«الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩

الحديث رقم ٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أمور الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من…

«الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ».

بَابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

سند حديث: ٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ…

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من…

يُخبرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الإيمانَ شُعَبٌ وخِصَالٌ كثيرة، تشتمل على أعمالٍ واعتقاداتٍ وأقوالٍ.

وأنَّ أعلى خِصال الإيمان وأفضلَها قول: «لا إله إلا الله»، عالمًا بمعناها، عاملًا بمقتضاها، مِن أنّ الله هو الإله الواحد الأحد المستحق للعبادة وحده دون ما سواه.

وأن أقلَّ أعمال الإيمان هو تَنْحِيَةُ كلِّ ما يؤذي الناسَ في طرقاتِهم.

ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ الحياءَ مِن خِصال الإيمان، وهو خُلُقٌ يبعث على فعل الجميل وترك القبيح.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الإيمان مراتب بعضها أفضل من بعض.
  • الإيمان قول وعمل واعتقاد.
  • الحياء من الله تعالى يقتضي: ألّا يراكَ حيث نهاك، وألّا يَفْقِدَكَ حيث أمرك.
  • ذِكْرُ العدد لا يعني الاقتصار عليه، بل يدلُّ على كثرة أعمال الإيمان، فإن العرب قد تذكر للشيء عددًا ولا تريد نفي ما سواه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْبَابِ تَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَتَلَا عَلَيْهِ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إِلَى آخِرِهَا، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يَسُقْهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآيَةَ حَصَرَتِ التَّقْوَى عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَالْمُرَادُ الْمُتَّقُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ. فَإِذَا فَعَلُوا وَتَرَكُوا فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُونَ. وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَالَ مَعَ انْضِمَامِهَا إِلَى التَّصْدِيقِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْبِرِّ كَمَا هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْمَتْنِ ذِكْرُ التَّصْدِيقِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَالْمُصَنِّفُ يُكْثِرُ الِاسْتِدْلَالَ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَتْنُ الَّذِي يَذْكُرُ أَصْلَهُ وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا.

قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ذَكَرَهُ بِلَا أَدَاةِ عَطْفٍ، وَالْحَذْفُ جَائِزٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَثَبَتَ الْمَحْذُوفُ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ الْمُتَّقُونَ، أَيِ: الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَكَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ أَشَارَ إِلَى إِمْكَانِ عَدِّ الشُّعَبِ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَشِبْهِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ عَدَّ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَحَذَفَ الْمُكَرَّرَ فَبَلَغَتْ سَبْعًا وَسَبْعِينَ (١).

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَذَا أَوَّلُ حَدِيثٍ وَقَعَ ذِكْرُهُ فِيهِ. وَمَجْمُوعُ مَا أَخْرَجَهُ لَهُ الْبُخَارِيُّ مِنَ الْمُتُونِ الْمُسْتَقِلَّةِ أَرْبَعُمِائَةُ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَلَى التَّحْرِيرِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي اسْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عِشْرِينَ قَوْلًا. قُلْتُ: وَسَرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَبْلُغُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا. قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي تَرْجَمَتِهِ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فَلَمْ تَبْلُغْ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِهِ وَفِي اسْمِ أَبِيهِ مَعًا.

قَوْلُهُ: (بِضْعٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ لُغَةً، وَهُوَ عَدَدٌ مُبْهَمٌ مُقَيَّدٌ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَزَّازُ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِلَى الْعَشْرِ. وَقِيلَ: مِنْ وَاحِدٍ إِلَى تِسْعَةٍ. وَقِيلَ: مِنِ اثْنَيْنِ إِلَى عَشَرَةٍ. وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ. وَعَنِ الْخَلِيلِ: الْبِضْعُ السَّبْعُ. وَيُرَجِّحُ مَا قَالَهُ الْقَزَّازُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مَرْفُوعًا، وَنَقَلَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ، فَإِذَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ امْتَنَعَ. قَالَ: وَأَجَازَهُ أَبُو زَيْدٍ فَقَالَ: يُقَالُ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا وَبِضْعٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِالْعَشَرَاتِ إِلَى التِّسْعِينَ، وَلَا يُقَالُ: بِضْعٌ وَمِائَةٌ وَلَا بِضْعٌ وَأَلْفٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضْعَةٌ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَسِتُّونَ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنْ أَبِي عَامِرٍ شَيْخِ شَيْخِ الْمُؤَلِّفِ فِي ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَقَالَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، وَكَذَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ

مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالُوا: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقٍ سِتٌّ وَسَبْعُونَ أَوْ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَشُكَّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ فَتَرَدَّدَ أَيْضًا لَكِنْ يُرَجَّحُ بِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ فَمَعْلُولَةٌ، وَعَلَى صِحَّتِهَا لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ، وَتَرْجِيحُ رِوَايَةِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ لِكَوْنِهَا زِيَادَةَ ثِقَةٍ - كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ ثُمَّ عِيَاضٌ - لَا يَسْتَقِيمُ، إِذِ الَّذِي زَادَهَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْجَزْمِ بِهَا، لَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ شُفُوفَ نَظَرِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْأَقَلَّ لِكَوْنِهِ الْمُتَيَقَّنَ.

قَوْلُهُ: (شُعْبَةٌ) بِالضَّمِّ أَيْ قِطْعَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُصْلَةُ أَوِ الْجُزْءُ.

قَوْلُهُ: (وَالْحَيَاءُ) هُوَ بِالْمَدِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ تَرْكِ الشَّيْءِ بِسَبَبٍ، وَالتَّرْكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَيَاءُ مِنَ الْغَرَائِزِ فَكَيْفَ جُعِلَ شُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً وَقَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ لِهَذَا، وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَحَاجِزًا عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُقَالُ: رُبَّ حَيَاءٍ يَمْنَعُ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ أَوْ فِعْلِ الْخَيْرِ ; لِأَنَّ ذَاكَ لَيْسَ شَرْعِيًّا، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ هُنَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَالدَّاعِي إِلَى بَاقِي الشُّعَبِ، إِذِ الْحَيُّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَأْتَمِرُ وَيَنْزَجِرُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْحَيَاءِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: تَكَلَّفَ جَمَاعَةٌ حَصْرَ هَذِهِ الشُّعَبِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَفِي الْحُكْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادَ صُعُوبَةً، وَلَا يَقْدَحُ عَدَمُ مَعْرِفَةِ حَصْرِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الْإِيمَانِ. اهـ.

وَلَمْ يَتَّفِقْ مَنْ عَدَّ الشُّعَبَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ طَرِيقَةُ ابْنِ حِبَّانَ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى بَيَانِهَا مِنْ كَلَامِهِ، وَقَدْ لَخَّصْتُ مِمَّا أَوْرَدُوهُ مَا أَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ تَتَفَرَّعُ عَنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، وَأَعْمَالِ اللِّسَانِ، وَأَعْمَالِ الْبَدَنِ. فَأَعْمَالُ الْقَلْبِ فِيهِ الْمُعْتَقَدَاتُ وَالنِّيَّاتُ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَصْلَةً: الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَاعْتِقَادُ حُدُوثِ مَا دُونَهُ. وَالْإِيمَانِ بِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ، وَالْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَمَحَبَّةِ اللَّهِ. وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ، وَاعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، وَالتَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالشُّكْرُ، وَالْوَفَاءُ، وَالصَّبْرُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَتَرْكُ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَتَرْكُ الْحَسَدِ، وَتَرْكُ الْحِقْدِ، وَتَرْكُ الْغَضَبِ.

وَأَعْمَالُ اللِّسَانِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعِ خِصَالٍ: التَّلَفُّظِ بِالتَّوْحِيدِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَالدُّعَاءِ، وَالذِّكْرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ، وَاجْتِنَابُ اللَّغْوِ.

وَأَعْمَالُ الْبَدَنِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ خُصْلَةٍ، مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْيَانِ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةٍ: التَّطْهِيرُ حِسًّا وَحُكْمًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ اجْتِنَابُ النَّجَاسَاتِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالصَّلَاةُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ، وَفَكُّ الرِّقَابِ، وَالْجُودُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالصِّيَامُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ كَذَلِكَ، وَالطَّوَافُ، وَالِاعْتِكَافُ، وَالْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْفِرَارُ بِالدِّينِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ، وَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْإِيمَانِ، وَأَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ الِاتِّبَاعِ، وَهِيَ سِتُّ خِصَالٍ: التَّعَفُّفُ بِالنِّكَاحِ، وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْعِيَالِ ; وَبِرُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ … » إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ «﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾».

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى فقال: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) أي: فاز (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١]) بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وفي رواية الأَصيليِّ: «وَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: «وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» قلت: وفيهما ردٌّ لِما قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير (١)، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه.

٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ

المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: «الجعفيُّ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (العَقَدِيُّ) بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِيْنَارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) تصغير هِرَّةٍ؛ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ ، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه فَأَكْثَرَ، ذكر بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةً وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع» (عَنِ النَّبِيِّ )

أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك. انتهى. ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بضعةٌ» (وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة (١) بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكِرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكِرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش فرع «اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: «بضعٌ» يعني: بإسقاط الهاء، وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي (٢) صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ

وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون» لكونها زيادة ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ (١)، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد لم يُبهِم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل كتاب «شُعَب الإيمان».

(وَالحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ) و (مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله : «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على

الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه -كما قال الخطَّابيُّ-: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك (١) الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ -كما مرَّ في اللُّغة- التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان» كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [لقمان: ٨] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذِه وَإِنَّمَا هَذِه الْأَشْيَاء مَبْنِيَّة على الْإِسْلَام لِأَن الرجل مَا لم يشْهد لَا يُخَاطب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة وَلَو قَالَهَا فَإنَّا نحكم فِي الْوَقْت بِإِسْلَامِهِ ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة المبنية على الْإِسْلَام حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ بَيَان أَن الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ووجودها مَعَه جعله مَبْنِيا عَلَيْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنى سوى بَينهَا وَبَين الشَّهَادَة وَإِن كَانَت هِيَ الْإِسْلَام بِعَيْنِه وَقَالَ الْكرْمَانِي حَاصِل كَلَامه أَن الْمَقْصُود من الحَدِيث بَيَان كَمَال الْإِسْلَام وَتَمَامه فَلذَلِك ذكر هَذِه الْأُمُور مَعَ الشَّهَادَة لَا نفس الْإِسْلَام وَهُوَ حسن لَكِن قَوْله ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه لَيْسَ من الْبَحْث إِذْ الْبَحْث فِي فعل هَذِه الْأُمُور وَتركهَا لَا فِي إنكارها وَكَيف وإنكار كل حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام مُوجب للكفر فَلَا معنى للتخصيص بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة قلت اسْتِدْرَاك الْكرْمَانِي لَا وَجه لَهُ فَافْهَم السَّادِس مَا قيل لم لم يذكر الْإِيمَان بالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أُجِيب بِأَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ فيستلزم جَمِيع مَا ذكر من المعتقدات السَّابِع مَا قيل لم لم يذكر فِيهِ الْجِهَاد أُجِيب بِأَنَّهُ لم يكن فرض وَقيل لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَتلك فَرَائض الْأَعْيَان قَالَ الدَّاودِيّ لما فتحت مَكَّة سقط فرض الْجِهَاد على من يعد من الْكفَّار وَهُوَ فرض على من يليهم وَكَانَ أَولا فرضا على الْأَعْيَان وَقيل هُوَ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّوْري وَابْن شبْرمَة إِلَّا أَن ينزل الْعَدو فيأمر الإِمَام بِالْجِهَادِ وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر مَا حملك على أَن تحج عَاما وتعتمر عَاما وتترك الْجِهَاد وَفِي بَعْضهَا فِي أَوله أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر أَلا نغزو قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى فرضيته إِمَّا مُطلقًا كَمَا نقل عَنهُ أَو فِي ذَلِك الْوَقْت وَجَاء هُنَا بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَجَاء فِي بعض طرقه على أَن يوحد الله وَفِي أُخْرَى على أَن يعبد الله وَيكفر بِمَا دونه بدل الشَّهَادَة قَالَ بَعضهم جَاءَت الأولى على نقل اللَّفْظ وَمَا عَداهَا على الْمَعْنى وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من الْعَالم بمواقع الْأَلْفَاظ وتركيبها وَأما من لَا يعرف ذَلِك فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِ وَجَاء هَهُنَا وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج وَفِي طَرِيقين لمُسلم وَفِي بعض الطّرق بِتَقْدِيم رَمَضَان وَفِي بَعْضهَا فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان وَقَالَ ابْن عمر لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاخْتلف النَّاس فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات فَقَالَ الْمَازرِيّ تحمل مشاحة ابْن عمر على أَنه كَانَ لَا يرى رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَإِن أَدَّاهُ بِلَفْظ يحْتَمل أَو كَانَ يرى الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَتجب الْمُحَافظَة على اللَّفْظ لِأَنَّهُ قد تتَعَلَّق بِهِ أَحْكَام وَقيل أَن ابْن عمر رَوَاهُ على الْأَمريْنِ وَلكنه لما رد عَلَيْهِ الرجل قَالَ لَا ترد على مَا لَا علم لَك بِهِ كَمَا رَوَاهُ فِي أَحدهمَا وَقيل يحْتَمل أَنه كَانَ نَاسِيا لِلْأُخْرَى عِنْد الْإِنْكَار وَمِنْهُم من قَالَ الصَّوَاب تَقْدِيم الصَّوْم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى وهم لإنكار ابْن عمر وزجره عِنْد ذكرهَا واستضعف هَذَا بِأَنَّهُ يجر إِلَى توهين الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وطر وَاحْتِمَال الْفساد عِنْد فَتحه لأَنا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لارتفع الوثوق بِكَثِير من الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل وَلِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيح وَلَا تنَافِي بَينهمَا كَمَا تقدم من جَوَاز رِوَايَة الْأَمريْنِ قَالَ القَاضِي وَقد يكون رد ابْن عمر الرجل إِلَى تَقْدِيم رَمَضَان لِأَن وجوب صَوْم رَمَضَان نزل فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفريضة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل تسع بِالْمُثَنَّاةِ فجَاء لفظ ابْن عمر على نسقها فِي التَّارِيخ وَالله أعلم وَقَالَ ابْن صَلَاح مُحَافظَة ابْن عمر على مَا سَمعه حجَّة لمن قَالَ بترتيب الْوَاو قلت لِلْجُمْهُورِ أَن يجيبوا عَن ذَلِك بِأَن تَقْدِيم الصَّوْم لتقدم زَمَنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله واستضعف هَذَا إِلَى آخِره نظر وَقد وَقع فِي رِوَايَة ابْني عوَانَة فِي مستخرجه على مُسلم عكس مَا وَقع فِي الصَّحِيح وَهُوَ أَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت وَأجَاب عَنهُ ابْن صَلَاح بقوله لَا تقاوم هَذِه رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ بِأَن الْقَضِيَّة لِرجلَيْنِ فَإِن قلت مَا تَقول فِي الرِّوَايَة الَّتِي اقتصرت على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ قلت إِمَّا اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى لدلالتها عَلَيْهَا وَإِمَّا لتقصير من الرَّاوِي فَزَاد عَلَيْهِ غَيره فَقبلت زِيَادَته فَافْهَم وَالرجل الْمَرْدُود عَلَيْهِ تَقْدِيمه الْحَج اسْمه يزِيد بن بشر السكْسكِي ذكره الْخَطِيب فِي الْأَسْمَاء المبهمة لَهُ

٣ - (بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ)

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنّ

َ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيينَ وَآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقَامَ الصَّلَاةَ وأتَى الزَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابرينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الذَينَ صَدَقُوا وأُولَئكَ هُمُ المتَّقُونَ} (الْبَقَرَة: ١٧٧) {قَدْ أفْلَحَ المؤمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الآيَةَ.

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الْإِيمَان، فَيكون ارْتِفَاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالْمرَاد بالأمور هِيَ: الْإِيمَان، لِأَن الْأَعْمَال عِنْده هِيَ: الْإِيمَان، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بَاب الْأُمُور الَّتِي للْإيمَان فِي تَحْقِيق حَقِيقَته وتكميل ذَاته، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة بِمَعْنى: اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب أَمر الْإِيمَان، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس؛ وَقَالَ ابْن بطال: التَّصْدِيق أول منَازِل الْإِيمَان، والاستكمال إِنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْأُمُور. وَأَرَادَ البُخَارِيّ الاستكمال، وَلِهَذَا بوب أبوابه عَلَيْهِ فَقَالَ: بَاب أُمُور الْإِيمَان؛ و: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، و: بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان، و: بَاب الزَّكَاة من الْإِيمَان. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا الرَّد على المرجئة الْقَائِلين، بِأَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف النَّاس فِيمَن عصى الله من أهل الشَّهَادَتَيْنِ: فَقَالَت المرجئة: لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان، وَقَالَت الْخَوَارِج: تضره بهَا وَيكفر بهَا، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يخلد بهَا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَا كَافِر، لَكِن يُوصف بِأَنَّهُ فَاسق: وَقَالَت الأشعرية: بل هُوَ مُؤمن وَأَن عذب، وَلَا بُد من دُخُوله الْجنَّة. قَوْله: (وَقَول الله عز وَجل) بِالْجَرِّ عطف على الْأُمُور. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة والتبويب؟ قلت: لِأَن الْآيَة حصرت الْمُتَّقِينَ على أَصْحَاب هَذِه الصِّفَات والأعمال، فَعلم مِنْهَا أَن الْإِيمَان الَّذِي بِهِ الْفَلاح والنجاة الْإِيمَان الَّذِي فِيهِ هَذِه الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة، وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت إِيمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١ ٧) وَذكر الْأُخْرَى فِي كتاب الشَّرِيعَة من حَدِيث المَسْعُودِيّ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ: {لَيْسَ بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: ١٧٧)) الْآيَة. فَقَالَ الرجل: لَيْسَ عَن الْبر سَأَلتك، فَقَالَ أَبُو ذَر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلتنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأت عَلَيْك، فَأبى أَن يرضى كَمَا أَبيت أَن ترْضى، فَقَالَ: ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ الْمُؤمن الَّذِي يعْمل حَسَنَة فتسره، ويرجو ثَوَابهَا، وَإِن عمل سَيِّئَة تسؤوه وَيخَاف عَاقبَتهَا. قَوْله: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) أَي: لَيْسَ الْبر كه أَن تصلوا وَلَا تعملوا غير ذَلِك. {وَلَكِن الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بر {من آمن بِاللَّه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْآيَة كَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ الزّجاج: وَلَكِن ذَا الْبر، فَحذف الْمُضَاف كَقَوْلِه {هم دَرَجَات عِنْد الله} (آل عمرَان: ١٦٣) أَي: ذَوُو دَرَجَات، وَمَا قدره سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْبر، فَيكون هُوَ الْمُسْتَدْرك من جنسه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله: البراسم للخير، وَلكُل فعل مرضِي وَفِي (الغريبين) الْبر: الاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ. وَقَالَ السّديّ: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تتفقوا} (آل عمرَان: ٩٢) يَعْنِي: الْجنَّة وَالْبر: أَيْضا: الصِّلَة وَهُوَ اسْم جَامع للخير كُله، وَفِي (الْجَامِع) و (الْجَمْرَة) : الْبر ضد العقوق، وَفِي (مثلث) ابْن السَّيِّد: الْإِكْرَام، كَذَا نَقله عَنهُ فِي (الواعي) : وَذكر ابْن عديس عَنهُ: الْبر، بِالْكَسْرِ: الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الخطابُ لأهل الْكتاب، لِأَن الْيَهُود تصلي قبل الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالنَّصَارَى قبل الْمشرق، وَذَلِكَ أَنهم أَكْثرُوا الْخَوْض فِي أَمر الْقبْلَة حِين تحول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة، وَزعم كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن الْبر التَّوَجُّه، إِلَى قبلته، فَرد عَلَيْهِم وَقَرَأَ: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بِالنّصب على أَنه خبر مقدم، وَقَرَأَ عبد الله: {بِأَن توَلّوا} على إِدْخَال الْبَاء على الْخَبَر للتَّأْكِيد. وَعَن الْمبرد: لَو كنت مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن لقرأت: {وَلَكِن الْبر} بِفَتْح الْبَاء، وقرىء وَلَكِن الْبَار، وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع: وَلَكِن الْبر، بِالتَّخْفِيفِ {وَالْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) جنس كتاب الله تَعَالَى، أَو الْقُرْآن: {على حبه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) مَعَ حب المَال وَالشح بِهِ، وَقيل: على حب الله، وَقيل: على حب الإيتاء، وَقدم ذَوي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ أَحَق، وَالْمرَاد: الْفُقَرَاء مِنْهُم لعدم الالتباس: {والمسكين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الدَّائِم السّكُون إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهُ كالمسكير: الدَّائِم السكر. {وَابْن السَّبِيل} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْمُسَافِر الْمُنْقَطع، وَجعل ابْنا للسبيل لملازمته لَهُ، كَمَا يُقَال: للص الْقَاطِع: ابْن الطَّرِيق، وَقيل: هُوَ الضَّيْف لِأَن السَّبِيل ترعف بِهِ {والسائلين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) المستطعمين. {وَفِي الرّقاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) وَفِي معاونة المكاتبين حَتَّى يفكوا رقابهم، وَقيل: فِي ابتياع الرّقاب وإعتاقها، وَقيل: فِي فك الْأُسَارَى والموفون

عطف على من: آمن، وَأخرج الصابرين مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص والمدح إِظْهَارًا لفضل الصَّبْر فِي الشدائد، ومواطن الْقِتَال على سَائِر الْأَعْمَال، وقرىء: والصابرون، وقرىء: والموفين وَالصَّابِرِينَ {والبأساء} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْفقر والشدة وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض والزمانة قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الْآيَة: هَذِه آيَة أُخْرَى، ذكر الْآيَتَيْنِ لاشتمالهما على أُمُور الْإِيمَان، وَالْبَاب مبوب عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لم يقل: وَقَول الله عز وَجل {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) كَمَا قَالَ فِي أول الْآيَة الأولى، وَقَول الله عز وَجل: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الخ لعدم الالتباس فِي ذَلِك، وَاكْتفى أَيْضا بِذكرِهِ فِي الأولى، وَقَالَ بَعضهم: ذكره بِلَا أَدَاة عطف، والحذف جَائِز، وَالتَّقْدِير: وَقَول الله عز وَجل: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) قلت: الْحَذف غير جَائِز، وَلَئِن سلمنَا فَذَاك فِي بَاب الشّعْر، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) إِلَى آخرهَا. قلت: لَا يَصح هَذَا أَيْضا. لِأَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة من وصفوا بالأوصاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بقوله: {وَأُولَئِكَ هم المتقون} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بَين أَن هَؤُلَاءِ الموصوفين هم المتقون، فَأَي شَيْء يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى تَفْسِير الْمُتَّقِينَ فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى يفسرهم بقوله: {قد أَفْلح} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الخ، وَرُبمَا كَانَ يُمكن صِحَة هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت الْآيَتَانِ متواليتين، فبينهما آيَات عديدة، بل سور كَثِيرَة، فَكيف يكون هَذَا من بَاب التَّفْسِير وَهَذَا كَلَام مستبعد جدا. قَوْله: (الْآيَة) يجوز فِيهَا: النصب، على معنى إقرأ الْآيَة: و: الرّفْع، على معنى الْآيَة بِتَمَامِهَا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر. قَوْله: {أَفْلح} أَي: دخل فِي الْفَلاح، وَهُوَ فعل لَازم، والفلاح الظفر بالمراد، وَقيل: الْبَقَاء فِي الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُقَال: أفلحه أجاره إِلَى الْفَلاح، وَعَلِيهِ قِرَاءَة طَلْحَة بن مصرف: أَفْلح للْبِنَاء للْمَفْعُول، وَعنهُ أفلحوا على أكلوني البراغيث، أَو على الْإِبْهَام وَالتَّفْسِير: (والخشوع فِي الصَّلَاة) خشيَة الْقلب (واللغو) مَا لَا يَعْنِيك من قَول أَو فعل كاللعب والهزل، وَمَا توجب الْمُرُوءَة إلغاءه وإطراحه. قَوْله: {فاعلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) أَي: مؤدون. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لِأَنَّهُ أُرِيد من جنس الْعُقَلَاء مَا يجرى مجْرى غير الْعُقَلَاء. وهم الْإِنَاث.

٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيِ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ الإِيِمَانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.

قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين؛ هَذَا مُتَعَلق بِالْبَابِ الَّذِي قبله، وَهُوَ أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص، وَجه الدَّلِيل أَن الشَّرْع أطلق الْإِيمَان على أَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَعْمَال كَمَا جَاءَ فِي الْآيَات والخبرين الَّذين ذكرهمَا فِي هَذَا الْبَاب، بِخِلَاف قَول المرجئة، فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي بعده كلهَا مُتَعَلقَة بِالْبَابِ الأول، مبينَة أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص على مَا لَا يخفى.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة: الأول: أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان بن أخنس بن خُنَيْس الْجعْفِيّ البُخَارِيّ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَهُوَ ابْن عَم عبد الله بن سعيد بن جَعْفَر بن الْيَمَان، واليمان هَذَا هُوَ مولى أحد أجداد البُخَارِيّ، وَلَاء إِسْلَام، سمع وكيعاً وخلقاً، وَعنهُ الذهلي وَغَيره من الْحفاظ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، إنفرد البُخَارِيّ بِهِ عَن أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وروى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ عَنهُ. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد، وَاتفقَ الْحفاظ على جلالته وثقته، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن بِلَال الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى آل الصّديق، سمع عبد الله بن دِينَار وجمعاً من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْلَام كَابْن الْمُبَارك وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا، وَكَانَ يُفْتِي بِالْبَلَدِ، وَولي خراج الْمَدِينَة، وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن هَارُون بن مُحَمَّد: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه سُلَيْمَان بن هِلَال سوى هَذَا. الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن دِينَار، أَخُو عَمْرو بن دِينَار، الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، مولى ابْن عمر، سمع مَوْلَاهُ وَغَيره، وَعنهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: عَمْرو بن دِينَار الْحِمصِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: عَمْرو بن دِينَار، غَيرهمَا. الْخَامِس: أَبُو صَالح

ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي، كَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، مولى جوَيْرِية بنت الأحمس الْغَطَفَانِي، وَفِي شرح قطب الدّين: إِنَّه مولى جويرة بنت الْحَارِث، امْرَأَة من قيس، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، وَعنهُ جمع من التَّابِعين مِنْهُم: عَطاء، وَسمع الْأَعْمَش مِنْهُ ألف حَدِيث، وروى عَنهُ أَيْضا بنوه: عبد الله وَسُهيْل وَصَالح، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَمِائَة، وَأَبُو صَالح فِي الروَاة جمَاعَة، قد مضى ذكرهم فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَدْء الْوَحْي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، وأقربها: عبد الله، أَو عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، وَهُوَ أول من كني بِهَذِهِ الكنية لهرة كَانَ يلْعَب بهَا، كناه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَقيل: وَالِده، وَكَانَ عريف أهل الصّفة، أسلم عَام خَيْبَر بالِاتِّفَاقِ وشهدها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف فِي اسْم أحد فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام كالاختلاف فِيهِ، وروى أَنه قَالَ: كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد شمس، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الرَّحْمَن، وَاسم أمه مَيْمُونَة، وَقيل: أُميَّة، وَقد أسلمت بِدُعَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نشأت يَتِيما، وَهَاجَرت مِسْكينا، وَكنت أَجِيرا لبسرة بنت غَزوَان خَادِمًا لَهَا، فزوجنيها الله تَعَالَى، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الدّين قواماً، وَجعل أَبَا هُرَيْرَة إِمَامًا. قَالَ: وَكنت أرعى غنما، وَكَانَ لي هرة صَغِيرَة أَلعَب بهَا فكنوني بهَا وَقيل: رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بِإِجْمَاع، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من صَاحب وتابع، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس؛ وَهُوَ أزدي دوسي يماني، ثمَّ مدنِي كَانَ ينزل بِذِي الحليفة بِقرب الْمَدِينَة، لَهُ بهَا دَار تصدق بهَا على موَالِيه، وَمن الروَاة عَنهُ: ابْنه الْمُحَرر، بحاء مُهْملَة ثمَّ رَاء مكررة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَخمسين، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: سبع، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، وَالَّذِي يَقُوله النَّاس: إِن قَبره بِقرب عسقلان لَا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم هُنَاكَ قبر خيسعة بن جندرة الصَّحَابِيّ؛ وَأَبُو هُرَيْرَة من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اكتنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي الروَاة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، يروي عَن مَكْحُول وَعنهُ أَبُو الْمليح الرقي، لَا يعرف. وَآخر اسْمه مُحَمَّد بن فرَاش الضبعِي، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الشَّافِعِيَّة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، واسْمه ثَابت بن شبْل، قَالَ عبد الْغفار فِي حَقه: شيخ فَاضل مناظر.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْجعْفِيّ: فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك: وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والعقدي نِسْبَة إِلَى العقد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وهم قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه، وَفِي شرح قطب الدّين: إِن العقد بطن من نخيلة، وَقيل: من قيس بِالْوَلَاءِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ: إِنَّمَا سموا عقدا لأَنهم كَانُوا لِئَامًا، وَقَالَ الْحَاكِم: العقد مولى الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : العقد قَبيلَة من الْيمن من بني عبد شمس بن سعد، وَقَالَ الرشاطي: الْعَقدي فِي قيس بن ثَعْلَبَة، وَحكى أَبُو عَليّ الغساني، عَن أبي عمر قَالَ: العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ، سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب المسندات ويرغب عَن الْمُرْسل والمنقطات، وَقَالَ صَاحب (الْإِرْشَاد) : كَانَ يتحَرَّى المسانيد من الْأَخْبَار، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: عرف بذلك لِأَنَّهُ أول من جمع مُسْند الصَّحَابَة على التراجم بِمَا وَرَاء النَّهر؛ والتيمي فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة، وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان ابْن ذهل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نذار: تيم الله بن ثَعْلَبَة، وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل. والعدوي نِسْبَة إِلَى عدي بن كَعْب، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي الربَاب: عدي بن عبد مَنَاة، وَفِي خُزَاعَة: عدي بن عَمْرو، وَفِي الْأَنْصَار: عدي بطن بن النجار، وَفِي طَيء: عدي بن أخرم، وَفِي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي فِي الأزد ينْسب إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: الأسناد كلهم مدنيون إِلَّا الْعَقدي فَإِنَّهُ بَصرِي، وإلَاّ المسندي. وَمِنْهَا: أَن كلهم على شَرط السِّتَّة إلَاّ المسندي كَمَا بَيناهُ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَهُوَ عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم عَن عبيد الله بن سعيد، وَعبد بن حميد، عَن الْعَقدي بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن زُهَيْر،

عَن جرير، عَن سهل بن عبد الله، عَن ابْن دِينَار، عَنهُ. وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا: فَأَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد عَن سُهَيْل بِهِ. و: التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. و: النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله المحرمي، عَن أبي عَامر الْعَقدي بِهِ؛ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي. و: أبي نعيم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، عَن ابْن عجلَان عَنهُ، بِبَعْضِه: (الْحيَاء من الْإِيمَان) ، وَابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي، عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن عَمْرو بن رَافع، عَن جرير بِهِ. وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن أبي جمال الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان نَحوه.

(بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) : كَذَا وَقع هُنَا من طَرِيق أبي زيد الْمروزِي: (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) ، وَفِي مُسلم وَغَيره من حَدِيث سُهَيْل، عَن عبد الله بن دِينَار: (بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ) ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْعَقدي، عَن سُلَيْمَان: (بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة) . وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من رِوَايَة سُهَيْل: (بضع وَسَبْعُونَ) بِلَا شكّ، ورجحها القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ إِنَّهَا الصَّوَاب. وَكَذَا رجحها الْحَلِيمِيّ وجماعات مِنْهُم: النَّوَوِيّ لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وقدمت وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَقَل مَا يمْنَعهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَشْبَه تَرْجِيح الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن، وَالشَّكّ من سُهَيْل، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ. وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن جرير: (وَسَبْعُونَ) من غير شكّ، وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان ابْن بِلَال فِي مُسلم وَفِي البُخَارِيّ (بضع وَسِتُّونَ) وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِي البُخَارِيّ فِي نسخ بِلَادنَا: (إلَاّ سِتُّونَ) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (فأفضلها قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (فأرفعها) ، وَلَفظ اللالكائي: (ادناها إمَاطَة الْعظم عَن الطَّرِيق) ؛ وَفِي كتاب ابْن شاهين: (خِصَال الْإِيمَان أفضلهَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (بضع وَسَبْعُونَ بَابا) ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان سِتُّونَ بَابا أَو سَبْعُونَ أَو بضع) . وَاحِد من العددين، وَرِوَايَة قُتَيْبَة، عَن بكر بن مُضر، عَن عمَارَة بن عربة، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان أَربع وَسِتُّونَ بَابا) ، وَمن حَدِيث الْمُغيرَة بن عبد الله بن عُبَيْدَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (الْإِيمَان ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ شَرِيعَة، من وافى الله بشريعة مِنْهَا دخل الْجنَّة) . وَفِي كتاب ابْن شاهين من حَدِيث الإفْرِيقِي، عَن عبد الله بن رَاشد مولى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة يَقُول عز وَجل: وَلَا يجيبني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت أَبَا سعيد رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة، يَقُول عز وَجل: لَا يجيئني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهَا إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد، عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى مائَة خلق، من أَتَى بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة) . قَالَ لنا أَحْمد: سُئِلَ إِسْحَاق: مَا معنى الْأَخْلَاق؟ قَالَ: يكون فِي الْإِنْسَان حَيَاء، يكون فِيهِ رَحْمَة، يكون فِيهِ سخاء، يكون فِيهِ تسَامح، هَذَا من أَخْلَاق الله عز وَجل، وَفِي (كتاب الديباج) للخيلي، من حَدِيث نوح بن فضَالة، عَن مَالك بن زِيَاد الْأَشْجَعِيّ: (الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر سَهْما، فَإِذا كَانَ فِي جَاءَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، وَإِنَّمَا الْإِسْلَام من جَاءَ متمسكاً بِسَهْم من سهامي، فَأدْخلهُ الْجنَّة) قَالَ رسته: حَدثنَا ابْن مهْدي، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن صلَة عَن حُذَيْفَة: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَصَوْم رَمَضَان سهم، وَالْحج سهم، وَالْجهَاد سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بضع) ذكر ابْن الْبنانِيّ فِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: الْبضْع، مِثَال عِلم: مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة

واثني عشرَة إِلَى عشْرين فَمَا فَوق ذَلِك يُقَال: بضعَة عشر فِي جمع الْمُذكر، وبضع عشرَة فِي جمع الْمُؤَنَّث. قَالَ تَعَالَى: {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) وَلَا يُقَال فِي: أحد عشر وَلَا اثنى عشر، إِنَّمَا الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْبضْع سَبْعَة، وَقَالَ قطرب: أخبرنَا الثِّقَة، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ( {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) مَا بَين خمس إِلَى سبع) . وَقَالُوا: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَقَالَ الْفراء: الْبضْع نَيف مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، كَذَلِك رَأَيْت الْعَرَب تفعل، وَلَا يَقُولُونَ: بضع وَمِائَة، وَلَا بضع وَألف، وَلَا يذكر مَعَ عشر وَمَعَ الْعشْرين إِلَى التسعين. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ الْقطعَة من الْعدَد تجْعَل لما دون الْعشْرَة من الثَّلَاث إِلَى التسع، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَقَالَ غَيره: الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى التسع؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين نصف الْعشْر، يُرِيد مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة؛ وَقَالَ يَعْقُوب، عَن أبي زيد: بِضع وبَضع، مِثَال: علِم وصَقر؛ وَفِي (الْمُحكم) الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وبالهاء من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ: الْآحَاد، ويبنى مَعَ الْعشْرَة، كَمَا يبْنى سَائِر الْآحَاد، وَلم يمْتَنع عشرَة؛ وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: بضع سِنِين قِطْعَة من السنين، وَهُوَ يجْرِي فِي الْعدَد مجْرى مَا دون الْعشْرَة. وَقَالَ قوم: قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين} (يُوسُف: ٤٢) يدل على أَن الْبضْع سبع سِنِين، لِأَن يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا لبث فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ الْبضْع العقد وَلَا نصف العقد؛ يذهب إِلَى أَنه من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا تَقول بضع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ المطرزي فِي شَرحه: الْبضْع من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة، هَذَا الَّذِي حصلناه من الْعلمَاء الْبَصرِيين والكوفيين، وَفِيه خلاف، إلَاّ أَن هَذَا هُوَ الإختيار. والنيف: من وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة، وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي (المثلث) الْبضْع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر؛ مَا بَين وَاحِد إِلَى خَمْسَة فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة، وَهُوَ الصَّحِيح وَفِي (الغريبين) للهروي: الْبضْع والبضعة وَاحِد، ومعناهما الْقطعَة من الْعدَد، زَاد عِيَاض، بِكَسْر الْبَاء فيهمَا وبفتحهما، وَفِي (الْعباب) قَالَ أَبُو زيد: أَقمت بضع سِنِين، بِالْفَتْح، وَجَلَست فِي بقْعَة طيبَة، وأقمت بُرْهَة كلهَا بِالْفَتْح. وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. وروى الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَتقول: بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا، وبضع عشرَة امْرَأَة، فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ، وَقيل: هَذَا غلط، بل يُقَال ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَهُ بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة، والبضع من الْعدَد فِي الأَصْل غير مَحْدُود، وَإِنَّمَا صَار مُبْهما لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقطعَة، والقطعة غير محدودة. قَوْله: (شُعْبَة) ، بِضَم الشين، وَهِي الْقطعَة والفرقة، وَهِي وَاحِدَة الشّعب، وَهِي أَغْصَان الشَّجَرَة. قَالَ ابْن سَيّده: الشعبة الْفرْقَة والطائفة من الشَّيْء، وَمِنْه شعب الْآبَاء، وَشعب الْقَبَائِل، وشعبها الْأَرْبَع، وَوَاحِد شعب الْقَبَائِل شعب، بِالْفَتْح، وَقيل: بِالْكَسْرِ، وَهِي الْعِظَام. وَكَذَا شعب الْإِنَاء، صدعه بِالْفَتْح أَيْضا، وَقَالَ الْخَلِيل: الشّعب الإجتماع والافتراق، أَي: هما ضدان، وَالْمرَاد بالشعبة فِي الحَدِيث: الْخصْلَة، أَي: أَن الْإِيمَان ذُو خِصَال مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَالْحيَاء) ممدوداً، هُوَ الاستحياء، واشتقاقه من الْحَيَاة. يُقَال: حيى الرجل، إِذا انْتقصَ حَيَاته، وانتكس قوته، كَمَا يُقَال: نسي نساه أَي: الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، وَحشِي إِذا اعتل حشاه، فَمَعْنَى الْحَيّ: المؤف من خوف المذمة، وَقد حيى مِنْهُ حَيَاء واستحى واستحيى، حذفوا الْيَاء الْأَخِيرَة كَرَاهِيَة التقاء الساكنين، والأخيران يتعديان بِحرف وَبِغير حرف، يَقُولُونَ: استحيى مِنْك، واستحياك، وَرجل حييّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى بِالتَّاءِ، وَالْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم، وَقد يعرف أَيْضا بِأَنَّهُ انحصار النَّفس خوف ارْتِكَاب القبائح.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (الْإِيمَان) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: بضع، هَكَذَا فِي بعض الْأُصُول، وبضعه بِالْهَاءِ فِي أَكْثَرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات بضعَة، بتاء التَّأْنِيث. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، وَكَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح: كَذَا وَقع هُنَا فِي بعض الْأُصُول: بضع، وَفِي أَكْثَرهَا: بضعَة، بِالْهَاءِ، وَأكْثر الرِّوَايَات فِي غير هَذَا الْموضع بضع بِلَا هَاء وَهُوَ الْجَارِي على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، وَرِوَايَة الْهَاء صَحِيحَة أَيْضا على التَّأْوِيل. قلت: لَا شكّ أَن بضعاً للمؤنث، وَبضْعَة للمذكر، وَشعْبَة يؤنث فَيَنْبَغِي أَن يُقَال: بضع، بِلَا هَاء، وَلَكِن لما جَاءَت الرِّوَايَة: ببضعة يحْتَاج أَن تؤول الشعبة، بالنوع إِذا فسرت الشعبة: بالطائفة من الشَّيْء، وبالخلق إِذا فسرت بالخصلة والخلة. قَوْله: (وَالْحيَاء) مُبْتَدأ وَخَبره (شُعْبَة) وَقَوله: (من الْإِيمَان) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة: شُعْبَة.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : لَا شكّ أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا يقْصد إِلَى تَعْرِيفه لإتمام فَائِدَة السَّامع، لِأَن فَائِدَته من الْخَبَر إِمَّا الحكم أَو لَازمه، كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَفِيه الْفَصْل بَين الجملتين بِالْوَاو، لِأَنَّهُ قصد التَّشْرِيك وَتَعْيِين الْوَاو لدلالتها على الْجمع، وَفِيه تَشْبِيه الْإِيمَان بشجرة ذَات أَغْصَان، وَشعب، كَمَا شبه فِي الحَدِيث السَّابِق الْإِسْلَام بخباء ذَات أعمدة وأطناب، ومبناه على الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق، وَفِي عرف الشَّرْع: تَصْدِيق الْقلب وَاللِّسَان، وَتَمَامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الْإِخْبَار عَن الْإِيمَان بِأَنَّهُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، أَو بضع وَسَبْعُونَ، وَنَحْو ذَلِك يكون من بَاب إِطْلَاق الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل، والأعمال فروع مِنْهُ. وَإِطْلَاق الْإِيمَان على الْأَعْمَال مجَاز، لِأَنَّهَا تكون عَن الْإِيمَان، وَقد اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بإيمانه، وَأَنه من أهل الْقبْلَة، وَلَا يخلد فِي النَّار، هُوَ الَّذِي يعْتَقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقاداً جَازِمًا خَالِيا من الشكوك، ونطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة إلَاّ إِذا عجز عَن النُّطْق، فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا إلاّ مَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (كتاب الشِّفَاء) فِي أَن: من اعْتقد دين الْإِسْلَام بِقَلْبِه، وَلم ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ من غير عذر مَنعه من القَوْل، إِن ذَلِك نافعه فِي الدَّار الْآخِرَة، على قَول ضَعِيف. وَقد يكون فائزاً، لكنه غير الْمَشْهُور، وَالله أعلم.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي تعْيين السِّتين على مَا جَاءَ هَهُنَا، وَفِي تعْيين السّبْعين على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى من (الصَّحِيح) ، وَرِوَايَة أَصْحَاب السّنَن، أما الْحِكْمَة فِي تعْيين السِّتين وتخصيصها، فَهِيَ: أَن الْعدَد إِمَّا زَائِد: وَهُوَ مَا أجزاؤه أَكثر مِنْهُ، كالاثني عشر، فَإِن لَهَا: نصفا وَثلثا وربعاً وسدساً وَنصف سدس، ومجموع هَذِه الْأَجْزَاء أَكثر من اثْنَي عشر، فَإِنَّهُ سِتَّة عشر، وَإِمَّا نَاقص: وَهُوَ مَا أجزاؤه أقل مِنْهُ، كالأربعة فَإِن لَهَا: الرّبع وَالنّصف فَقَط، وَإِمَّا تَامّ: وَهُوَ مَا أجزاؤه مثله كالستة، فَإِن أجزاءها: النّصْف وَالثلث وَالسُّدُس، وَهِي مُسَاوِيَة للستة، وَالْفضل من بَين الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة للتام، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً، وَهِي: السِّتُّونَ. وَأما الْحِكْمَة فِي تعْيين السّبْعين فَهِيَ: أَن السَّبْعَة تشْتَمل على جملَة أَقسَام الْعدَد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى: فَرد وَزوج، وكل مِنْهُمَا إِلَى: أول ومركب، والفرد الأول: ثَلَاثَة، والمركب: خَمْسَة، وَالزَّوْج الأول: اثْنَان، والمركب: أَرْبَعَة، وينقسم أَيْضا إِلَى منطق كالأربعة، وأصم كالستة، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً. وَهِي: السبعون. وَأما زِيَادَة الْبضْع على النَّوْعَيْنِ فقد علم أَنه يُطلق على السِّت وعَلى السَّبع، لِأَنَّهُ مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة، وَمَا فَوْقهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب (الموعب) فَفِي الأول السِّتَّة أصل للستين وَفِي الثَّانِي، السَّبْعَة أصل للسبعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذَا وَجه تعْيين أحد هذَيْن العددين. الثَّانِي: أَن المُرَاد من هذَيْن العددين: هَل هُوَ حَقِيقَة أم ذكرا على سَبِيل الْمُبَالغَة؟ فَقَالَ بَعضهم: أُرِيد بِهِ التكثير دون التعديد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٨٠) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر معنى التكثير، وَيكون ذكر الْبضْع للترقي، يَعْنِي أَن شعب الْأَيْمَان أعداد مُبْهمَة وَلَا نِهَايَة لكثرتها، إِذْ لَو أُرِيد التَّحْدِيد لم يبهم. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تسْتَعْمل السّبْعين كثيرا فِي بَاب الْمُبَالغَة، وَزِيَادَة السَّبع عَلَيْهَا الَّتِي عبر عَنْهَا بالبضع لأجل أَن السَّبْعَة أكمل الْأَعْدَاد، لِأَن السِّتَّة أول عدد تَامّ، وَهِي مَعَ الْوَاحِد سَبْعَة، فَكَانَت كَامِلَة، إِذْ لَيْسَ بعد التَّمام سوى الْكَمَال. وَسمي الْأسد: سَبُعاً لكَمَال قوته، وَالسَّبْعُونَ غَايَة الْغَايَة إِذْ الْآحَاد غايتها العشرات. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبضْع لما بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة وَمَا فَوْقهَا، فَمن أَيْن تَقول: إِن المُرَاد من الْبضْع السَّبع حَتَّى بنى الْقَائِل الْمَذْكُور كَلَامه على هَذَا؟ قلت: قد نَص صَاحب (الْعين) على: أَن الْبضْع سَبْعَة، كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هُوَ شعب الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ تعداد الْخِصَال حَقِيقَة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد بَيَان تعداد الْخِصَال، فَمَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور؟ قلت: يجوز أَن يكون شعب الْإِيمَان بضعاً وَسِتِّينَ وَقت تنصيصه على هَذَا الْمِقْدَار، فَذكره لبَيَان الْوَاقِع، ثمَّ بعد ذَلِك نَص على بضع وَسبعين، بِحَسب تعدد الْعشْرَة على ذَلِك الْمِقْدَار، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. الثَّالِث: فِي بَيَان الْعدَد الْمَذْكُور قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة، البستي، فِي كتاب (وصف الْإِيمَان وشعبه) تتبعت معنى هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وعددت الطَّاعَات فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرَجَعت إِلَى السّنَن، فعددت كل طَاعَة عَددهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص على الْبضْع وَالسبْعين، فَرَجَعت إِلَى كتاب الله تَعَالَى، فعددت كل طَاعَة عدهَا الله من الْإِيمَان فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فضممت إِلَى الْكتاب السّنَن، واسقطت الْعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله وَرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام، من الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ، لَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا ينقص.

فَعلمت أَن مُرَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَن هَذَا الْعدَد فِي الْكتاب وَالسّنة انْتهى. وَقد تكلفت جمَاعَة فِي بَيَان هَذَا الْعدَد بطرِيق الِاجْتِهَاد، وَفِي الحكم بِكَوْن المُرَاد ذَلِك نظر وصعوبة. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا يقْدَح عدم معرفَة ذَلِك على التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان، إِذْ أصُول الْإِيمَان وفروعه مَعْلُومَة مُحَققَة، وَالْإِيمَان بِأَن هَذَا الْعدَد وَاجِب على الْجُمْلَة، وتفصيل تِلْكَ الْأُصُول وتعيينها على هَذَا الْعدَد يحْتَاج إِلَى تَوْقِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه منحصرة فِي علم الله وَعلم رَسُوله، مَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة، غير أَن الشَّرْع لم يوقفنا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي علمنَا بتفاصيل مَا كلفنا بِهِ، فَمَا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ عَملنَا، وَمَا نَهَانَا عَنهُ انتهينا، وَإِن لم نحط بحصر أعداده. وَقَالَ أَيْضا: الْإِيمَان اسْم يتشعب إِلَى أُمُور ذَوَات عدد جِمَاعهَا الطَّاعَة، وَلِهَذَا صَار من صَار من الْعلمَاء إِلَى أَن النَّاس مفاضلون فِي درج الْإِيمَان، وَإِن كَانُوا متساوين فِي اسْمه. وَكَانَ بَدْء الْإِيمَان كلمة الشَّهَادَة، وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقِيَّة عمره يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، وسمى من أَجَابَهُ إِلَى ذَلِك مُؤمنا إِلَى أَن نزلت الْفَرَائِض، وَبِهَذَا الِاسْم خوطبوا عِنْد إِيجَابهَا عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) وَهَذَا الحكم مُسْتَمر فِي كل اسْم يَقع على أَمر ذِي شعب: كَالصَّلَاةِ، فَإِن رجلا لَو مر على مَسْجِد وَفِيه قوم مِنْهُم من يستفتح الصَّلَاة، وَمِنْهُم من هُوَ رَاكِع أَو ساجد، فَقَالَ: رَأَيْتهمْ يصلونَ كَانَ صَادِقا مَعَ اخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الصَّلَاة، وتفاضل أفعالهم فِيهَا. فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْإِيمَان بضعاً وَسبعين شُعْبَة، فَهَل يمكنكم أَن تسموها بأسمائها؟ وَإِن عجزتم عَن تفصيلها، فَهَل يَصح إيمَانكُمْ بِمَا هُوَ مَجْهُول؟ قُلْنَا: إيمَاننَا بِمَا كلفناه صَحِيح، وَالْعلم بِهِ حَاصِل، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن. الأول: أَنه قد نَص على أَعلَى الْإِيمَان وَأَدْنَاهُ باسم أَعلَى الطَّاعَات وَأَدْنَاهَا، فَدخل فِيهِ جَمِيع مَا يَقع بَينهمَا من جنس الطَّاعَات كلهَا، وجنس الطَّاعَات مَعْلُوم. وَالثَّانِي: أَنه لم يُوجب علينا معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء بخواص أسمائها حَتَّى يلْزمنَا تَسْمِيَتهَا فِي عقد الْإِيمَان، وكلفنا التَّصْدِيق بجملتها كَمَا كلفنا الْإِيمَان بملائكته وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَسمَاء أَكْثَرهم وَلَا أعيانهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَعلَى هَذِه الشّعب وَأَدْنَاهَا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح، من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا أماطة الأذي عَن الطَّرِيق) فَبين أَن أَعْلَاهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيّن على كل مُكَلّف، وَالَّذِي لَا يَصح شَيْء غَيره من الشّعب إلَاّ بعد صِحَّته، وَأَن أدناها دفع مَا يتَوَقَّع بِهِ ضَرَر الْمُسلمين، وَبَقِي بَينهمَا تَمام الْعدَد، فَيجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن لم نَعْرِف أَعْيَان جَمِيع أَفْرَاده، كَمَا نؤمن بِالْمَلَائِكَةِ وَإِن لم نَعْرِف أعيانهم وأسماءهم. انْتهى.

وَقد صنف فِي تعْيين هَذِه الشّعب جمَاعَة، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ صنف فِيهَا كتابا أسماه: (فَوَائِد الْمِنْهَاج) ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَسَماهُ: (شعب الْإِيمَان) ، وَإِسْحَاق ابْن الْقُرْطُبِيّ وَسَماهُ: (كتاب النصايح) ، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم وَسَماهُ: (وصف الْإِيمَان وشعبه) . وَلم أر أحدا مِنْهُم شفى العليل، وَلَا أروى الغليل. فَنَقُول مُلَخصا بعون الله تَعَالَى وتوفيقه: إِن أصل الْإِيمَان هُوَ: التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَلَكِن الْإِيمَان الْكَامِل التَّام هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام. فَالْأول: يرجع إِلَى الاعتقاديات، وَهِي تتشعب إِلَى ثَلَاثِينَ شُعْبَة. الأولى: الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، وَيدخل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وتوحيده بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء. الثَّانِيَة: اعْتِقَاد حُدُوث مَا سوى الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: الْإِيمَان بملائكته. الرَّابِعَة: الْإِيمَان بكتبه. الْخَامِسَة: الْإِيمَان برسله. السَّادِسَة: الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره. السَّابِعَة: الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَيدخل فِيهِ السُّؤَال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط. الثَّامِنَة: الوثوق على وعد الْجنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. التَّاسِعَة: الْيَقِين بوعيد النَّار وعذابها وَأَنَّهَا لَا تفنى. الْعَاشِرَة: محبَّة الله تَعَالَى. الْحَادِيَة عشر: الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله، وَيدخل فِيهِ حب الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَحب آل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة عشر: محبَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيدخل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاع سنته. الثَّالِثَة عشر: الْإِخْلَاص، وَيدخل فِيهِ ترك الرِّيَاء والنفاق. الرَّابِعَة عشر: التَّوْبَة والندم. الْخَامِسَة عشر: الْخَوْف. السَّادِسَة عشر: الرَّجَاء. السَّابِعَة عشر: ترك الْيَأْس والقنوط. الثَّامِنَة عشر: الشُّكْر. التَّاسِعَة عشر: الْوَفَاء. الْعشْرُونَ: الصَّبْر. الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ. التَّوَاضُع، وَيدخل فِيهِ توقير الأكابر. الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: الرَّحْمَة والشفقة، وَيدخل فِيهِ الشَّفَقَة على الأصاغر. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: الرضاء بِالْقضَاءِ. الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: التَّوَكُّل. الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْعجب والزهو، وَيدخل فِيهِ ترك مدح نَفسه وتزكيتها. السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْحَسَد. السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الحقد

والضغن. الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغَضَب. التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغِشّ، وَيدخل فِيهِ الظَّن السوء وَالْمَكْر. الثَّلَاثُونَ: ترك حب الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ: ترك حب المَال وَحب الجاه، فَإِذا وجدت شَيْئا من أَعمال الْقلب من الْفَضَائِل والرذائل خَارِجا عَمَّا ذكر بِحَسب الظَّاهِر، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي فصل من الْفُصُول يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل. وَالْقسم الثَّانِي: يرجع إِلَى أَعمال اللِّسَان، وَهِي تتشعب إِلَى سبع شعب. الأولى: التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِيَة: تِلَاوَة الْقُرْآن. الثَّالِثَة: تعلم الْعلم. الرَّابِعَة: تَعْلِيم الْعلم. الْخَامِسَة: الدُّعَاء. السَّادِسَة: الذّكر وَيدخل فِيهِ الاسْتِغْفَار. السَّابِعَة: اجْتِنَاب اللَّغْو. وَالْقسم الثَّالِث: يرجع إِلَى أَعمال الْبدن، وَهِي تتشعب إِلَى أَرْبَعِينَ شُعْبَة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع. الأول: مَا يخْتَص بالأعيان وَهِي سِتَّة عشر شُعْبَة. الأولى: التطهر، وَيدخل فِيهِ طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان، وَيدخل فِي طَهَارَة الْبدن الْوضُوء من الْحَدث، والاغتسال من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس. الثَّانِيَة: إِقَامَة الصَّلَاة، وَيدخل فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقَضَاء. الثَّالِثَة: أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا الصَّدَقَة، وَيدخل فِيهَا أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا صَدَقَة الْفطر، وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْجُود وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف. الرَّابِعَة: الصَّوْم فرضا ونفلاً. الْخَامِسَة: الْحَج، وَيدخل فِيهِ الْعمرَة. السَّادِسَة: الِاعْتِكَاف، وَيدخل فِيهِ التمَاس لَيْلَة الْقدر. السَّابِعَة: الْفِرَار بِالدّينِ، وَيدخل فِيهِ الْهِجْرَة من دَار الشّرك. الثَّامِنَة: الْوَفَاء بِالنذرِ. التَّاسِعَة: التَّحَرِّي فِي الْإِيمَان. الْعَاشِرَة: أَدَاء الْكَفَّارَة. الْحَادِيَة عشر: ستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وخارجها. الثَّانِيَة عشرَة: ذبح الضَّحَايَا وَالْقِيَام بهَا إِذا كَانَت منذورة. الثَّالِثَة عشر: الْقيام بِأَمْر الْجَنَائِز. الرَّابِعَة عشر: أَدَاء الدّين. الْخَامِسَة عشر: الصدْق فِي الْمُعَامَلَات والاحتراز عَن الرِّيَاء. السَّادِسَة عشر: أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ وَترك كتمانها. النَّوْع الثَّانِي: مَا يخْتَص بالاتباع، وَهُوَ سِتّ شعب. الأولى: التعفف بِالنِّكَاحِ. الثَّانِيَة: الْقيام بِحُقُوق الْعِيَال، وَيدخل فِيهِ الرِّفْق بالخدم. الثَّالِثَة: بر الْوَالِدين، وَيدخل فِيهِ الاجتناب عَن العقوق، الرَّابِعَة: تربية الْأَوْلَاد. الْخَامِسَة: صلَة الرَّحِم. السَّادِسَة: طَاعَة الموَالِي. النَّوْع الثَّالِث: مَا يتَعَلَّق بالعامة، وَهُوَ ثَمَانِي عشرَة شُعْبَة. الأولى: الْقيام بالإمارة مَعَ الْعدْل. الثَّانِيَة: مُتَابعَة الْجَمَاعَة. الثَّالِثَة: طَاعَة أولي الْأَمر. الرَّابِعَة: الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَيدخل فِيهِ قتال الْخَوَارِج والبغاة. الْخَامِسَة: المعاونة على الْبر. السَّادِسَة: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّابِعَة: إِقَامَة الْحُدُود. الثَّامِنَة: الْجِهَاد، وَيدخل فِيهِ المرابطة. التَّاسِعَة: أَدَاء الْأَمَانَة، وَيدخل فِيهِ أَدَاء الْخمس. الْعَاشِرَة: الْقَرْض مَعَ الْوَفَاء بِهِ. الْحَادِيَة عشرَة: إكرام الْجَار. الثَّانِيَة عشرَة: حسن الْمُعَامَلَة، وَيدخل فِيهِ جمع المَال من حلّه. الثَّالِثَة عشر: إِنْفَاق المَال فِي حَقه، وَيدخل فِيهِ ترك التبذير والإسراف. الرَّابِعَة عشر: رد السَّلَام. الْخَامِسَة عشر: تشميت الْعَاطِس. السَّادِسَة عشر: كف الضَّرَر عَن النَّاس. السَّابِعَة عشر: اجْتِنَاب اللَّهْو، الثَّامِنَة عشر: إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم جعل الْحيَاء من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ باعث على أَفعَال الْخَيْر، ومانع عَن الْمعاصِي، وَلكنه رُبمَا يكون تخلقا واكتساباً كَسَائِر أَعمال الْبر، وَرُبمَا يكون غريزة، لَكِن اسْتِعْمَاله على قانون الشَّرْع يحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب وَنِيَّة، فَهُوَ من الْإِيمَان لهَذَا. الثَّانِي: مَا قيل: إِنَّه قد ورد: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) وَورد: (الْحيَاء خير كُله) ، فَصَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر، فَكيف يكون هَذَا من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة، بل هُوَ عجز ومهانة، وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء من إِطْلَاق بعض أهل الْعرف، أَطْلقُوهُ مجَازًا لمشابهته الْحيَاء الْحَقِيقِيّ، وَحَقِيقَته: خلق يبْعَث على اجْتِنَاب الْقَبِيح، وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْوه، وَأولى الْحيَاء: الْحيَاء من الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن لَا يراك الله حَيْثُ نهاك، وَذَاكَ إِنَّمَا يكون عَن معرفَة ومراقبة، وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) ، وَقد خرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: (اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء. قَالُوا: إِنَّا نستحي وَالْحَمْد لله، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الاستحياء من الله تَعَالَى حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى، وتذكر الْمَوْت والبلى، فَمن فعل ذَلِك فقد استحيى من الله حق الْحيَاء) . وَقَالَ الْجُنَيْد: رُؤْيَة الآلاء أَي: النعم، ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء الثَّالِث. مَا قيل: لِمَ أفرد الْحيَاء بِالذكر من بَين سَائِر الشّعب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كالداعي إِلَى سَائِر الشّعب، فَإِن الْحَيّ يخَاف فضيحة

الدُّنْيَا وفظاعة الْآخِرَة فينزجر عَن الْمعاصِي ويمتثل الطَّاعَات كلهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى إِفْرَاد الْحيَاء بِالذكر بعد دُخُوله فِي الشّعب كَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه شُعْبَة وَاحِدَة من شعبه، فَهَل تحصى شعبه كلهَا؟ هَيْهَات ان الْبَحْر لَا يغْرف.

٤ - (بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)

أَي: هَذَا بَاب، فالمبتدأ مَحْذُوف، وَيجوز ترك التَّنْوِين بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَيجوز الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بَاب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب السَّابِق أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، هَذَا الْبَاب فِيهِ بَيَان شعبتين من هَذِه الشّعب، وهما: سَلامَة الْمُسلمين من لِسَان الْمُسلم وَيَده، وَالْمُهَاجِر من هجر المنهيات.

١٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبِي إيَاسٍ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.

أوصل بِهَذَا مَا علقه أَولا، وَإِنَّمَا علقه لأجل التَّبْوِيب. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يبوب على الْجُمْلَة الْأَخِيرَة من الحَدِيث؟ قلت: لِأَن فِي صدر الحَدِيث لَفْظَة الْمُسلم، وَالْكتاب الَّذِي يحوي هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا من أُمُور الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. فَإِن قلت: هجر المنهيات أَيْضا من أُمُور الْإِسْلَام. قلت: بلَى، وَلكنه فِي تبويبه بصدر الحَدِيث اعتناء بِذكر لفظ فِيهِ مَادَّة من الْإِسْلَام.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْحسن آدم بن أبي إِيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره سين مُهْملَة، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ناهية، بالنُّون وَبَين الهائين يَاء آخر الْحُرُوف خَفِيفَة، أَصله من خُرَاسَان، نَشأ بِبَغْدَاد وَكتب عَن شيوخها، ثمَّ رَحل إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة والحجاز ومصر وَالشَّام، واستوطن عسقلان، وَتُوفِّي بهَا سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة مَأْمُون متعبد، من خِيَار عباد الله تَعَالَى، وَكَانَ ورَّاقاً، وَكَانَ عمره حِين مَاتَ ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: نيفا وَتِسْعين سنة، وَلَيْسَ فِي كتب الحَدِيث آدم بن أبي إِيَاس غير هَذَا، وَفِي مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي أَيْضا فَحسب، وَفِي الروَاة آدم بن عُيَيْنَة، أَخُو سُفْيَان، لَا يحْتَج بِهِ، وآدَم بن فَايِد عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَجْهُول. الثَّانِي: شُعْبَة، غير منصرف، ابْن الْحجَّاج بن الْورْد، أَبُو بسطَام الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَأَجْمعُوا على إِمَامَته وجلالة قدره، قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: شُعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ أمة وَحده فِي هَذَا الشَّأْن، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ أول سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ ألثغ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: شُعْبَة بن الْحجَّاج غَيره، وَفِي النَّسَائِيّ: شُعْبَة بن دِينَار الْكُوفِي، صَدُوق. وَفِي أبي دَاوُد: شُعْبَة بن دِينَار، عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي الضُّعَفَاء: شُعْبَة بن عَمْرو ويروي عَن أنس. قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَفِي الصَّحَابَة: شُعْبَة بن التوأم وَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح الْفَاء، وَحكى إسكانها، وَاسم أبي السّفر: سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الغساني: بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، وَيُقَال: أَحْمد الثَّوْريّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن السّفر، كُله بِإِسْكَان الْفَاء فِي الِاسْم، وتحريكها فِي الكنية. وَمِنْهُم من سكن الْفَاء فِي عبد الله الْمَذْكُور كَمَا مضى. الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد هُرْمُز، وَقيل: سعد، وَقيل: كثير البَجلِيّ الأحمسي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم: أنس بن مَالك وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام، وَكَانَ عَالما متقناً صَالحا ثِقَة، وَكَانَ يُسمى: الْمِيزَان، وَكَانَ طحاناً، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: الشّعبِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ أَبُو عَمْرو عَامر بن شرَاحِيل، وَقيل: ابْن عبد الله بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الثِّقَة، روى عَن خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَسعد وَسَعِيد، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ، قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ومرسله صَحِيح. روى عَنهُ قَتَادَة وَخلق من التَّابِعين، ولي قَضَاء الْكُوفَة، وَولد لست سِنِين مَضَت من خلَافَة عُثْمَان، وَمَات بعد الْمِائَة إِمَّا سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس أَو سِتّ، وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مزاحا، وَأمه من

سبي جلولا، وَهِي قريبَة بِنَاحِيَة فَارس. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هِشَام بن سعيد، بِضَم السِّين وَفتح الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص، بِضَم الْهَاء وبصادين مهملتين، ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، أَبُو مُحَمَّد أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو نصير، بِضَم النُّون، الْقرشِي السَّهْمِي الزَّاهِد العابد الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَأمه، ريطة بنت منيه بن الْحجَّاج، أسلم قبل أَبِيه وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن: اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل: إِحْدَى عشرَة، وَكَانَ غزير الْعلم مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ أَكثر حَدِيثا من أبي هُرَيْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَبُو هُرَيْرَة لَا يكْتب، وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِي رُوِيَ لَهُ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رُوِيَ لأبي هُرَيْرَة. رُوِيَ لَهُ سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بِعشْرين: مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالطَّائِف أَو بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس أَو ثَلَاث أَو سبع وَسِتِّينَ، أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين، عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو جماعات آخر عدتهمْ: ثَمَانِيَة عشر نفسا. وَعَمْرو، وَيكْتب بِالْوَاو ليتميز عَن عمر، وَهَذَا فِي غير النصب، وَأما فِي النصب فيتميز بِالْألف.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْأَزْدِيّ: فِي كهلاان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، والأسد بِالسِّين. والواسطي: نِسْبَة إِلَى وَاسِط، مَدِينَة اختطها الْحجَّاج بن يُوسُف بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فِي أَرض كسكر، وَهِي نِصْفَانِ على شاطىء دجلة وَبَينهمَا جسر من سفن، وَسميت، وَاسِط، لِأَنَّهُ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة خمسين فرسخاً، وَمِنْهَا إِلَى الْكُوفَة خمسين فرسخاً، وَإِلَى الأهواز خمسين فرسخاً، وَإِلَى بَغْدَاد خمسين فرسخاً، والبجلي: بِضَم الْبَاء وَالْجِيم، فِي كهلان ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج. وَالشعْبِيّ: نِسْبَة إِلَى شعب، بطن من هَمدَان، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: هُوَ من حمير، وعداده فِي هَمدَان، وَنسب إِلَى جبل بِالْيمن نزله حسان بن عَمْرو والحميري وَلَده، وَدفن بِهِ، وَقَالَ الْهَمدَانِي: الشّعب الْأَصْغَر بطن، مِنْهُم: عَامر بن شرَاحِيل. قَالَ: والشعب الْأَصْفَر بن شرَاحِيل بن حسان ابْن الشّعب الْأَكْبَر بن عَمْرو بن شعْبَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شعب جبل بِالْيمن، وَهُوَ ذُو شعبتين، نزله حسان بن عَمْرو الْحِمْيَرِي وَولده فنسبوا إِلَيْهِ، وَأَن من نزل من أَوْلَاده بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم: شعبيون. مِنْهُم عَامر الشّعبِيّ، وَمن كَانَ مِنْهُم بِالشَّام قيل لَهُم: شعبيون وَمن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن يُقَال لَهُم: آل ذِي شعبين، وَمن كَانَ مِنْهُم بِمصْر وَالْمغْرب يُقَال لَهُم: الأشعوب.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط السِّتَّة إلَاّ آدم فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط مُسلم وَأبي دَاوُد. وَمِنْهَا: أَن شُعْبَة فِيهِ يروي عَن اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: عبد الله بن أبي السّفر، وَالْآخر: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَكِلَاهُمَا يرويانه عَن الشّعبِيّ، وَلِهَذَا إِسْمَاعِيل بِفَتْح اللَّام عطفا على عبد الله وَهُوَ مجرور، وَإِسْمَاعِيل أَيْضا مجرور جر مَا لَا ينْصَرف بالفتحة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة.

(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بجملته عَن مُسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم، عَن زَكَرِيَّا، عَن عَامر. وَأخرج مُسلم بعضه فِي (صَحِيحه) عَن جَابر مَرْفُوعا: (الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) ، مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وَخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر أَيْضا: (إِن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَي الْمُسلمُونَ خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَزَاد ابْن حبَان، وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أنس صَحِيحا: (وَالْمُؤمن من أَمنه النَّاس) . وَأخرج أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا مثل البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، إلَاّ أَن لفظ النَّسَائِيّ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) .

(بَيَان الغات) : قَوْله: (من يَده) الْيَد هِيَ اسْم للجارحة، وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا أَعم من أَن تكون يدا حَقِيقِيَّة، أَو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر حق، فَإِنَّهُ أَيْضا إِيذَاء، لَكِن لَا بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّة. قَوْله: (المُهَاجر) هُوَ الَّذِي فَارق عشيرته ووطنه. قَوْله: (من هجر) أَي: ترك، من هجره يهجره، بِالضَّمِّ هجراً وهجراناً. وَالِاسْم: الْهِجْرَة، وَفِي (الْعباب) : الْهِجْرَة ضد الْوَصْل. والتركيب يدل على قطع وَقَطِيعَة، وَالْمُهَاجِر مفاعل مِنْهُ. قيل: لِأَنَّهُ لما انْقَطَعت الْهِجْرَة وفضلها، حزن على فَوَاتهَا من لم يُدْرِكهَا، فاعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن المُهَاجر على الْحَقِيقَة من هجر مَا نهى الله عَنهُ، وَقيل: بل أعلم الْمُهَاجِرين لِئَلَّا يتكلوا على الْهِجْرَة. فَإِن قلت: المُهَاجر من بَاب المفاعلة. وَهِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك بَين الِاثْنَيْنِ. قلت: المُهَاجر بِمَعْنى الهاجر،

كالمسافر بِمَعْنى السافر، والمنازع بِمَعْنى النازع، لِأَن بَاب: فَاعل، قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل.

(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (الْمُسلم) مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (من سلم الْمُسلمُونَ) ، وَيجوز أَن يكون: من سلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فالجملة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: الْمُسلم هُوَ من سلم، فَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ صلتها، وَقَوله: (من لِسَانه) مُتَعَلق بقوله: (سلم) . قَوْله: (وَالْمُهَاجِر) عطف على قَوْله: (الْمُسلم) . وَمن أَيْضا فِي: (من هجر) مَوْصُولَة. و: (مَا نهى الله عَنهُ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول هجر، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَنهى الله عَنْهَا، صلتها.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (الْمُسلم من سلم) إِلَى آخِره ظَاهره يدل على الْحصْر لوُقُوع جزئي الْجُمْلَة معرفتين، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْلهم: زيد الرجل، أَي: زيد الْكَامِل فِي الرجولية، فَيكون التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم إِلَى آخِره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره: المُرَاد: الْكَامِل الْإِسْلَام وَالْجَامِع لخصاله مَا لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل، وَهَذَا من جَامع كَلَامه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وفصيحه كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَالنَّاس الْعَرَب، على التَّفْضِيل لَا على الْحصْر، وَقد بَين البُخَارِيّ مَا يبين هَذَا التَّأْوِيل، وَهُوَ قَول السَّائِل: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم الممدوح من كَانَ هَذَا وَصفه، وَلَيْسَ ذَلِك على معنى أَن من لم يسلم النَّاس مِنْهُ مِمَّن دخل فِي عقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ ذَلِك بِمُسلم، وَكَانَ ذَلِك خَارِجا عَن الْملَّة أَيْضا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك: النَّاس الْعَرَب، تُرِيدُ أَن أفضل النَّاس الْعَرَب، فههنا المُرَاد أفضل الْمُسلمين من جمع إِلَى أَدَاء حُقُوق الله أَدَاء حُقُوق الْمُسلمين والكف عَن أعراضهم، وَكَذَلِكَ المُهَاجر الممدوح هُوَ الَّذِي جمع إِلَى هجران وَطنه مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَنفي اسْم الشَّيْء على معنى نفي الْكَمَال عَنهُ مستفيض فِي كَلَامهم. قلت: وَكَذَا إِثْبَات اسْم الشَّيْء على الشَّيْء على معنى إِثْبَات الْكَمَال مستفيض فِي كَلَامهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم، يلْزم من ذَلِك أَن يكون من اتّصف بِهَذَا خَاصَّة كَامِلا. قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن المُرَاد هُوَ الْكَامِل مَعَ مراعات بَاقِي الصِّفَات، أَو يكون هَذَا وارداً على سَبِيل الْمُبَالغَة تَعْظِيمًا لترك الْإِيذَاء، كَمَا كَانَ ترك الْإِيذَاء هُوَ نفس الْإِسْلَام الْكَامِل، وَهُوَ مَحْصُور فِيهِ على سَبِيل الإدعاء. وَأَمْثَاله كَثِيرَة. فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه، لِأَنَّهُ إِذا أحسن مُعَاملَة إخوانه فَأولى، أَن يحسن مُعَاملَة ربه، من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى. قلت: فِيهِ نظر وخدش من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن قَوْله: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه مَمْنُوع، لِأَن الْإِشَارَة مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وتركيبه مثل الْعبارَة، غير أَن الثَّابِت من الْإِشَارَة غير مَقْصُود من الْكَلَام، وَلَا سيق الْكَلَام لَهُ فَانْظُر هَل تَجِد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى؟ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: فَأولى أَن يحسن مُعَاملَة ربه مَمْنُوع أَيْضا، وَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة فِي ذَلِك، والأولوية مَوْقُوفَة على تحقق الْمُدَّعِي وَالدَّعْوَى غير صَحِيحَة، لأنَّا نجد كثيرا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم وأيديهم، وَمَعَ هَذَا لَا يحسنون الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى؛ وَفِيه الْعَطف بَين الجملتين تَنْبِيها على التَّشْرِيك فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَفِيه من أَنْوَاع البديع: تجنيس الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فاقم وَجهك للدّين الْقيم} (الرّوم: ٤٣) فَإِن: أقِم والقيم، يرجعان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى: الْقيام.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ الْحَث على ترك أَذَى الْمُسلمين بِكُل مَا يُؤْذِي. وسر الْأَمر فِي ذَلِك حسن التخلق مَعَ الْعَالم، كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير الْأَبْرَار: هم الَّذين لَا يُؤْذونَ الذَّر وَلَا يرضون الشَّرّ. الثَّانِيَة: فِيهِ الرَّد على المرجئة، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم إِسْلَام نَاقص. الثَّالِثَة: فِيهِ الْحَث على ترك الْمعاصِي وَاجْتنَاب المناهي.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا: مَا قيل لم خص الْيَد مَعَ أَن الْفِعْل قد يحصل بغَيْرهَا؟ أُجِيب: بِأَن سلطنة الْأَفْعَال إِنَّمَا تظهر فِي الْيَد إِذْ بهَا الْبَطْش وَالْقطع والوصل وَالْأَخْذ وَالْمَنْع والإعطاء وَنَحْوه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لما كَانَت أَكثر الْأَعْمَال تباشر بِالْأَيْدِي غلبت، فَقيل: فِي كل عمل: هَذَا مِمَّا علمت أَيْديهم، وَإِن كَانَ عملا لَا يَأْتِي فِيهِ الْمُبَاشرَة بِالْأَيْدِي. وَمِنْهَا: مَا قيل لم قرن اللِّسَان بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن الْإِيذَاء بِاللِّسَانِ وَالْيَد أَكثر من غَيرهمَا. فَاعْتبر الْغَالِب. وَمِنْهَا: مَا قيل: لم قدم اللِّسَان على الْيَد؟ أُجِيب: بإن إِيذَاء اللِّسَان أَكثر وقوعاً وأسهل. وَلِأَنَّهُ أَشد نكاية، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحسان: (اهج الْمُشْركين فَإِنَّهُ أشق عَلَيْهِم من رشق النبل) وَقَالَ الشَّاعِر:

(جراحات السنان لَهَا التئام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)

وَمِنْهَا: مَا قيل: الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه، إِذا لم يسلم الْمُسلمُونَ مِنْهُ لَا يكون مُسلما، لَكِن الِاتِّفَاق على أَنه إِذا أَتَى بالأركان الْخَمْسَة فَهُوَ مُسلم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْمُسلم الْكَامِل كَمَا ذكرنَا، وَإِذا لم يسلم مِنْهُ الْمُسلمُونَ فَلَا يكون مُسلما كَامِلا، وَذَلِكَ لِأَن الْجِنْس إِذا أطلق يكون مَحْمُولا على الْكَامِل، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو: الرجل زيد. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَتهم أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يخصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألَا ترى كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ؟ وَقد يُقَال: سَلامَة الْمُسلمين خَاصَّة الْمُسلم، وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الْخَاصَّة انْتِفَاء مَا لَهُ الْخَاصَّة. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا يُقَال فِي إِقَامَة الْحُدُود، وإجراء التعازير، والتأديبات إِلَى آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك مُسْتَثْنى من هَذَا الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع، أَو أَنه لَيْسَ إِيذَاء بل هُوَ عِنْد التَّحْقِيق استصلاح وَطلب للسلامة لَهُم وَلَو فِي الْمَآل. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِذا آذَى ذِمِّيا مَا يكون حَاله؟ لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِالْمُسْلِمين أُجِيب: بِأَنَّهُ قد ذكر الْمُسلمُونَ هُنَا بطرِيق الْغَالِب، وَلِأَن كف الْأَذَى عَن الْمُسلم أَشد تَأْكِيدًا لأصل الْإِسْلَام، وَلِأَن الْكفَّار بصدد أَن يقاتلوا، وَإِن كَانَ فيهم من يجب الْكَفّ عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا حكم المسلمات فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ذكر بِجمع التَّذْكِير؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا من بَاب التغليب، فَإِن المسلمات يدخلن فِيهِ كَمَا فِي سَائِر النُّصُوص والمخاطبات. وَمِنْهَا: مَا قيل: لِمَ عبر بِاللِّسَانِ دون القَوْل، فَإِنَّهُ لَا يكون إلَاّ بِاللِّسَانِ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا عبر بِهِ دون القَوْل حَتَّى يدْخل فِيهِ من أخرج لِسَانه على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا الْفرق بَين الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَبَين الْأَذَى بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن إِيذَاء اللِّسَان عَام، لِأَنَّهُ يكون فِي الماضين والموجودين والحادثين بعد بِخِلَاف الْيَد، لِأَن إيذاءها مَخْصُوص بالموجودين، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كتب بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ حينئذٍ تشارك اللِّسَان، فحينئذٍ يكون الحَدِيث عَاما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَأما فِي الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دون الْيَد. فَافْهَم.

قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقالَ أبُو مُعَاوَيَةَ حَدثنَا داودُ عَنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

هَذَانِ تعليقان رجالهما خَمْسَة. الأول: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، الضَّرِير الْكُوفِي التَّمِيمِي، السَّعْدِيّ، مولى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، يُقَال: عمي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو ثَمَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ ثَبت فِي الْأَعْمَش، وَكَانَ مرجئاً، مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: أَبُو مُعَاوِيَة النَّخعِيّ عمر، وَأَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي هِنْد دِينَار، مولى امْرَأَة من قُشَيْر، وَيُقَال: مولى عبد الله عَامر بن كريز، أحد الْأَعْلَام الثِّقَات، بَصرِي، رأى أنسا وَسمع الشّعبِيّ وَغَيره من التَّابِعين، وَعنهُ شُعْبَة وَالْقطَّان، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث، وَكَانَ حَافِظًا صواماً دهره قَانِتًا لله، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة بطرِيق مَكَّة، عَن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ هُنَا خَاصَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه ذكر إلَاّ هُنَا. الثَّالِث: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، من بني سامة بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْبَصْرِيّ، روى عَن الْجريرِي وَغَيره، وَعنهُ بنْدَار، وَهُوَ ثِقَة قدري لكنه غير دَاعِيَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَة: هَذَا، وَفِي ابْن مَاجَه آخر واهٍ، وَآخر كَذَلِك وَآخر صَدُوق، وَفِي النَّسَائِيّ آخر ثِقَة، وَفِيه وَفِي التِّرْمِذِيّ آخر ثِقَة، وَفِي الْأَرْبَعَة آخرَانِ ضعفهما أَحْمد، فالجملة تِسْعَة، وَفِي الضُّعَفَاء سَبْعَة أُخْرَى. الرَّابِع: عَامر، هُوَ الشّعبِيّ الْمَذْكُور عَن قريب. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر آنِفا. واراد بِالتَّعْلِيقِ الأول بَيَان سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو لِأَن وهيب بن خَالِد روى عَن دَاوُد، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ، عَن عبيد الله بن عَمْرو. وَحَكَاهُ ابْن مَنْدَه، فَأخْرج البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق لينبه بِهِ على سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو، فعلى هَذَا لَعَلَّ الشّعبِيّ بلغه ذَاك عَن عبد الله بن عَمْرو، ثمَّ لقِيه فَسَمعهُ مِنْهُ. وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي مُعَاوِيَة مَوْصُولا، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن زُهَيْر الْحَافِظ بتستر، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو وَرب هَذِه البنية لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (المُهَاجر من هجر السَّيِّئَات، وَالْمُسلم من سلم النَّاس من

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْبَابِ تَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَتَلَا عَلَيْهِ ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إِلَى آخِرِهَا، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يَسُقْهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآيَةَ حَصَرَتِ التَّقْوَى عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَالْمُرَادُ الْمُتَّقُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ. فَإِذَا فَعَلُوا وَتَرَكُوا فَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْكَامِلُونَ. وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الْأَعْمَالَ مَعَ انْضِمَامِهَا إِلَى التَّصْدِيقِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْبِرِّ كَمَا هِيَ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ. فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْمَتْنِ ذِكْرُ التَّصْدِيقِ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَالْمُصَنِّفُ يُكْثِرُ الِاسْتِدْلَالَ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَتْنُ الَّذِي يَذْكُرُ أَصْلَهُ وَلَمْ يَسُقْهُ تَامًّا.

قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ذَكَرَهُ بِلَا أَدَاةِ عَطْفٍ، وَالْحَذْفُ جَائِزٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَقَوْلُ اللَّهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَثَبَتَ الْمَحْذُوفُ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ الْمُتَّقُونَ، أَيِ: الْمُتَّقُونَ هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إِلَى آخِرِهَا. وَكَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ أَشَارَ إِلَى إِمْكَانِ عَدِّ الشُّعَبِ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَشِبْهِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ عَدَّ كُلَّ طَاعَةٍ عَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ عَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَحَذَفَ الْمُكَرَّرَ فَبَلَغَتْ سَبْعًا وَسَبْعِينَ (١).

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هَذَا أَوَّلُ حَدِيثٍ وَقَعَ ذِكْرُهُ فِيهِ. وَمَجْمُوعُ مَا أَخْرَجَهُ لَهُ الْبُخَارِيُّ مِنَ الْمُتُونِ الْمُسْتَقِلَّةِ أَرْبَعُمِائَةُ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَلَى التَّحْرِيرِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي اسْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مِثْلَ مَا اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عِشْرِينَ قَوْلًا. قُلْتُ: وَسَرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّلْقِيحِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَبْلُغُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا. قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي تَرْجَمَتِهِ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فَلَمْ تَبْلُغْ ذَلِكَ ; وَلَكِنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِهِ وَفِي اسْمِ أَبِيهِ مَعًا.

قَوْلُهُ: (بِضْعٌ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ لُغَةً، وَهُوَ عَدَدٌ مُبْهَمٌ مُقَيَّدٌ بِمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَزَّازُ. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: إِلَى الْعَشْرِ. وَقِيلَ: مِنْ وَاحِدٍ إِلَى تِسْعَةٍ. وَقِيلَ: مِنِ اثْنَيْنِ إِلَى عَشَرَةٍ. وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعَةٍ إِلَى تِسْعَةٍ. وَعَنِ الْخَلِيلِ: الْبِضْعُ السَّبْعُ. وَيُرَجِّحُ مَا قَالَهُ الْقَزَّازُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مَرْفُوعًا، وَنَقَلَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَبِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ، فَإِذَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ امْتَنَعَ. قَالَ: وَأَجَازَهُ أَبُو زَيْدٍ فَقَالَ: يُقَالُ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا وَبِضْعٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِالْعَشَرَاتِ إِلَى التِّسْعِينَ، وَلَا يُقَالُ: بِضْعٌ وَمِائَةٌ وَلَا بِضْعٌ وَأَلْفٌ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِضْعَةٌ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَسِتُّونَ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنْ أَبِي عَامِرٍ شَيْخِ شَيْخِ الْمُؤَلِّفِ فِي ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَقَالَ: بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، وَكَذَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ

مِنْ طَرِيقِهِ فَقَالُوا: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقٍ سِتٌّ وَسَبْعُونَ أَوْ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَشُكَّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ فَتَرَدَّدَ أَيْضًا لَكِنْ يُرَجَّحُ بِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ فَمَعْلُولَةٌ، وَعَلَى صِحَّتِهَا لَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ، وَتَرْجِيحُ رِوَايَةِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ لِكَوْنِهَا زِيَادَةَ ثِقَةٍ - كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلِيمِيُّ ثُمَّ عِيَاضٌ - لَا يَسْتَقِيمُ، إِذِ الَّذِي زَادَهَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْجَزْمِ بِهَا، لَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ شُفُوفَ نَظَرِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْأَقَلَّ لِكَوْنِهِ الْمُتَيَقَّنَ.

قَوْلُهُ: (شُعْبَةٌ) بِالضَّمِّ أَيْ قِطْعَةٌ، وَالْمُرَادُ الْخُصْلَةُ أَوِ الْجُزْءُ.

قَوْلُهُ: (وَالْحَيَاءُ) هُوَ بِالْمَدِّ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ تَرْكِ الشَّيْءِ بِسَبَبٍ، وَالتَّرْكُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ. وَفِي الشَّرْعِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَيَاءُ مِنَ الْغَرَائِزِ فَكَيْفَ جُعِلَ شُعْبَةً مِنَ الْإِيمَانِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً وَقَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ لِهَذَا، وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَحَاجِزًا عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُقَالُ: رُبَّ حَيَاءٍ يَمْنَعُ عَنْ قَوْلِ الْحَقِّ أَوْ فِعْلِ الْخَيْرِ ; لِأَنَّ ذَاكَ لَيْسَ شَرْعِيًّا، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ هُنَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَالدَّاعِي إِلَى بَاقِي الشُّعَبِ، إِذِ الْحَيُّ يَخَافُ فَضِيحَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَأْتَمِرُ وَيَنْزَجِرُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْحَيَاءِ فِي بَابِ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا.

(فَائِدَةٌ): قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: تَكَلَّفَ جَمَاعَةٌ حَصْرَ هَذِهِ الشُّعَبِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَفِي الْحُكْمِ بِكَوْنِ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادَ صُعُوبَةً، وَلَا يَقْدَحُ عَدَمُ مَعْرِفَةِ حَصْرِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الْإِيمَانِ. اهـ.

وَلَمْ يَتَّفِقْ مَنْ عَدَّ الشُّعَبَ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ، وَأَقْرَبُهَا إِلَى الصَّوَابِ طَرِيقَةُ ابْنِ حِبَّانَ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى بَيَانِهَا مِنْ كَلَامِهِ، وَقَدْ لَخَّصْتُ مِمَّا أَوْرَدُوهُ مَا أَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ تَتَفَرَّعُ عَنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، وَأَعْمَالِ اللِّسَانِ، وَأَعْمَالِ الْبَدَنِ. فَأَعْمَالُ الْقَلْبِ فِيهِ الْمُعْتَقَدَاتُ وَالنِّيَّاتُ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَصْلَةً: الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَاعْتِقَادُ حُدُوثِ مَا دُونَهُ. وَالْإِيمَانِ بِمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ، وَالْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَمَحَبَّةِ اللَّهِ. وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ، وَاعْتِقَادِ تَعْظِيمِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، وَالتَّوْبَةُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالشُّكْرُ، وَالْوَفَاءُ، وَالصَّبْرُ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ، وَتَرْكُ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَتَرْكُ الْحَسَدِ، وَتَرْكُ الْحِقْدِ، وَتَرْكُ الْغَضَبِ.

وَأَعْمَالُ اللِّسَانِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعِ خِصَالٍ: التَّلَفُّظِ بِالتَّوْحِيدِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَالدُّعَاءِ، وَالذِّكْرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ، وَاجْتِنَابُ اللَّغْوِ.

وَأَعْمَالُ الْبَدَنِ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ خُصْلَةٍ، مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِالْأَعْيَانِ، وَهِيَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةٍ: التَّطْهِيرُ حِسًّا وَحُكْمًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ اجْتِنَابُ النَّجَاسَاتِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَالصَّلَاةُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالزَّكَاةُ كَذَلِكَ، وَفَكُّ الرِّقَابِ، وَالْجُودُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ، وَالصِّيَامُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ كَذَلِكَ، وَالطَّوَافُ، وَالِاعْتِكَافُ، وَالْتِمَاسُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْفِرَارُ بِالدِّينِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ، وَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ، وَالتَّحَرِّي فِي الْإِيمَانِ، وَأَدَاءُ الْكَفَّارَاتِ. وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ الِاتِّبَاعِ، وَهِيَ سِتُّ خِصَالٍ: التَّعَفُّفُ بِالنِّكَاحِ، وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْعِيَالِ ; وَبِرُّ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ «﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ … » إلى آخر الآية، وسقط لابن عساكرَ «﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾».

ثمَّ استدلَّ المؤلِّف لذلك أيضًا بآيةٍ أخرى فقال: (﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾) أي: فاز (﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ١]) بإسقاط واو العطف لعدم الإلباس، قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون ساقه تفسيرًا لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ تقديره: المتَّقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وفي رواية الأَصيليِّ: «وَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» بإثبات الواو، وفي رواية ابن عساكرَ: «وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾» قلت: وفيهما ردٌّ لِما قاله في «الفتح» من احتمال التَّفسير (١)، والآية يجوز فيها النَّصبُ؛ بتقدير: اقرأ، والرَّفعُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه.

٩ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن جعفرٍ المُسْنَدِيُّ؛ بضمِّ الميم وسكون المُهملَة وفتح النُّون، سُمِّي به لأنَّه كان يطلب المُسنَدات، ويرغب عنِ

المُرسَل والمنقطع، أو كان يتحرَّى المسانيد، أو لأنَّه أوَّلُ من جمع «مُسند الصَّحابة على التَّراجم بما وراء النَّهر»، وفي رواية ابن عساكرَ: «الجعفيُّ» كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو بن قيسٍ (العَقَدِيُّ) بفتح العين المُهملَة والقاف؛ نسبةً إلى العقَد، قومٌ من قيسٍ؛ وهم بطنٌ من الأزد أو بطن من بجيلة، أو قبيلةٌ من اليمن، البصريُّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ أو أربعٍ ومئتين (١) (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) القرشيُّ المدنيُّ، المُتوفَّى بها سنة اثنتين وسبعين ومئةٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِيْنَارٍ) القرشيِّ العدويِّ المدنيِّ، مولى ابن عمرَ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان الزَّيات المدنيِّ، المُتوفَّى بها سنة إحدى ومئةٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) تصغير هِرَّةٍ؛ عبدِ الرَّحمن بن صخرٍ الدَّوسيِّ، المُختلَف في اسمه، قال النَّوويُّ: على أكثر من ثلاثين قولًا، وحمله في «الفتح» على الاختلاف في اسمه واسم أبيه معًا، المُتوفَّى بالمدينة سنة تسعٍ أو ثمانٍ أو سبعٍ وخمسين، وأسلم عام خيبر، وشهدها مع النَّبيِّ ، ثمَّ لزمه وواظبه حتَّى كان أحفظ أصحابه، وروى عنه فَأَكْثَرَ، ذكر بَقِيُّ بن مَخْلَدٍ أنَّه روى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاث مئةٍ وأربعةً وسبعين حديثًا، وله في «البخاريِّ» أربعُ مئةٍ وستَّةٌ وأربعون حديثًا، وهذا أوَّل حديثٍ وقع له في هذا «الجامع» (عَنِ النَّبِيِّ )

أنَّه (قَالَ: الإِيمَانُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبرُه: (بِضْعٌ) بكسر المُوحَّدة وقد تُفتَح، قال الفرَّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التِّسعين، فلا يُقال: بضعٌ ومئةٌ، ولا بضعٌ وألفٌ، وفي «القاموس»: هو ما بين الثَّلاث إلى التِّسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعةٍ، أو من أربعٍ إلى تسعٍ، أو هو سبعٌ، وإذا جاوز العشرَ ذهب البِضْعُ، لا يُقَال: بضعٌ وعشرون، أو يُقال ذلك. انتهى. ويكون مع المُذكَّر بِهَاءٍ، ومع المُؤنَّث بغير هاءٍ، فتقول: بضعةٌ وعشرون رجلًا، وبضعٌ وعشرون امرأةً، ولا تعكس، وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: «بضعةٌ» (وَسِتُّونَ شُعْبَةً) بتأنيث «بضعةٌ» على تأويل الشُّعبة بالنَّوع، إذا فُسِّرتِ الشُّعبة (١) بالطَّائفة من الشَّيء، وقال الكِرمانيُّ: إنَّها في أكثر الأصول، قال ابن حجرٍ: بل هي في بعضها، وصوَّب العينيُّ قول الكِرمانيِّ تعصُّبًا، والذي رأيته في هامش فرع «اليونينيَّة» كهي، قال الأَصيليُّ: صوابه: «بضعٌ» يعني: بإسقاط الهاء، وقد وقع عند «مسلمٍ» من طريق سُهيل بن أبي (٢) صالحٍ عن عبد الله بن دينارٍ: «بضعٌ وستُّون، أو بضعٌ وسبعون» على الشَّكِّ، وعند أصحاب السُّنن الثَّلاثة من طريقه: «بضعٌ

وسبعون» من غير شكٍّ، ورجَّح البيهقيُّ رواية البخاريِّ لعدم شكِّ سليمان، وعُورِض: بوقوع الشَّكِّ عنه عند أبي عوانة، ورجح لأنَّه المُتيقَّن، وما عداه مشكوكٌ فيه، لا يُقَال بترجيح رواية: «بضعٌ وسبعون» لكونها زيادة ثقةٍ؛ لأنَّا نقول: الذي زادها لم يستمرَّ على الجزم بها، لاسيَّما مع اتِّحاد المخرج، وهل المُرَاد حقيقة العدد أم المُبالَغة؟ قال الطِّيبيُّ: الأظهر لي معنى التَّكثير، ويكون ذكر «البضع» للتَّرقي؛ يعني: أنَّ شعب الإيمان أعدادٌ مُبهَمةٌ (١)، ولا نهاية لكثرتها، ولو أراد التَّحديد لم يُبهِم، وقال آخرون: المُرَاد حقيقة العدد، ويكون النَّصُّ وقع أوَّلًا على البضع والسِّتِّين؛ لكونه الواقع، ثمَّ تجدَّدت العشر الزَّائدة فنصَّ عليها، وقد حاول جماعةٌ عدَّها بطريق الاجتهاد، وللبيهقيِّ وعبد الجليل كتاب «شُعَب الإيمان».

(وَالحَيَاءُ) بالمدِّ، وهو في الشَّرع: خُلُقٌ يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التَّقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وهو هنا: مبتدأٌ، خبره: (شُعْبَةٌ) و (مِنَ الإِيمَانِ) صفةٌ لـ «شعبةٌ»، وإنَّما خصَّه هنا بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى باقي الشُّعب؛ لأنَّه يبعث على الخوف من فضيحة الدُّنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمَّل معنى الحياء ونظر في قوله : «استحيوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن يحفَظ الرَّأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكرَ الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك؛ فقد استحيا من الله حقَّ الحياء»، ورأى العجب العجاب، قال الجنيد: الحياء يتولَّد من رؤية الآلاء ورؤية التَّقصير، فَلْيَذُقْ مَن مُنِحَ الفضلَ الإلهيَّ، ورُزِقَ الطبعَ السَّليم معنى إفراد «الحياء» بالذِّكر بعد دخوله في الشُّعَب، كأنَّه يقول: هذه شعبةٌ واحدةٌ من شُعَبه، فهل تُحصَى وتُعَدُّ شُعَبُها؟ هيهات! واعلم أنَّه لا يُقَال: إنَّ الحياء من الغرائز فلا يكون من الإيمان؛ لأنَّه قد يكون غريزَةً وقد يكون تخلُّقًا، إلَّا أنَّ استعماله على وفق الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيَّةٍ، فمن ثمَّ كان من الإيمان مع كونه باعثًا على

الطَّاعات واجتناب المُخالَفات، وفي هذا الحديث دلالةٌ على قبول الإيمان الزِّيادةَ؛ لأنَّ معناه -كما قال الخطَّابيُّ-: إنَّ الإيمان الشَّرعيَّ اسمٌ لمعنًى ذي أجزاءٍ له أدنى وأعلى، والاسم يتعلَّق ببعض تلك (١) الأجزاء كما يتعلَّق بكلِّها، وقد زاد «مسلمٌ» على ما في «البخاريِّ»: «فأفضلُها قولُ: لا إله إلَّا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطَّريق»، وتمسَّك به القائلون بأنَّ الإيمان فعلُ الطَّاعات بأسْرِها، والقائلون بأنَّه مُركَّبٌ من التَّصديق والإقرار والعمل جميعًا، وأُجِيب: بأنَّ المراد شُعَب الإيمان قطعًا لا نفس الإيمان، فإنَّ إماطة الأذى عن الطَّريق ليس داخلًا في أصل الإيمان حتَّى يكون فاقدُه غير مؤمنٍ، فلابدَّ في الحديث من تقدير مُضَافٍ، ثمَّ إنَّ في هذا الحديث تشبيه الإيمان بشجرةٍ ذاتِ أغصانٍ وشُعَبٍ، ومبناه على المَجاز؛ لأنَّ الإيمانَ -كما مرَّ في اللُّغة- التَّصديقُ، وفي عُرْفِ الشَّرع: تصديقُ القلب واللِّسان، وتمامه وكماله بالطَّاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنَّه بضعٌ وستُّون يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع؛ لأنَّ الإيمان هو الأصلُ، والأعمالُ فروعٌ منه، وإطلاق الإيمان على الأعمال مَجازٌ؛ لأنَّها تكون عن الإيمان، وهذا مبنيٌّ على القول بقبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصانَ، أمَّا على القول بعدم قبوله لهما؛ فليست الأعمال داخلةً في الإيمان، واستدلَّ لذلك: بأنَّ حقيقةَ الإيمان التَّصديقُ، ولأنَّه قد ورد في الكتاب والسُّنَّة عطف «الأعمال» على «الإيمان» كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [لقمان: ٨] مع القطع بأنَّ العطف يقتضي المُغايرَة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعل الإيمان شرط صحَّة الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] مع القطع بأنَّ المشروط لا يدخل في الشَّرط لامتناع اشتراط الشَّيء لنفسه، وورد

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

هَذِه وَإِنَّمَا هَذِه الْأَشْيَاء مَبْنِيَّة على الْإِسْلَام لِأَن الرجل مَا لم يشْهد لَا يُخَاطب بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة وَلَو قَالَهَا فَإنَّا نحكم فِي الْوَقْت بِإِسْلَامِهِ ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه الْأَحْكَام الْمَذْكُورَة المبنية على الْإِسْلَام حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه إِلَّا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لما أَرَادَ بَيَان أَن الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء ووجودها مَعَه جعله مَبْنِيا عَلَيْهَا وَلِهَذَا الْمَعْنى سوى بَينهَا وَبَين الشَّهَادَة وَإِن كَانَت هِيَ الْإِسْلَام بِعَيْنِه وَقَالَ الْكرْمَانِي حَاصِل كَلَامه أَن الْمَقْصُود من الحَدِيث بَيَان كَمَال الْإِسْلَام وَتَمَامه فَلذَلِك ذكر هَذِه الْأُمُور مَعَ الشَّهَادَة لَا نفس الْإِسْلَام وَهُوَ حسن لَكِن قَوْله ثمَّ إِذا أنكر حكما من هَذِه حكمنَا بِبُطْلَان إِسْلَامه لَيْسَ من الْبَحْث إِذْ الْبَحْث فِي فعل هَذِه الْأُمُور وَتركهَا لَا فِي إنكارها وَكَيف وإنكار كل حكم من أَحْكَام الْإِسْلَام مُوجب للكفر فَلَا معنى للتخصيص بِهَذِهِ الْأَرْبَعَة قلت اسْتِدْرَاك الْكرْمَانِي لَا وَجه لَهُ فَافْهَم السَّادِس مَا قيل لم لم يذكر الْإِيمَان بالأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغير ذَلِك مِمَّا تضمنه سُؤال جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أُجِيب بِأَن المُرَاد بِالشَّهَادَةِ تَصْدِيق الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ فيستلزم جَمِيع مَا ذكر من المعتقدات السَّابِع مَا قيل لم لم يذكر فِيهِ الْجِهَاد أُجِيب بِأَنَّهُ لم يكن فرض وَقيل لِأَنَّهُ من فروض الكفايات وَتلك فَرَائض الْأَعْيَان قَالَ الدَّاودِيّ لما فتحت مَكَّة سقط فرض الْجِهَاد على من يعد من الْكفَّار وَهُوَ فرض على من يليهم وَكَانَ أَولا فرضا على الْأَعْيَان وَقيل هُوَ مَذْهَب ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا وَالثَّوْري وَابْن شبْرمَة إِلَّا أَن ينزل الْعَدو فيأمر الإِمَام بِالْجِهَادِ وَجَاء فِي البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر مَا حملك على أَن تحج عَاما وتعتمر عَاما وتترك الْجِهَاد وَفِي بَعْضهَا فِي أَوله أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر أَلا نغزو قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث فَهَذَا يدل على أَن ابْن عمر كَانَ لَا يرى فرضيته إِمَّا مُطلقًا كَمَا نقل عَنهُ أَو فِي ذَلِك الْوَقْت وَجَاء هُنَا بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَجَاء فِي بعض طرقه على أَن يوحد الله وَفِي أُخْرَى على أَن يعبد الله وَيكفر بِمَا دونه بدل الشَّهَادَة قَالَ بَعضهم جَاءَت الأولى على نقل اللَّفْظ وَمَا عَداهَا على الْمَعْنى وَقد اخْتلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهُوَ جَوَاز نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من الْعَالم بمواقع الْأَلْفَاظ وتركيبها وَأما من لَا يعرف ذَلِك فَلَا خلاف فِي تَحْرِيمه عَلَيْهِ وَجَاء هَهُنَا وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان بِتَقْدِيم الْحَج وَفِي طَرِيقين لمُسلم وَفِي بعض الطّرق بِتَقْدِيم رَمَضَان وَفِي بَعْضهَا فَقَالَ رجل الْحَج وَصِيَام رَمَضَان وَقَالَ ابْن عمر لَا صِيَام رَمَضَان وَالْحج هَكَذَا سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاخْتلف النَّاس فِي الْجمع بَين الرِّوَايَات فَقَالَ الْمَازرِيّ تحمل مشاحة ابْن عمر على أَنه كَانَ لَا يرى رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَإِن أَدَّاهُ بِلَفْظ يحْتَمل أَو كَانَ يرى الْوَاو توجب التَّرْتِيب فَتجب الْمُحَافظَة على اللَّفْظ لِأَنَّهُ قد تتَعَلَّق بِهِ أَحْكَام وَقيل أَن ابْن عمر رَوَاهُ على الْأَمريْنِ وَلكنه لما رد عَلَيْهِ الرجل قَالَ لَا ترد على مَا لَا علم لَك بِهِ كَمَا رَوَاهُ فِي أَحدهمَا وَقيل يحْتَمل أَنه كَانَ نَاسِيا لِلْأُخْرَى عِنْد الْإِنْكَار وَمِنْهُم من قَالَ الصَّوَاب تَقْدِيم الصَّوْم وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى وهم لإنكار ابْن عمر وزجره عِنْد ذكرهَا واستضعف هَذَا بِأَنَّهُ يجر إِلَى توهين الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وطر وَاحْتِمَال الْفساد عِنْد فَتحه لأَنا لَو فتحنا هَذَا الْبَاب لارتفع الوثوق بِكَثِير من الرِّوَايَات إِلَّا الْقَلِيل وَلِأَن الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّحِيح وَلَا تنَافِي بَينهمَا كَمَا تقدم من جَوَاز رِوَايَة الْأَمريْنِ قَالَ القَاضِي وَقد يكون رد ابْن عمر الرجل إِلَى تَقْدِيم رَمَضَان لِأَن وجوب صَوْم رَمَضَان نزل فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وفريضة الْحَج فِي سنة سِتّ وَقيل تسع بِالْمُثَنَّاةِ فجَاء لفظ ابْن عمر على نسقها فِي التَّارِيخ وَالله أعلم وَقَالَ ابْن صَلَاح مُحَافظَة ابْن عمر على مَا سَمعه حجَّة لمن قَالَ بترتيب الْوَاو قلت لِلْجُمْهُورِ أَن يجيبوا عَن ذَلِك بِأَن تَقْدِيم الصَّوْم لتقدم زَمَنه كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفِي قَوْله واستضعف هَذَا إِلَى آخِره نظر وَقد وَقع فِي رِوَايَة ابْني عوَانَة فِي مستخرجه على مُسلم عكس مَا وَقع فِي الصَّحِيح وَهُوَ أَن ابْن عمر قَالَ للرجل اجْعَل صِيَام رَمَضَان آخِرهنَّ كَمَا سَمِعت وَأجَاب عَنهُ ابْن صَلَاح بقوله لَا تقاوم هَذِه رِوَايَة مُسلم وَقَالَ النَّوَوِيّ بِأَن الْقَضِيَّة لِرجلَيْنِ فَإِن قلت مَا تَقول فِي الرِّوَايَة الَّتِي اقتصرت على إِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ قلت إِمَّا اكْتِفَاء بِذكر إِحْدَاهمَا عَن الْأُخْرَى لدلالتها عَلَيْهَا وَإِمَّا لتقصير من الرَّاوِي فَزَاد عَلَيْهِ غَيره فَقبلت زِيَادَته فَافْهَم وَالرجل الْمَرْدُود عَلَيْهِ تَقْدِيمه الْحَج اسْمه يزِيد بن بشر السكْسكِي ذكره الْخَطِيب فِي الْأَسْمَاء المبهمة لَهُ

٣ - (بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ)

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنّ

َ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْم الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِيينَ وَآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتَامَى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وأقَامَ الصَّلَاةَ وأتَى الزَّكَاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا والصَّابرينَ فِي البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولئِكَ الذَينَ صَدَقُوا وأُولَئكَ هُمُ المتَّقُونَ} (الْبَقَرَة: ١٧٧) {قَدْ أفْلَحَ المؤمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الآيَةَ.

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أُمُور الْإِيمَان، فَيكون ارْتِفَاع: بَاب، على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَالْمرَاد بالأمور هِيَ: الْإِيمَان، لِأَن الْأَعْمَال عِنْده هِيَ: الْإِيمَان، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة فِيهِ بَيَانِيَّة، وَيجوز أَن يكون التَّقْدِير: بَاب الْأُمُور الَّتِي للْإيمَان فِي تَحْقِيق حَقِيقَته وتكميل ذَاته، فعلى هَذَا، الْإِضَافَة بِمَعْنى: اللَّام، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: بَاب أَمر الْإِيمَان، بِالْإِفْرَادِ على إِرَادَة الْجِنْس؛ وَقَالَ ابْن بطال: التَّصْدِيق أول منَازِل الْإِيمَان، والاستكمال إِنَّمَا هُوَ بِهَذِهِ الْأُمُور. وَأَرَادَ البُخَارِيّ الاستكمال، وَلِهَذَا بوب أبوابه عَلَيْهِ فَقَالَ: بَاب أُمُور الْإِيمَان؛ و: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان، و: بَاب الصَّلَاة من الْإِيمَان، و: بَاب الزَّكَاة من الْإِيمَان. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الْأَبْوَاب كلهَا الرَّد على المرجئة الْقَائِلين، بِأَن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الْكتاب وَالسّنة. وَقَالَ الْمَازرِيّ: اخْتلف النَّاس فِيمَن عصى الله من أهل الشَّهَادَتَيْنِ: فَقَالَت المرجئة: لَا تضر الْمعْصِيَة مَعَ الْإِيمَان، وَقَالَت الْخَوَارِج: تضره بهَا وَيكفر بهَا، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: يخلد بهَا فَاعل الْكَبِيرَة وَلَا يُوصف بِأَنَّهُ مُؤمن وَلَا كَافِر، لَكِن يُوصف بِأَنَّهُ فَاسق: وَقَالَت الأشعرية: بل هُوَ مُؤمن وَأَن عذب، وَلَا بُد من دُخُوله الْجنَّة. قَوْله: (وَقَول الله عز وَجل) بِالْجَرِّ عطف على الْأُمُور. فَإِن قلت: مَا الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْآيَة والتبويب؟ قلت: لِأَن الْآيَة حصرت الْمُتَّقِينَ على أَصْحَاب هَذِه الصِّفَات والأعمال، فَعلم مِنْهَا أَن الْإِيمَان الَّذِي بِهِ الْفَلاح والنجاة الْإِيمَان الَّذِي فِيهِ هَذِه الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة، وَكَذَلِكَ الْآيَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون وَالَّذين هم عَن اللَّغْو معرضون وَالَّذين هم لِلزَّكَاةِ فاعلون وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت إِيمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١ ٧) وَذكر الْأُخْرَى فِي كتاب الشَّرِيعَة من حَدِيث المَسْعُودِيّ، عَن الْقَاسِم، عَن أبي ذَر، رَضِي الله عَنهُ: (أَن رجلا سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان فَقَرَأَ عَلَيْهِ: {لَيْسَ بِالْبرِّ} (الْبَقَرَة: ١٧٧)) الْآيَة. فَقَالَ الرجل: لَيْسَ عَن الْبر سَأَلتك، فَقَالَ أَبُو ذَر: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلتنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ كَمَا قَرَأت عَلَيْك، فَأبى أَن يرضى كَمَا أَبيت أَن ترْضى، فَقَالَ: ادن مني، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ الْمُؤمن الَّذِي يعْمل حَسَنَة فتسره، ويرجو ثَوَابهَا، وَإِن عمل سَيِّئَة تسؤوه وَيخَاف عَاقبَتهَا. قَوْله: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) أَي: لَيْسَ الْبر كه أَن تصلوا وَلَا تعملوا غير ذَلِك. {وَلَكِن الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بر {من آمن بِاللَّه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْآيَة كَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ. وَقَالَ الزّجاج: وَلَكِن ذَا الْبر، فَحذف الْمُضَاف كَقَوْلِه {هم دَرَجَات عِنْد الله} (آل عمرَان: ١٦٣) أَي: ذَوُو دَرَجَات، وَمَا قدره سِيبَوَيْهٍ أولى، لِأَن الْمَنْفِيّ هُوَ الْبر، فَيكون هُوَ الْمُسْتَدْرك من جنسه. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله: البراسم للخير، وَلكُل فعل مرضِي وَفِي (الغريبين) الْبر: الاتساع فِي الْإِحْسَان وَالزِّيَادَة مِنْهُ. وَقَالَ السّديّ: {لن تنالوا الْبر حَتَّى تتفقوا} (آل عمرَان: ٩٢) يَعْنِي: الْجنَّة وَالْبر: أَيْضا: الصِّلَة وَهُوَ اسْم جَامع للخير كُله، وَفِي (الْجَامِع) و (الْجَمْرَة) : الْبر ضد العقوق، وَفِي (مثلث) ابْن السَّيِّد: الْإِكْرَام، كَذَا نَقله عَنهُ فِي (الواعي) : وَذكر ابْن عديس عَنهُ: الْبر، بِالْكَسْرِ: الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الخطابُ لأهل الْكتاب، لِأَن الْيَهُود تصلي قبل الْمغرب إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَالنَّصَارَى قبل الْمشرق، وَذَلِكَ أَنهم أَكْثرُوا الْخَوْض فِي أَمر الْقبْلَة حِين تحول رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الْكَعْبَة، وَزعم كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ أَن الْبر التَّوَجُّه، إِلَى قبلته، فَرد عَلَيْهِم وَقَرَأَ: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بِالنّصب على أَنه خبر مقدم، وَقَرَأَ عبد الله: {بِأَن توَلّوا} على إِدْخَال الْبَاء على الْخَبَر للتَّأْكِيد. وَعَن الْمبرد: لَو كنت مِمَّن يقْرَأ الْقُرْآن لقرأت: {وَلَكِن الْبر} بِفَتْح الْبَاء، وقرىء وَلَكِن الْبَار، وَقَرَأَ ابْن عَامر وَنَافِع: وَلَكِن الْبر، بِالتَّخْفِيفِ {وَالْكتاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) جنس كتاب الله تَعَالَى، أَو الْقُرْآن: {على حبه} (الْبَقَرَة: ١٧٧) مَعَ حب المَال وَالشح بِهِ، وَقيل: على حب الله، وَقيل: على حب الإيتاء، وَقدم ذَوي الْقُرْبَى لِأَنَّهُ أَحَق، وَالْمرَاد: الْفُقَرَاء مِنْهُم لعدم الالتباس: {والمسكين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الدَّائِم السّكُون إِلَى النَّاس، لِأَنَّهُ لَا شَيْء لَهُ كالمسكير: الدَّائِم السكر. {وَابْن السَّبِيل} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْمُسَافِر الْمُنْقَطع، وَجعل ابْنا للسبيل لملازمته لَهُ، كَمَا يُقَال: للص الْقَاطِع: ابْن الطَّرِيق، وَقيل: هُوَ الضَّيْف لِأَن السَّبِيل ترعف بِهِ {والسائلين} (الْبَقَرَة: ١٧٧) المستطعمين. {وَفِي الرّقاب} (الْبَقَرَة: ١٧٧) وَفِي معاونة المكاتبين حَتَّى يفكوا رقابهم، وَقيل: فِي ابتياع الرّقاب وإعتاقها، وَقيل: فِي فك الْأُسَارَى والموفون

عطف على من: آمن، وَأخرج الصابرين مَنْصُوبًا على الِاخْتِصَاص والمدح إِظْهَارًا لفضل الصَّبْر فِي الشدائد، ومواطن الْقِتَال على سَائِر الْأَعْمَال، وقرىء: والصابرون، وقرىء: والموفين وَالصَّابِرِينَ {والبأساء} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الْفقر والشدة وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض والزمانة قَوْله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الْآيَة: هَذِه آيَة أُخْرَى، ذكر الْآيَتَيْنِ لاشتمالهما على أُمُور الْإِيمَان، وَالْبَاب مبوب عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا لم يقل: وَقَول الله عز وَجل {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) كَمَا قَالَ فِي أول الْآيَة الأولى، وَقَول الله عز وَجل: {لَيْسَ الْبر} (الْبَقَرَة: ١٧٧) الخ لعدم الالتباس فِي ذَلِك، وَاكْتفى أَيْضا بِذكرِهِ فِي الأولى، وَقَالَ بَعضهم: ذكره بِلَا أَدَاة عطف، والحذف جَائِز، وَالتَّقْدِير: وَقَول الله عز وَجل: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) قلت: الْحَذف غير جَائِز، وَلَئِن سلمنَا فَذَاك فِي بَاب الشّعْر، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون تَفْسِيرا لقَوْله: المتقون هم الموصوفون بقوله: {قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) إِلَى آخرهَا. قلت: لَا يَصح هَذَا أَيْضا. لِأَن الله تَعَالَى ذكر فِي هَذِه الْآيَة من وصفوا بالأوصاف الْمَذْكُورَة فِيهَا، ثمَّ أَشَارَ إِلَيْهِم بقوله: {وَأُولَئِكَ هم المتقون} (الْبَقَرَة: ١٧٧) بَين أَن هَؤُلَاءِ الموصوفين هم المتقون، فَأَي شَيْء يحْتَاج بعد ذَلِك إِلَى تَفْسِير الْمُتَّقِينَ فِي هَذِه الْآيَة حَتَّى يفسرهم بقوله: {قد أَفْلح} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) الخ، وَرُبمَا كَانَ يُمكن صِحَة هَذِه الدَّعْوَى لَو كَانَت الْآيَتَانِ متواليتين، فبينهما آيَات عديدة، بل سور كَثِيرَة، فَكيف يكون هَذَا من بَاب التَّفْسِير وَهَذَا كَلَام مستبعد جدا. قَوْله: (الْآيَة) يجوز فِيهَا: النصب، على معنى إقرأ الْآيَة: و: الرّفْع، على معنى الْآيَة بِتَمَامِهَا على أَنه مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر. قَوْله: {أَفْلح} أَي: دخل فِي الْفَلاح، وَهُوَ فعل لَازم، والفلاح الظفر بالمراد، وَقيل: الْبَقَاء فِي الْخَيْر. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يُقَال: أفلحه أجاره إِلَى الْفَلاح، وَعَلِيهِ قِرَاءَة طَلْحَة بن مصرف: أَفْلح للْبِنَاء للْمَفْعُول، وَعنهُ أفلحوا على أكلوني البراغيث، أَو على الْإِبْهَام وَالتَّفْسِير: (والخشوع فِي الصَّلَاة) خشيَة الْقلب (واللغو) مَا لَا يَعْنِيك من قَول أَو فعل كاللعب والهزل، وَمَا توجب الْمُرُوءَة إلغاءه وإطراحه. قَوْله: {فاعلون} (الْمُؤْمِنُونَ: ١) أَي: مؤدون. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فَإِن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لِأَنَّهُ أُرِيد من جنس الْعُقَلَاء مَا يجرى مجْرى غير الْعُقَلَاء. وهم الْإِنَاث.

٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدثنَا أبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيِ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ الإِيِمَانُ بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً والحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.

قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين؛ هَذَا مُتَعَلق بِالْبَابِ الَّذِي قبله، وَهُوَ أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص، وَجه الدَّلِيل أَن الشَّرْع أطلق الْإِيمَان على أَشْيَاء كَثِيرَة من الْأَعْمَال كَمَا جَاءَ فِي الْآيَات والخبرين الَّذين ذكرهمَا فِي هَذَا الْبَاب، بِخِلَاف قَول المرجئة، فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان قَول بِلَا عمل. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْكَلَام، وَإِنَّمَا هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي بعده كلهَا مُتَعَلقَة بِالْبَابِ الأول، مبينَة أَن الْإِيمَان قَول وَعمل يزِيد وَينْقص على مَا لَا يخفى.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة: الأول: أَبُو جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان بن أخنس بن خُنَيْس الْجعْفِيّ البُخَارِيّ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَهُوَ ابْن عَم عبد الله بن سعيد بن جَعْفَر بن الْيَمَان، واليمان هَذَا هُوَ مولى أحد أجداد البُخَارِيّ، وَلَاء إِسْلَام، سمع وكيعاً وخلقاً، وَعنهُ الذهلي وَغَيره من الْحفاظ، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، إنفرد البُخَارِيّ بِهِ عَن أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة، وروى التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ عَنهُ. الثَّانِي: أَبُو عَامر عبد الْملك بن عَمْرو بن قيس الْعَقدي الْبَصْرِيّ، سمع مَالِكًا وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد، وَاتفقَ الْحفاظ على جلالته وثقته، مَاتَ سنة خمس، وَقيل: أَربع وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: أَبُو مُحَمَّد أَو أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن بِلَال الْقرشِي التَّيْمِيّ الْمدنِي، مولى آل الصّديق، سمع عبد الله بن دِينَار وجمعاً من التَّابِعين، وَعنهُ الْأَعْلَام كَابْن الْمُبَارك وَغَيره، وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد: كَانَ بربرياً جميلاً حسن الْهَيْئَة عَاقِلا، وَكَانَ يُفْتِي بِالْبَلَدِ، وَولي خراج الْمَدِينَة، وَمَات بهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة، وَقَالَ البُخَارِيّ عَن هَارُون بن مُحَمَّد: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة من اسْمه سُلَيْمَان بن هِلَال سوى هَذَا. الرَّابِع: أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن دِينَار، أَخُو عَمْرو بن دِينَار، الْقرشِي الْعَدوي الْمدنِي، مولى ابْن عمر، سمع مَوْلَاهُ وَغَيره، وَعنهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن وَغَيره، وَهُوَ ثِقَة بِاتِّفَاق، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: عَمْرو بن دِينَار الْحِمصِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: عَمْرو بن دِينَار، غَيرهمَا. الْخَامِس: أَبُو صَالح

ذكْوَان السمان الزيات الْمدنِي، كَانَ يجلب السّمن وَالزَّيْت إِلَى الْكُوفَة، مولى جوَيْرِية بنت الأحمس الْغَطَفَانِي، وَفِي شرح قطب الدّين: إِنَّه مولى جويرة بنت الْحَارِث، امْرَأَة من قيس، سمع جمعا من الصَّحَابَة وخلقاً من التَّابِعين، وَعنهُ جمع من التَّابِعين مِنْهُم: عَطاء، وَسمع الْأَعْمَش مِنْهُ ألف حَدِيث، وروى عَنهُ أَيْضا بنوه: عبد الله وَسُهيْل وَصَالح، وَاتَّفَقُوا على توثيقه، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَمِائَة، وَأَبُو صَالح فِي الروَاة جمَاعَة، قد مضى ذكرهم فِي الحَدِيث الرَّابِع من بَاب بَدْء الْوَحْي. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة اخْتلف فِي اسْمه وَاسم أَبِيه على نَحْو ثَلَاثِينَ قولا، وأقربها: عبد الله، أَو عبد الرَّحْمَن بن صَخْر الدوسي، وَهُوَ أول من كني بِهَذِهِ الكنية لهرة كَانَ يلْعَب بهَا، كناه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، وَقيل: وَالِده، وَكَانَ عريف أهل الصّفة، أسلم عَام خَيْبَر بالِاتِّفَاقِ وشهدها مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يخْتَلف فِي اسْم أحد فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا فِي الْإِسْلَام كالاختلاف فِيهِ، وروى أَنه قَالَ: كَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة: عبد شمس، وَسمي فِي الْإِسْلَام: عبد الرَّحْمَن، وَاسم أمه مَيْمُونَة، وَقيل: أُميَّة، وَقد أسلمت بِدُعَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: نشأت يَتِيما، وَهَاجَرت مِسْكينا، وَكنت أَجِيرا لبسرة بنت غَزوَان خَادِمًا لَهَا، فزوجنيها الله تَعَالَى، فَالْحَمْد لله الَّذِي جعل الدّين قواماً، وَجعل أَبَا هُرَيْرَة إِمَامًا. قَالَ: وَكنت أرعى غنما، وَكَانَ لي هرة صَغِيرَة أَلعَب بهَا فكنوني بهَا وَقيل: رَآهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي كمه هرة، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَة، وَهُوَ أَكثر الصَّحَابَة رِوَايَة بِإِجْمَاع، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة آلَاف حَدِيث وثلثمائة وَأَرْبَعَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة وَعشْرين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة وَتِسْعين، وَمُسلم بِمِائَة وَتِسْعين روى عَنهُ أَكثر من ثَمَانمِائَة رجل من صَاحب وتابع، مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس؛ وَهُوَ أزدي دوسي يماني، ثمَّ مدنِي كَانَ ينزل بِذِي الحليفة بِقرب الْمَدِينَة، لَهُ بهَا دَار تصدق بهَا على موَالِيه، وَمن الروَاة عَنهُ: ابْنه الْمُحَرر، بحاء مُهْملَة ثمَّ رَاء مكررة، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة تسع وَخمسين، وَقيل: ثَمَان، وَقيل: سبع، وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ ابْن ثَمَان وَسبعين سنة، وَالَّذِي يَقُوله النَّاس: إِن قَبره بِقرب عسقلان لَا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم هُنَاكَ قبر خيسعة بن جندرة الصَّحَابِيّ؛ وَأَبُو هُرَيْرَة من الْأَفْرَاد لَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اكتنى بِهَذِهِ الكنية سواهُ، وَفِي الروَاة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، يروي عَن مَكْحُول وَعنهُ أَبُو الْمليح الرقي، لَا يعرف. وَآخر اسْمه مُحَمَّد بن فرَاش الضبعِي، روى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، مَاتَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَفِي الشَّافِعِيَّة آخر اكتنى بِهَذِهِ الكنية، واسْمه ثَابت بن شبْل، قَالَ عبد الْغفار فِي حَقه: شيخ فَاضل مناظر.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْجعْفِيّ: فِي مذْحج ينْسب إِلَى جعفي بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك: وَمَالك هُوَ جماع مذْحج، والعقدي نِسْبَة إِلَى العقد، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْقَاف المفتوحتين، وهم قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كَذَا فِي (التَّهْذِيب) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي شَرحه، وَفِي شرح قطب الدّين: إِن العقد بطن من نخيلة، وَقيل: من قيس بِالْوَلَاءِ، قَالَ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ: إِنَّمَا سموا عقدا لأَنهم كَانُوا لِئَامًا، وَقَالَ الْحَاكِم: العقد مولى الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة، وَقَالَ صَاحب (الْعين) : العقد قَبيلَة من الْيمن من بني عبد شمس بن سعد، وَقَالَ الرشاطي: الْعَقدي فِي قيس بن ثَعْلَبَة، وَحكى أَبُو عَليّ الغساني، عَن أبي عمر قَالَ: العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بِضَم الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون، هُوَ عبد الله بن مُحَمَّد شيخ البُخَارِيّ، سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يطْلب المسندات ويرغب عَن الْمُرْسل والمنقطات، وَقَالَ صَاحب (الْإِرْشَاد) : كَانَ يتحَرَّى المسانيد من الْأَخْبَار، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله: عرف بذلك لِأَنَّهُ أول من جمع مُسْند الصَّحَابَة على التراجم بِمَا وَرَاء النَّهر؛ والتيمي فِي قبائل، فَفِي قُرَيْش: تيم بن مرّة، وَفِي الربَاب: تيم بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة، وَفِي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وَفِي شَيبَان ابْن ذهل: تيم بن شَيبَان، وَفِي ربيعَة بن نذار: تيم الله بن ثَعْلَبَة، وَفِي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وَفِي ضبة: تيم بن ذهل. والعدوي نِسْبَة إِلَى عدي بن كَعْب، وَهُوَ فِي قُرَيْش، وَفِي الربَاب: عدي بن عبد مَنَاة، وَفِي خُزَاعَة: عدي بن عَمْرو، وَفِي الْأَنْصَار: عدي بطن بن النجار، وَفِي طَيء: عدي بن أخرم، وَفِي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي فِي الأزد ينْسب إِلَى دوس بن عدنان بن عبد الله.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) مِنْهَا: الأسناد كلهم مدنيون إِلَّا الْعَقدي فَإِنَّهُ بَصرِي، وإلَاّ المسندي. وَمِنْهَا: أَن كلهم على شَرط السِّتَّة إلَاّ المسندي كَمَا بَيناهُ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ، وَهُوَ عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح.

(بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم عَن عبيد الله بن سعيد، وَعبد بن حميد، عَن الْعَقدي بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن زُهَيْر،

عَن جرير، عَن سهل بن عبد الله، عَن ابْن دِينَار، عَنهُ. وَرَوَاهُ بَقِيَّة الْجَمَاعَة أَيْضا: فَأَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، عَن حَمَّاد عَن سُهَيْل بِهِ. و: التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن أبي كريب، عَن وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن سُهَيْل بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. و: النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عبد الله المحرمي، عَن أبي عَامر الْعَقدي بِهِ؛ وَعَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، عَن أبي دَاوُد الْحَفرِي. و: أبي نعيم كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ. وَعَن يحيى بن حبيب بن عَرَبِيّ عَن خَالِد بن الْحَارِث، عَن ابْن عجلَان عَنهُ، بِبَعْضِه: (الْحيَاء من الْإِيمَان) ، وَابْن مَاجَه فِي السّنة عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي، عَن وَكِيع بِهِ. وَعَن عَمْرو بن رَافع، عَن جرير بِهِ. وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة، عَن أبي جمال الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان نَحوه.

(بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات) : كَذَا وَقع هُنَا من طَرِيق أبي زيد الْمروزِي: (الْإِيمَان بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) ، وَفِي مُسلم وَغَيره من حَدِيث سُهَيْل، عَن عبد الله بن دِينَار: (بضع وَسَبْعُونَ أَو بضع وَسِتُّونَ) ، وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث الْعَقدي، عَن سُلَيْمَان: (بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة) . وَكَذَا وَقع فِي البُخَارِيّ من طَرِيق أبي ذَر الْهَرَوِيّ، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من رِوَايَة سُهَيْل: (بضع وَسَبْعُونَ) بِلَا شكّ، ورجحها القَاضِي عِيَاض، وَقَالَ إِنَّهَا الصَّوَاب. وَكَذَا رجحها الْحَلِيمِيّ وجماعات مِنْهُم: النَّوَوِيّ لِأَنَّهَا زِيَادَة من ثِقَة فَقبلت، وقدمت وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأَقَل مَا يمْنَعهَا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: الْأَشْبَه تَرْجِيح الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن، وَالشَّكّ من سُهَيْل، كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ. وَقد رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن جرير: (وَسَبْعُونَ) من غير شكّ، وَكَذَا رِوَايَة سُلَيْمَان ابْن بِلَال فِي مُسلم وَفِي البُخَارِيّ (بضع وَسِتُّونَ) وَقَالَ ابْن الصّلاح: فِي البُخَارِيّ فِي نسخ بِلَادنَا: (إلَاّ سِتُّونَ) ، وَفِي لفظ لمُسلم: (فأفضلها قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . وَفِي لفظ ابْن مَاجَه: (فأرفعها) ، وَلَفظ اللالكائي: (ادناها إمَاطَة الْعظم عَن الطَّرِيق) ؛ وَفِي كتاب ابْن شاهين: (خِصَال الْإِيمَان أفضلهَا قَول لَا إِلَه إِلَّا الله) ، وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ: (بضع وَسَبْعُونَ بَابا) ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان سِتُّونَ بَابا أَو سَبْعُونَ أَو بضع) . وَاحِد من العددين، وَرِوَايَة قُتَيْبَة، عَن بكر بن مُضر، عَن عمَارَة بن عربة، عَن أبي صَالح: (الْإِيمَان أَربع وَسِتُّونَ بَابا) ، وَمن حَدِيث الْمُغيرَة بن عبد الله بن عُبَيْدَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن جدي، وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (الْإِيمَان ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ شَرِيعَة، من وافى الله بشريعة مِنْهَا دخل الْجنَّة) . وَفِي كتاب ابْن شاهين من حَدِيث الإفْرِيقِي، عَن عبد الله بن رَاشد مولى عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة يَقُول عز وَجل: وَلَا يجيبني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهُنَّ إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ: سَمِعت أَبَا سعيد رَضِي الله عَنهُ، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن بَين يَدي الرَّحْمَن عز وَجل لوحاً فِيهِ ثَلَاثمِائَة وتسع عشرَة شَرِيعَة، يَقُول عز وَجل: لَا يجيئني عبد من عبَادي لَا يُشْرك بِي شَيْئا فِيهِ وَاحِدَة مِنْهَا إلَاّ أدخلته الْجنَّة) . وَمن حَدِيث عبد الْوَاحِد بن زيد، عَن عبد الله بن رَاشد، عَن مَوْلَاهُ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن لله تَعَالَى مائَة خلق، من أَتَى بِخلق مِنْهَا دخل الْجنَّة) . قَالَ لنا أَحْمد: سُئِلَ إِسْحَاق: مَا معنى الْأَخْلَاق؟ قَالَ: يكون فِي الْإِنْسَان حَيَاء، يكون فِيهِ رَحْمَة، يكون فِيهِ سخاء، يكون فِيهِ تسَامح، هَذَا من أَخْلَاق الله عز وَجل، وَفِي (كتاب الديباج) للخيلي، من حَدِيث نوح بن فضَالة، عَن مَالك بن زِيَاد الْأَشْجَعِيّ: (الْإِسْلَام ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر سَهْما، فَإِذا كَانَ فِي جَاءَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام، وَإِنَّمَا الْإِسْلَام من جَاءَ متمسكاً بِسَهْم من سهامي، فَأدْخلهُ الْجنَّة) قَالَ رسته: حَدثنَا ابْن مهْدي، عَن إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق، عَن صلَة عَن حُذَيْفَة: (الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَصَوْم رَمَضَان سهم، وَالْحج سهم، وَالْجهَاد سهم وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، سهم وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، سهم وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (بضع) ذكر ابْن الْبنانِيّ فِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: الْبضْع، مِثَال عِلم: مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة

واثني عشرَة إِلَى عشْرين فَمَا فَوق ذَلِك يُقَال: بضعَة عشر فِي جمع الْمُذكر، وبضع عشرَة فِي جمع الْمُؤَنَّث. قَالَ تَعَالَى: {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) وَلَا يُقَال فِي: أحد عشر وَلَا اثنى عشر، إِنَّمَا الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى الْعشْر. وَقَالَ صَاحب (الْعين) : الْبضْع سَبْعَة، وَقَالَ قطرب: أخبرنَا الثِّقَة، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: ( {فِي بضع سِنِين} (الرّوم: ٤) مَا بَين خمس إِلَى سبع) . وَقَالُوا: مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَقَالَ الْفراء: الْبضْع نَيف مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع، كَذَلِك رَأَيْت الْعَرَب تفعل، وَلَا يَقُولُونَ: بضع وَمِائَة، وَلَا بضع وَألف، وَلَا يذكر مَعَ عشر وَمَعَ الْعشْرين إِلَى التسعين. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ الْقطعَة من الْعدَد تجْعَل لما دون الْعشْرَة من الثَّلَاث إِلَى التسع، وَهُوَ الصَّحِيح، وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي. وَقَالَ غَيره: الْبضْع من الثَّلَاث إِلَى التسع؛ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ مَا بَين نصف الْعشْر، يُرِيد مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة؛ وَقَالَ يَعْقُوب، عَن أبي زيد: بِضع وبَضع، مِثَال: علِم وصَقر؛ وَفِي (الْمُحكم) الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْعشْر، وبالهاء من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، يُضَاف إِلَى مَا يُضَاف إِلَيْهِ: الْآحَاد، ويبنى مَعَ الْعشْرَة، كَمَا يبْنى سَائِر الْآحَاد، وَلم يمْتَنع عشرَة؛ وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: بضع سِنِين قِطْعَة من السنين، وَهُوَ يجْرِي فِي الْعدَد مجْرى مَا دون الْعشْرَة. وَقَالَ قوم: قَوْله تَعَالَى: {فَلبث فِي السجْن بضع سِنِين} (يُوسُف: ٤٢) يدل على أَن الْبضْع سبع سِنِين، لِأَن يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا لبث فِي السجْن سبع سِنِين. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ الْبضْع العقد وَلَا نصف العقد؛ يذهب إِلَى أَنه من الْوَاحِد إِلَى الْأَرْبَعَة. وَفِي (الصِّحَاح) : لَا تَقول بضع وَعِشْرُونَ. وَقَالَ المطرزي فِي شَرحه: الْبضْع من أَرْبَعَة إِلَى تِسْعَة، هَذَا الَّذِي حصلناه من الْعلمَاء الْبَصرِيين والكوفيين، وَفِيه خلاف، إلَاّ أَن هَذَا هُوَ الإختيار. والنيف: من وَاحِد إِلَى ثَلَاثَة، وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي (المثلث) الْبضْع، بِالْفَتْح وَالْكَسْر؛ مَا بَين وَاحِد إِلَى خَمْسَة فِي قَول أبي عُبَيْدَة، وَقَالَ غَيره: مَا بَين وَاحِد إِلَى عشرَة، وَهُوَ الصَّحِيح وَفِي (الغريبين) للهروي: الْبضْع والبضعة وَاحِد، ومعناهما الْقطعَة من الْعدَد، زَاد عِيَاض، بِكَسْر الْبَاء فيهمَا وبفتحهما، وَفِي (الْعباب) قَالَ أَبُو زيد: أَقمت بضع سِنِين، بِالْفَتْح، وَجَلَست فِي بقْعَة طيبَة، وأقمت بُرْهَة كلهَا بِالْفَتْح. وَهُوَ مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع. وروى الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْبضْع مَا بَين الثَّلَاث إِلَى الْخمس. وَتقول: بضع سِنِين وَبضْعَة عشر رجلا، وبضع عشرَة امْرَأَة، فَإِذا جَاوَزت لفظ الْعشْر ذهب الْبضْع، لَا تَقول: بضع وَعِشْرُونَ، وَقيل: هَذَا غلط، بل يُقَال ذَلِك. وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال لَهُ بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة، والبضع من الْعدَد فِي الأَصْل غير مَحْدُود، وَإِنَّمَا صَار مُبْهما لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْقطعَة، والقطعة غير محدودة. قَوْله: (شُعْبَة) ، بِضَم الشين، وَهِي الْقطعَة والفرقة، وَهِي وَاحِدَة الشّعب، وَهِي أَغْصَان الشَّجَرَة. قَالَ ابْن سَيّده: الشعبة الْفرْقَة والطائفة من الشَّيْء، وَمِنْه شعب الْآبَاء، وَشعب الْقَبَائِل، وشعبها الْأَرْبَع، وَوَاحِد شعب الْقَبَائِل شعب، بِالْفَتْح، وَقيل: بِالْكَسْرِ، وَهِي الْعِظَام. وَكَذَا شعب الْإِنَاء، صدعه بِالْفَتْح أَيْضا، وَقَالَ الْخَلِيل: الشّعب الإجتماع والافتراق، أَي: هما ضدان، وَالْمرَاد بالشعبة فِي الحَدِيث: الْخصْلَة، أَي: أَن الْإِيمَان ذُو خِصَال مُتعَدِّدَة. قَوْله: (وَالْحيَاء) ممدوداً، هُوَ الاستحياء، واشتقاقه من الْحَيَاة. يُقَال: حيى الرجل، إِذا انْتقصَ حَيَاته، وانتكس قوته، كَمَا يُقَال: نسي نساه أَي: الْعرق الَّذِي فِي الْفَخْذ، وَحشِي إِذا اعتل حشاه، فَمَعْنَى الْحَيّ: المؤف من خوف المذمة، وَقد حيى مِنْهُ حَيَاء واستحى واستحيى، حذفوا الْيَاء الْأَخِيرَة كَرَاهِيَة التقاء الساكنين، والأخيران يتعديان بِحرف وَبِغير حرف، يَقُولُونَ: استحيى مِنْك، واستحياك، وَرجل حييّ: ذُو حَيَاء، وَالْأُنْثَى بِالتَّاءِ، وَالْحيَاء تغير وانكسار يعتري الْإِنْسَان من خوف مَا يعاب بِهِ ويذم، وَقد يعرف أَيْضا بِأَنَّهُ انحصار النَّفس خوف ارْتِكَاب القبائح.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (الْإِيمَان) مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة) . قَالَ الْكرْمَانِي: بضع، هَكَذَا فِي بعض الْأُصُول، وبضعه بِالْهَاءِ فِي أَكْثَرهَا، وَقَالَ بَعضهم: وَقع فِي بعض الرِّوَايَات بضعَة، بتاء التَّأْنِيث. قلت: الصَّوَاب مَعَ الْكرْمَانِي، وَكَذَا قَالَ بعض الشُّرَّاح: كَذَا وَقع هُنَا فِي بعض الْأُصُول: بضع، وَفِي أَكْثَرهَا: بضعَة، بِالْهَاءِ، وَأكْثر الرِّوَايَات فِي غير هَذَا الْموضع بضع بِلَا هَاء وَهُوَ الْجَارِي على اللُّغَة الْمَشْهُورَة، وَرِوَايَة الْهَاء صَحِيحَة أَيْضا على التَّأْوِيل. قلت: لَا شكّ أَن بضعاً للمؤنث، وَبضْعَة للمذكر، وَشعْبَة يؤنث فَيَنْبَغِي أَن يُقَال: بضع، بِلَا هَاء، وَلَكِن لما جَاءَت الرِّوَايَة: ببضعة يحْتَاج أَن تؤول الشعبة، بالنوع إِذا فسرت الشعبة: بالطائفة من الشَّيْء، وبالخلق إِذا فسرت بالخصلة والخلة. قَوْله: (وَالْحيَاء) مُبْتَدأ وَخَبره (شُعْبَة) وَقَوله: (من الْإِيمَان) فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة: شُعْبَة.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) : لَا شكّ أَن تَعْرِيف الْمسند إِلَيْهِ إِنَّمَا يقْصد إِلَى تَعْرِيفه لإتمام فَائِدَة السَّامع، لِأَن فَائِدَته من الْخَبَر إِمَّا الحكم أَو لَازمه، كَمَا بَين فِي مَوْضِعه وَفِيه الْفَصْل بَين الجملتين بِالْوَاو، لِأَنَّهُ قصد التَّشْرِيك وَتَعْيِين الْوَاو لدلالتها على الْجمع، وَفِيه تَشْبِيه الْإِيمَان بشجرة ذَات أَغْصَان، وَشعب، كَمَا شبه فِي الحَدِيث السَّابِق الْإِسْلَام بخباء ذَات أعمدة وأطناب، ومبناه على الْمجَاز، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان فِي اللُّغَة التَّصْدِيق، وَفِي عرف الشَّرْع: تَصْدِيق الْقلب وَاللِّسَان، وَتَمَامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الْإِخْبَار عَن الْإِيمَان بِأَنَّهُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، أَو بضع وَسَبْعُونَ، وَنَحْو ذَلِك يكون من بَاب إِطْلَاق الأَصْل على الْفَرْع، وَذَلِكَ لِأَن الْإِيمَان هُوَ الأَصْل، والأعمال فروع مِنْهُ. وَإِطْلَاق الْإِيمَان على الْأَعْمَال مجَاز، لِأَنَّهَا تكون عَن الْإِيمَان، وَقد اتّفق أهل السّنة من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين على أَن الْمُؤمن الَّذِي يحكم بإيمانه، وَأَنه من أهل الْقبْلَة، وَلَا يخلد فِي النَّار، هُوَ الَّذِي يعْتَقد بِقَلْبِه دين الْإِسْلَام اعتقاداً جَازِمًا خَالِيا من الشكوك، ونطق بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِن اقْتصر على أَحدهمَا لم يكن من أهل الْقبْلَة إلَاّ إِذا عجز عَن النُّطْق، فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا إلاّ مَا حَكَاهُ القَاضِي عِيَاض فِي (كتاب الشِّفَاء) فِي أَن: من اعْتقد دين الْإِسْلَام بِقَلْبِه، وَلم ينْطق بِالشَّهَادَتَيْنِ من غير عذر مَنعه من القَوْل، إِن ذَلِك نافعه فِي الدَّار الْآخِرَة، على قَول ضَعِيف. وَقد يكون فائزاً، لكنه غير الْمَشْهُور، وَالله أعلم.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِي تعْيين السِّتين على مَا جَاءَ هَهُنَا، وَفِي تعْيين السّبْعين على مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى من (الصَّحِيح) ، وَرِوَايَة أَصْحَاب السّنَن، أما الْحِكْمَة فِي تعْيين السِّتين وتخصيصها، فَهِيَ: أَن الْعدَد إِمَّا زَائِد: وَهُوَ مَا أجزاؤه أَكثر مِنْهُ، كالاثني عشر، فَإِن لَهَا: نصفا وَثلثا وربعاً وسدساً وَنصف سدس، ومجموع هَذِه الْأَجْزَاء أَكثر من اثْنَي عشر، فَإِنَّهُ سِتَّة عشر، وَإِمَّا نَاقص: وَهُوَ مَا أجزاؤه أقل مِنْهُ، كالأربعة فَإِن لَهَا: الرّبع وَالنّصف فَقَط، وَإِمَّا تَامّ: وَهُوَ مَا أجزاؤه مثله كالستة، فَإِن أجزاءها: النّصْف وَالثلث وَالسُّدُس، وَهِي مُسَاوِيَة للستة، وَالْفضل من بَين الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة للتام، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً، وَهِي: السِّتُّونَ. وَأما الْحِكْمَة فِي تعْيين السّبْعين فَهِيَ: أَن السَّبْعَة تشْتَمل على جملَة أَقسَام الْعدَد، فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى: فَرد وَزوج، وكل مِنْهُمَا إِلَى: أول ومركب، والفرد الأول: ثَلَاثَة، والمركب: خَمْسَة، وَالزَّوْج الأول: اثْنَان، والمركب: أَرْبَعَة، وينقسم أَيْضا إِلَى منطق كالأربعة، وأصم كالستة، فَلَمَّا أُرِيد الْمُبَالغَة فِيهِ جعلت آحادها أعشاراً. وَهِي: السبعون. وَأما زِيَادَة الْبضْع على النَّوْعَيْنِ فقد علم أَنه يُطلق على السِّت وعَلى السَّبع، لِأَنَّهُ مَا بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة، وَمَا فَوْقهَا كَمَا نَص عَلَيْهِ صَاحب (الموعب) فَفِي الأول السِّتَّة أصل للستين وَفِي الثَّانِي، السَّبْعَة أصل للسبعين، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَهَذَا وَجه تعْيين أحد هذَيْن العددين. الثَّانِي: أَن المُرَاد من هذَيْن العددين: هَل هُوَ حَقِيقَة أم ذكرا على سَبِيل الْمُبَالغَة؟ فَقَالَ بَعضهم: أُرِيد بِهِ التكثير دون التعديد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة} (التَّوْبَة: ٨٠) وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: الْأَظْهر معنى التكثير، وَيكون ذكر الْبضْع للترقي، يَعْنِي أَن شعب الْأَيْمَان أعداد مُبْهمَة وَلَا نِهَايَة لكثرتها، إِذْ لَو أُرِيد التَّحْدِيد لم يبهم. وَقَالَ بَعضهم: الْعَرَب تسْتَعْمل السّبْعين كثيرا فِي بَاب الْمُبَالغَة، وَزِيَادَة السَّبع عَلَيْهَا الَّتِي عبر عَنْهَا بالبضع لأجل أَن السَّبْعَة أكمل الْأَعْدَاد، لِأَن السِّتَّة أول عدد تَامّ، وَهِي مَعَ الْوَاحِد سَبْعَة، فَكَانَت كَامِلَة، إِذْ لَيْسَ بعد التَّمام سوى الْكَمَال. وَسمي الْأسد: سَبُعاً لكَمَال قوته، وَالسَّبْعُونَ غَايَة الْغَايَة إِذْ الْآحَاد غايتها العشرات. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبضْع لما بَين اثْنَيْنِ إِلَى عشرَة وَمَا فَوْقهَا، فَمن أَيْن تَقول: إِن المُرَاد من الْبضْع السَّبع حَتَّى بنى الْقَائِل الْمَذْكُور كَلَامه على هَذَا؟ قلت: قد نَص صَاحب (الْعين) على: أَن الْبضْع سَبْعَة، كَمَا ذكرنَا، وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الْقدر الْمَذْكُور هُوَ شعب الْإِيمَان، وَالْمرَاد مِنْهُ تعداد الْخِصَال حَقِيقَة. فَإِن قلت: إِذا كَانَ المُرَاد بَيَان تعداد الْخِصَال، فَمَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور؟ قلت: يجوز أَن يكون شعب الْإِيمَان بضعاً وَسِتِّينَ وَقت تنصيصه على هَذَا الْمِقْدَار، فَذكره لبَيَان الْوَاقِع، ثمَّ بعد ذَلِك نَص على بضع وَسبعين، بِحَسب تعدد الْعشْرَة على ذَلِك الْمِقْدَار، فَافْهَم، فَإِنَّهُ مَوضِع فِيهِ دقة. الثَّالِث: فِي بَيَان الْعدَد الْمَذْكُور قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان بِكَسْر الْحَاء وَتَشْديد الْمُوَحدَة، البستي، فِي كتاب (وصف الْإِيمَان وشعبه) تتبعت معنى هَذَا الحَدِيث مُدَّة، وعددت الطَّاعَات فَإِذا هِيَ تزيد على هَذَا الْعدَد شَيْئا كثيرا، فَرَجَعت إِلَى السّنَن، فعددت كل طَاعَة عَددهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من الْإِيمَان، فَإِذا هِيَ تنقص على الْبضْع وَالسبْعين، فَرَجَعت إِلَى كتاب الله تَعَالَى، فعددت كل طَاعَة عدهَا الله من الْإِيمَان فَإِذا هِيَ تنقص عَن الْبضْع وَالسبْعين، فضممت إِلَى الْكتاب السّنَن، واسقطت الْعَاد، فَإِذا كل شَيْء عده الله وَرَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام، من الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ، لَا يزِيد عَلَيْهَا وَلَا ينقص.

فَعلمت أَن مُرَاد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَن هَذَا الْعدَد فِي الْكتاب وَالسّنة انْتهى. وَقد تكلفت جمَاعَة فِي بَيَان هَذَا الْعدَد بطرِيق الِاجْتِهَاد، وَفِي الحكم بِكَوْن المُرَاد ذَلِك نظر وصعوبة. قَالَ القَاضِي عِيَاض: وَلَا يقْدَح عدم معرفَة ذَلِك على التَّفْصِيل فِي الْإِيمَان، إِذْ أصُول الْإِيمَان وفروعه مَعْلُومَة مُحَققَة، وَالْإِيمَان بِأَن هَذَا الْعدَد وَاجِب على الْجُمْلَة، وتفصيل تِلْكَ الْأُصُول وتعيينها على هَذَا الْعدَد يحْتَاج إِلَى تَوْقِيف. وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذِه منحصرة فِي علم الله وَعلم رَسُوله، مَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة، غير أَن الشَّرْع لم يوقفنا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لَا يضرنا فِي علمنَا بتفاصيل مَا كلفنا بِهِ، فَمَا أمرنَا بِالْعلمِ بِهِ عَملنَا، وَمَا نَهَانَا عَنهُ انتهينا، وَإِن لم نحط بحصر أعداده. وَقَالَ أَيْضا: الْإِيمَان اسْم يتشعب إِلَى أُمُور ذَوَات عدد جِمَاعهَا الطَّاعَة، وَلِهَذَا صَار من صَار من الْعلمَاء إِلَى أَن النَّاس مفاضلون فِي درج الْإِيمَان، وَإِن كَانُوا متساوين فِي اسْمه. وَكَانَ بَدْء الْإِيمَان كلمة الشَّهَادَة، وَأقَام رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَقِيَّة عمره يَدْعُو النَّاس إِلَيْهَا، وسمى من أَجَابَهُ إِلَى ذَلِك مُؤمنا إِلَى أَن نزلت الْفَرَائِض، وَبِهَذَا الِاسْم خوطبوا عِنْد إِيجَابهَا عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة} (الْمَائِدَة: ٦) وَهَذَا الحكم مُسْتَمر فِي كل اسْم يَقع على أَمر ذِي شعب: كَالصَّلَاةِ، فَإِن رجلا لَو مر على مَسْجِد وَفِيه قوم مِنْهُم من يستفتح الصَّلَاة، وَمِنْهُم من هُوَ رَاكِع أَو ساجد، فَقَالَ: رَأَيْتهمْ يصلونَ كَانَ صَادِقا مَعَ اخْتِلَاف أَحْوَالهم فِي الصَّلَاة، وتفاضل أفعالهم فِيهَا. فَإِن قيل: إِذا كَانَ الْإِيمَان بضعاً وَسبعين شُعْبَة، فَهَل يمكنكم أَن تسموها بأسمائها؟ وَإِن عجزتم عَن تفصيلها، فَهَل يَصح إيمَانكُمْ بِمَا هُوَ مَجْهُول؟ قُلْنَا: إيمَاننَا بِمَا كلفناه صَحِيح، وَالْعلم بِهِ حَاصِل، وَذَلِكَ من وَجْهَيْن. الأول: أَنه قد نَص على أَعلَى الْإِيمَان وَأَدْنَاهُ باسم أَعلَى الطَّاعَات وَأَدْنَاهَا، فَدخل فِيهِ جَمِيع مَا يَقع بَينهمَا من جنس الطَّاعَات كلهَا، وجنس الطَّاعَات مَعْلُوم. وَالثَّانِي: أَنه لم يُوجب علينا معرفَة هَذِه الْأَشْيَاء بخواص أسمائها حَتَّى يلْزمنَا تَسْمِيَتهَا فِي عقد الْإِيمَان، وكلفنا التَّصْدِيق بجملتها كَمَا كلفنا الْإِيمَان بملائكته وَإِن كُنَّا لَا نعلم أَسمَاء أَكْثَرهم وَلَا أعيانهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَقد بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَعلَى هَذِه الشّعب وَأَدْنَاهَا، كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح، من قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَعْلَاهَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا أماطة الأذي عَن الطَّرِيق) فَبين أَن أَعْلَاهَا التَّوْحِيد الْمُتَعَيّن على كل مُكَلّف، وَالَّذِي لَا يَصح شَيْء غَيره من الشّعب إلَاّ بعد صِحَّته، وَأَن أدناها دفع مَا يتَوَقَّع بِهِ ضَرَر الْمُسلمين، وَبَقِي بَينهمَا تَمام الْعدَد، فَيجب علينا الْإِيمَان بِهِ وَإِن لم نَعْرِف أَعْيَان جَمِيع أَفْرَاده، كَمَا نؤمن بِالْمَلَائِكَةِ وَإِن لم نَعْرِف أعيانهم وأسماءهم. انْتهى.

وَقد صنف فِي تعْيين هَذِه الشّعب جمَاعَة، مِنْهُم: الإِمَام أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ صنف فِيهَا كتابا أسماه: (فَوَائِد الْمِنْهَاج) ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ وَسَماهُ: (شعب الْإِيمَان) ، وَإِسْحَاق ابْن الْقُرْطُبِيّ وَسَماهُ: (كتاب النصايح) ، وَالْإِمَام أَبُو حَاتِم وَسَماهُ: (وصف الْإِيمَان وشعبه) . وَلم أر أحدا مِنْهُم شفى العليل، وَلَا أروى الغليل. فَنَقُول مُلَخصا بعون الله تَعَالَى وتوفيقه: إِن أصل الْإِيمَان هُوَ: التَّصْدِيق بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ، وَلَكِن الْإِيمَان الْكَامِل التَّام هُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام. فَالْأول: يرجع إِلَى الاعتقاديات، وَهِي تتشعب إِلَى ثَلَاثِينَ شُعْبَة. الأولى: الْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى، وَيدخل فِيهِ الْإِيمَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته وتوحيده بِأَن لَيْسَ كمثله شَيْء. الثَّانِيَة: اعْتِقَاد حُدُوث مَا سوى الله تَعَالَى. الثَّالِثَة: الْإِيمَان بملائكته. الرَّابِعَة: الْإِيمَان بكتبه. الْخَامِسَة: الْإِيمَان برسله. السَّادِسَة: الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره. السَّابِعَة: الْإِيمَان بِالْيَوْمِ الآخر، وَيدخل فِيهِ السُّؤَال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب وَالْمِيزَان والصراط. الثَّامِنَة: الوثوق على وعد الْجنَّة وَالْخُلُود فِيهَا. التَّاسِعَة: الْيَقِين بوعيد النَّار وعذابها وَأَنَّهَا لَا تفنى. الْعَاشِرَة: محبَّة الله تَعَالَى. الْحَادِيَة عشر: الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله، وَيدخل فِيهِ حب الصَّحَابَة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَحب آل الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. الثَّانِيَة عشر: محبَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَيدخل فِيهِ الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاع سنته. الثَّالِثَة عشر: الْإِخْلَاص، وَيدخل فِيهِ ترك الرِّيَاء والنفاق. الرَّابِعَة عشر: التَّوْبَة والندم. الْخَامِسَة عشر: الْخَوْف. السَّادِسَة عشر: الرَّجَاء. السَّابِعَة عشر: ترك الْيَأْس والقنوط. الثَّامِنَة عشر: الشُّكْر. التَّاسِعَة عشر: الْوَفَاء. الْعشْرُونَ: الصَّبْر. الْحَادِيَة وَالْعشْرُونَ. التَّوَاضُع، وَيدخل فِيهِ توقير الأكابر. الثَّانِيَة وَالْعشْرُونَ: الرَّحْمَة والشفقة، وَيدخل فِيهِ الشَّفَقَة على الأصاغر. الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: الرضاء بِالْقضَاءِ. الرَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: التَّوَكُّل. الْخَامِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْعجب والزهو، وَيدخل فِيهِ ترك مدح نَفسه وتزكيتها. السَّادِسَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْحَسَد. السَّابِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الحقد

والضغن. الثَّامِنَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغَضَب. التَّاسِعَة وَالْعشْرُونَ: ترك الْغِشّ، وَيدخل فِيهِ الظَّن السوء وَالْمَكْر. الثَّلَاثُونَ: ترك حب الدُّنْيَا، وَيدخل فِيهِ: ترك حب المَال وَحب الجاه، فَإِذا وجدت شَيْئا من أَعمال الْقلب من الْفَضَائِل والرذائل خَارِجا عَمَّا ذكر بِحَسب الظَّاهِر، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَة دَاخل فِي فصل من الْفُصُول يظْهر ذَلِك عِنْد التَّأَمُّل. وَالْقسم الثَّانِي: يرجع إِلَى أَعمال اللِّسَان، وَهِي تتشعب إِلَى سبع شعب. الأولى: التَّلَفُّظ بِالتَّوْحِيدِ. الثَّانِيَة: تِلَاوَة الْقُرْآن. الثَّالِثَة: تعلم الْعلم. الرَّابِعَة: تَعْلِيم الْعلم. الْخَامِسَة: الدُّعَاء. السَّادِسَة: الذّكر وَيدخل فِيهِ الاسْتِغْفَار. السَّابِعَة: اجْتِنَاب اللَّغْو. وَالْقسم الثَّالِث: يرجع إِلَى أَعمال الْبدن، وَهِي تتشعب إِلَى أَرْبَعِينَ شُعْبَة، وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع. الأول: مَا يخْتَص بالأعيان وَهِي سِتَّة عشر شُعْبَة. الأولى: التطهر، وَيدخل فِيهِ طَهَارَة الْبدن وَالثَّوْب وَالْمَكَان، وَيدخل فِي طَهَارَة الْبدن الْوضُوء من الْحَدث، والاغتسال من الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس. الثَّانِيَة: إِقَامَة الصَّلَاة، وَيدخل فِيهَا الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقَضَاء. الثَّالِثَة: أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا الصَّدَقَة، وَيدخل فِيهَا أَدَاء الزَّكَاة، وَيدخل فِيهَا صَدَقَة الْفطر، وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْجُود وإطعام الطَّعَام وإكرام الضَّيْف. الرَّابِعَة: الصَّوْم فرضا ونفلاً. الْخَامِسَة: الْحَج، وَيدخل فِيهِ الْعمرَة. السَّادِسَة: الِاعْتِكَاف، وَيدخل فِيهِ التمَاس لَيْلَة الْقدر. السَّابِعَة: الْفِرَار بِالدّينِ، وَيدخل فِيهِ الْهِجْرَة من دَار الشّرك. الثَّامِنَة: الْوَفَاء بِالنذرِ. التَّاسِعَة: التَّحَرِّي فِي الْإِيمَان. الْعَاشِرَة: أَدَاء الْكَفَّارَة. الْحَادِيَة عشر: ستر الْعَوْرَة فِي الصَّلَاة وخارجها. الثَّانِيَة عشرَة: ذبح الضَّحَايَا وَالْقِيَام بهَا إِذا كَانَت منذورة. الثَّالِثَة عشر: الْقيام بِأَمْر الْجَنَائِز. الرَّابِعَة عشر: أَدَاء الدّين. الْخَامِسَة عشر: الصدْق فِي الْمُعَامَلَات والاحتراز عَن الرِّيَاء. السَّادِسَة عشر: أَدَاء الشَّهَادَة بِالْحَقِّ وَترك كتمانها. النَّوْع الثَّانِي: مَا يخْتَص بالاتباع، وَهُوَ سِتّ شعب. الأولى: التعفف بِالنِّكَاحِ. الثَّانِيَة: الْقيام بِحُقُوق الْعِيَال، وَيدخل فِيهِ الرِّفْق بالخدم. الثَّالِثَة: بر الْوَالِدين، وَيدخل فِيهِ الاجتناب عَن العقوق، الرَّابِعَة: تربية الْأَوْلَاد. الْخَامِسَة: صلَة الرَّحِم. السَّادِسَة: طَاعَة الموَالِي. النَّوْع الثَّالِث: مَا يتَعَلَّق بالعامة، وَهُوَ ثَمَانِي عشرَة شُعْبَة. الأولى: الْقيام بالإمارة مَعَ الْعدْل. الثَّانِيَة: مُتَابعَة الْجَمَاعَة. الثَّالِثَة: طَاعَة أولي الْأَمر. الرَّابِعَة: الْإِصْلَاح بَين النَّاس، وَيدخل فِيهِ قتال الْخَوَارِج والبغاة. الْخَامِسَة: المعاونة على الْبر. السَّادِسَة: الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. السَّابِعَة: إِقَامَة الْحُدُود. الثَّامِنَة: الْجِهَاد، وَيدخل فِيهِ المرابطة. التَّاسِعَة: أَدَاء الْأَمَانَة، وَيدخل فِيهِ أَدَاء الْخمس. الْعَاشِرَة: الْقَرْض مَعَ الْوَفَاء بِهِ. الْحَادِيَة عشرَة: إكرام الْجَار. الثَّانِيَة عشرَة: حسن الْمُعَامَلَة، وَيدخل فِيهِ جمع المَال من حلّه. الثَّالِثَة عشر: إِنْفَاق المَال فِي حَقه، وَيدخل فِيهِ ترك التبذير والإسراف. الرَّابِعَة عشر: رد السَّلَام. الْخَامِسَة عشر: تشميت الْعَاطِس. السَّادِسَة عشر: كف الضَّرَر عَن النَّاس. السَّابِعَة عشر: اجْتِنَاب اللَّهْو، الثَّامِنَة عشر: إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق، فَهَذِهِ سبع وَسَبْعُونَ شُعْبَة.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا مَا قيل: لم جعل الْحيَاء من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ باعث على أَفعَال الْخَيْر، ومانع عَن الْمعاصِي، وَلكنه رُبمَا يكون تخلقا واكتساباً كَسَائِر أَعمال الْبر، وَرُبمَا يكون غريزة، لَكِن اسْتِعْمَاله على قانون الشَّرْع يحْتَاج إِلَى اكْتِسَاب وَنِيَّة، فَهُوَ من الْإِيمَان لهَذَا. الثَّانِي: مَا قيل: إِنَّه قد ورد: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) وَورد: (الْحيَاء خير كُله) ، فَصَاحب الْحيَاء قد يستحي أَن يواجه بِالْحَقِّ فَيتْرك أمره بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيه عَن الْمُنكر، فَكيف يكون هَذَا من الْإِيمَان؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَيْسَ بحياء حَقِيقَة، بل هُوَ عجز ومهانة، وَإِنَّمَا تَسْمِيَته حَيَاء من إِطْلَاق بعض أهل الْعرف، أَطْلقُوهُ مجَازًا لمشابهته الْحيَاء الْحَقِيقِيّ، وَحَقِيقَته: خلق يبْعَث على اجْتِنَاب الْقَبِيح، وَيمْنَع من التَّقْصِير فِي حق ذِي الْحق وَنَحْوه، وَأولى الْحيَاء: الْحيَاء من الله تَعَالَى، وَهُوَ أَن لَا يراك الله حَيْثُ نهاك، وَذَاكَ إِنَّمَا يكون عَن معرفَة ومراقبة، وَهُوَ المُرَاد بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) ، وَقد خرج التِّرْمِذِيّ عَنهُ عَلَيْهِ السَّلَام، أَنه قَالَ: (اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء. قَالُوا: إِنَّا نستحي وَالْحَمْد لله، فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِك، وَلَكِن الاستحياء من الله تَعَالَى حق الْحيَاء أَن تحفظ الرَّأْس وَمَا حوى والبطن وَمَا وعى، وتذكر الْمَوْت والبلى، فَمن فعل ذَلِك فقد استحيى من الله حق الْحيَاء) . وَقَالَ الْجُنَيْد: رُؤْيَة الآلاء أَي: النعم، ورؤية التَّقْصِير يتَوَلَّد بَينهمَا حَالَة تسمى الْحيَاء الثَّالِث. مَا قيل: لِمَ أفرد الْحيَاء بِالذكر من بَين سَائِر الشّعب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كالداعي إِلَى سَائِر الشّعب، فَإِن الْحَيّ يخَاف فضيحة

الدُّنْيَا وفظاعة الْآخِرَة فينزجر عَن الْمعاصِي ويمتثل الطَّاعَات كلهَا، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: معنى إِفْرَاد الْحيَاء بِالذكر بعد دُخُوله فِي الشّعب كَأَنَّهُ يَقُول: هَذِه شُعْبَة وَاحِدَة من شعبه، فَهَل تحصى شعبه كلهَا؟ هَيْهَات ان الْبَحْر لَا يغْرف.

٤ - (بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)

أَي: هَذَا بَاب، فالمبتدأ مَحْذُوف، وَيجوز ترك التَّنْوِين بِالْإِضَافَة إِلَى مَا بعده من الْجُمْلَة، وَيجوز الْوَقْف على السّكُون، وَلَيْسَ فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بَاب. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَنَّهُ ذكر فِي الْبَاب السَّابِق أَن الْإِيمَان لَهُ شعب، هَذَا الْبَاب فِيهِ بَيَان شعبتين من هَذِه الشّعب، وهما: سَلامَة الْمُسلمين من لِسَان الْمُسلم وَيَده، وَالْمُهَاجِر من هجر المنهيات.

١٠ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أبِي إيَاسٍ قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عَنْهُمَا عَنِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ.

أوصل بِهَذَا مَا علقه أَولا، وَإِنَّمَا علقه لأجل التَّبْوِيب. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يبوب على الْجُمْلَة الْأَخِيرَة من الحَدِيث؟ قلت: لِأَن فِي صدر الحَدِيث لَفْظَة الْمُسلم، وَالْكتاب الَّذِي يحوي هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا من أُمُور الْإِيمَان وَالْإِسْلَام. فَإِن قلت: هجر المنهيات أَيْضا من أُمُور الْإِسْلَام. قلت: بلَى، وَلكنه فِي تبويبه بصدر الحَدِيث اعتناء بِذكر لفظ فِيهِ مَادَّة من الْإِسْلَام.

(بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة. الأول: أَبُو الْحسن آدم بن أبي إِيَاس بِكَسْر الْهمزَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره سين مُهْملَة، وَاسم أبي إِيَاس: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: ناهية، بالنُّون وَبَين الهائين يَاء آخر الْحُرُوف خَفِيفَة، أَصله من خُرَاسَان، نَشأ بِبَغْدَاد وَكتب عَن شيوخها، ثمَّ رَحل إِلَى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة والحجاز ومصر وَالشَّام، واستوطن عسقلان، وَتُوفِّي بهَا سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ. قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ ثِقَة مَأْمُون متعبد، من خِيَار عباد الله تَعَالَى، وَكَانَ ورَّاقاً، وَكَانَ عمره حِين مَاتَ ثمانياً وَثَمَانِينَ سنة، وَقيل: نيفا وَتِسْعين سنة، وَلَيْسَ فِي كتب الحَدِيث آدم بن أبي إِيَاس غير هَذَا، وَفِي مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن سُلَيْمَان الْكُوفِي، وَفِي البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ: آدم بن عَليّ الْعجلِيّ الْكُوفِي أَيْضا فَحسب، وَفِي الروَاة آدم بن عُيَيْنَة، أَخُو سُفْيَان، لَا يحْتَج بِهِ، وآدَم بن فَايِد عَن عَمْرو بن شُعَيْب مَجْهُول. الثَّانِي: شُعْبَة، غير منصرف، ابْن الْحجَّاج بن الْورْد، أَبُو بسطَام الْأَزْدِيّ مَوْلَاهُم الوَاسِطِيّ، ثمَّ انْتقل إِلَى الْبَصْرَة وَأَجْمعُوا على إِمَامَته وجلالة قدره، قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: شُعْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ أمة وَحده فِي هَذَا الشَّأْن، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ أول سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ ألثغ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: شُعْبَة بن الْحجَّاج غَيره، وَفِي النَّسَائِيّ: شُعْبَة بن دِينَار الْكُوفِي، صَدُوق. وَفِي أبي دَاوُد: شُعْبَة بن دِينَار، عَن مَوْلَاهُ ابْن عَبَّاس لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي الضُّعَفَاء: شُعْبَة بن عَمْرو ويروي عَن أنس. قَالَ البُخَارِيّ: أَحَادِيثه مَنَاكِير، وَفِي الصَّحَابَة: شُعْبَة بن التوأم وَهُوَ من الْأَفْرَاد، وَالظَّاهِر أَنه تَابِعِيّ. الثَّالِث: عبد الله بن أبي السّفر، بِفَتْح الْفَاء، وَحكى إسكانها، وَاسم أبي السّفر: سعيد بن يحمد، بِضَم الْيَاء وَفتح الْمِيم، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ. وَقَالَ الغساني: بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم، وَيُقَال: أَحْمد الثَّوْريّ الْهَمدَانِي الْكُوفِي، مَاتَ فِي خلَافَة مَرْوَان بن مُحَمَّد روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَاعْلَم أَن السّفر، كُله بِإِسْكَان الْفَاء فِي الِاسْم، وتحريكها فِي الكنية. وَمِنْهُم من سكن الْفَاء فِي عبد الله الْمَذْكُور كَمَا مضى. الرَّابِع: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد هُرْمُز، وَقيل: سعد، وَقيل: كثير البَجلِيّ الأحمسي مَوْلَاهُم الْكُوفِي، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم: أنس بن مَالك وَجَمَاعَة من التَّابِعين، وَعنهُ الثَّوْريّ وَغَيره من الْأَعْلَام، وَكَانَ عَالما متقناً صَالحا ثِقَة، وَكَانَ يُسمى: الْمِيزَان، وَكَانَ طحاناً، توفّي بِالْكُوفَةِ سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة. الْخَامِس: الشّعبِيّ، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة، هُوَ أَبُو عَمْرو عَامر بن شرَاحِيل، وَقيل: ابْن عبد الله بن شرَاحِيل الْكُوفِي التَّابِعِيّ الْجَلِيل الثِّقَة، روى عَن خلق من الصَّحَابَة مِنْهُم: ابْن عمر وَسعد وَسَعِيد، رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ، قَالَ أَحْمد بن عبد الله: ومرسله صَحِيح. روى عَنهُ قَتَادَة وَخلق من التَّابِعين، ولي قَضَاء الْكُوفَة، وَولد لست سِنِين مَضَت من خلَافَة عُثْمَان، وَمَات بعد الْمِائَة إِمَّا سنة ثَلَاث أَو أَربع أَو خمس أَو سِتّ، وَهُوَ ابْن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ مزاحا، وَأمه من

سبي جلولا، وَهِي قريبَة بِنَاحِيَة فَارس. السَّادِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هِشَام بن سعيد، بِضَم السِّين وَفتح الْعين، ابْن سهم بن عَمْرو بن هصيص، بِضَم الْهَاء وبصادين مهملتين، ابْن كَعْب بن لؤَي بن غَالب، أَبُو مُحَمَّد أَو عبد الرَّحْمَن أَو أَبُو نصير، بِضَم النُّون، الْقرشِي السَّهْمِي الزَّاهِد العابد الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ، وَأمه، ريطة بنت منيه بن الْحجَّاج، أسلم قبل أَبِيه وَكَانَ بَينه وَبَين أَبِيه فِي السن: اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَقيل: إِحْدَى عشرَة، وَكَانَ غزير الْعلم مُجْتَهدا فِي الْعِبَادَة، وَكَانَ أَكثر حَدِيثا من أبي هُرَيْرَة، لِأَنَّهُ كَانَ يكْتب وَأَبُو هُرَيْرَة لَا يكْتب، وَمَعَ ذَلِك فَالَّذِي رُوِيَ لَهُ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا رُوِيَ لأبي هُرَيْرَة. رُوِيَ لَهُ سَبْعمِائة حَدِيث اتفقَا مِنْهَا على سَبْعَة عشر، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثمَانِيَة، وَمُسلم بِعشْرين: مَاتَ بِمَكَّة أَو بِالطَّائِف أَو بِمصْر فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس أَو ثَلَاث أَو سبع وَسِتِّينَ، أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين، عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن عَمْرو جماعات آخر عدتهمْ: ثَمَانِيَة عشر نفسا. وَعَمْرو، وَيكْتب بِالْوَاو ليتميز عَن عمر، وَهَذَا فِي غير النصب، وَأما فِي النصب فيتميز بِالْألف.

(بَيَان الْأَنْسَاب) الْأَزْدِيّ: فِي كهلاان ينْسب إِلَى الأزد بن الْغَوْث بن نبت ملكان بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يُقَال لَهُ: الأزد بالزاي، والأسد بِالسِّين. والواسطي: نِسْبَة إِلَى وَاسِط، مَدِينَة اختطها الْحجَّاج بن يُوسُف بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة فِي أَرض كسكر، وَهِي نِصْفَانِ على شاطىء دجلة وَبَينهمَا جسر من سفن، وَسميت، وَاسِط، لِأَنَّهُ مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة خمسين فرسخاً، وَمِنْهَا إِلَى الْكُوفَة خمسين فرسخاً، وَإِلَى الأهواز خمسين فرسخاً، وَإِلَى بَغْدَاد خمسين فرسخاً، والبجلي: بِضَم الْبَاء وَالْجِيم، فِي كهلان ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج. وَالشعْبِيّ: نِسْبَة إِلَى شعب، بطن من هَمدَان، بِسُكُون الْمِيم وبالدال الْمُهْملَة، وَيُقَال: هُوَ من حمير، وعداده فِي هَمدَان، وَنسب إِلَى جبل بِالْيمن نزله حسان بن عَمْرو والحميري وَلَده، وَدفن بِهِ، وَقَالَ الْهَمدَانِي: الشّعب الْأَصْغَر بطن، مِنْهُم: عَامر بن شرَاحِيل. قَالَ: والشعب الْأَصْفَر بن شرَاحِيل بن حسان ابْن الشّعب الْأَكْبَر بن عَمْرو بن شعْبَان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: شعب جبل بِالْيمن، وَهُوَ ذُو شعبتين، نزله حسان بن عَمْرو الْحِمْيَرِي وَولده فنسبوا إِلَيْهِ، وَأَن من نزل من أَوْلَاده بِالْكُوفَةِ يُقَال لَهُم: شعبيون. مِنْهُم عَامر الشّعبِيّ، وَمن كَانَ مِنْهُم بِالشَّام قيل لَهُم: شعبيون وَمن كَانَ مِنْهُم بِالْيمن يُقَال لَهُم: آل ذِي شعبين، وَمن كَانَ مِنْهُم بِمصْر وَالْمغْرب يُقَال لَهُم: الأشعوب.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) : مِنْهَا: أَن هَذَا الْإِسْنَاد كُله على شَرط السِّتَّة إلَاّ آدم فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط مُسلم وَأبي دَاوُد. وَمِنْهَا: أَن شُعْبَة فِيهِ يروي عَن اثْنَيْنِ: أَحدهمَا: عبد الله بن أبي السّفر، وَالْآخر: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، وَكِلَاهُمَا يرويانه عَن الشّعبِيّ، وَلِهَذَا إِسْمَاعِيل بِفَتْح اللَّام عطفا على عبد الله وَهُوَ مجرور، وَإِسْمَاعِيل أَيْضا مجرور جر مَا لَا ينْصَرف بالفتحة، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة.

(بَيَان من أخرجه غَيره) هَذَا الحَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بجملته عَن مُسلم، وَأخرجه أَيْضا فِي الرقَاق عَن أبي نعيم، عَن زَكَرِيَّا، عَن عَامر. وَأخرج مُسلم بعضه فِي (صَحِيحه) عَن جَابر مَرْفُوعا: (الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) ، مُقْتَصرا عَلَيْهِ، وَخرج أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عمر أَيْضا: (إِن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ أَي الْمُسلمُونَ خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده) . وَزَاد ابْن حبَان، وَالْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث أنس صَحِيحا: (وَالْمُؤمن من أَمنه النَّاس) . وَأخرج أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا مثل البُخَارِيّ من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، إلَاّ أَن لفظ النَّسَائِيّ: (من هجر مَا حرم الله عَلَيْهِ) .

(بَيَان الغات) : قَوْله: (من يَده) الْيَد هِيَ اسْم للجارحة، وَلَكِن المُرَاد مِنْهَا أَعم من أَن تكون يدا حَقِيقِيَّة، أَو يدا معنوية، كالاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر حق، فَإِنَّهُ أَيْضا إِيذَاء، لَكِن لَا بِالْيَدِ الْحَقِيقِيَّة. قَوْله: (المُهَاجر) هُوَ الَّذِي فَارق عشيرته ووطنه. قَوْله: (من هجر) أَي: ترك، من هجره يهجره، بِالضَّمِّ هجراً وهجراناً. وَالِاسْم: الْهِجْرَة، وَفِي (الْعباب) : الْهِجْرَة ضد الْوَصْل. والتركيب يدل على قطع وَقَطِيعَة، وَالْمُهَاجِر مفاعل مِنْهُ. قيل: لِأَنَّهُ لما انْقَطَعت الْهِجْرَة وفضلها، حزن على فَوَاتهَا من لم يُدْرِكهَا، فاعلمهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن المُهَاجر على الْحَقِيقَة من هجر مَا نهى الله عَنهُ، وَقيل: بل أعلم الْمُهَاجِرين لِئَلَّا يتكلوا على الْهِجْرَة. فَإِن قلت: المُهَاجر من بَاب المفاعلة. وَهِي تَقْتَضِي الِاشْتِرَاك بَين الِاثْنَيْنِ. قلت: المُهَاجر بِمَعْنى الهاجر،

كالمسافر بِمَعْنى السافر، والمنازع بِمَعْنى النازع، لِأَن بَاب: فَاعل، قد يَأْتِي بِمَعْنى فعل.

(بَيَان الْإِعْرَاب) : قَوْله: (الْمُسلم) مُبْتَدأ وَخَبره، قَوْله: (من سلم الْمُسلمُونَ) ، وَيجوز أَن يكون: من سلم خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فالجملة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالتَّقْدِير: الْمُسلم هُوَ من سلم، فَمن مَوْصُولَة، وَسلم الْمُسلمُونَ صلتها، وَقَوله: (من لِسَانه) مُتَعَلق بقوله: (سلم) . قَوْله: (وَالْمُهَاجِر) عطف على قَوْله: (الْمُسلم) . وَمن أَيْضا فِي: (من هجر) مَوْصُولَة. و: (مَا نهى الله عَنهُ) جملَة فِي مَحل النصب لِأَنَّهَا مفعول هجر، وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة، وَنهى الله عَنْهَا، صلتها.

(بَيَان الْمعَانِي) : قَوْله: (الْمُسلم من سلم) إِلَى آخِره ظَاهره يدل على الْحصْر لوُقُوع جزئي الْجُمْلَة معرفتين، وَلَكِن هَذَا من قبيل قَوْلهم: زيد الرجل، أَي: زيد الْكَامِل فِي الرجولية، فَيكون التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم إِلَى آخِره. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره: المُرَاد: الْكَامِل الْإِسْلَام وَالْجَامِع لخصاله مَا لم يؤذ مُسلما بقول وَلَا فعل، وَهَذَا من جَامع كَلَامه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وفصيحه كَمَا يُقَال: المَال الْإِبِل، وَالنَّاس الْعَرَب، على التَّفْضِيل لَا على الْحصْر، وَقد بَين البُخَارِيّ مَا يبين هَذَا التَّأْوِيل، وَهُوَ قَول السَّائِل: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَن الْمُسلم الممدوح من كَانَ هَذَا وَصفه، وَلَيْسَ ذَلِك على معنى أَن من لم يسلم النَّاس مِنْهُ مِمَّن دخل فِي عقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ ذَلِك بِمُسلم، وَكَانَ ذَلِك خَارِجا عَن الْملَّة أَيْضا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك: النَّاس الْعَرَب، تُرِيدُ أَن أفضل النَّاس الْعَرَب، فههنا المُرَاد أفضل الْمُسلمين من جمع إِلَى أَدَاء حُقُوق الله أَدَاء حُقُوق الْمُسلمين والكف عَن أعراضهم، وَكَذَلِكَ المُهَاجر الممدوح هُوَ الَّذِي جمع إِلَى هجران وَطنه مَا حرم الله تَعَالَى عَلَيْهِ، وَنفي اسْم الشَّيْء على معنى نفي الْكَمَال عَنهُ مستفيض فِي كَلَامهم. قلت: وَكَذَا إِثْبَات اسْم الشَّيْء على الشَّيْء على معنى إِثْبَات الْكَمَال مستفيض فِي كَلَامهم. فَإِن قلت: إِذا كَانَ التَّقْدِير: الْمُسلم الْكَامِل من سلم، يلْزم من ذَلِك أَن يكون من اتّصف بِهَذَا خَاصَّة كَامِلا. قلت: الْمُلَازمَة مَمْنُوعَة، لِأَن المُرَاد هُوَ الْكَامِل مَعَ مراعات بَاقِي الصِّفَات، أَو يكون هَذَا وارداً على سَبِيل الْمُبَالغَة تَعْظِيمًا لترك الْإِيذَاء، كَمَا كَانَ ترك الْإِيذَاء هُوَ نفس الْإِسْلَام الْكَامِل، وَهُوَ مَحْصُور فِيهِ على سَبِيل الإدعاء. وَأَمْثَاله كَثِيرَة. فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه، لِأَنَّهُ إِذا أحسن مُعَاملَة إخوانه فَأولى، أَن يحسن مُعَاملَة ربه، من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى. قلت: فِيهِ نظر وخدش من وَجْهَيْن. أَحدهمَا: أَن قَوْله: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بذلك الْإِشَارَة إِلَى حسن مُعَاملَة العَبْد مَعَ ربه مَمْنُوع، لِأَن الْإِشَارَة مَا ثَبت بنظم الْكَلَام وتركيبه مثل الْعبارَة، غير أَن الثَّابِت من الْإِشَارَة غير مَقْصُود من الْكَلَام، وَلَا سيق الْكَلَام لَهُ فَانْظُر هَل تَجِد فِيهِ هَذَا الْمَعْنى؟ وَالثَّانِي: أَن قَوْله: فَأولى أَن يحسن مُعَاملَة ربه مَمْنُوع أَيْضا، وَمن أَيْن الْأَوْلَوِيَّة فِي ذَلِك، والأولوية مَوْقُوفَة على تحقق الْمُدَّعِي وَالدَّعْوَى غير صَحِيحَة، لأنَّا نجد كثيرا من النَّاس يسلم النَّاس من لسانهم وأيديهم، وَمَعَ هَذَا لَا يحسنون الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى؛ وَفِيه الْعَطف بَين الجملتين تَنْبِيها على التَّشْرِيك فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور، وَفِيه من أَنْوَاع البديع: تجنيس الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يرجع اللفظان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى أصل وَاحِد، نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فاقم وَجهك للدّين الْقيم} (الرّوم: ٤٣) فَإِن: أقِم والقيم، يرجعان فِي الِاشْتِقَاق إِلَى: الْقيام.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) الأولى: فِيهِ الْحَث على ترك أَذَى الْمُسلمين بِكُل مَا يُؤْذِي. وسر الْأَمر فِي ذَلِك حسن التخلق مَعَ الْعَالم، كَمَا قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ فِي تَفْسِير الْأَبْرَار: هم الَّذين لَا يُؤْذونَ الذَّر وَلَا يرضون الشَّرّ. الثَّانِيَة: فِيهِ الرَّد على المرجئة، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدهم إِسْلَام نَاقص. الثَّالِثَة: فِيهِ الْحَث على ترك الْمعاصِي وَاجْتنَاب المناهي.

(الأسئلة والأجوبة) مِنْهَا: مَا قيل لم خص الْيَد مَعَ أَن الْفِعْل قد يحصل بغَيْرهَا؟ أُجِيب: بِأَن سلطنة الْأَفْعَال إِنَّمَا تظهر فِي الْيَد إِذْ بهَا الْبَطْش وَالْقطع والوصل وَالْأَخْذ وَالْمَنْع والإعطاء وَنَحْوه، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: لما كَانَت أَكثر الْأَعْمَال تباشر بِالْأَيْدِي غلبت، فَقيل: فِي كل عمل: هَذَا مِمَّا علمت أَيْديهم، وَإِن كَانَ عملا لَا يَأْتِي فِيهِ الْمُبَاشرَة بِالْأَيْدِي. وَمِنْهَا: مَا قيل لم قرن اللِّسَان بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن الْإِيذَاء بِاللِّسَانِ وَالْيَد أَكثر من غَيرهمَا. فَاعْتبر الْغَالِب. وَمِنْهَا: مَا قيل: لم قدم اللِّسَان على الْيَد؟ أُجِيب: بإن إِيذَاء اللِّسَان أَكثر وقوعاً وأسهل. وَلِأَنَّهُ أَشد نكاية، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لحسان: (اهج الْمُشْركين فَإِنَّهُ أشق عَلَيْهِم من رشق النبل) وَقَالَ الشَّاعِر:

(جراحات السنان لَهَا التئام ... وَلَا يلتام مَا جرح اللِّسَان)

وَمِنْهَا: مَا قيل: الْمَفْهُوم مِنْهُ أَنه، إِذا لم يسلم الْمُسلمُونَ مِنْهُ لَا يكون مُسلما، لَكِن الِاتِّفَاق على أَنه إِذا أَتَى بالأركان الْخَمْسَة فَهُوَ مُسلم بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع. وَأجِيب: بِأَن المُرَاد مِنْهُ الْمُسلم الْكَامِل كَمَا ذكرنَا، وَإِذا لم يسلم مِنْهُ الْمُسلمُونَ فَلَا يكون مُسلما كَامِلا، وَذَلِكَ لِأَن الْجِنْس إِذا أطلق يكون مَحْمُولا على الْكَامِل، نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي نَحْو: الرجل زيد. وَقَالَ ابْن جني: من عَادَتهم أَن يوقعوا على الشَّيْء الَّذِي يخصونه بالمدح اسْم الْجِنْس، ألَا ترى كَيفَ سموا الْكَعْبَة بِالْبَيْتِ؟ وَقد يُقَال: سَلامَة الْمُسلمين خَاصَّة الْمُسلم، وَلَا يلْزم من انْتِفَاء الْخَاصَّة انْتِفَاء مَا لَهُ الْخَاصَّة. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا يُقَال فِي إِقَامَة الْحُدُود، وإجراء التعازير، والتأديبات إِلَى آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك مُسْتَثْنى من هَذَا الْعُمُوم بِالْإِجْمَاع، أَو أَنه لَيْسَ إِيذَاء بل هُوَ عِنْد التَّحْقِيق استصلاح وَطلب للسلامة لَهُم وَلَو فِي الْمَآل. وَمِنْهَا: مَا قيل: إِذا آذَى ذِمِّيا مَا يكون حَاله؟ لِأَن الحَدِيث مُقَيّد بِالْمُسْلِمين أُجِيب: بِأَنَّهُ قد ذكر الْمُسلمُونَ هُنَا بطرِيق الْغَالِب، وَلِأَن كف الْأَذَى عَن الْمُسلم أَشد تَأْكِيدًا لأصل الْإِسْلَام، وَلِأَن الْكفَّار بصدد أَن يقاتلوا، وَإِن كَانَ فيهم من يجب الْكَفّ عَنهُ. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا حكم المسلمات فِي ذَلِك، لِأَنَّهُ ذكر بِجمع التَّذْكِير؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا من بَاب التغليب، فَإِن المسلمات يدخلن فِيهِ كَمَا فِي سَائِر النُّصُوص والمخاطبات. وَمِنْهَا: مَا قيل: لِمَ عبر بِاللِّسَانِ دون القَوْل، فَإِنَّهُ لَا يكون إلَاّ بِاللِّسَانِ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا عبر بِهِ دون القَوْل حَتَّى يدْخل فِيهِ من أخرج لِسَانه على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء. وَمِنْهَا: مَا قيل: مَا الْفرق بَين الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَبَين الْأَذَى بِالْيَدِ؟ أُجِيب: بِأَن إِيذَاء اللِّسَان عَام، لِأَنَّهُ يكون فِي الماضين والموجودين والحادثين بعد بِخِلَاف الْيَد، لِأَن إيذاءها مَخْصُوص بالموجودين، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا كتب بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ حينئذٍ تشارك اللِّسَان، فحينئذٍ يكون الحَدِيث عَاما بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَأما فِي الصُّورَة الأولى فَإِنَّهُ عَام بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللِّسَان دون الْيَد. فَافْهَم.

قَالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ وقالَ أبُو مُعَاوَيَةَ حَدثنَا داودُ عَنْ عامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

هَذَانِ تعليقان رجالهما خَمْسَة. الأول: أَبُو مُعَاوِيَة مُحَمَّد بن خازم، بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، الضَّرِير الْكُوفِي التَّمِيمِي، السَّعْدِيّ، مولى سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم، يُقَال: عمي وَهُوَ ابْن أَربع سِنِين أَو ثَمَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره، وَعنهُ أَحْمد وَإِسْحَاق، وَهُوَ ثَبت فِي الْأَعْمَش، وَكَانَ مرجئاً، مَاتَ فِي صفر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة، وَفِي الروَاة أَيْضا: أَبُو مُعَاوِيَة النَّخعِيّ عمر، وَأَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان. الثَّانِي: دَاوُد بن أبي هِنْد دِينَار، مولى امْرَأَة من قُشَيْر، وَيُقَال: مولى عبد الله عَامر بن كريز، أحد الْأَعْلَام الثِّقَات، بَصرِي، رأى أنسا وَسمع الشّعبِيّ وَغَيره من التَّابِعين، وَعنهُ شُعْبَة وَالْقطَّان، لَهُ نَحْو مِائَتي حَدِيث، وَكَانَ حَافِظًا صواماً دهره قَانِتًا لله، مَاتَ سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة بطرِيق مَكَّة، عَن خمس وَسبعين سنة، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَالْبُخَارِيّ اسْتشْهد بِهِ هُنَا خَاصَّة، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَحِيحه ذكر إلَاّ هُنَا. الثَّالِث: عبد الْأَعْلَى بن عبد الْأَعْلَى السَّامِي، بِالسِّين الْمُهْملَة، من بني سامة بن لؤَي بن غَالب الْقرشِي الْبَصْرِيّ، روى عَن الْجريرِي وَغَيره، وَعنهُ بنْدَار، وَهُوَ ثِقَة قدري لكنه غير دَاعِيَة، مَاتَ فِي شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عبد الْأَعْلَى ثَلَاثَة: هَذَا، وَفِي ابْن مَاجَه آخر واهٍ، وَآخر كَذَلِك وَآخر صَدُوق، وَفِي النَّسَائِيّ آخر ثِقَة، وَفِيه وَفِي التِّرْمِذِيّ آخر ثِقَة، وَفِي الْأَرْبَعَة آخرَانِ ضعفهما أَحْمد، فالجملة تِسْعَة، وَفِي الضُّعَفَاء سَبْعَة أُخْرَى. الرَّابِع: عَامر، هُوَ الشّعبِيّ الْمَذْكُور عَن قريب. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَقد مر آنِفا. واراد بِالتَّعْلِيقِ الأول بَيَان سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو لِأَن وهيب بن خَالِد روى عَن دَاوُد، عَن رجل، عَن الشّعبِيّ، عَن عبيد الله بن عَمْرو. وَحَكَاهُ ابْن مَنْدَه، فَأخْرج البُخَارِيّ هَذَا التَّعْلِيق لينبه بِهِ على سَماع الشّعبِيّ من عبد الله بن عَمْرو، فعلى هَذَا لَعَلَّ الشّعبِيّ بلغه ذَاك عَن عبد الله بن عَمْرو، ثمَّ لقِيه فَسَمعهُ مِنْهُ. وَأخرج هَذَا التَّعْلِيق إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي (مُسْنده) عَن أبي مُعَاوِيَة مَوْصُولا، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن يحيى بن زُهَيْر الْحَافِظ بتستر، حَدثنَا مُحَمَّد بن الْعَلَاء بن كريب، حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة، حَدثنَا دَاوُد بن أبي هِنْد، عَن الشّعبِيّ قَالَ: سَمِعت عبد الله بن عَمْرو وَرب هَذِه البنية لسمعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (المُهَاجر من هجر السَّيِّئَات، وَالْمُسلم من سلم النَّاس من

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده