْتِقَاد النَّفْع، أَو ميل يتبع ذَلِك، أَو صفة مخصصة لأحد الطَّرفَيْنِ بالوقوع، ثمَّ الْميل قد يكون بِمَا يستلذه بحواسه كحسن الصُّورَة، وَلما يستلذه بعقله كمحبة الْفضل وَالْجمال، وَقد يكون لإحسانه إِلَيْهِ وَدفع المضار عَنهُ، وَلَا يخفى أَن الْمعَانِي الثَّلَاثَة كلهَا مَوْجُودَة فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما جمع من جمال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَكَمَال أَنْوَاع الْفَضَائِل، وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايتهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ودوام النعم، وَلَا شكّ أَن الثَّلَاثَة فِيهِ أكمل مِمَّا فِي الْوَالِدين لَو كَانَت فيهمَا، فَيجب كَونه أحب مِنْهُمَا، لِأَن الْمحبَّة ثَابِتَة لذَلِك، حَاصِلَة بحسبها، كَامِلَة بكمالها. وَأعلم أَن محبَّة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، إِرَادَة فعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَهِي من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَالَ الله تَعَالَى: {قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم} إِلَى قَوْله: {حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره} (التَّوْبَة: ٢٤) وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ تلميح إِلَى قَضِيَّة النَّفس الأمَّارة بالسوء والمطمئنة، فَإِن من رجح جَانب المطمئنة كَانَ حب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، راجحاً، وَمن رجح جَانب الْإِمَارَة، كَانَ حكمه بِالْعَكْسِ.

(بَيَان الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا: مَا قيل: لِمَ مَا ذكر نفس الرجل أَيْضا وَإِنَّمَا يجب أَن يكون الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب إِلَيْهِ من نَفسه قَالَ تَعَالَى: {النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم} (الْأَحْزَاب: ٣٣) وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا خصص الْوَالِد وَالْولد بِالذكر لِكَوْنِهِمَا أعز خلق الله تَعَالَى على الرجل غَالِبا، وَرُبمَا يكونَانِ أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّمْثِيل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من أعزته، وَيعلم مِنْهُ حكم غير الأعزة، لِأَنَّهُ يلْزم فِي غَيرهم بِالطَّرِيقِ الأولى، أَو اكْتفى بِمَا ذكر فِي سَائِر النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب كَونه أحب من نَفسه أَيْضا، كالرواية الَّتِي بعده. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل يتَنَاوَل لفظ الْوَالِد الْأُم كَمَا أَن لفظ الْوَلَد يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى؟ وَأجِيب: بِأَن الْوَالِد إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ ذَات لَهُ ولد، وَإِمَّا أَن يكون بِمَعْنى ذُو ولد نَحْو لِابْنِ وتامر، فيتناولهما، وَإِمَّا أَن يكْتَفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر كَمَا يكْتَفى بِأحد الضدين عَن الآخر. قَالَ تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَإِمَّا

أَن يكون حكمه حكم النَّفس فِي كَونه مَعْلُوما من النُّصُوص الْأُخَر. وَمِنْهَا مَا قيل: الْمحبَّة أَمر طبيعي غريزي لَا يدْخل تَحت الِاخْتِيَار، فَكيف يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يُطَاق عَادَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يرد بِهِ حب الطَّبْع بل حب الِاخْتِيَار الْمُسْتَند إِلَى الْإِيمَان؟ فَمَعْنَاه: لَا يُؤمن حَتَّى يُؤثر رضاي على هوى الْوَالِدين، وَإِن كَانَ فِيهِ هلاكهما. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَقْدِيم الْوَالِد على الْوَلَد؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك للأكثرية، لِأَن كل أحد لَهُ وَالِد من غير عكس. قلت: الأولى أَن يُقَال: إِنَّمَا قدم هَهُنَا الْوَالِد نظرا إِلَى جَانب التَّعْظِيم، وَقدم الْوَلَد على الْوَالِد فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ نظرا إِلَى جَانب الشَّفَقَة والترحم.

١٥ - حدّثنا يعَقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وَحدثنَا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنِسٍ قالَ قالَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.

هَذَانِ الإسنادان عطف أَحدهمَا على الآخر قبل أَن يَسُوق الْمَتْن فِي الأول، وَذَلِكَ يُوهم استواءهما وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن لفظ قَتَادَة مثل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، غير أَن فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) ، وَلَفظ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب مثله إلَاّ أَنه قَالَ: كَمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد: (من أَهله وَمَاله) ، بدل: (من وَالِده وَولده) وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن علية، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَارِث بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز، وَلَفظه: (لَا يُؤمن الرجل) ، وَهُوَ اشمل من جِهَة، وَلَفظ: (أحدكُم) أشمل من جِهَة، وأشمل مِنْهُمَا رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لَا يُؤمن أحد) ، فَإِن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي نعم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ لفظ عبد الْعَزِيز مغايراً للفظ قَتَادَة، فلِمَ سَاق البُخَارِيّ كَلَامه بِمَا يُوهم اتحادهما فِي الْمَعْنى؟ قلت: البُخَارِيّ كثيرا مَا يصنع ذَلِك نظرا إِلَى أصل الحَدِيث لَا إِلَى خُصُوص أَلْفَاظه، فَإِن قلت: لم اقْتصر على لفظ قَتَادَة، وَمَا الْمُرَجح فِي ذَلِك؟ قلت: لِأَن لفظ قَتَادَة مُوَافق للفظ أبي هُرَيْرَة فِي الحَدِيث السَّابِق. فَإِن قلت: قَتَادَة مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ؟ قلت: رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ دَلِيل على السماع لِأَنَّهُ لم يكن يسمع مِنْهُ إلَاّ مَا سَمعه، على أَنه قد وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ.

(بَيَان رجالهما) وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير بن زيد بن أَفْلح الدَّوْرَقِي الْعَبْدي، أَخُو أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ الْأَكْبَر صنف الْمسند، وَكَانَ ثِقَة حَافِظًا متقناً، رأى اللَّيْث، وَسمع: ابْن عُيَيْنَة وَالْقطَّان وَيحيى بن أبي كثير وخلقاً. روى عَنهُ: أَخُوهُ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالْجَمَاعَة. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: ابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِسْمَاعِيل، وَعليَّة أمه، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سهل بن مقسم الْبَصْرِيّ الْأَسدي، أَسد خُزَاعَة، مَوْلَاهُم، أَصله من الْكُوفَة، قَالَ شُعْبَة فِيهِ سيد الْمُحدثين، سمع عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَرْبَعَة أَحَادِيث، وَسمع خلقا غَيرهم. وَقَالَ أَحْمد: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ، اتّفق على جلالته وتوثيقه، ولي صدقَات الْبَصْرَة والمظالم بِبَغْدَاد فِي آخر خلَافَة هَارُون، توفّي بِبَغْدَاد، وَدفن فِي مَقَابِر عبد الله بن مَالك، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه إِبْرَاهِيم فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَكَانَت أمه علية نبيلة عَاقِلَة، وَكَانَ صَالح الْمزي وَغَيره من وُجُوه أهل الْبَصْرَة وفقهائها يدْخلُونَ فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسائلهم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز الْبنانِيّ، مَوْلَاهُم، تَابِعِيّ، سمع أنسا، روى عَنهُ شُعْبَة، وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فِي أنس أحب إِلَيّ من قَتَادَة، اتّفق على توثيقه، روى لَهُ الْجَمَاعَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ وَأَبوهُ كَانَا مملوكين، وَأَجَازَ إِيَاس بن مُعَاوِيَة شَهَادَة عبد الْعَزِيز وَحده. الرَّابِع: آدم بن أبي إِيَاس، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: شُعْبَة بن الْحجَّاج. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد ذكرُوا فِيمَا مضى.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الدَّوْرَقِي: نِسْبَة إِلَى دورق، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره قَاف، وَهِي قلانس كَانُوا يلبسونها فنسبوا إِلَيْهَا، وَفِي (الْمطَالع) : دورق أرَاهُ فِي بِلَاد فَارس، وَقيل: بل لصنعة قلانس تعرف بالدورقة نسبت إِلَى ذَلِك الْموضع، وَقَالَ الرشاطي: دورق من كور الأهواز. وَقَالَ ابْن خرداذبه: كور الأهواز رام هُرْمُز، وَمِنْهَا: ايزح

وعسكر مكرم وتستر وسوس وسرق، وَهِي دورق، وَذكر غير ذَلِك. قَالَ: وَمن سرق الأهواز إِلَى دورق فِي المَاء ثَمَانِيَة عشر فرسخاً، وعَلى الظَّاهِر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ. والعبدي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة، وَفِي ربيعَة ابْن نزار: عبد الْقَيْس بن قصي بن دعمي، ينْسب إِلَيْهِ، عَبدِي، على الْقيَاس، وعبقسي، على غير الْقيَاس؛ وَفِي تَمِيم ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم، وَقد يُقَال: عبدلي، على غير قِيَاس؛ وَفِي خولان ينْسب إِلَى عبد الله بن الْخِيَار، وَفِي هَمدَان ينْسب إِلَى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى: بنانة، بطن من قُرَيْش، وبنانة كَانَت زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب، نسب إِلَيْهَا بنوها، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَيُقَال: نِسْبَة إِلَى سكَّة بنانة بِالْبَصْرَةِ، فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٨٧) وَهُوَ عكس قَوْله تَعَالَى: {وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: ٩٨) فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، فَإِن قيل: هَل يدْخل فِي لفظ النَّاس نفس الرجل أَو يكون إِضَافَة الْمحبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُم، فَإنَّك إِذا قلت: جَمِيع النَّاس أحب إِلَى زيد من غُلَامه، يفهم مِنْهُ خُرُوج زيد مِنْهُم؟ قلت: لَا يخرج لِأَن اللَّفْظ عَام، وَمَا ذكر ثمَّ لَيْسَ من المخصصات. وَاعْلَم أَنه قد يُوجد فِي بعض النّسخ قبل حَدثنَا آدم لَفْظَة: (ح) إِشَارَة إِلَى الْحول من الْإِسْنَاد الأول إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بَعْضهَا لَا يُوجد، وعَلى النسختين فَفِيهِ تحول من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقَوله: أخبرنَا يَعْقُوب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا.

٩ - (بَاب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلاوة الْإِيمَان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ الْمَحْذُوف، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْبَاب الأول مُشْتَمل على أَن كَمَال الْإِيمَان لَا يكون إلَاّ إِذا كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحب إِلَيْهِ من سَائِر الْخلق، وَهَذَا الْبَاب يبين أَن ذَلِك من جملَة حلاوة الْإِيمَان، وَلِأَن هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَالْبَاب الَّذِي قبله جُزْء من هَذِه الثَّلَاثَة، وَهَذَا أقوى وُجُوه الْمُنَاسبَة.

١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ حَدثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرَءَ لَا يُحِبُّهُ إلَاّ لِلَّهِ وَأنْ يَكَرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكَرَهَ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة بِالْمُثَلثَةِ، ابْن عبيد بن قيس بن دِينَار، أَبُو مُوسَى الْعَنزي الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزمن، سمع: ابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَإِسْمَاعِيل بن علية وَالْقطَّان وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة ثبتاً يحْتَج سَائِر الْأَئِمَّة بحَديثه، وَقدم بَغْدَاد وَحدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا، قَالَ غَيره: سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَولد هُوَ وَبُنْدَار بِالسنةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا حَمَّاد بن سَلمَة، سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد بن الصَّلْت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسَار مَالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وخلقاً. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَالْعجلِي، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف، ولد سنة ثَمَان وَمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: اخْتَلَط قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين، أَو أَربع سِنِين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، واسْمه كيسَان السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ، مولى عزة، وَيُقَال جُهَيْنَة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مَالك، وَسمع: عمر بن سَلمَة الْجرْمِي وَأَبا عُثْمَان

النَّهْدِيّ وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبا قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي ومجاهداً وخلقاً كثيرا. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَمَالك والسفيانان والحمادان، وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَهُ نَحْو ثَمَان مائَة حَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن علية: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، زَاد غَيره: وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، واسْمه عبد الله بن زيد بن عَمْرو، وَقيل: عَامر بن نائل بن مَالك الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، سمع: ثَابت بن قيس بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ وَأنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة، روى: عَن أَيُّوب وَقَتَادَة وَيحيى ابْن أبي كثير، اتّفق على توثيقه، توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر ذكره.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، نِسْبَة إِلَى عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان حَيّ من ربيعَة. والثقفي: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف بعْدهَا الْفَاء نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ: قسي بن مُنَبّه، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. والسختياني: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع السختيان، وَهُوَ الْجلد؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْجُلُود قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَمِنْهُم من يضم السِّين؛ وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ بِضَم السِّين وَكسرهَا. قلت: هَذَا اللَّفْظ أعجمي؟ وَلم يسمع مِنْهُم إلَاّ فتح السِّين. والجرمي: بِفَتْح الْجِيم فِي قبائل، فَفِي قضاعة جرم بن رَيَّان بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَفِي بجيلة جرم بن عَلْقَمَة بن عبقر، وَفِي عاملة جرم بن شعل بن مُعَاوِيَة، وَفِي طي جرم وَهُوَ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء على مَا ذكرنَا.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَمُسلم أَيْضا كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى إِلَى آخِره بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرجه فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، وَاسْتدلَّ بِهِ على فضل من أكره عى الْكفْر فَترك التقية إِلَى أَن قتل، وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فضل الْحبّ فِي الله، وَلَفظ هَذِه الرِّوَايَة: (وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ) . وَهِي أبلغ من لفظ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ سوى فِيهِ بَين الْأَمريْنِ، وَهنا جعل الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أولى من الْكفْر الَّذِي أنقذه الله بِالْخرُوجِ مِنْهُ من نَار الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم: (من كَانَ أَن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وطعمه: أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله، وَأَن يُوقد نَار عَظِيمَة فَيَقَع فِيهَا أحب إِلَيْهِ من أَن يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) الْحَلَاوَة مصدر: حلا الشَّيْء يحلو، وَهُوَ نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشَّيْء: جعلته حلواً، وأحليته أَيْضا: وجدته حلواً وحاليته أَي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يُقَال: خُذ الْحَلْوَى وأعطه المرى، وتحالت الْمَرْأَة: إِذا أظهرت حلاوة وعجباً. وَأما حلوت فلَانا على كَذَا مَالا، فَأَنا أحلوه حلواً وحلواناً، فَمَعْنَاه: وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، وَأما: حليت الْمَرْأَة أحليها حليا، وحلوتها فمعناها: جلعت لَهَا حليًّا، وَيُقَال: حلي فلَان بعيني بِالْكَسْرِ، وَفِي عَيْني، وبصدري أَو فِي صَدْرِي: يحلى حلاوة إِذا أعْجبك، قَالَ الراجز:

(إِن سِرَاجًا لكريم مفخرة ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره)

وَهَذَا من المقلوب، وَالْمعْنَى: يحلى بِالْعينِ، وَكَذَلِكَ حلا فلَان يَعْنِي وَفِي عَيْني: يحلو حلاوة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلى فِي عَيْني بِالْكَسْرِ، وحلا فِي فمي بِالْفَتْح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشَّيْء فِي عين صَاحبه، وحليت الطَّعَام: جعلته حلواً، والحلواء الَّتِي تُؤْكَل تمد وتقصر. وَأما معنى: الحلوة، فِي الحَدِيث. فَقَالَ التَّيْمِيّ: حسنه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى حلاوة الْإِيمَان استلذاذ

الطَّاعَات، وَتحمل المشاق فِي الدّين، وإيثار ذَلِك على أَعْرَاض الدُّنْيَا ومحبة العَبْد الله تَعَالَى بِفعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَكَذَلِكَ محبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَفْسِير التَّيْمِيّ: من الْحَلَاوَة الَّتِي بَابهَا من حلى فلَان بعيني حلاوة، إِذا حسن، وَتَفْسِير النَّوَوِيّ: من حلا الشَّيْء يحلو حلواً وحلاوة، وَهُوَ نقيض المر، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه وَالْأَظْهَر الثَّانِي على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يكره) من: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء كريه ومكروه، وَمَعْنَاهُ: عدم الرضى. قَوْله: (أَن يقذف) من الْقَذْف بِمَعْنى: الرَّمْي، وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على الرَّمْي والطرح، وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ: الرَّمْي بهَا، وَقذف المحصنة قذفا أَي: رَمَاهَا. وَيُقَال: هم بَين خاذف وقاذف، فالخاذف بالحصى والقاذف بِالْحِجَارَةِ.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (ثَلَاث) مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. فَإِن قلت: هُوَ نكرَة كَيفَ يَقع مُبْتَدأ؟ قلت: النكرَة تقع مُبتَدأَة بالمسوغ، وَهَهُنَا ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَن يكون التَّنْوِين فِي ثَلَاث عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، تَقْدِيره: ثَلَاث خِصَال، فحينئذٍ يقرب من الْمعرفَة. الثَّانِي: أَن يكون هَذَا صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، والموصوف هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا حذف قَامَت الصّفة مقَامه. الثَّالِث: يجوز أَن يكون ثَلَاث مَوْصُوفا بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة الَّتِي بعده، وَالْخَبَر على هَذَا الْوَجْه هُوَ قَوْله: (أَن يكون) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كَون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين الْخَبَر هُوَ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة، لِأَن قَوْله: من مُبْتَدأ مَوْصُول يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، جملَة صلته. وَقَوله: وجد، خَبره. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا فَلَا بُد من ضمير فِيهَا يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ، لِأَن الْجُمْلَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يربطها بِمَا قبلهَا إلَاّ الضَّمِير، وَلَيْسَ هَهُنَا ضمير يعود إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي فِيهِ يرجع إِلَى: من، لَا إِلَى ثَلَاث؟ قلت: الْعَائِد هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره: ثَلَاث من كن فِيهِ مِنْهَا وجد حلاوة الْإِيمَان، كَمَا فِي قَوْلك: الْبر الكربستين أَي: مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يعِيش فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) إِن من مُبْتَدأ، وصلته صَبر، وَخَبره: إِن الْمَكْسُورَة مَعَ مَا بعْدهَا، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا جعلت الْجُمْلَة خَبرا، فَمَا يكون إِعْرَاب قَوْله: (أَن يكون الله) ؟ قلت: يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أحد الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث أَن يكون الله ... الخ. قَوْله: (وجد) بِمَعْنى أصَاب، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) . قَوْله: (وَرَسُوله) : بِالرَّفْع عطف على لَفْظَة: الله، الَّذِي هُوَ اسْم يكون، قَوْله: (أحب) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر يكون. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يثني: أحب، حَتَّى يُطَابق اسْم كَانَ، وَهُوَ اثْنَان. قلت: أفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل: بِمن، فَهُوَ مُفْرد مُذَكّر لَا غير فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل مَعَ: من، كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. قلت: أُجِيز ذَلِك بالظرف للاتساع. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء) عطف على أَن يكون الله. قَوْله: (يحب) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى: من وَقَوله: (الْمَرْء) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) جملَة وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفياً يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. قَوْله: (وَأَن يكره) عطف على: أَن يحب، قَوْله: (أَن يعود) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: يكره، وَأَن يكره: وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأَن يكره الْعود. فَإِن قلت: الْمَشْهُور أَن يُقَال: عَاد إِلَيْهِ، معدى بإلى لَا بفي. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: قد ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أَن يعود مُسْتَقرًّا فِيهِ، وَهَذَا تعسف، وَإِنَّمَا: فِي هَذَا بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: ٢٨٨) أَي: تصيرن إِلَى ملتنا. قَوْله: (كَمَا يكره) : الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، أَي: مثل كرهه. قَوْله: (أَن يقذف) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ مفعول: يكره، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: الْقَذْف، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الْإِسْلَام، قلت: كَيفَ لَا، وَفِيه محبَّة الله وَرَسُوله الَّتِي هِيَ أصل الْإِيمَان بل عينه، وَلَا تصح محبَّة الله وَرَسُوله حَقِيقَة، وَلَا حب لغير الله وَلَا كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْكفْر إلَاّ لمن قوي الْإِيمَان فِي نَفسه وانشرح لَهُ صَدره وخالطه دَمه ولحمه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وجد حلاوته، وَالْحب فِي الله من ثَمَرَات الْحبّ لله. وَقَالَ ابْن بطال: محبَّة العَبْد لخالقه الْتِزَام طَاعَته، والانتهاء عَمَّا نهى عَنهُ، ومحبة الرَّسُول كَذَلِك، وَهِي الْتِزَام

شَرِيعَته. وَقَالَ بَعضهم: الْمحبَّة مواطأة الْقلب على مَا يُرْضِي الرب سُبْحَانَهُ، فيحب مَا أحبَّ وَيكرهُ مَا يكره. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَمعنى حب الله الاسْتقَامَة فِي طَاعَته، والتزام أوامره ونواهيه فِي كل شَيْء. وَالْمرَاد ثَمَرَات الْمحبَّة، فَإِن أصل الْمحبَّة الْميل لما يُوَافق المحبوب، وَالله سُبْحَانَهُ منزه أَن يمِيل أَو يمال إِلَيْهِ، وَأما محبَّة الرَّسُول فَيصح فِيهَا الْميل، إِذْ ميل الْإِنْسَان لما يُوَافقهُ إِمَّا للاستحسان كالصورة الجميلة والمطاعم الشهية وشبههما، أَو لما يستلذه بعقله من الْمعَانِي والأخلاق كمحبة الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يكن فِي زمانهم، أَو لمن يحسن إِلَيْهِ وَيدْفَع الْمضرَّة عَنهُ، وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَجمعه الْفَضَائِل وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايته إيَّاهُم وإبعادهم عَن الْجَحِيم. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله) هَذَا حث على التحاب فِي الله، لأجل أَن الله جعل الْمُؤمنِينَ أخوة قَالَ الله تَعَالَى: {فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} (آل عمرَان: ١٠٣) وَمن محبته ومحبة رَسُوله محبَّة أهل مِلَّته، فَلَا تحصل حلاوة الْإِيمَان إلَاّ أَن تكون خَالِصَة لله تَعَالَى، غير مشوبة بالأغراض الدُّنْيَوِيَّة وَلَا الحظوظ البشرية، فَإِن من أحب لذَلِك انْقَطَعت تِلْكَ الْمحبَّة عِنْد انْقِطَاع سَببهَا، قَوْله: (وَأَن يكره) إِلَى آخِره. مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْكَرَاهَة إِنَّمَا تُوجد عِنْد وجود سَببهَا، وَهُوَ مَا دخل قلبه من نور الْإِيمَان، وَمن كشف لَهُ عَن محَاسِن الْإِسْلَام وقبح الجهالات والكفران، وَقيل: الْمَعْنى أَن من وجد حلاوة الْإِيمَان وَعلم أَن الْكَافِر فِي النَّار يكره الْكفْر لكراهته لدُخُول النَّار. قلت: وَقَائِل هَذَا الْمَعْنى حَافظ على بَقَاء لفظ الْعود على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ هُنَا معنى الصيرورة، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٨٩) .

(بَيَان الْبَيَان) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلَاوَة إِنَّمَا تكون فِي المطعومات، وَالْإِيمَان لَيْسَ مطعوماً، فَظهر أَن هَذَا مجَاز، لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِنَحْوِ الْعَسَل، ثمَّ طوى ذكر الْمُشبه بِهِ، لِأَن الِاسْتِعَارَة هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، فالمشبه: إِيمَان، والمشبه بِهِ: عسل وَنَحْوه، والجهة الجامعة وَهُوَ وَجه الشّبَه الَّذِي بَينهمَا: هُوَ الالتذاذ وميل الْقلب إِلَيْهِ فَهَذِهِ هِيَ الإستعارة بِالْكِنَايَةِ، ثمَّ لما ذكر الْمُشبه أضَاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ ولوازمه، وَهُوَ: الْحَلَاوَة على سَبِيل التخيل، وَهِي اسْتِعَارَة تخييلية، وترشيح للاستعارة. قَوْله: (كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار) تَشْبِيه وَلَيْسَ باستعارة، لِأَن الطَّرفَيْنِ مذكوران. فالمشبه هُوَ: العَوْد فِي الْكفْر، والمشبه بِهِ وَهُوَ: الْقَذْف فِي النَّار، وَوجه الشّبَه هُوَ: وجدان الْأَلَم وَكَرَاهَة الْقلب إِيَّاه.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَون حلاوة الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هِيَ عنوان كَمَال الْإِيمَان المحصل لتِلْك الذة، لِأَنَّهُ لَا يتم إِيمَان امرىء حَتَّى يتَمَكَّن فِي نَفسه أَن الْمُنعم بِالذَّاتِ هُوَ الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا مانح وَلَا مَانع سواهُ، وَمَا عداهُ، تَعَالَى وسائط لَيْسَ لَهَا فِي ذَاتهَا إِضْرَار وَلَا انفاع، وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ العطوف السَّاعِي فِي صَلَاح شَأْنه، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يتَوَجَّه بكليته نَحوه، وَلَا يحب مَا يُحِبهُ إلَاّ لكَونه وسطا بَينه وَبَينه، وَأَن يتَيَقَّن أَن جملَة مَا أوعد ووعد حق تَيَقنا يخيل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كالواقع، والاشتغال بِمَا يؤول إِلَى الشَّيْء مُلَابسَة بِهِ، فيحسب مجَالِس الذّكر رياض الْجنَّة، وَأكل مَال الْيَتِيم أكل النَّار، وَالْعود إِلَى الْكفْر إِلْقَاء فِي النَّار. وَمِنْهَا مَا قيل: لم عبر عَن هَذِه الْحَالة بالحلاوة؟ وَأجِيب: لِأَنَّهَا أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وَإِن كَانَ لَا نِسْبَة بَين هَذِه اللَّذَّة وَاللَّذَّات الحسية. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيل: مِمَّا سواهُمَا، وَلم يقل: مِمَّن سواهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن: مَا، أَعم بِخِلَاف: من فَإِنَّهَا للعقلاء فَقَط. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ قَالَ: سواهُمَا، بإشراك الضَّمِير بَينه وَبَين الله عز وَجل، وَالْحَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر على من فعل ذَلِك وَهُوَ الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ: (بئس الْخَطِيب أَنْت) ؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ من هَذَا، لِأَن المُرَاد فِي الْخطب الْإِيضَاح، وَأما هُنَا فَالْمُرَاد الإيجاز فِي اللَّفْظ ليحفظ، وَمَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد: (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَلَا يضر إلَاّ نَفسه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما تَثْنِيَة الضَّمِير هَهُنَا فللإيماء يماء على أَن الْمُعْتَبر، هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة، فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة لاغية وَأمر بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيث الْخَطِيب، إشعاراً بِأَن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزامه الغواية، إِذْ الْعَطف فِي تَقْرِير التكرير، وَالْأَصْل اسْتِقْلَال كل من المعطوفين فِي الحكم. وَقَالَ الأصوليون: أَمر بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَشد تَعْظِيمًا، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، وَيُقَال إِنَّه من الخصائص فَيمْتَنع من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ، لِأَن غَيره إِذا جمع أوهم

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) وفي روايةٍ: «أخبرنا» (يَعْقُوبُ) أبو يوسفَ (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثيرٍ الدَّورقيُّ العبديُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين المُهملَة وفتح اللَّام وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، نسبةً إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهمٍ البصريُّ الأسديُّ؛ أسد خزاعة، الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بضمِّ الصَّاد المُهمَلَة وفتح الهاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه مُوحَّدةٌ، البُنانيِّ -بضمِّ المُوحَّدة وبالنُّون- نسبةً إلى بُنانة؛ بطنٍ من قريشٍ، التَّابعيِّ كأبيه (عَنْ أَنَسٍ) وفي رواية الأَصيليِّ: «بن مالكٍ» (عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية ابن عساكرَ: «عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ» () ولفظ متن هذا السَّند كما رواه ابن خزيمةَ في «صحيحه» عن يعقوبَ شيخ البخاريِّ بهذا الإسناد: «لا يؤمن أحدُكم حتَّى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله»، بدل من «والده وولده».

وفي فرع «اليونينيَّة» هنا علامة التَّحويل: (ح: وَحَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ؛ بواو العطف على السَّند السَّابق العاري عن المتن، المُوهمة لاستواء السَّندين في المتن الآتي، وليس كذلك؛ إذ لفظ متنه لم يذكره المؤلِّف مقتصرًا على لفظ رواية قتادة؛ نظرًا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه؛ لكونها موافقةً للفظ أبي هريرةَ في الحديث السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامةَ (عَنْ أَنَسٍ) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي ذَرٍّ وابن عساكرَ وأبي الوقت: «قال رسول الله» (: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) الإيمانَ التَّامَّ (حَتَّى أَكُونَ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَو حق بَادر إِلَى الْإِنْصَاف من نَفسه، وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَعْنى عَن الفضيل بن عِيَاض رَحمَه الله إِنَّه قَالَ لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة، رَحمَه الله: إِن كنت تُرِيدُ أَن تكون النَّاس كلهم مثلك فَمَا أدّيت لله الْكَرِيم نصحه، فَكيف وَأَنت تود أَنهم دُونك؟ انْتهى. قلت: الْمحبَّة فِي اللُّغَة: ميل الْقلب إِلَى الشَّيْء لتصور كَمَال فِيهِ بِحَيْثُ يرغب فِيمَا يقربهُ إِلَيْهِ من حبه يُحِبهُ فَهُوَ مَحْبُوب، بِكَسْر عين الْفِعْل فِي الْمُضَارع، قَالَ الشَّاعِر:

(أحِب أَبَا مَرْوَان من أجل تَمْرَة ... وَأعلم بِأَن الرِّفْق بِالْمَرْءِ ارْفُقْ)

قَالَ الصغاني: وَهَذَا شَاذ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي المضاعف: يفعل، بِالْكَسْرِ، إلَاّ ويشركه يفعل، بِالضَّمِّ، أَو كَانَ مُتَعَدِّيا، مَا خلا هَذَا الْحَرْف، وَيُقَال أَيْضا: أحبه فَهُوَ مَحْبُوب، وَمثله مزكوم وَمَجْنُون ومكزوز ومقرور ومسلول ومهموم ومزعوق ومضعوف ومبرور ومملوء ومضؤد ومأروض ومحزون ومحموم وموهون ومنبوت ومسعود، وَذَلِكَ أَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا كُله: قد فعل بِغَيْر ألف ثمَّ بني مفعول على فعل، وإلَاّ فَلَا وَجه لَهُ، فَإِذا قَالُوا: فعله، فَهُوَ كُله بِالْألف.

(وَأما الْإِعْرَاب) فَقَوله: (لَا يُؤمن) نفي، وَهِي جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَالْفَاعِل هُوَ أحد، كَمَا ثَبت فِي بعض نسخ البُخَارِيّ أَو: عبد، كَمَا وَقع فِي إِحْدَى روايتي مُسلم، وَالْمعْنَى: لَا يُؤمن الْإِيمَان الْكَامِل، لِأَن أصل الْإِيمَان لَا يَزُول بِزَوَال ذَلِك، أَو التَّقْدِير: لَا يكمل إِيمَان أحدكُم. قَوْله: (حَتَّى) : هَهُنَا جَارة لَا عاطفة وَلَا ابتدائية، وَمَا بعْدهَا خلاف مَا قبلهَا، وَأَن بعْدهَا مضمرة، وَلِهَذَا نصب: يحب، وَلَا يجوز رَفعه هَهُنَا لِأَن عدم الْإِيمَان لَيْسَ سَببا للمحبة. قَوْله: (لِأَخِيهِ) مُتَعَلق بقوله: يحب. قَوْله: (مَا يحب) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول يحب، وَقَوله: (لنَفسِهِ) يتَعَلَّق بِهِ، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، والعائد مَحْذُوف، أَي: مَا يُحِبهُ، وَفِيه حذف تَقْدِيره: مَا يحب من الْخَيْر لنَفسِهِ، وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ. فَإِن قلت: كَيفَ يتَصَوَّر أَن يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ؟ وَكَيف يحصل ذَلِك المحبوب فِي محلين وَهُوَ محَال؟ قلت: تَقْدِير الْكَلَام: حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مثل مَا يحب لنَفسِهِ.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: إِذا كَانَ المُرَاد بِالنَّفْيِ كَمَال الْإِيمَان يلْزم أَن يكون من حصلت لَهُ هَذِه الْخصْلَة مُؤمنا كَامِلا، وَإِن لم يَأْتِ بِبَقِيَّة الْأَركان. وَأجِيب: بِأَن هَذَا مُبَالغَة، كَأَن الرُّكْن الْأَعْظَم فِيهِ هَذِه الْمحبَّة نَحْو: (لَا صَلَاة إلَاّ بِطهُور) ، أَو هِيَ مستلزمة لَهَا، أويلزم ذَلِك لصدقه فِي الْجُمْلَة، وَهُوَ عِنْد حُصُول سَائِر الْأَركان، إِذْ لَا عُمُوم للمفهوم. وَمِنْهَا مَا قيل: من الْإِيمَان أَن يبغض لِأَخِيهِ مَا يبغض لنَفسِهِ وَلم لم؟ يذكرهُ. وَأجِيب: بِأَن حب الشَّيْء مُسْتَلْزم لِبُغْض نقيضه، فَيدْخل تَحت ذَلِك أَو أَن الشَّخْص لَا يبغض شَيْئا لنَفسِهِ فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكره بالمحبة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله لِأَخِيهِ لَيْسَ لَهُ عُمُوم، فَلَا يتَنَاوَل سَائِر الْمُسلمين. وَأجِيب: بِأَن معنى قَوْله: لِأَخِيهِ، للْمُسلمين تعميماً للْحكم أَو يكون التَّقْدِير: لِأَخِيهِ من الْمُسلمين، فَيتَنَاوَل كل أَخ مُسلم.

٨ - (بَاب حُبُّ الرَّسولِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الإِيمَانِ)

يجوز فِي بَاب الرّفْع مَعَ التَّنْوِين على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب، وَيجوز بِالْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده، لِأَن قَوْله: حب الرَّسُول، كَلَام إضافي مُبْتَدأ، أَو قَوْله: من الْإِيمَان خَبره، وَيجوز فِيهِ الْوَقْف. لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بالتركيب. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ اشْتِمَال كل مِنْهُمَا على وجوب محبَّة كائنة من الْإِيمَان، وَاللَّام فِي: الرَّسُول، للْعهد، وَالْمرَاد بِهِ: سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا جنس الرَّسُول وَلَا الِاسْتِغْرَاق بِقَرِينَة. قَوْله: (حَتَّى أكون أحب) وَإِن كَانَت محبَّة الْكل وَاجِبَة.

١٤ - حدّثنا أبُو اليَمانِ قالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قالَ حَدثنَا أبُو الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إليهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع وَقد ذكر. الثَّانِي: شُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَقد مر ذكره. الثَّالِث: أَبُو الزِّنَاد، بِكَسْر الزَّاي وبالنون، وَهُوَ عبد الله بن ذكْوَان الْمدنِي الْقرشِي، وَكَانَ يغْضب من هَذِه الكنية لَكِن اشْتهر بهَا، ويكنى أَيْضا، بِأبي عبد الرَّحْمَن، وَقد اتّفق على إِمَامَته وجلالته، وَكَانَ الثَّوْريّ يُسَمِّيه: أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة صَاحب سنة وَهُوَ مِمَّن تقوم بِهِ الْحجَّة إِذْ روى عَنهُ الثِّقَات، وَشهد مَعَ عبد الله بن جَعْفَر جَنَازَة

فَهُوَ إِذن تَابِعِيّ صَغِير، وروى عَنهُ جماعات من التَّابِعين وَهَذَا من فضائله، لِأَنَّهُ لم يسمع من الصَّحَابَة، وروى عَنهُ التابعون، وولاه عمر بن عبد الْعَزِيز خراج الْعرَاق، وَقَالَ اللَّيْث بن سعد: رَأَيْت أَبَا الزِّنَاد وَخَلفه ثَلَاثمِائَة تَابع من طَالب علم وَفقه وَشعر وصنوف، ثمَّ لم يلبث أَن بَقِي وَحده، وَأَقْبلُوا على ربيعَة، وَكَانَ ربيعَة يَقُول: شبر من خطْوَة خير من ذِرَاع من علم، وَقَالَ أَحْمد: أَبُو الزِّنَاد افقه من ربيعَة. قَالَ الْوَاقِدِيّ: مَاتَ أَبُو الزِّنَاد فَجْأَة فِي مغتسله سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَسِتِّينَ سنة. وَقَالَ البُخَارِيّ: أصح أَسَانِيد أبي هُرَيْرَة: أَبُو الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: الْأَعْرَج وَهُوَ أَبُو دَاوُد عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، تَابِعِيّ مدنِي قرشي، مولى ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، روى عَن أبي سَلمَة وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَارِي، روى عَنهُ: الزُّهْرِيّ وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَيحيى بن أبي كثير وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بالإسكندرية سنة سبع عشرَة وَمِائَة على الصَّحِيح، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن مَالِكًا لم يرو عَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز هَذَا إلَاّ بِوَاسِطَة، وَأما عبد الله بن يزِيد بن هُرْمُز فقد روى عَنهُ مَالك، وَأخذ عَنهُ الْفِقْه وَهُوَ عَالم من عُلَمَاء الْمَدِينَة قَلِيل الرِّوَايَة جدا، توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَحَيْثُ يذكر مَالك بن هُرْمُز ويحكى عَنهُ فَإِنَّمَا يُرِيد: عبد الله بن يزِيد هَذَا الْفَقِيه، لِأَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، صَاحب أبي الزِّنَاد الْمُحدث، هَذَا، إِنَّمَا يحدث عَنهُ بِوَاسِطَة ذَلِك، ووفاته سنة: سبع عشرَة وَمِائَة على مَا ذكرنَا، وَهَذَا وَفَاته سنة: ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَهَذَا مَوضِع التباس على كثير من النَّاس ذكرته للْفرق بَينهمَا، فَافْهَم. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة وَقد مضى ذكره.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَفِي بعض النّسخ: أخبرنَا شُعَيْب، فعلى هَذَا يكون فِيهِ: الْإِخْبَار أَيْضا، والتفريق بَين حَدثنَا وَأخْبرنَا لَا يَقُول بِهِ البُخَارِيّ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعلم. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاده مُشْتَمل على حمصيين ومدنيين. وَمِنْهَا: أَنه قد وَقع فِي (غرائب مَالك) للدارقطني إِدْخَال رجل، وَهُوَ أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، بَين الْأَعْرَج وَأبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الحَدِيث، وَهِي زِيَادَة شَاذَّة، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ بِدُونِهَا من حَدِيث مَالك وَمن حَدِيث إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، وروى ابْن مَنْدَه من طَرِيق أبي حَاتِم الرَّازِيّ عَن أبي الْيَمَان شيخ البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث مُصَرحًا فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيع الاسناد، وَكَذَا للنسائي من طَرِيق عَليّ بن عَيَّاش، عَن شُعَيْب.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن أبي هُرَيْرَة وَأنس رَضِي الله عَنْهُمَا، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن ابْن الْمثنى، وَابْن بشار عَن غنْدر عَن شُعْبَة، وَرَوَاهُ عَن زُهَيْر عَن ابْن علية، وَعَن شَيبَان بن فروخ عَن عبد الْوَارِث، كِلَاهُمَا عَن عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب عَن أنس، وَأخرجه النَّسَائِيّ، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى للنسائي: (حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من مَاله وَأَهله وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (وَالَّذِي) الْوَاو: فِيهِ للقسم، وَالَّذِي، صفة موصوفه مَحْذُوف تَقْدِيره: وَالله الَّذِي. قَوْله: (نَفسِي) مُبْتَدأ و (بِيَدِهِ) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول أَعنِي: الَّذِي. قَوْله: (لَا يُؤمن) نفي وَهُوَ جَوَاب الْقسم. قَوْله: (حَتَّى) للغاية هُنَا (وأكون) مَنْصُوب بِتَقْدِير: حَتَّى أَن أكون، وَقد علم أَن الْفِعْل بعد حَتَّى لَا ينْتَصب إلَاّ إِذا كَانَ مُسْتَقْبلا، ثمَّ إِن كَانَ استقباله بِالنّظرِ إِلَى زمن الْمُتَكَلّم فالنصب وَاجِب نَحْو: {لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى} (طه: ٩١) وَإِن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قبلهَا خَاصَّة فالوجهان نَحْو: {وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول} (الْبَقَرَة: ٢١٤) الْآيَة، فَإِن قَوْلهم: إِنَّمَا هُوَ مُسْتَقْبل بِالنّظرِ إِلَى الزلزال لَا بِالنّظرِ إِلَى زمن قصّ ذَلِك علينا. قَوْله: (أحب) نصب لِأَنَّهُ خبر أكون، وَلَفظه: أحب، أفعل التَّفْضِيل بِمَعْنى الْمَفْعُول، وَهُوَ على خلاف الْقيَاس، وَإِن كَانَ كثيرا إِذْ الْقيَاس أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل، وَقَالَ ابْن مَالك: إِنَّمَا يشذ بِنَاؤُه للْمَفْعُول إِذا خيف اللّبْس بالفاعل، فَإِن أَمن بِأَن لم يسْتَعْمل الْفِعْل للْفَاعِل، أَو قرن بِهِ مَا يشْعر بِأَنَّهُ للْمَفْعُول لَا يشذ كَقَوْلِهِم: هُوَ أشغل من ذَات النحيين وَهُوَ أكسر من البصل. وَعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لِسَان دَاوُد وَعِيسَى، وَلَا أحرم مِمَّن عدم الْإِنْصَاف، وَلَا أظلم من قَتِيل كربلا، وَهُوَ أزهى من الديك، وأرجى، وأخوف، وأهيب وَلَا يقْتَصر على السماع لِكَثْرَة مَجِيئه. فَإِن قلت: لَا يجوز الْفَصْل بَين الْفِعْل ومعموله لِأَنَّهُ كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَكيف وَقع لَفْظَة: إِلَيْهِ، هَهُنَا فصلا بَينهمَا؟ قلت: الْفَصْل بالأجنبي مَمْنُوع لَا مُطلقًا والظرف فِيهِ توسع فَلَا يمْنَع.

(بَيَان الْمعَانِي) فَائِدَة القَسَم، تَأْكِيد الْكَلَام بِهِ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ جَوَاز الْقسم على الْأَمر الْمُبْهم توكيداً، وَإِن لم يكن هُنَاكَ من

يَسْتَدْعِي الْحلف، وَلَفظ الْيَد من المتشابهات، فَفِي مثل هَذَا افترق الْعلمَاء على فرْقَتَيْن: إِحْدَاهمَا: مَا تسمى مفوضة: وهم الَّذين يفوضون الْأَمر فِيهَا إِلَى الله تَعَالَى قائلين: {وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله} (آل عمرَان: ٧) وَالْأُخْرَى: تسمى مؤولة، وهم الَّذين يؤولون مثل هَذَا، كَمَا يُقَال: المُرَاد من الْيَد الْقُدْرَة، عاطفين {والراسخون فِي الْعلم} (آل عمرَان: ٧) على: الله وَالْأول أسلم، وَالثَّانِي أحكم. قلت: ذكر أَبُو حنيفَة أَن تَأْوِيل الْيَد بِالْقُدْرَةِ، وَنَحْو ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى التعطيل، فَإِن الله تَعَالَى أثبت لنَفسِهِ يدا، فَإِذا أولت بِالْقُدْرَةِ يصير عين التعطيل، وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْبَغِي فِي مثل هَذَا أَن نؤمن بِمَا ذكره الله من ذَلِك على مَا أَرَادَهُ، وَلَا نشتغل بتأويله، فَنَقُول: لَهُ يَد على مَا أَرَادَهُ لَا كيد المخلوقين، وَكَذَلِكَ فِي نَظَائِر ذَلِك. قَوْله: (لَا يُؤمن) أَي: إِيمَانًا كَامِلا، وَيُقَال المُرَاد من الحَدِيث: بذل النَّفس دونه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقيل: فِي قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} (الْأَنْفَال: ٦٤) أَي: وحسبك من اتبعك من الْمُؤمنِينَ، ببذل أنفسهم دُونك. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ أَبُو الزِّنَاد: هَذَا من جَوَامِع الْكَلم الَّذِي أوتيه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِذْ أَقسَام الْمحبَّة ثَلَاثَة: محبَّة إجلال وإعظام كمحبة الْوَالِد، ومحبة رَحْمَة وإشفاق كمحبة الْوَلَد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة النَّاس بَعضهم بَعْضًا، فَجمع عَلَيْهِ السَّلَام، ذَلِك كُله. قَالَ القَاضِي: وَمن محبته: نصْرَة سنته، والذب عَن شَرِيعَته، وتمني حُضُور حَيَاته، فيبذل نَفسه وَمَاله دونه، وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تتمّ إلَاّ بِهِ، وَلَا يَصح الْإِيمَان إلَاّ بتحقيق إنافة قدر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ومنزلته على كل وَالِد وَولد ومحسن ومتفضل، وَمن لم يعْتَقد ذَلِك واعتقد سواهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِن، وَاعْتَرضهُ الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْقُرْطُبِيّ الْمَالِكِي، صَاحب (الْمُفْهم) فَقَالَ: ظَاهر كَلَام القَاضِي عِيَاض صرف الْمحبَّة إِلَى اعْتِقَاد تَعْظِيمه وإجلاله، وَلَا شكّ فِي كفر من لَا يعْتَقد ذَلِك، غير أَنه لَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث اعْتِقَاد الأعظمية إِذْ اعْتِقَاد الأعظمية لَيْسَ بمحبة وَلَا مستلزماً لَهَا، إِذْ قد يحمد الْإِنْسَان إعظام شَيْء مَعَ خلوه عَن محبته، قَالَ: فعلى هَذَا من لم يجد من نَفسه ذَلِك لم يكمل إيمَانه على أَن كل من آمن إِيمَانًا صَحِيحا لَا يَخْلُو من تِلْكَ الْمحبَّة، وَقد قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ، رَضِي الله عَنهُ، وَمَا كَانَ أحد أحب إِلَيّ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا أجل فِي عَيْني مِنْهُ، وَمَا كنت أُطِيق أَن أملأ عَيْني مِنْهُ إجلالاً لَهُ، وَأَن عمر رَضِي الله عَنهُ، لما سمع هَذَا الحَدِيث، قَالَ: يَا رَسُول الله أَنْت أحب إِلَيّ من كل شَيْء إلَاّ من نَفسِي، فَقَالَ: وَمن نَفسك يَا عمر، فَقَالَ: وَمن نَفسِي. فَقَالَ: الْآن يَا عمر. وَهَذِه الْمحبَّة لَيست باعتقاد تَعْظِيم بل ميل قلب، وَلَكِن النَّاس يتفاوتون فِي ذَلِك، قَالَ الله تَعَالَى: {فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (الْمَائِدَة: ٥٤) وَلَا شكّ أَن حَظّ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم، من هَذَا الْمَعْنى أتم، لِأَن الْمحبَّة ثَمَرَة الْمعرفَة، وهم بِقَدرِهِ ومنزلته أعلم، وَالله أعلم. وَيُقَال: الْمحبَّة إِمَّا اعْتِقَاد النَّفْع، أَو ميل يتبع ذَلِك، أَو صفة مخصصة لأحد الطَّرفَيْنِ بالوقوع، ثمَّ الْميل قد يكون بِمَا يستلذه بحواسه كحسن الصُّورَة، وَلما يستلذه بعقله كمحبة الْفضل وَالْجمال، وَقد يكون لإحسانه إِلَيْهِ وَدفع المضار عَنهُ، وَلَا يخفى أَن الْمعَانِي الثَّلَاثَة كلهَا مَوْجُودَة فِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما جمع من جمال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَكَمَال أَنْوَاع الْفَضَائِل، وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايتهم إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ودوام النعم، وَلَا شكّ أَن الثَّلَاثَة فِيهِ أكمل مِمَّا فِي الْوَالِدين لَو كَانَت فيهمَا، فَيجب كَونه أحب مِنْهُمَا، لِأَن الْمحبَّة ثَابِتَة لذَلِك، حَاصِلَة بحسبها، كَامِلَة بكمالها. وَأعلم أَن محبَّة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام، إِرَادَة فعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَهِي من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَالَ الله تَعَالَى: {قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم} إِلَى قَوْله: {حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره} (التَّوْبَة: ٢٤) وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِيهِ تلميح إِلَى قَضِيَّة النَّفس الأمَّارة بالسوء والمطمئنة، فَإِن من رجح جَانب المطمئنة كَانَ حب النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، راجحاً، وَمن رجح جَانب الْإِمَارَة، كَانَ حكمه بِالْعَكْسِ.

(بَيَان الأسئلة والأجوبة) . مِنْهَا: مَا قيل: لِمَ مَا ذكر نفس الرجل أَيْضا وَإِنَّمَا يجب أَن يكون الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحب إِلَيْهِ من نَفسه قَالَ تَعَالَى: {النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم} (الْأَحْزَاب: ٣٣) وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا خصص الْوَالِد وَالْولد بِالذكر لِكَوْنِهِمَا أعز خلق الله تَعَالَى على الرجل غَالِبا، وَرُبمَا يكونَانِ أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل التَّمْثِيل، فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من أعزته، وَيعلم مِنْهُ حكم غير الأعزة، لِأَنَّهُ يلْزم فِي غَيرهم بِالطَّرِيقِ الأولى، أَو اكْتفى بِمَا ذكر فِي سَائِر النُّصُوص الدَّالَّة على وجوب كَونه أحب من نَفسه أَيْضا، كالرواية الَّتِي بعده. وَمِنْهَا مَا قيل: هَل يتَنَاوَل لفظ الْوَالِد الْأُم كَمَا أَن لفظ الْوَلَد يتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى؟ وَأجِيب: بِأَن الْوَالِد إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ ذَات لَهُ ولد، وَإِمَّا أَن يكون بِمَعْنى ذُو ولد نَحْو لِابْنِ وتامر، فيتناولهما، وَإِمَّا أَن يكْتَفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر كَمَا يكْتَفى بِأحد الضدين عَن الآخر. قَالَ تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) وَإِمَّا

أَن يكون حكمه حكم النَّفس فِي كَونه مَعْلُوما من النُّصُوص الْأُخَر. وَمِنْهَا مَا قيل: الْمحبَّة أَمر طبيعي غريزي لَا يدْخل تَحت الِاخْتِيَار، فَكيف يكون مُكَلّفا بِمَا لَا يُطَاق عَادَة؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يرد بِهِ حب الطَّبْع بل حب الِاخْتِيَار الْمُسْتَند إِلَى الْإِيمَان؟ فَمَعْنَاه: لَا يُؤمن حَتَّى يُؤثر رضاي على هوى الْوَالِدين، وَإِن كَانَ فِيهِ هلاكهما. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَقْدِيم الْوَالِد على الْوَلَد؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك للأكثرية، لِأَن كل أحد لَهُ وَالِد من غير عكس. قلت: الأولى أَن يُقَال: إِنَّمَا قدم هَهُنَا الْوَالِد نظرا إِلَى جَانب التَّعْظِيم، وَقدم الْوَلَد على الْوَالِد فِي حَدِيث أنس فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ نظرا إِلَى جَانب الشَّفَقَة والترحم.

١٥ - حدّثنا يعَقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدثنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنَسٍ عَن النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ح وَحدثنَا آدَمُ قَالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنِسٍ قالَ قالَ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ.

هَذَانِ الإسنادان عطف أَحدهمَا على الآخر قبل أَن يَسُوق الْمَتْن فِي الأول، وَذَلِكَ يُوهم استواءهما وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن لفظ قَتَادَة مثل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة، غير أَن فِيهِ زِيَادَة وَهِي قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) ، وَلَفظ عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب مثله إلَاّ أَنه قَالَ: كَمَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ بِهَذَا الْإِسْنَاد: (من أَهله وَمَاله) ، بدل: (من وَالِده وَولده) وَكَذَا فِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق ابْن علية، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق عبد الْوَارِث بن سعيد عَن عبد الْعَزِيز، وَلَفظه: (لَا يُؤمن الرجل) ، وَهُوَ اشمل من جِهَة، وَلَفظ: (أحدكُم) أشمل من جِهَة، وأشمل مِنْهُمَا رِوَايَة الْأصيلِيّ: (لَا يُؤمن أحد) ، فَإِن النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي نعم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ لفظ عبد الْعَزِيز مغايراً للفظ قَتَادَة، فلِمَ سَاق البُخَارِيّ كَلَامه بِمَا يُوهم اتحادهما فِي الْمَعْنى؟ قلت: البُخَارِيّ كثيرا مَا يصنع ذَلِك نظرا إِلَى أصل الحَدِيث لَا إِلَى خُصُوص أَلْفَاظه، فَإِن قلت: لم اقْتصر على لفظ قَتَادَة، وَمَا الْمُرَجح فِي ذَلِك؟ قلت: لِأَن لفظ قَتَادَة مُوَافق للفظ أبي هُرَيْرَة فِي الحَدِيث السَّابِق. فَإِن قلت: قَتَادَة مُدَلّس وَلم يُصَرح بِالسَّمَاعِ؟ قلت: رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ دَلِيل على السماع لِأَنَّهُ لم يكن يسمع مِنْهُ إلَاّ مَا سَمعه، على أَنه قد وَقع التَّصْرِيح بِهِ فِي هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ.

(بَيَان رجالهما) وهم سَبْعَة: الأول: أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم بن كثير بن زيد بن أَفْلح الدَّوْرَقِي الْعَبْدي، أَخُو أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، وَكَانَ الْأَكْبَر صنف الْمسند، وَكَانَ ثِقَة حَافِظًا متقناً، رأى اللَّيْث، وَسمع: ابْن عُيَيْنَة وَالْقطَّان وَيحيى بن أبي كثير وخلقاً. روى عَنهُ: أَخُوهُ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَالْجَمَاعَة. مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: ابْن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ إِسْمَاعِيل، وَعليَّة أمه، وَأَبوهُ إِبْرَاهِيم بن سهل بن مقسم الْبَصْرِيّ الْأَسدي، أَسد خُزَاعَة، مَوْلَاهُم، أَصله من الْكُوفَة، قَالَ شُعْبَة فِيهِ سيد الْمُحدثين، سمع عبد الْعَزِيز بن صُهَيْب، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ، وَسمع من مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر أَرْبَعَة أَحَادِيث، وَسمع خلقا غَيرهم. وَقَالَ أَحْمد: إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي التثبت بِالْبَصْرَةِ، اتّفق على جلالته وتوثيقه، ولي صدقَات الْبَصْرَة والمظالم بِبَغْدَاد فِي آخر خلَافَة هَارُون، توفّي بِبَغْدَاد، وَدفن فِي مَقَابِر عبد الله بن مَالك، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه إِبْرَاهِيم فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَكَانَت أمه علية نبيلة عَاقِلَة، وَكَانَ صَالح الْمزي وَغَيره من وُجُوه أهل الْبَصْرَة وفقهائها يدْخلُونَ فَتبرز لَهُم وتحادثهم وتسائلهم، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: عبد الْعَزِيز الْبنانِيّ، مَوْلَاهُم، تَابِعِيّ، سمع أنسا، روى عَنهُ شُعْبَة، وَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فِي أنس أحب إِلَيّ من قَتَادَة، اتّفق على توثيقه، روى لَهُ الْجَمَاعَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ وَأَبوهُ كَانَا مملوكين، وَأَجَازَ إِيَاس بن مُعَاوِيَة شَهَادَة عبد الْعَزِيز وَحده. الرَّابِع: آدم بن أبي إِيَاس، وَقد مر ذكره. الْخَامِس: شُعْبَة بن الْحجَّاج. السَّادِس: قَتَادَة بن دعامة. السَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ، وَقد ذكرُوا فِيمَا مضى.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الدَّوْرَقِي: نِسْبَة إِلَى دورق، بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وَفِي آخِره قَاف، وَهِي قلانس كَانُوا يلبسونها فنسبوا إِلَيْهَا، وَفِي (الْمطَالع) : دورق أرَاهُ فِي بِلَاد فَارس، وَقيل: بل لصنعة قلانس تعرف بالدورقة نسبت إِلَى ذَلِك الْموضع، وَقَالَ الرشاطي: دورق من كور الأهواز. وَقَالَ ابْن خرداذبه: كور الأهواز رام هُرْمُز، وَمِنْهَا: ايزح

وعسكر مكرم وتستر وسوس وسرق، وَهِي دورق، وَذكر غير ذَلِك. قَالَ: وَمن سرق الأهواز إِلَى دورق فِي المَاء ثَمَانِيَة عشر فرسخاً، وعَلى الظَّاهِر أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ. والعبدي: فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة، وَفِي ربيعَة ابْن نزار: عبد الْقَيْس بن قصي بن دعمي، ينْسب إِلَيْهِ، عَبدِي، على الْقيَاس، وعبقسي، على غير الْقيَاس؛ وَفِي تَمِيم ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم، وَقد يُقَال: عبدلي، على غير قِيَاس؛ وَفِي خولان ينْسب إِلَى عبد الله بن الْخِيَار، وَفِي هَمدَان ينْسب إِلَى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، نِسْبَة إِلَى: بنانة، بطن من قُرَيْش، وبنانة كَانَت زَوْجَة سعد بن لؤَي بن غَالب، نسب إِلَيْهَا بنوها، وَقيل: كَانَت أمة لَهُ حضنت بنيه، وَقيل: كَانَت حاضنة لِبَنِيهِ فَقَط، وَيُقَال: نِسْبَة إِلَى سكَّة بنانة بِالْبَصْرَةِ، فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) . قَوْله: (وَالنَّاس أَجْمَعِينَ) من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم} (الْحجر: ٨٧) وَهُوَ عكس قَوْله تَعَالَى: {وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} (الْبَقَرَة: ٩٨) فَإِنَّهُ تَخْصِيص بعد تَعْمِيم، فَإِن قيل: هَل يدْخل فِي لفظ النَّاس نفس الرجل أَو يكون إِضَافَة الْمحبَّة إِلَيْهِ تَقْتَضِي خُرُوجه مِنْهُم، فَإنَّك إِذا قلت: جَمِيع النَّاس أحب إِلَى زيد من غُلَامه، يفهم مِنْهُ خُرُوج زيد مِنْهُم؟ قلت: لَا يخرج لِأَن اللَّفْظ عَام، وَمَا ذكر ثمَّ لَيْسَ من المخصصات. وَاعْلَم أَنه قد يُوجد فِي بعض النّسخ قبل حَدثنَا آدم لَفْظَة: (ح) إِشَارَة إِلَى الْحول من الْإِسْنَاد الأول إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بَعْضهَا لَا يُوجد، وعَلى النسختين فَفِيهِ تحول من إِسْنَاد إِلَى آخر قبل ذكر الحَدِيث، وَقَوله: أخبرنَا يَعْقُوب، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: حَدثنَا.

٩ - (بَاب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حلاوة الْإِيمَان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ الْمَحْذُوف، وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ أَن الْبَاب الأول مُشْتَمل على أَن كَمَال الْإِيمَان لَا يكون إلَاّ إِذا كَانَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أحب إِلَيْهِ من سَائِر الْخلق، وَهَذَا الْبَاب يبين أَن ذَلِك من جملَة حلاوة الْإِيمَان، وَلِأَن هَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء، وَالْبَاب الَّذِي قبله جُزْء من هَذِه الثَّلَاثَة، وَهَذَا أقوى وُجُوه الْمُنَاسبَة.

١٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ حَدثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قَالَ حَدثنَا أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرَءَ لَا يُحِبُّهُ إلَاّ لِلَّهِ وَأنْ يَكَرَهُ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكَرَهَ أنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

(بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول: مُحَمَّد بن الْمثنى، بِلَفْظ الْمَفْعُول من التَّثْنِيَة بِالْمُثَلثَةِ، ابْن عبيد بن قيس بن دِينَار، أَبُو مُوسَى الْعَنزي الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزمن، سمع: ابْن عُيَيْنَة ووكيع بن الْجراح وَإِسْمَاعِيل بن علية وَالْقطَّان وَغَيرهم، روى عَنهُ: أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قَالَ الْخَطِيب: كَانَ ثِقَة ثبتاً يحْتَج سَائِر الْأَئِمَّة بحَديثه، وَقدم بَغْدَاد وَحدث بهَا، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فَمَاتَ بهَا، قَالَ غَيره: سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وَولد هُوَ وَبُنْدَار بِالسنةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا حَمَّاد بن سَلمَة، سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى عَنهُ الْجَمَاعَة، وروى التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ: لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد بن الصَّلْت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسَار مَالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وَهُوَ ثَقِيف بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان الثَّقَفِيّ الْبَصْرِيّ، سمع: يحيى الْأنْصَارِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ وخلقاً. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَالْإِمَام أَحْمد وَابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَثَّقَهُ يحيى وَالْعجلِي، وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة وَفِيه ضعف، ولد سنة ثَمَان وَمِائَة وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة، وَقَالَ خَليفَة بن خياط: اخْتَلَط قبل مَوته بِثَلَاث سِنِين، أَو أَربع سِنِين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: أَيُّوب بن أبي تَمِيمَة، واسْمه كيسَان السّخْتِيَانِيّ الْبَصْرِيّ، مولى عزة، وَيُقَال جُهَيْنَة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مَالك، وَسمع: عمر بن سَلمَة الْجرْمِي وَأَبا عُثْمَان

النَّهْدِيّ وَالْحسن وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأَبا قلَابَة عبد الله بن زيد الْجرْمِي ومجاهداً وخلقاً كثيرا. روى عَنهُ: مُحَمَّد بن سِيرِين وَعَمْرو بن دِينَار وَقَتَادَة وَالْأَعْمَش وَمَالك والسفيانان والحمادان، وروى عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَضِي الله عَنهُ، أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَهُ نَحْو ثَمَان مائَة حَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: ثِقَة ثَبت. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن علية: ولد سنة سِتّ وَسِتِّينَ، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ: مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، زَاد غَيره: وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وبالباء الْمُوَحدَة، واسْمه عبد الله بن زيد بن عَمْرو، وَقيل: عَامر بن نائل بن مَالك الْجرْمِي الْبَصْرِيّ، سمع: ثَابت بن قيس بن الضَّحَّاك الْأنْصَارِيّ وَأنس بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَغَيرهم من الصَّحَابَة، روى: عَن أَيُّوب وَقَتَادَة وَيحيى ابْن أبي كثير، اتّفق على توثيقه، توفّي بِالشَّام سنة أَربع وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد مر ذكره.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْعَنزي، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وبالزاي، نِسْبَة إِلَى عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان حَيّ من ربيعَة. والثقفي: بالثاء الْمُثَلَّثَة وَالْقَاف بعْدهَا الْفَاء نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ: قسي بن مُنَبّه، وَقد ذَكرْنَاهُ الْآن. والسختياني: بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع السختيان، وَهُوَ الْجلد؛ وَقَالَ الْجَوْهَرِي: سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْجُلُود قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَمِنْهُم من يضم السِّين؛ وَقَالَ بَعضهم: حُكيَ بِضَم السِّين وَكسرهَا. قلت: هَذَا اللَّفْظ أعجمي؟ وَلم يسمع مِنْهُم إلَاّ فتح السِّين. والجرمي: بِفَتْح الْجِيم فِي قبائل، فَفِي قضاعة جرم بن رَيَّان بن حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَفِي بجيلة جرم بن عَلْقَمَة بن عبقر، وَفِي عاملة جرم بن شعل بن مُعَاوِيَة، وَفِي طي جرم وَهُوَ ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْغَوْث بن طي.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن كلهم أَئِمَّة أجلاء على مَا ذكرنَا.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَمُسلم أَيْضا كِلَاهُمَا عَن مُحَمَّد بن الْمثنى إِلَى آخِره بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَأخرجه فِي هَذَا الْبَاب أَيْضا بعد ثَلَاثَة أَبْوَاب، من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس، وَاسْتدلَّ بِهِ على فضل من أكره عى الْكفْر فَترك التقية إِلَى أَن قتل، وَأخرجه من هَذَا الْوَجْه فِي الْأَدَب فِي فضل الْحبّ فِي الله، وَلَفظ هَذِه الرِّوَايَة: (وَحَتَّى أَن يقذف فِي النَّار أحب إِلَيْهِ أَن يرجع إِلَى الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ) . وَهِي أبلغ من لفظ حَدِيث الْبَاب، لِأَنَّهُ سوى فِيهِ بَين الْأَمريْنِ، وَهنا جعل الْوُقُوع فِي نَار الدُّنْيَا أولى من الْكفْر الَّذِي أنقذه الله بِالْخرُوجِ مِنْهُ من نَار الْأُخْرَى، وَكَذَا رَوَاهُ مُسلم من هَذَا الْوَجْه، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم: (من كَانَ أَن يلقى فِي النَّار أحب إِلَيْهِ من أَن يرجع يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا فِي رِوَايَة أُخْرَى: (ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الْإِيمَان وطعمه: أَن يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا، وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله، وَأَن يُوقد نَار عَظِيمَة فَيَقَع فِيهَا أحب إِلَيْهِ من أَن يُشْرك بِاللَّه شَيْئا) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) الْحَلَاوَة مصدر: حلا الشَّيْء يحلو، وَهُوَ نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشَّيْء: جعلته حلواً، وأحليته أَيْضا: وجدته حلواً وحاليته أَي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يُقَال: خُذ الْحَلْوَى وأعطه المرى، وتحالت الْمَرْأَة: إِذا أظهرت حلاوة وعجباً. وَأما حلوت فلَانا على كَذَا مَالا، فَأَنا أحلوه حلواً وحلواناً، فَمَعْنَاه: وهبت لَهُ شَيْئا على شَيْء يَفْعَله لَك غير الْأُجْرَة، وَأما: حليت الْمَرْأَة أحليها حليا، وحلوتها فمعناها: جلعت لَهَا حليًّا، وَيُقَال: حلي فلَان بعيني بِالْكَسْرِ، وَفِي عَيْني، وبصدري أَو فِي صَدْرِي: يحلى حلاوة إِذا أعْجبك، قَالَ الراجز:

(إِن سِرَاجًا لكريم مفخرة ... تحلى بِهِ الْعين إِذا مَا تجهره)

وَهَذَا من المقلوب، وَالْمعْنَى: يحلى بِالْعينِ، وَكَذَلِكَ حلا فلَان يَعْنِي وَفِي عَيْني: يحلو حلاوة. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حلى فِي عَيْني بِالْكَسْرِ، وحلا فِي فمي بِالْفَتْح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشَّيْء فِي عين صَاحبه، وحليت الطَّعَام: جعلته حلواً، والحلواء الَّتِي تُؤْكَل تمد وتقصر. وَأما معنى: الحلوة، فِي الحَدِيث. فَقَالَ التَّيْمِيّ: حسنه، وَقَالَ النَّوَوِيّ: معنى حلاوة الْإِيمَان استلذاذ

الطَّاعَات، وَتحمل المشاق فِي الدّين، وإيثار ذَلِك على أَعْرَاض الدُّنْيَا ومحبة العَبْد الله تَعَالَى بِفعل طَاعَته وَترك مُخَالفَته، وَكَذَلِكَ محبَّة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: تَفْسِير التَّيْمِيّ: من الْحَلَاوَة الَّتِي بَابهَا من حلى فلَان بعيني حلاوة، إِذا حسن، وَتَفْسِير النَّوَوِيّ: من حلا الشَّيْء يحلو حلواً وحلاوة، وَهُوَ نقيض المر، وَلكُل مِنْهُمَا وَجه وَالْأَظْهَر الثَّانِي على مَا لَا يخفى. قَوْله: (يكره) من: كرهت الشَّيْء أكرهه كَرَاهَة وكراهية، فَهُوَ شَيْء كريه ومكروه، وَمَعْنَاهُ: عدم الرضى. قَوْله: (أَن يقذف) من الْقَذْف بِمَعْنى: الرَّمْي، وَقَالَ الصغاني: التَّرْكِيب يدل على الرَّمْي والطرح، وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ: الرَّمْي بهَا، وَقذف المحصنة قذفا أَي: رَمَاهَا. وَيُقَال: هم بَين خاذف وقاذف، فالخاذف بالحصى والقاذف بِالْحِجَارَةِ.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (ثَلَاث) مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ. فَإِن قلت: هُوَ نكرَة كَيفَ يَقع مُبْتَدأ؟ قلت: النكرَة تقع مُبتَدأَة بالمسوغ، وَهَهُنَا ثَلَاثَة وُجُوه. الأول: أَن يكون التَّنْوِين فِي ثَلَاث عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، تَقْدِيره: ثَلَاث خِصَال، فحينئذٍ يقرب من الْمعرفَة. الثَّانِي: أَن يكون هَذَا صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، والموصوف هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْحَقِيقَة، فَلَمَّا حذف قَامَت الصّفة مقَامه. الثَّالِث: يجوز أَن يكون ثَلَاث مَوْصُوفا بِالْجُمْلَةِ الشّرطِيَّة الَّتِي بعده، وَالْخَبَر على هَذَا الْوَجْه هُوَ قَوْله: (أَن يكون) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: كَون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين الْخَبَر هُوَ الْجُمْلَة الشّرطِيَّة، لِأَن قَوْله: من مُبْتَدأ مَوْصُول يتَضَمَّن معنى الشَّرْط، وَقَوله: كن فِيهِ، جملَة صلته. وَقَوله: وجد، خَبره. وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. فَإِن قلت: الْجُمْلَة إِذا وَقعت خَبرا فَلَا بُد من ضمير فِيهَا يعود إِلَى الْمُبْتَدَأ، لِأَن الْجُمْلَة مُسْتَقلَّة بذاتها فَلَا يربطها بِمَا قبلهَا إلَاّ الضَّمِير، وَلَيْسَ هَهُنَا ضمير يعود إِلَيْهِ، وَالضَّمِير فِي فِيهِ يرجع إِلَى: من، لَا إِلَى ثَلَاث؟ قلت: الْعَائِد هَهُنَا مَحْذُوف تَقْدِيره: ثَلَاث من كن فِيهِ مِنْهَا وجد حلاوة الْإِيمَان، كَمَا فِي قَوْلك: الْبر الكربستين أَي: مِنْهُ، وَقَالَ ابْن يعِيش فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلمن صَبر وَغفر إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} (الشورى: ٤٣) إِن من مُبْتَدأ، وصلته صَبر، وَخَبره: إِن الْمَكْسُورَة مَعَ مَا بعْدهَا، والعائد مَحْذُوف تَقْدِيره: إِن ذَلِك مِنْهُ. فَإِن قلت: إِذا جعلت الْجُمْلَة خَبرا، فَمَا يكون إِعْرَاب قَوْله: (أَن يكون الله) ؟ قلت: يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَدَلا من ثَلَاث، وَالْآخر: أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: أحد الَّذين فيهم الْخِصَال الثَّلَاث أَن يكون الله ... الخ. قَوْله: (وجد) بِمَعْنى أصَاب، فَلذَلِك اكْتفى بمفعول وَاحِد، وَهُوَ قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) . قَوْله: (وَرَسُوله) : بِالرَّفْع عطف على لَفْظَة: الله، الَّذِي هُوَ اسْم يكون، قَوْله: (أحب) بِالنّصب لِأَنَّهُ خبر يكون. فَإِن قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يثني: أحب، حَتَّى يُطَابق اسْم كَانَ، وَهُوَ اثْنَان. قلت: أفعل التَّفْضِيل إِذا اسْتعْمل: بِمن، فَهُوَ مُفْرد مُذَكّر لَا غير فَلَا يحْتَاج إِلَى الْمُطَابقَة. فَإِن قلت: أفعل التَّفْضِيل مَعَ: من، كالمضاف والمضاف إِلَيْهِ، فَلَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. قلت: أُجِيز ذَلِك بالظرف للاتساع. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء) عطف على أَن يكون الله. قَوْله: (يحب) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَهُوَ الضَّمِير فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى: من وَقَوله: (الْمَرْء) بِالنّصب مَفْعُوله. قَوْله: (لَا يُحِبهُ إلَاّ لله) جملَة وَقعت حَالا بِدُونِ الْوَاو، وَقد علم أَن الْفِعْل الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفياً يجوز فِيهِ الْوَاو وَتَركه، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. قَوْله: (وَأَن يكره) عطف على: أَن يحب، قَوْله: (أَن يعود) جملَة فِي مَحل النصب على أَنَّهَا مفعول لقَوْله: يكره، وَأَن يكره: وَأَن مَصْدَرِيَّة تَقْدِيره: وَأَن يكره الْعود. فَإِن قلت: الْمَشْهُور أَن يُقَال: عَاد إِلَيْهِ، معدى بإلى لَا بفي. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: قد ضمن فِيهِ معنى الِاسْتِقْرَار، كَأَنَّهُ قَالَ: أَن يعود مُسْتَقرًّا فِيهِ، وَهَذَا تعسف، وَإِنَّمَا: فِي هَذَا بِمَعْنى: إِلَى، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَو لتعودن فِي ملتنا} (الْأَعْرَاف: ٢٨٨) أَي: تصيرن إِلَى ملتنا. قَوْله: (كَمَا يكره) : الْكَاف للتشبيه بِمَعْنى: مثل، و: مَا، مَصْدَرِيَّة، أَي: مثل كرهه. قَوْله: (أَن يقذف) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ مفعول: يكره، وَأَن مَصْدَرِيَّة أَي: الْقَذْف، وَهُوَ على صِيغَة الْمَجْهُول. فَافْهَم.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا حَدِيث عَظِيم، أصل من أصُول الْإِسْلَام، قلت: كَيفَ لَا، وَفِيه محبَّة الله وَرَسُوله الَّتِي هِيَ أصل الْإِيمَان بل عينه، وَلَا تصح محبَّة الله وَرَسُوله حَقِيقَة، وَلَا حب لغير الله وَلَا كَرَاهَة الرُّجُوع فِي الْكفْر إلَاّ لمن قوي الْإِيمَان فِي نَفسه وانشرح لَهُ صَدره وخالطه دَمه ولحمه، وَهَذَا هُوَ الَّذِي وجد حلاوته، وَالْحب فِي الله من ثَمَرَات الْحبّ لله. وَقَالَ ابْن بطال: محبَّة العَبْد لخالقه الْتِزَام طَاعَته، والانتهاء عَمَّا نهى عَنهُ، ومحبة الرَّسُول كَذَلِك، وَهِي الْتِزَام

شَرِيعَته. وَقَالَ بَعضهم: الْمحبَّة مواطأة الْقلب على مَا يُرْضِي الرب سُبْحَانَهُ، فيحب مَا أحبَّ وَيكرهُ مَا يكره. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَمعنى حب الله الاسْتقَامَة فِي طَاعَته، والتزام أوامره ونواهيه فِي كل شَيْء. وَالْمرَاد ثَمَرَات الْمحبَّة، فَإِن أصل الْمحبَّة الْميل لما يُوَافق المحبوب، وَالله سُبْحَانَهُ منزه أَن يمِيل أَو يمال إِلَيْهِ، وَأما محبَّة الرَّسُول فَيصح فِيهَا الْميل، إِذْ ميل الْإِنْسَان لما يُوَافقهُ إِمَّا للاستحسان كالصورة الجميلة والمطاعم الشهية وشبههما، أَو لما يستلذه بعقله من الْمعَانِي والأخلاق كمحبة الصَّالِحين وَالْعُلَمَاء وَإِن لم يكن فِي زمانهم، أَو لمن يحسن إِلَيْهِ وَيدْفَع الْمضرَّة عَنهُ، وَهَذِه الْمعَانِي كلهَا مَوْجُودَة فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من كَمَال الظَّاهِر وَالْبَاطِن، وَجمعه الْفَضَائِل وإحسانه إِلَى جَمِيع الْمُسلمين بهدايته إيَّاهُم وإبعادهم عَن الْجَحِيم. قَوْله: (وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ إِلَّا لله) هَذَا حث على التحاب فِي الله، لأجل أَن الله جعل الْمُؤمنِينَ أخوة قَالَ الله تَعَالَى: {فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا} (آل عمرَان: ١٠٣) وَمن محبته ومحبة رَسُوله محبَّة أهل مِلَّته، فَلَا تحصل حلاوة الْإِيمَان إلَاّ أَن تكون خَالِصَة لله تَعَالَى، غير مشوبة بالأغراض الدُّنْيَوِيَّة وَلَا الحظوظ البشرية، فَإِن من أحب لذَلِك انْقَطَعت تِلْكَ الْمحبَّة عِنْد انْقِطَاع سَببهَا، قَوْله: (وَأَن يكره) إِلَى آخِره. مَعْنَاهُ أَن هَذِه الْكَرَاهَة إِنَّمَا تُوجد عِنْد وجود سَببهَا، وَهُوَ مَا دخل قلبه من نور الْإِيمَان، وَمن كشف لَهُ عَن محَاسِن الْإِسْلَام وقبح الجهالات والكفران، وَقيل: الْمَعْنى أَن من وجد حلاوة الْإِيمَان وَعلم أَن الْكَافِر فِي النَّار يكره الْكفْر لكراهته لدُخُول النَّار. قلت: وَقَائِل هَذَا الْمَعْنى حَافظ على بَقَاء لفظ الْعود على مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ، وَمَعْنَاهُ هُنَا معنى الصيرورة، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا} (الْأَعْرَاف: ٨٩) .

(بَيَان الْبَيَان) قَوْله: (حلاوة الْإِيمَان) فِيهِ اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ، وَذَلِكَ لِأَن الْحَلَاوَة إِنَّمَا تكون فِي المطعومات، وَالْإِيمَان لَيْسَ مطعوماً، فَظهر أَن هَذَا مجَاز، لِأَنَّهُ شبه الْإِيمَان بِنَحْوِ الْعَسَل، ثمَّ طوى ذكر الْمُشبه بِهِ، لِأَن الِاسْتِعَارَة هِيَ أَن يذكر أحد طرفِي التَّشْبِيه مُدعيًا دُخُول الْمُشبه فِي جنس الْمُشبه بِهِ، فالمشبه: إِيمَان، والمشبه بِهِ: عسل وَنَحْوه، والجهة الجامعة وَهُوَ وَجه الشّبَه الَّذِي بَينهمَا: هُوَ الالتذاذ وميل الْقلب إِلَيْهِ فَهَذِهِ هِيَ الإستعارة بِالْكِنَايَةِ، ثمَّ لما ذكر الْمُشبه أضَاف إِلَيْهِ مَا هُوَ من خَواص الْمُشبه بِهِ ولوازمه، وَهُوَ: الْحَلَاوَة على سَبِيل التخيل، وَهِي اسْتِعَارَة تخييلية، وترشيح للاستعارة. قَوْله: (كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار) تَشْبِيه وَلَيْسَ باستعارة، لِأَن الطَّرفَيْنِ مذكوران. فالمشبه هُوَ: العَوْد فِي الْكفْر، والمشبه بِهِ وَهُوَ: الْقَذْف فِي النَّار، وَوجه الشّبَه هُوَ: وجدان الْأَلَم وَكَرَاهَة الْقلب إِيَّاه.

(الأسئلة والأجوبة) : مِنْهَا: مَا قيل: مَا الْحِكْمَة فِي كَون حلاوة الْإِيمَان فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؟ وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة هِيَ عنوان كَمَال الْإِيمَان المحصل لتِلْك الذة، لِأَنَّهُ لَا يتم إِيمَان امرىء حَتَّى يتَمَكَّن فِي نَفسه أَن الْمُنعم بِالذَّاتِ هُوَ الله، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا مانح وَلَا مَانع سواهُ، وَمَا عداهُ، تَعَالَى وسائط لَيْسَ لَهَا فِي ذَاتهَا إِضْرَار وَلَا انفاع، وَأَن الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هُوَ العطوف السَّاعِي فِي صَلَاح شَأْنه، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يتَوَجَّه بكليته نَحوه، وَلَا يحب مَا يُحِبهُ إلَاّ لكَونه وسطا بَينه وَبَينه، وَأَن يتَيَقَّن أَن جملَة مَا أوعد ووعد حق تَيَقنا يخيل إِلَيْهِ الْمَوْعُود كالواقع، والاشتغال بِمَا يؤول إِلَى الشَّيْء مُلَابسَة بِهِ، فيحسب مجَالِس الذّكر رياض الْجنَّة، وَأكل مَال الْيَتِيم أكل النَّار، وَالْعود إِلَى الْكفْر إِلْقَاء فِي النَّار. وَمِنْهَا مَا قيل: لم عبر عَن هَذِه الْحَالة بالحلاوة؟ وَأجِيب: لِأَنَّهَا أظهر اللَّذَّات المحسوسة، وَإِن كَانَ لَا نِسْبَة بَين هَذِه اللَّذَّة وَاللَّذَّات الحسية. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيل: مِمَّا سواهُمَا، وَلم يقل: مِمَّن سواهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن: مَا، أَعم بِخِلَاف: من فَإِنَّهَا للعقلاء فَقَط. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ قَالَ: سواهُمَا، بإشراك الضَّمِير بَينه وَبَين الله عز وَجل، وَالْحَال أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنكر على من فعل ذَلِك وَهُوَ الْخَطِيب الَّذِي قَالَ: وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ: (بئس الْخَطِيب أَنْت) ؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَيْسَ من هَذَا، لِأَن المُرَاد فِي الْخطب الْإِيضَاح، وَأما هُنَا فَالْمُرَاد الإيجاز فِي اللَّفْظ ليحفظ، وَمَا يدل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي سنَن أبي دَاوُد: (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَلَا يضر إلَاّ نَفسه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: وَأما تَثْنِيَة الضَّمِير هَهُنَا فللإيماء يماء على أَن الْمُعْتَبر، هُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من المحبتين لَا كل وَاحِدَة، فَإِنَّهَا وَحدهَا ضائعة لاغية وَأمر بِالْإِفْرَادِ فِي حَدِيث الْخَطِيب، إشعاراً بِأَن كل وَاحِد من العصيانين مُسْتَقل باستلزامه الغواية، إِذْ الْعَطف فِي تَقْرِير التكرير، وَالْأَصْل اسْتِقْلَال كل من المعطوفين فِي الحكم. وَقَالَ الأصوليون: أَمر بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ أَشد تَعْظِيمًا، وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك، وَيُقَال إِنَّه من الخصائص فَيمْتَنع من غير النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يمْتَنع مِنْهُ، لِأَن غَيره إِذا جمع أوهم

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد