الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٣
الحديث رقم ٤٣ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أحب الدين إلى الله أدومه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ :
زارت امرأة عائشة رضي الله عنها فذكرت لها كثرة عبادتها وصلاتها، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاها عن المبالغة في العبادة وتكليف النفس ما لا تطيق، وأخبرها أن الله لا يعاملكم معاملة الملل حتى تملوا فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (بِمِثْلِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ: حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ﷿.
٣٢ - بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا - قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا. وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
[الحديث ٤٣ - في: ١١٥١]
قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا الْعَمَلُ، وَالدِّينُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ مُرَادِفٌ لِلْإِيمَانِ، فَيَصِحُّ بِهَذَا مَقْصُودُهُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحْسُنُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْمُغَالَبَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي ذَاكَ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَنْ هَذِهِ) لِلْأَصِيلِيِّ قَالَ مَنْ هَذِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، وَيُوَجَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: مَاذَا قَالَ حِينَ دَخَلَ؟ قَالَتْ: قَالَ مَنْ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ فُلَانَةُ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ فَلَا يَنْصَرِفُ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ.
قَوْلُهُ: (تَذْكُرُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْفَاعِلُ عَائِشَةُ. وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتَهَا كَثِيرَةٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مُعَلَّقًا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْحَوْلَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا بِنْتُ تُوَيْتٍ بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا ابْنِ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ هِشَامٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِرُهُ التَّغَايُرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَارَّةُ امْرَأَةً غَيْرَهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتَهَا تَعَدَّدَتْ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا. قُلْتُ: لَكِنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ فُلَانَةُ، وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (مَهْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهِيَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ، وَالْمَعْنَى اكْفُفْ، يُقَالُ مَهْمَهْتُهُ إِذَا زَجَرْتُهُ، فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ مَهٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا هَذَا كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْضَ اللَّفْظَةِ فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً، وَهَذَا الزَّجْرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَائِشَةَ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهَا عَنْ مَدْحِ الْمَرْأَةِ بِمَا ذَكَرَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَقَالُوا: يُكْرَهُ صَلَاةُ جَمِيعِ اللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أَيِ: اشْتَغِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ، فَمَنْطُوقُهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْتُ: سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ، فَغُلِّبَتِ الذُّكُورُ عَلَى الْإِنَاثِ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ. وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيمِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٍ مِنْ مَحْذُورٍ.
قَوْلُهُ: (لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَأَنْظَارُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ. وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلَلْتُمْ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ أَوْ حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ: لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ حِينَ يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً، بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ. قَالَ: وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ.
وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَبُّ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ (١) أَيْ: أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ ثَوَابًا أَدْوَمُهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحدٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه، والجمهور على جواز سياق حديثٍ منها بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأً به، فافهم.
(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «﷿» (أَدْوَمُهُ) «أَفْعَلُ» تفضيلٍ من الدَّوام، والمُرَاد به هنا: الدَّوام العرفيُّ، وهو قابلٌ للكثرة والقلَّة.
٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في «باب حلاوة الإيمان» [خ¦١٦] قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول (عَنْ هِشَامٍ) يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ (١) (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: «قال» بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء -بالمُهملَة والمدِّ كما في «مسلمٍ» - بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا (تَذْكُرُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا) في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة (٢): «يُذكَر» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة
اللَّيل» معلَّقًا: «لا تنام باللَّيل» [خ¦١١٥١] ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله ﷺ: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها (قَالَ) ﵊: (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها ﵊ عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا) بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: «ما» (تُطِيقُونَ) أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد للعلم به، ويُفهَم منه النَّهيُ عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى) إلى أن (تَمَلُّوا) (١) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب
المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والمَلال: ترك الشَّيء استثقالًا وكراهةً له بعد حِرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا عبَّر عن ذلك بـ «الملال»، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ) أي: إلى الرسول ﷺ، وفي رواية المُستملي: «إلى الله» وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «وكان أحبُّ» بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا دَاوَمَ) أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته ﷺ ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله «ما داوم عليه صاحبه»، والتَّعبير بـ «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل ضرورةَ أنَّ (١) تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».
وفي هذا الحديث: الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه
المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦١١٥١]، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».
(٣٣) (بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة «بابُ» لتاليه فقط (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قولِ» عطفًا على «زيادةِ الإيمان» ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) لأنَّ زيادتَه مستلزمةٌ للإيمان، أو (١) المُرَاد بـ «الهدى» الإيمان نفسه، وقوله تعالى: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) أي: شرائعه، فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذُكِرَ فما وجه استدلال المصنِّف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أُجِيب: بأنَّ الكمال مستلزمٌ للنَّقص، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبولَه الزِّيادةَ، ومن ثمَّ قال المؤلِّف: (فَإِذَا تَرَكَ) وللأَصيليِّ: «فإذا تركت» (شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) لا يُقَال: إنَّ الدِّين كان ناقصًا قبلُ، وإنَّ مَنْ مات من الصَّحابة كان ناقص الإيمان من حيث إنَّ موته قبل نزول الفرائض أو بعضها؛ لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تامًّا، والنَّقص بالنِّسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصَّحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إنَّ شرع محمَّدٍ أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب السَّابقة، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شرع عيسى بعده ما تجدَّد، فالأكمليَّة أمرٌ نسبيٌّ، وعبَّر المؤلِّف: بـ «قال» الماضي، ولم يَقُلْ: «وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾» على أسلوب السَّابق؛ لأنَّ الاستدلال به نصٌّ صريحٌ في الزِّيادة، وهو مستلزمٌ للنَّقص بخلاف هذه فإنَّ الصَّريح فيها الكمالُ، وليس هو نصًّا صريحًا في الزِّيادة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إضافي، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (تكْتب لَهُ) ، وَقَوله: (يعملها) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: لحسنة. قَوْله: (إِلَى سَبْعمِائة) فِي مَحل النصب على الْحَال، اى: منتهية إِلَى سَبْعمِائة. قَوْله: (بِمِثْلِهَا) الْبَاء فِيهِ للمقابلة، وَالله اعْلَم.
٣٢ - (بَاب أحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ أدْوَمُهُ)
الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: قَوْله: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف غير منون إِن اعْتبرت إِضَافَته إِلَى الْجُمْلَة. وَقَوله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (أَدْوَمه) . الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهُوَ: الِامْتِثَال بالأوامر والانتهاء عَن النواهي، والشفقة على خلق الله تَعَالَى، وَالْمَطْلُوب فِي هَذَا: المداومة والمواظبة، وَكلما واظب العَبْد عَلَيْهِ وداوم زَاد من الله محبَّة، لِأَن الله تَعَالَى يحب مداومة العَبْد على الْعَمَل الصَّالح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أحب الدّين، أَي: أحب الْعلم، إِذْ الدّين هُوَ الطَّاعَة، ومناسبته لكتاب الْإِيمَان من جِهَة أَن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد. قلت: الْعجب مِنْهُ كَيفَ رَضِي بِهَذَا الْكَلَام، فالمناسبة لَا تطلب إلَاّ بَين الْبَابَيْنِ المتواليين، وَلَا تطلب بَين بَابَيْنِ أَو بَين كتاب وَبَاب بَينهمَا أَبْوَاب عديدة، وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ باتحاد الدّين وَالْإِيمَان والاسلام، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَقد حققناه فِيمَا مضى، وَقَالَ بَعضهم: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، لِأَن المُرَاد بِالدّينِ هُنَا: الْعَمَل، وَالدّين الْحَقِيقِيّ هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده. . ومناسبته لما قبله من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، لِأَنَّهُ لما قدم: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، أَرَادَ أَن يُنَبه على أَن جِهَاد النَّفس فِي ذَلِك إِلَى حد المغالبة غير الْمَطْلُوب. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: إِن قَوْله: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال غير صَحِيح، لِأَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على هَذَا، وَالِاسْتِدْلَال بالترجمة لَيْسَ باستدلال يقوم بِهِ الْمُدَّعِي. فَإِن قلت: فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله: أحب الدّين إِلَيْهِ، فَإِن المُرَاد هَهُنَا من الدّين الْعَمَل، وَقد أطلق عَلَيْهِ الدّين. قلت: هَذَا إِنَّمَا يمشي إِذا أطلق الدّين الْمَعْهُود المصطلح على الْعَمَل وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن المُرَاد بِالدّينِ هَهُنَا الطَّاعَة بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيّ فَإِن لفظ الدّين مُشْتَرك بَين مَعَاني كَثِيرَة مُخْتَلفَة. الدّين: بِمَعْنى الْعِبَادَة، وَبِمَعْنى الْجَزَاء، وَبِمَعْنى الطَّاعَة، وَبِمَعْنى الْحساب، وَبِمَعْنى السُّلْطَان، وَبِمَعْنى الْملَّة، وَبِمَعْنى الْوَرع، وَبِمَعْنى الْقَهْر، وَبِمَعْنى الْحَال، وَبِمَعْنى مَا يتدين بِهِ الرجل، وَبِمَعْنى الْعُبُودِيَّة، وَبِمَعْنى الْإِسْلَام. وَفِي (الْمُحكم) : الدّين: الْإِسْلَام. الثَّانِي: أَنه قَالَ: الْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، يَعْنِي كِلَاهُمَا وَاحِد، وَقَالَ: إِن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، يُشِير بِهِ إِلَى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، ثمَّ قَالَ: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، فَكَلَامه يُشِير إِلَى أَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان، لِأَن الْحسن من الْأَوْصَاف الزَّائِدَة على الذَّات، وَهِي غير الذَّات. فينتج من كَلَامه أَن الْإِسْلَام يحسن بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا فَاسد. الثَّالِث: قَوْله: فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده، ومناسبته لما قبله غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ لَا يظْهر وَجه الْمُنَاسبَة لما قلبه مِمَّا قَالَه أصلا، وَكَيف يُوجد وَجه الْمُنَاسبَة من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، والترجمة لَيست عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجه الْمُنَاسبَة لما قبله مَا ذكرت لَك آنِفا. فَافْهَم. الْوَجْه الثَّالِث: قَوْله: (أحب الدّين) ، أحب هَهُنَا أفعل لتفضيل الْمَفْعُول، ومحبة الله تَعَالَى للدّين إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب عَلَيْهِ. قَوْله: (أَدْوَمه) هُوَ أفعل من الدَّوَام، وَهُوَ شُمُول جَمِيع الْأَزْمِنَة أَي: التَّأْبِيد. فَإِن قيل: شُمُول الْأَزْمِنَة لَا يقبل التَّفْضِيل، فَمَا معنى الأدوم؟ أُجِيب: بِأَن المُرَاد بالدوام هُوَ الدَّوَام الْعرفِيّ، وَذَلِكَ قَابل للكثرة والقلة. فَافْهَم.
٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عائِشَةَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وعندْهَا امرَأةٌ قالَ مَنْ هَذِهِ قالَتْ فُلَانَةُ تذْكرُ مِنْ صَلَاتِها قالَ مَهْ عَلَيكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَواللَّهِ لَا يَمِلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
(الحَدِيث ٤٣ طرفه: ١١٥١) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي قَوْله: (وَكَانَ أحب الدّين إِلَيْهِ مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) غير أَنه غيَّر لفظ: مَا داوم عَلَيْهِ، وَلكنه فِي الْمَعْنى مثله، وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَة: إِلَى الله، بدل: إِلَيْهِ، وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبدة عَن هِشَام، وَعند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده، وَكَذَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَهَذِه الرِّوَايَات توَافق التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَقد مر فِي بَاب: حلاوة الْإِيمَان. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول، وَقد مر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يجب لِأَخِيهِ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد مر ذكرهمَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الصَّحِيح. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مر ذكرهَا أَيْضا غير مرّة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة، وَقَالَ فِيهِ: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد) ، وسماها مُسلم، لَكِن قَالَ فِيهِ: إِن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى مرت بهَا وَعِنْدهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت: هَذِه الحولاء بنت تويت، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تنام اللَّيْل. فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون، فوَاللَّه لَا يسأم الله حَتَّى تسأموا) وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَفِيه: (فَقيل لَهُ هَذِه الحولاء لَا تنام اللَّيْل، فكره ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى عرفت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه) ، وَذكره مُسلم من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، ثمَّ ذكر حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة كَمَا أوردهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الصَّلَاة، وَفِيه: (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا امْرَأَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالصَّلَاة عَن شُعَيْب بن يُوسُف النَّسَائِيّ عَن يحيى بن سعيد بِهِ. فَإِن قلت: قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) هِيَ الحولاء أَو غَيرهَا. قلت: يحْتَمل أَن تكون هَذِه وَاقعَة أُخْرَى: إِحْدَاهمَا أَنَّهَا مرت بهَا، وَالْأُخْرَى كَانَت عِنْدهَا، وَيحْتَمل أَن تكون غَيرهَا، لَكِن قَول البُخَارِيّ: وَعِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد، يدل على أَنَّهَا الحولاء بنت تويت، وَلَكِن الظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة دلّت عَلَيْهَا رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: (مرت برَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، الحولاء) أخرجه مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب (قيام اللَّيْل) . وَجه التَّوْفِيق أَن يحمل على أَنَّهَا كَانَت أَولا عِنْد عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلَمَّا قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَت الْمَرْأَة لتخرج فمرت بِهِ فِي خلال ذهابها، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَبِهَذَا اتّفقت الرِّوَايَات، و: الحولاء، بِالْحَاء الْمُهْملَة، تَأْنِيث الْأَحول، وتويت، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق أَيْضا، و: كَانَت الحولاء امْرَأَة صَالِحَة عابدة مهاجرة، رَضِي الله عَنْهَا.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فُلَانَة) . أَي: الحولاء الأَسدِية وَهِي غير منصرف، لِأَن حكمهَا حكم أَعْلَام الْحَقَائِق: كأسامة، لِأَنَّهَا كِنَايَة عَن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة، فَفِيهَا العلمية والتأنيث. قَوْله: (مَه) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَهِي: إسم سمي بِهِ الْفِعْل، وبنيت على السّكُون، وَمَعْنَاهُ: اكفف، فَإِن وصلت نونته فَقلت: مَه مَه، وَيُقَال: مهمهت بِهِ، أَي: زجرته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: إِذا دخله التَّنْوِين كَانَ نكرَة وَإِذا حذف كَانَ معرفَة، وَهَذَا الْقسم من أَقسَام التَّنْوِين الَّذِي يخْتَص بِالدُّخُولِ على النكرَة ليفصل بَينهَا وَبَين الْمعرفَة، فالمعرفة غير منون، والنكرة منون. قَوْله: (عَلَيْكُم) أَيْضا من أَسمَاء الْأَفْعَال، أَي: الزموا من الْأَعْمَال مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا يمل الله) من الملالة، وَهِي السَّآمَة والضجر، وَفِي (الفصيح) فِي بَاب فعلت: مللت من الشي أمل. وَفِي (الْمُحكم) : مللت الشَّيْء مللاً وملالاً وملالة، وأملني وأمل عَليّ: أبرمني، وَرجل ملول وملالة وملولة وَذُو مِلَّة، وَالْأُنْثَى ملول وملولة، ملول على الْمُبَالغَة، وَفِي (الْجَامِع) : فَأَنت مَال. قَوْله: (أحب الدّين) أَي: أحب الطَّاعَة، وَمِنْه فِي الحَدِيث فِي صفة الْخَوَارِج: (يَمْرُقُونَ من الدّين) ، أَي: من طَاعَة الْأَئِمَّة، وَيجوز أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره أحب أَعمال الدّين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: فَإِن قلت: المُرَاد بيمرقون من الدّين: من الْإِيمَان، لِأَنَّهُ ورد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام) . قلت: الْخَوَارِج غير خَارِجين من الدائرة بالِاتِّفَاقِ، فَيحمل الْإِسْلَام على الاستسلام الَّذِي هُوَ الانقياد وَالطَّاعَة. قَوْله: (داوم) ، من المداومة وَهِي: الْمُوَاظبَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: المداومة على الْأَمر الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ، وثلاثيه: دَامَ الشَّيْء يَدُوم ويدام دَوْمًا ودواما وديمومة، وأدامه غَيره، ودام الشَّيْء: سكن.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (دخل عَلَيْهَا) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن، قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (قَالَ) هَكَذَا بِغَيْر فَاء رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ العاطفة، وَوجه الأول أَن تكون جملَة استثنائية، أَعنِي: جَوَاب سُؤال مُقَدّر، فَكَأَن قَائِلا يَقُول: مَاذَا قَالَ حِين دخل؟ قَالَت: قَالَ: من هَذِه؟ فَقَوله:
(من) مُبْتَدأ، و (هَذِه) خَبره، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَت) أَي: عَائِشَة فعل وفاعل. قَوْله: (فُلَانَة) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ فُلَانَة أَي: الحولاء الأَسدِية. (تذكر) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فعل مضارع للمؤنث، وفاعله عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، ويروى: يذكر، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف المضمومة على فعل مَا لم يسم فَاعله. وَقَوله: (من صلَاتهَا) فِي مَحل الرّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَالْمعْنَى يذكرُونَ أَن صلَاتهَا كَثِيرَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (لَا تنام تصلي) وعَلى الْوَجْه الأول: هِيَ، فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (مَه) مقول القَوْل. قَوْله: (بِمَا تطيقون) ، وَفِي رِوَايَة: (مَا تطيقون) ، بِغَيْر الْبَاء، وَمَعْنَاهُ: مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدرنَا دوَام الْفِعْل لَا أصل الْفِعْل لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ. قَوْله: (فوَاللَّه) مجرور بواو الْقسم. قَوْله: (لَا يمل الله) ، فعل وفاعل. قَوْله: (حَتَّى تملوا) أَي: حَتَّى أَن تملوا، فَإِن مقدرَة، وَلِهَذَا نصبت: تملوا. قَوْله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الله. قَوْله: (مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ خبر كَانَ، وَصَاحبه مَرْفُوع بداوم أَو كلمة: مَا، للمدة. وَالتَّقْدِير: مُدَّة دوَام صَاحبه عَلَيْهِ.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَه) زجر كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون لعَائِشَة، وَالْمرَاد نهيها عَن مدح الْمَرْأَة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد النَّهْي عَن تكلّف عمل لَا يُطَاق بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بعده: (عَلَيْكُم من الْعَمَل مَا تطيقون) . وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ عَائِشَة أمنت عَلَيْهَا الْفِتْنَة، فَلذَلِك مدحتها فِي وَجههَا. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على أَنَّهَا إِنَّمَا ذكرت ذَلِك بعد أَن خرجت الْمَرْأَة، أخرجهَا الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده من طَرِيقه، وَلَفظه: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة، فَلَمَّا قَامَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من هَذِه يَا عَائِشَة؟ قلت: يَا رَسُول الله هَذِه فُلَانَة، وَهِي أعبد أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (من الْعَمَل) يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ صَلَاة اللَّيْل، لوروده على سَببه، وَيحْتَمل أَن يحمل على جَمِيع الْأَعْمَال، قَالَه الْبَاجِيّ قَوْله: (بِمَا تطيقون) قَالَ القَاضِي: النّدب إِلَى تكلّف مَا لنا بِهِ طَاقَة، وَيحْتَمل النَّهْي عَن تكلّف مَا لَا نطيق، وَالْأَمر بالاقتصار على مَا نطيق. قَالَ: وَهُوَ أنسب للسياق. قَوْله: (عَلَيْكُم من الْعَمَل بِمَا تطيقون) فِيهِ عدُول عَن خطاب النِّسَاء إِلَى خطاب الرِّجَال، وَكَانَ الْخطاب للنِّسَاء فَيَقْتَضِي أَن يُقَال: عليكن، وَلَكِن لما طلب تَعْمِيم الحكم لجَمِيع الْأمة غلب الذُّكُور على الْإِنَاث فِي الذّكر. قَوْله: (فوَاللَّه لَا يمل الله حَتَّى تملوا) ، فِيهِ المشاكلة والازدواج، وَهُوَ: أَن يكون إِحْدَى اللفظتين مُوَافقَة لِلْأُخْرَى وَإِن خَالَفت مَعْنَاهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: ١٩٤) مَعْنَاهُ: فجازوه على اعتدائه، فَسَماهُ اعتداء، وَهُوَ عدل لتزدوج اللَّفْظَة الثَّانِيَة مَعَ الأولى، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} (الشورى: ٤٠) وَقَالَ الشَّاعِر، وَهُوَ عمر بن كُلْثُوم:
(إِلَّا لَا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا)
أَرَادَ: فنجازيه على فعله، فَسَماهُ جهلا، وَالْجهل لَا يفخر بِهِ ذُو عقل، وَلكنه على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ. وَالْحَاصِل أَن الملال لَا يجوز على الله تَعَالَى، وَلَا يدْخل تَحت صِفَاته لِأَنَّهُ ترك الشَّيْء استثقالاً وكراهية لَهُ بعد حرص ومحبة فِيهِ، وَهُوَ من صِفَات الْمَخْلُوق، فَلَا بُد من تَأْوِيل. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه لَا يتْرك الثَّوَاب على الْعَمَل مَا لم يذكر الْعَمَل، وَذَلِكَ أَن من مل شَيْئا تَركه، فكنى عَن التّرْك بالملال الَّذِي هُوَ سَبَب التّرْك، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَنه لَا يمل إِذا مللتم. قَالَ: ومثاله قَوْلهم فِي البليغ: فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى تَنْقَطِع خصومه، مَعْنَاهُ لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعت خصومه، وَلَو كَانَ لم يكن لَهُ فضل على غَيره. وَقَالَ بَعضهم: وَمَعْنَاهُ أَن الله لَا يتناهى حَقه عَلَيْكُم فِي الطَّاعَة حَتَّى يتناهى جهدكم قبل ذَلِك، فَلَا تكلفوا مَا لَا تطيقون من الْعَمَل، كنى بالملال عَنهُ لِأَن من تناهت قوته عَن أَمر، وَعجز عَن فعله مله وَتَركه. وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل أبدا مللتم أَنْتُم أَو لم تملوا، نَحْو قَوْلهم: لَا أُكَلِّمك حَتَّى يشيب الْغُرَاب. وَلَا يَصح التَّشْبِيه، لِأَن شيب الْغُرَاب لَيْسَ مُمكنا عَادَة، بِخِلَاف ملل الْعباد. وَحكى الْمَاوَرْدِيّ أَن: حَتَّى، هَهُنَا بِمَعْنى: حِين، أَو بِمَعْنى: الْوَاو، وَهَذَا ضَعِيف جدا.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على اسْتِعْمَال الْمجَاز، وَهُوَ إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْحلف من غير استحلاف، وَأَنه لَا كَرَاهَة فِيهِ إِذا كَانَ فِيهِ تفخيم أَمر، أَو حث على طَاعَة، أَو تنفير عَن مَحْذُور وَنَحْوه، وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: يكره الْيَمين إلَاّ فِي مَوَاضِع: مِنْهَا مَا ذكرنَا. وَمِنْهَا: إِذا كَانَت فِي دَعْوَى فَلَا تكره إِذا كَانَ صَادِقا. الثَّالِث:
فِيهِ فَضِيلَة الدَّوَام على الْعَمَل والحث على الْعَمَل الَّذِي يَدُوم وَالْعَمَل الْقَلِيل الدَّائِم خير من الْكثير الْمُنْقَطع، لِأَن بدوام الْقَلِيل تدوم الطَّاعَة وَالذكر، والمراقبة وَالنِّيَّة والأخلاص والإقبال على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويثمر الْقَلِيل الدَّائِم بِحَيْثُ يزِيد على الْكثير الْمُنْقَطع أضعافا كَثِيرَة. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان شَفَقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورأفته بأمته، لِأَنَّهُ أرشدهم إِلَى مَا يصلحهم، وَهُوَ مَا يُمكنهُم الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا مشقة، لِأَن النَّفس تكون فِيهِ أنشط، وَيحصل مِنْهُ مَقْصُود الْأَعْمَال وَهُوَ الْحُضُور فِيهَا والدوام عَلَيْهَا، بِخِلَاف مَا يشق عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ تعرض لِأَن يتْرك كُله أَو بعضه، أَو يَفْعَله بكلفة فيفوته الْخَيْر الْعَظِيم. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد والمهلب: إِنَّمَا قَالَه عَلَيْهِ السَّلَام خشيَة الملال اللَّاحِق، وَقد ذمّ الله من الْتزم فعل الْبر ثمَّ قطعه بقوله: {ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها} (الْحَدِيد: ٥٧) أَلا ترى أَن عبد الله بن عَمْرو نَدم على مُرَاجعَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالتَّخْفِيفِ عَنهُ لما ضعف، وَمَعَ ذَلِك لم يقطع الَّذِي الْتَزمهُ. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ على أَن صَلَاة جَمِيع اللَّيْل مَكْرُوهَة، وَعَن جمَاعَة من السّلف لَا بَأْس بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَقَالَ القَاضِي: كرهه مَالك مرّة، وَقَالَ: لَعَلَّه يَصح مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُسْوَة. ثمَّ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ مَا لم يضر ذَلِك بِصَلَاة الصُّبْح، وَإِن كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْح وَهُوَ نَائِم فَلَا، وَإِن كَانَ بِهِ فتور وكسل فَلَا بَأْس بِهِ.
٣٣ - (بابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ ونُقْصَانِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، و: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف قطعا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أحبية دوَام الدّين إِلَى الله تَعَالَى، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَلَا شكّ أَن يزْدَاد الْإِيمَان بدوام العَبْد على أَعمال الدّين، وَينْقص بتقصيره فِي الدَّوَام، سِيمَا هَذَا على مَذْهَب البُخَارِيّ وَجَمَاعَة من الْمُحدثين، وَأما على قَول من لَا يَقُول بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَإِنَّهُ أَيْضا يُوجد الزِّيَادَة بالدوام وَالنَّقْص بالتقصير فِيهِ. ولكنهما يرجعان إِلَى صفة الْإِيمَان لَا إِلَى ذَاته، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وزِدْنَاهُمْ هُدًى} {ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانا} وقالَ {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فَإذَا تَرَكَ شَيْئا مِنَ الْكَمَالِ فهُوَ نَاقِصٌ.
وَقَول، مجرور عطف على قَوْله: زِيَادَة الْإِيمَان، وَقَوله الثَّانِي أَيْضا عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان، وَبَيَان نقصانه، وَبَيَان قَول الله تَعَالَى: {وزدناهم هدى} (الْكَهْف: ١٣) وَبَيَان قَوْله تَعَالَى: {ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا} (المدثر: ٣١) ثمَّ إِنَّه قَالَ: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) بِلَفْظ الْمَاضِي وَلم يقل وَقَوله الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ على أسلوب أَخَوَيْهِ، لِأَن الْغَرَض مِنْهُ مَا هُوَ لَازمه، وَهُوَ بَيَان النُّقْصَان، وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على أَن الْإِيمَان كَمَا تدخله الزِّيَادَة فَكَذَلِك يدْخلهُ النُّقْصَان لِأَن الشَّيْء إِذا قبل أحد الضدين لَا بُد وَأَن يقبل الضِّدّ الآخر، وَبَين ذَلِك بقوله: (فَإِذا ترك شَيْئا من الْكَمَال فَهُوَ نَاقص) ، بِخِلَاف مَا تقدم من الْآيَتَيْنِ، فَإِن المُرَاد مِنْهُمَا إِثْبَات الزِّيَادَة تَصْرِيحًا لَا استلزاما، لِأَن الزِّيَادَة مصرحة فيهمَا بِخِلَاف الْآيَة الثَّالِثَة. فَإِن الصَّرِيح فِيهَا الْكَمَال الَّذِي يُقَابله النُّقْصَان، وَهُوَ يفهم مِنْهُ التزاما لَا صَرِيحًا. وَلما كَانَ الْبَاب مترجما بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه احْتج على الزِّيَادَة بِصَرِيح الْآيَتَيْنِ، وعَلى النُّقْصَان بِالْآيَةِ الثَّالِثَة بطرِيق الاستلزام، وَقد ذكر الْآيَتَيْنِ المتقدمتين فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان عِنْد قَوْله: كتاب الْإِيمَان، وَقد قُلْنَا أَنه لَو ذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي بَاب وَاحِد، إِمَّا هُنَاكَ وَإِمَّا هَهُنَا، كَانَ أنسب، وَلكنه عقد فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان هَذَا الْبَاب هَهُنَا لأجل الْمُنَاسبَة الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، فالآية الأولى فِي سُورَة الْكَهْف، وَالثَّانيَِة فِي سُورَة المدثر، وَالثَّالِثَة فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَقد مر الْكَلَام فِي الْآيَتَيْنِ الْأَوليين هُنَاكَ. فَإِن قلت: دلَالَة الْآيَة الثَّانِيَة ظَاهِرَة على زِيَادَة الْإِيمَان فَكيف تدل الأولى وَلَيْسَ فِيهَا إلَاّ زِيَادَة الْهدى، وَهِي الدّلَالَة الموصولة إِلَى البغية؟ وَيُقَال هِيَ الدّلَالَة مُطلقًا؟ قلت: زِيَادَة الْهدى مستلزمة للْإيمَان، أَو المُرَاد من الْهدى هُوَ الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال: هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) حجَّة فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَأَرَادَ الله عز وَجل قبض نبيه، فدلت هَذِه الْآيَة أَن كَمَال الدّين إِنَّمَا يحصل بِتمَام الشَّرِيعَة، فتصور كَمَاله يَقْتَضِي تصور نقصانه، وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، ولوجوده قبل نزُول الْآيَة.
فَالْمُرَاد الْأَعْمَال، فَمن حَافظ عَلَيْهَا فإيمانه أكمل من إِيمَان من قصر. قلت: هَذِه الْآيَة لَا تدل أصلا على زِيَادَة الدّين وَلَا على نقصانه، لِأَن المُرَاد أكملت لكم شرائع دينكُمْ، وتعليل ابْن بطال على مَا ادَّعَاهُ دَلِيل لما قُلْنَا وَحجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَلم يقل أحد إِن الدّين كَانَ نَاقِصا إِلَى وَقت نزُول هَذِه الْآيَة حَتَّى أكمله فِي هَذَا الْيَوْم، وَإِنَّمَا المُرَاد إِكْمَال شرائع الدّين فِي هَذَا الْيَوْم، لِأَن الشَّرَائِع نزلت شَيْئا فَشَيْئًا طول مُدَّة النُّبُوَّة، فَلَمَّا كملت الشَّرَائِع قبض الله نبيه، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ أَيْضا صرح بِهِ بقوله: وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، لوُجُوده قبل نزُول الْآيَة. فَإِن ادّعى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان فَلَيْسَ يتَصَوَّر، لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون كَمَال الْإِيمَان فِي هَذَا الْيَوْم، وَقَبله كَانَ نَاقِصا، لِأَن الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ الْأَعْمَال مَا كملت إلَاّ فِي هَذَا الْيَوْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: {أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) كفيتكم أَمر عَدوكُمْ وَجعلت الْيَد الْعليا لكم، كَمَا تَقول الْمُلُوك: الْيَوْم كمل لنا الْملك وكمل لنا مَا نُرِيد، إِذا كفوا من ينازعهم الْملك ووصلوا إِلَى أغراضهم ومباغيهم، أَو أكملت لكم مَا تحتاجون إِلَيْهِ فِي تكليفكم من تَعْلِيم الْحَلَال وَالْحرَام والتوقيف على الشَّرَائِع وقوانين الْقيَاس وأصول الِاجْتِهَاد.
١ - حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا هِشَام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن شعيرَة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا غله إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن برة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن ذرة من خير.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَلَا سِيمَا على مذْهبه (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول مُسلم بِضَم الْمِيم وَكسر اللَّام الْخَفِيفَة بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو الازدي الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب وَقد يعرف بالشحام روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وروى الْبَقِيَّة عَن رجل ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر ربقين من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وروى الْبَقِيَّة عَن رجل عَنهُ ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر بَقينَ من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ يحيى بن معِين هُوَ ثِقَة مَأْمُون وَقَالَ أَبُو حَاتِم ثِقَة صَدُوق وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله كَانَ ثِقَة عمى بآخرة وَكَانَ سمع من سبعين امْرَأَة. الثَّانِي هِشَام بِكَسْر الْهَاء بن ابي عبد الله وَاسم ابنى عبد الله سندر الربعِي الْبَصْرِيّ الدستوَائي ويكنى بِأبي بكر قَالَ وَكِيع كَانَ ثبتا وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد كَانَ ثِقَة ثبتا فِي الحَدِيث حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَقَالَ الْعجلِيّ كَانَ يَقُول كَانَ يَقُول بِالْقدرِ وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهِ توفّي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة على قَول روى لَهُ الْجَمَاعَة الثَّالِث قَتَادَة بن دعامة وَقد مر ذكره الرَّابِع أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ وَقد مر أَيْضا
بَيَان الْأَنْسَاب الفراهيدي بِفَتْح الْفَاء وبالراء وَالْهَاء الْمَكْسُورَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة وَقَالَ ابْن الآثير بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بطن من الازد وَمِنْهُم الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ قلت هُوَ فراهيد بن شَبابَة ابْن مَالك بن فهم ابْن غنم بن دوس كَذَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فراهيد وَقَالَ ابْن دُرَيْد بنوفرهود بن شَبابَة الَّذين يُقَال لَهُم الفراهيد والفرهود الغليظ من قَوْلهم تفرهد هَذَا الْغُلَام إِذا سمن يُقَال غُلَام فرهود وَلَا يُوصف بِهِ الرجل قَالَ والفرهود ولد الاسد فِي لُغَة اودعمان وَفِي كتاب الجمهرة فرهود بن الْحَارِث الَّذِي من وَلَده الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ وَهُوَ الفرهودي قَالَ وَمن قَالَ الفراهيدي فأنما يُرِيد الْجمع كَمَا يُقَال مهالبة وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بعد الْجمع وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وعَلى شبابه وَافقه ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وشبابه والْحَارث اخوان وَقَالَ أَبُو جَعْفَر حكى قطرب ابْن الفرهود هُوَ الْغُلَام الْكَبِير قَالَ وَعَن ابي عُبَيْدَة الفراهيد أَوْلَاد الوعول قَالَ أَبُو جَعْفَر وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ فراهدي مثل مقابرى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل لم أره لغيره. الربعِي بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى ربيعَة بن نذار بن معد بن عدنان وَهُوَ ربيعَة الْفرس وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَبِيعَة بن نذار شعب وَاسع فِيهِ قبائل وعمار وبطون وافخاذ فَمِمَّنْ ينْسب إِلَيْهِم من الروَاة هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الربعى الدستوَائي بِفَتْح الدَّال واسكان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة وَآخره همزَة.
بِلَا نون وَقيل الستوائي بِالْقصرِ وَالنُّون وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور ودستواء كورة من كور الاهواز كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا قلت ضبط السَّمْعَانِيّ بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي الانساب للرشاطى قَالَ سِيبَوَيْهٍ يُقَال فِي دستواء دستوانى مثل بحراني بالنُّون.
(بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْه أَن رُوَاته كلم يبصرون وَمِنْهَا أَنهم كلهم أئئمة أجلاء
(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن معَاذ بن فضَالة وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد وَهِشَام وَشعْبَة بِهِ وَفِيه قصَّة ليزِيد مَعَ شُعْبَة وَعَن ابي غَسَّان المسمعي مَالك بن عبد الْوَاحِد وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن ابْني دَاوُد عَن شُعْبَة وَهِشَام بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح. بَيَان اللُّغَات قَوْله " شعير وَاحِدَة " الشّعير والبرة بِضَم الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الْبر وَهِي الْقَمْح وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْبر أفْصح من قَوْلهم الْقَمْح وَيجمع الْبر ابرارا عِنْد الْمبرد وَمنعه سِيبَوَيْهٍ والذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الذَّر وَهِي اصغر النَّمْل وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الذَّر النَّمْل الصَّغِير وَعَن بعض نقلة الاخبار أَن الذَّر الهباء الَّذِي يظْهر فِي شُعَاع الشَّمْس مثل رُؤْس الابر ويروى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا إِذا وضعت كفك على التُّرَاب ثمَّ نفضتها فَمَا سقط من التُّرَاب فَهُوَ ذرة وَحكى أَن ارْبَعْ ذرات خردلة وَقيل الذّرة جُزْء من ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من شعيرَة انْتهى كَلَامه وَقد ابدلها شُعْبَة بِضَم الذَّال وَتَخْفِيف الرَّاء وَكَأن سَببه الْمُنَاسبَة أذ هِيَ من الْحُبُوب أَيْضا كالبة والشعيرة وَقَالَ النَّوَوِيّ واتفقه على أَنه تَصْحِيف قلت لَا يَنْبَغِي أَن ينْسب مثل شُعْبَة إِلَى التَّصْحِيف بل لَهُ وَجه يبعد عَن الْبعد (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله " يخرج " بِفَتْح الْيَاء من الْخُرُوج وَبِضَمِّهَا وَفتح الرَّاء من الأخراج وَهُوَ رِوَايَة الاصيلى وَالْأول رِوَايَة الْجُمْهُور قَوْله " من قَالَ " جملَة فِي مَحل الرّفْع على الْوَجْهَيْنِ أما على الوجة الأول فَهِيَ فَاعل وَأما الثَّانِي فَهِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَالَ جملَة صلتها وَقَول لَا إِلَه إِلَّا الله مقول القَوْل قَوْله " وَفِي قلبه وزن شعيرَة " جملَة اسمية وَقعت حَالا قَوْله " من خير " كلمة من بَيَانِيَّة وَالْكَلَام فِي اعراب الْبَاقِي كَالْكَلَامِ فِيمَا ذَكرْنَاهُ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) فِيهِ طى ذكر الْفَاعِل لشهرته لِأَنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن أحد لَا يُخرجهُ من النَّار إِلَّا الله تَعَالَى وَفِيه اطلاق الْخَيْر على الْإِيمَان لِأَن المُرَاد من قَوْله " من خير من إِيمَان " كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَالْخَيْر فِي الْحَقِيقَة مَا يقرب العَبْد إِلَى الله تَعَالَى وَمَا ذَلِك إِلَّا الْإِيمَان وَفِيه اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ بَيَانه ن الْوَزْن أَنما يتَصَوَّر فِي الْأَجْسَام دون الْمعَانِي وَالْإِيمَان معنى وَلكنه شبه الْإِيمَان بالجسم فاضيف إِلَيْهِ مَا هُوَ من لَوَازِم الْجِسْم وَهُوَ الْوَزْن وَفِيه تنكير خير الَّذِي هُوَ الْإِيمَان بِالتَّنْوِينِ الَّتِي تدل على التقليل ترغيباً فِي تَحْصِيله إِذا لما حصل الْخُرُوج بَاقِل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْإِيمَان فبالكثير مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الأولى فَأن قلت التنكير يقتضى أَن يَكْفِي أَي إِيمَان وَبِأَيِّ شَيْء كَانَ وَمَعَ هَا لَا بُد من الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا علم مَجِيء الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام فَلَا بُد من ذَلِك حَتَّى يتَحَقَّق حَقِيقَة الْإِيمَان وَيصِح اطلاقه فَأن قلت التَّصْدِيق القلبي كَاف فِي الْخُرُوج إِذْ الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار وَأما قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فلأ جزاءا احكام الدُّنْيَا عَلَيْهِ فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا قلت الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا فَقَالَ الْبَعْض لَا يَكْفِي مُجَرّد التَّصْدِيق بل لَا بُد من القَوْل وَالْعَمَل أَيْضا وَعَلِيهِ البُخَارِيّ إِذا المارد من الْخُرُوج هُوَ بِحَسب حكمنَا بِهِ أَي نحكم بِالْخرُوجِ لمن كَانَ فِي قلبه إِيمَانًا ضاما إِلَيْهِ عنوانه الَّذِي يدل عَلَيْهِ إِذا الْكَلِمَة هِيَ شعار الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا وَعَلِيهِ مدَار الْأَحْكَام فَلَا بُد مِنْهُمَا حَتَّى يَصح الحكم بِالْخرُوجِ (فان قلت) فعلى هَذَا لَا يَكْفِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله بل لَا بُد من ذكر مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه قلت المُرَاد الْمَجْمُوع وَصَارَ الْجُزْء الأول مِنْهُ علما للْكُلّ كَمَا يُقَال قَرَأت (قل هُوَ الله أحد) أَي قَرَأت كل السُّورَة أَو كَانَ هَذَا قبل مَشْرُوعِيَّة ضمنهَا إِلَيْهِ (بَيَان استنباط الاحكام) الأول قَالَ التَّيْمِيّ اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث على نُقْصَان الْإِيمَان لِأَنَّهُ يكون لوَاحِد
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (بِمِثْلِهَا) زَادَ مُسْلِمٌ، وَإِسْحَاقُ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِمْ: حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ ﷿.
٣٢ - بَاب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ ﷿ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ - تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا - قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا. وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
[الحديث ٤٣ - في: ١١٥١]
قَوْلُهُ: (بَابُ أَحَبِّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا الْعَمَلُ، وَالدِّينُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِسْلَامُ الْحَقِيقِيُّ مُرَادِفٌ لِلْإِيمَانِ، فَيَصِحُّ بِهَذَا مَقْصُودُهُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحْسُنُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْمُغَالَبَةِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الدِّينُ يُسْرٌ وَفِي هَذَا مَا لَيْسَ فِي ذَاكَ عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ مَنْ هَذِهِ) لِلْأَصِيلِيِّ قَالَ مَنْ هَذِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، وَيُوَجَّهُ عَلَى أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: مَاذَا قَالَ حِينَ دَخَلَ؟ قَالَتْ: قَالَ مَنْ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ فُلَانَةُ) هَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ فَلَا يَنْصَرِفُ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنَةُ الْهَيْئَةِ.
قَوْلُهُ: (تَذْكُرُ) بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْفَاعِلُ عَائِشَةُ. وَرُوِيَ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: يَذْكُرُونَ أَنَّ صَلَاتَهَا كَثِيرَةٌ. وَلِأَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي وَلِلْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مُعَلَّقًا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الْمُوَطَّأِ لِلْقَعْنَبِيِّ وَحْدَهُ فِي آخِرِهِ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْحَوْلَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ اسْمُهَا بِنْتُ تُوَيْتٍ بِمُثَنَّاتَيْنِ مُصَغَّرًا ابْنِ حَبِيبٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ رَهْطِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تَنَامُ اللَّيْلَ وَهَذَا يُؤَيِّدُ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ قِيلَ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حَدِيثُ هِشَامٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ عِنْدَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْحَوْلَاءَ مَرَّتْ بِهَا فَظَاهِرُهُ التَّغَايُرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَارَّةُ امْرَأَةً غَيْرَهَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَيْضًا أَوْ أَنَّ قِصَّتَهَا تَعَدَّدَتْ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا دَخَلَ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ قَامَتِ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَخْرُجَ مَرَّتْ بِهِ فِي خِلَالِ ذَهَابِهَا فَسَأَلَ عَنْهَا، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهَا أَمِنَتْ عَلَيْهَا الْفِتْنَةَ فَلِذَلِكَ مَدَحَتْهَا فِي وَجْهِهَا. قُلْتُ: لَكِنَّ رِوَايَةَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَتِ الْمَرْأَةُ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَلَمَّا قَامَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ هَذِهِ يَا عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ فُلَانَةُ، وَهِيَ أَعْبَدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ: (مَهْ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّكُونِ، وَهِيَ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ، وَالْمَعْنَى اكْفُفْ، يُقَالُ مَهْمَهْتُهُ إِذَا زَجَرْتُهُ، فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ مَهٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَا هَذَا كَالْإِنْكَارِ فَطَرَحُوا بَعْضَ اللَّفْظَةِ فَقَالُوا مَهْ فَصَيَّرُوا الْكَلِمَتَيْنِ كَلِمَةً، وَهَذَا الزَّجْرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعَائِشَةَ، وَالْمُرَادُ نَهْيُهَا عَنْ مَدْحِ الْمَرْأَةِ بِمَا ذَكَرَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، فَقَالُوا: يُكْرَهُ صَلَاةُ جَمِيعِ اللَّيْلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ) أَيِ: اشْتَغِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ، فَمَنْطُوقُهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يُطَاقُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ تَكَلُّفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَاصًّا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ. قُلْتُ: سَبَبُ وُرُودِهِ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ، وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَقَدْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَيْكُمْ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ النِّسَاءُ طَلَبًا لِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ، فَغُلِّبَتِ الذُّكُورُ عَلَى الْإِنَاثِ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ. وَقَدْ يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ فِي تَفْخِيمِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ أَوْ تَنْفِيرٍ مِنْ مَحْذُورٍ.
قَوْلُهُ: (لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْمَلَالُ اسْتِثْقَالُ الشَّيْءِ وَنُفُورُ النَّفْسِ عَنْهُ بَعْدَ مَحَبَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّمَا أُطْلِقَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَأَنْظَارُهُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ مَجَازِهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يَقْطَعُ ثَوَابَهُ عَمَّنْ يَقْطَعُ الْعَمَلَ مَلَالًا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْمَلَالِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ. وَقَالَ الْهَرَوِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يَقْطَعُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ حَتَّى تَمَلُّوا سُؤَالَهُ فَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَاهُ لَا يَتَنَاهَى حَقُّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطَّاعَةِ حَتَّى يَتَنَاهَى جُهْدُكُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَتَّى عَلَى بَابِهَا فِي انْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْهُومِ. وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَأْوِيلِهَا فَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَمَلُّ اللَّهُ إِذَا مَلَلْتُمْ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ أَوْ حَتَّى يَشِيبَ الْغُرَابُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْبَلِيغِ: لَا يَنْقَطِعُ حَتَّى يَنْقَطِعَ خُصُومُهُ ; لِأَنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ حِينَ يَنْقَطِعُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَشْبَهُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ شَيْبَ الْغُرَابِ لَيْسَ مُمْكِنًا عَادَةً، بِخِلَافِ الْمَلَلِ مِنَ الْعَابِدِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ إِنَّ حَتَّى هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَا يَمَلُّ وَتَمَلُّونَ، فَنَفَى عَنْهُ الْمَلَلَ وَأَثْبَتَهُ لَهُمْ. قَالَ: وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى حِينَ.
وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ وَأَجْرَى عَلَى الْقَوَاعِدِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى تَمَلُّوا مِنَ الْعَمَلِ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: هَذَا مِنَ أَلْفَاظِ التَّعَارُفِ الَّتِي لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَعْرِفَ الْقَصْدَ مِمَّا يُخَاطَبُ بِهِ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا رَأْيُهُ فِي جَمِيعِ الْمُتَشَابِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَبُّ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَى الْمَحَبَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِالثَّوَابِ (١) أَيْ: أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ ثَوَابًا أَدْوَمُهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ إِلَى اللَّهِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلِمُسْلِمٍ، عَنِ الْقَاسِمِ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ، وَقَالَ بَاقِي الرُّوَاةُ عَنْ هِشَامٍ: وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الرِّقَاقِ فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
المشهورة المرويَّة بإسنادٍ واحدٍ عن عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ عنه، والجمهور على جواز سياق حديثٍ منها بإسنادها، ولو لم يكن مبتدأً به، فافهم.
(٣٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ) زاد في رواية الأَصيليِّ: «﷿» (أَدْوَمُهُ) «أَفْعَلُ» تفضيلٍ من الدَّوام، والمُرَاد به هنا: الدَّوام العرفيُّ، وهو قابلٌ للكثرة والقلَّة.
٤٣ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) بالمُثلَّثة والنُّون المفتوحة المُشدَّدة، أبو موسى البصريُّ، المذكور في «باب حلاوة الإيمان» [خ¦١٦] قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان الأحول (عَنْ هِشَامٍ) يعني: ابن عروة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبِي) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَ) الحال أنَّ (١) (عِنْدَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ) بإثبات فاء العطف، وللأَصيليِّ: «قال» بحذفها، فتكون جملةً استئنافيَّةً جواب سؤالٍ مقدَّرٍ؛ كأنَّ قائلًا يقول: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: (مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ) عائشة: هي (فُلَانَةُ) بعدم الصَّرف للتَّأنيث والعلميَّة؛ إذ هو كنايةٌ عن ذلك، وهي الحَوْلاء -بالمُهملَة والمدِّ كما في «مسلمٍ» - بنت تُوَيتٍ؛ بمُثنَّاتين مُصغَّرًا (تَذْكُرُ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: عائشة (مِنْ صَلَاتِهَا) في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، ولغير الأربعة (٢): «يُذكَر» بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة مبنيًّا لِمَا لم يُسمَّ فاعله، وتاليه نائبٌ عنه، أي: يذكرون أنَّ صلاتها كثيرةٌ، وعند المؤلِّف في «صلاة
اللَّيل» معلَّقًا: «لا تنام باللَّيل» [خ¦١١٥١] ولعلَّ عائشة أَمِنَتْ عليها الفتنة فمدحتها في وجهها، لكن في «مُسنَد الحسن بن سفيان»: كانت عندي امرأةٌ، فلمَّا قامت قال رسول الله ﷺ: «من هذه يا عائشة؟» قالت: يا رسول الله، هذه فلانةُ، وهي أَعْبَدُ أهلِ المدينة، فظاهر هذه الرِّواية أنَّ مدحها كان في غيبتها (قَالَ) ﵊: (مَهْ) بفتح الميم وسكون الهاء؛ اسمٌ للزَّجر بمعنى: اكفُف، ينهاها ﵊ عن مدح المرأة بما ذكرته، أو عن تكلُّف عملِ ما لا يُطَاق؛ ولذا قال بعده: (عَلَيْكُمْ) من العمل (بِمَا) بمُوحَّدَةٍ قبل الميم، وفي رواية الأَصيليِّ: «ما» (تُطِيقُونَ) أي: بالذي تطيقون المُداوَمَةَ عليه، وحذف العائد للعلم به، ويُفهَم منه النَّهيُ عن تكليف ما لا يُطَاق، وسبب وروده خاصٌّ بالصَّلاة، لكنَّ اللَّفظ عامٌّ، فيشمل جميع الأعمال، وعَدَلَ عن خطاب النِّساء إلى خطاب الرِّجال طلبًا لتعميم الحكم، فغلَّب الذُّكور على الإناث في الذِّكر (فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى) إلى أن (تَمَلُّوا) (١) بفتح الميم في الموضعين، وهو من باب
المُشاكَلَة والازدواج؛ وهو أن تكون إحدى اللَّفظتين موافقةً للأخرى، وإن خالفت معناها، والمَلال: ترك الشَّيء استثقالًا وكراهةً له بعد حِرصٍ ومحبَّةٍ فيه، فهو من صفات المخلوقين، لا من صفات الخالق تعالى، فيحتاج إلى تأويلٍ، فقال المحقِّقون: هو على سبيل المجاز لأنَّه تعالى لمَّا كان يقطع ثوابه عمَّن قطع العمل ملالًا عبَّر عن ذلك بـ «الملال»، من باب تسمية الشَّيء باسم سببه، أو معناه: لا يقطع عنكم فضله حتَّى تملُّوا سؤالَه (وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ) أي: الطَّاعة (إِلَيْهِ) أي: إلى الرسول ﷺ، وفي رواية المُستملي: «إلى الله» وليس بين الرِّوايتين تخالفٌ لأنَّ ما كان أحبَّ إلى الله كان أحبَّ إلى رسوله، وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ: «وكان أحبُّ» بالرَّفع اسمُ «كان» (مَا دَاوَمَ) أي: واظب (عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) وإن قلَّ، فبالمُداوَمة على القليل تستمرُّ الطَّاعة، بخلاف الكثير الشَّاقِّ، وربَّما ينمو القليل الدَّائم حتَّى يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرةً، وهذا من مزيد شفقته ﷺ ورأفته بأمَّته؛ حيث أرشدهم إلى ما يصلحهم، وهو ما يمكنهم الدَّوام عليه من غير مشقَّةٍ، جزاه الله عنَّا ما هو أهله، وسقط عند الأَصيليِّ قوله «ما داوم عليه صاحبه»، والتَّعبير بـ «أحبَّ» هنا يقتضي أنَّ ما لم يداوم عليه صاحبه من الدِّين محبوبٌ، ولا يكون هذا إلَّا في العمل ضرورةَ أنَّ (١) تركَ الإيمان كفرٌ، قاله في «المصابيح».
وفي هذا الحديث: الدَّلالة على استعمال المجاز، وجواز الحلف من غير استحلافٍ، وأنَّه لا كراهة فيه إذا كان لمصلحةٍ، وفضيلة المُداوَمَة على العمل، وتسمية العمل دِينًا، وقد أخرجه
المؤلِّف أيضًا في «الصلاة» [خ¦١١٥١]، ومسلمٌ، ومالكٌ في «موطَّئه».
(٣٣) (بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ) بإضافة «بابُ» لتاليه فقط (وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) بجرِّ «قولِ» عطفًا على «زيادةِ الإيمان» ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «﷿» بدل قوله: «تعالى»: (﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]) لأنَّ زيادتَه مستلزمةٌ للإيمان، أو (١) المُرَاد بـ «الهدى» الإيمان نفسه، وقوله تعالى: (﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ) تعالى: (﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]) أي: شرائعه، فإن قلت: إذا كان تفسير الآية ما ذُكِرَ فما وجه استدلال المصنِّف بها على زيادة الإيمان ونقصانه؟ أُجِيب: بأنَّ الكمال مستلزمٌ للنَّقص، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبولَه الزِّيادةَ، ومن ثمَّ قال المؤلِّف: (فَإِذَا تَرَكَ) وللأَصيليِّ: «فإذا تركت» (شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ) لا يُقَال: إنَّ الدِّين كان ناقصًا قبلُ، وإنَّ مَنْ مات من الصَّحابة كان ناقص الإيمان من حيث إنَّ موته قبل نزول الفرائض أو بعضها؛ لأنَّ الإيمان لم يَزَلْ تامًّا، والنَّقص بالنِّسبة إلى الذين ماتوا قبل نزول الفرائض من الصَّحابة صوريٌّ نسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا يشبه قول القائل: إنَّ شرع محمَّدٍ أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب السَّابقة، ومع هذا فشرع موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شرع عيسى بعده ما تجدَّد، فالأكمليَّة أمرٌ نسبيٌّ، وعبَّر المؤلِّف: بـ «قال» الماضي، ولم يَقُلْ: «وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾» على أسلوب السَّابق؛ لأنَّ الاستدلال به نصٌّ صريحٌ في الزِّيادة، وهو مستلزمٌ للنَّقص بخلاف هذه فإنَّ الصَّريح فيها الكمالُ، وليس هو نصًّا صريحًا في الزِّيادة.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
إضافي، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (تكْتب لَهُ) ، وَقَوله: (يعملها) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة: لحسنة. قَوْله: (إِلَى سَبْعمِائة) فِي مَحل النصب على الْحَال، اى: منتهية إِلَى سَبْعمِائة. قَوْله: (بِمِثْلِهَا) الْبَاء فِيهِ للمقابلة، وَالله اعْلَم.
٣٢ - (بَاب أحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ أدْوَمُهُ)
الْكَلَام فِيهِ من وُجُوه. الأول: قَوْله: بَاب، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف غير منون إِن اعْتبرت إِضَافَته إِلَى الْجُمْلَة. وَقَوله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مُبْتَدأ، وَخَبره قَوْله: (أَدْوَمه) . الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول حسن إِسْلَام الْمَرْء، وَهُوَ: الِامْتِثَال بالأوامر والانتهاء عَن النواهي، والشفقة على خلق الله تَعَالَى، وَالْمَطْلُوب فِي هَذَا: المداومة والمواظبة، وَكلما واظب العَبْد عَلَيْهِ وداوم زَاد من الله محبَّة، لِأَن الله تَعَالَى يحب مداومة العَبْد على الْعَمَل الصَّالح، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أحب الدّين، أَي: أحب الْعلم، إِذْ الدّين هُوَ الطَّاعَة، ومناسبته لكتاب الْإِيمَان من جِهَة أَن الدّين وَالْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَاحِد. قلت: الْعجب مِنْهُ كَيفَ رَضِي بِهَذَا الْكَلَام، فالمناسبة لَا تطلب إلَاّ بَين الْبَابَيْنِ المتواليين، وَلَا تطلب بَين بَابَيْنِ أَو بَين كتاب وَبَاب بَينهمَا أَبْوَاب عديدة، وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ باتحاد الدّين وَالْإِيمَان والاسلام، وَالْفرق بَينهمَا ظَاهر، وَقد حققناه فِيمَا مضى، وَقَالَ بَعضهم: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، لِأَن المُرَاد بِالدّينِ هُنَا: الْعَمَل، وَالدّين الْحَقِيقِيّ هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده. . ومناسبته لما قبله من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، لِأَنَّهُ لما قدم: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، أَرَادَ أَن يُنَبه على أَن جِهَاد النَّفس فِي ذَلِك إِلَى حد المغالبة غير الْمَطْلُوب. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: إِن قَوْله: مُرَاد المُصَنّف الِاسْتِدْلَال على أَن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال غير صَحِيح، لِأَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ مَا يدل على هَذَا، وَالِاسْتِدْلَال بالترجمة لَيْسَ باستدلال يقوم بِهِ الْمُدَّعِي. فَإِن قلت: فِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْله: أحب الدّين إِلَيْهِ، فَإِن المُرَاد هَهُنَا من الدّين الْعَمَل، وَقد أطلق عَلَيْهِ الدّين. قلت: هَذَا إِنَّمَا يمشي إِذا أطلق الدّين الْمَعْهُود المصطلح على الْعَمَل وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن المُرَاد بِالدّينِ هَهُنَا الطَّاعَة بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيّ فَإِن لفظ الدّين مُشْتَرك بَين مَعَاني كَثِيرَة مُخْتَلفَة. الدّين: بِمَعْنى الْعِبَادَة، وَبِمَعْنى الْجَزَاء، وَبِمَعْنى الطَّاعَة، وَبِمَعْنى الْحساب، وَبِمَعْنى السُّلْطَان، وَبِمَعْنى الْملَّة، وَبِمَعْنى الْوَرع، وَبِمَعْنى الْقَهْر، وَبِمَعْنى الْحَال، وَبِمَعْنى مَا يتدين بِهِ الرجل، وَبِمَعْنى الْعُبُودِيَّة، وَبِمَعْنى الْإِسْلَام. وَفِي (الْمُحكم) : الدّين: الْإِسْلَام. الثَّانِي: أَنه قَالَ: الْإِسْلَام الْحَقِيقِيّ مرادف للْإيمَان، يَعْنِي كِلَاهُمَا وَاحِد، وَقَالَ: إِن الْإِيمَان يُطلق على الْأَعْمَال، يُشِير بِهِ إِلَى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، ثمَّ قَالَ: إِن الْإِسْلَام يحسن بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، فَكَلَامه يُشِير إِلَى أَن الْأَعْمَال لَيست من الْإِيمَان، لِأَن الْحسن من الْأَوْصَاف الزَّائِدَة على الذَّات، وَهِي غير الذَّات. فينتج من كَلَامه أَن الْإِسْلَام يحسن بِالْإِسْلَامِ، وَهَذَا فَاسد. الثَّالِث: قَوْله: فَيصح بِهَذَا مَقْصُوده، ومناسبته لما قبله غير مُسْتَقِيم، لِأَنَّهُ لَا يظْهر وَجه الْمُنَاسبَة لما قلبه مِمَّا قَالَه أصلا، وَكَيف يُوجد وَجه الْمُنَاسبَة من قَوْله: عَلَيْكُم بِمَا تطيقون، والترجمة لَيست عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَجه الْمُنَاسبَة لما قبله مَا ذكرت لَك آنِفا. فَافْهَم. الْوَجْه الثَّالِث: قَوْله: (أحب الدّين) ، أحب هَهُنَا أفعل لتفضيل الْمَفْعُول، ومحبة الله تَعَالَى للدّين إِرَادَة إِيصَال الثَّوَاب عَلَيْهِ. قَوْله: (أَدْوَمه) هُوَ أفعل من الدَّوَام، وَهُوَ شُمُول جَمِيع الْأَزْمِنَة أَي: التَّأْبِيد. فَإِن قيل: شُمُول الْأَزْمِنَة لَا يقبل التَّفْضِيل، فَمَا معنى الأدوم؟ أُجِيب: بِأَن المُرَاد بالدوام هُوَ الدَّوَام الْعرفِيّ، وَذَلِكَ قَابل للكثرة والقلة. فَافْهَم.
٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حدّثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أخْبَرَنِي أبِي عَنْ عائِشَةَ أَن النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ عَلَيْهَا وعندْهَا امرَأةٌ قالَ مَنْ هَذِهِ قالَتْ فُلَانَةُ تذْكرُ مِنْ صَلَاتِها قالَ مَهْ عَلَيكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَواللَّهِ لَا يَمِلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا وكانَ أحَبَّ الدِّينِ إلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
(الحَدِيث ٤٣ طرفه: ١١٥١) .
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهِي قَوْله: (وَكَانَ أحب الدّين إِلَيْهِ مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) غير أَنه غيَّر لفظ: مَا داوم عَلَيْهِ، وَلكنه فِي الْمَعْنى مثله، وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّرْجَمَة: إِلَى الله، بدل: إِلَيْهِ، وَهِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده. وَكَذَا فِي رِوَايَة عَبدة عَن هِشَام، وَعند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه فِي مُسْنده، وَكَذَا للْبُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق أبي سَلمَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، وَهَذِه الرِّوَايَات توَافق التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْمثنى الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزَّمن، وَقد مر فِي بَاب: حلاوة الْإِيمَان. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان الْأَحول، وَقد مر فِي بَاب من الْإِيمَان أَن يجب لِأَخِيهِ. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام، وَقد مر ذكرهمَا فِي الحَدِيث الثَّانِي من الصَّحِيح. الْخَامِس: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد مر ذكرهَا أَيْضا غير مرّة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الصَّلَاة، وَقَالَ فِيهِ: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد) ، وسماها مُسلم، لَكِن قَالَ فِيهِ: إِن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أَسد بن عبد الْعُزَّى مرت بهَا وَعِنْدهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت: هَذِه الحولاء بنت تويت، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَا تنام اللَّيْل. فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون، فوَاللَّه لَا يسأم الله حَتَّى تسأموا) وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَفِيه: (فَقيل لَهُ هَذِه الحولاء لَا تنام اللَّيْل، فكره ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى عرفت الْكَرَاهِيَة فِي وَجهه) ، وَذكره مُسلم من رِوَايَة الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، ثمَّ ذكر حَدِيث هِشَام عَن أَبِيه عُرْوَة كَمَا أوردهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الصَّلَاة، وَفِيه: (أَنه عَلَيْهِ السَّلَام دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا امْرَأَة) . وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالصَّلَاة عَن شُعَيْب بن يُوسُف النَّسَائِيّ عَن يحيى بن سعيد بِهِ. فَإِن قلت: قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) هِيَ الحولاء أَو غَيرهَا. قلت: يحْتَمل أَن تكون هَذِه وَاقعَة أُخْرَى: إِحْدَاهمَا أَنَّهَا مرت بهَا، وَالْأُخْرَى كَانَت عِنْدهَا، وَيحْتَمل أَن تكون غَيرهَا، لَكِن قَول البُخَارِيّ: وَعِنْدِي امْرَأَة من بني أَسد، يدل على أَنَّهَا الحولاء بنت تويت، وَلَكِن الظَّاهِر أَن الْقِصَّة وَاحِدَة دلّت عَلَيْهَا رِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث: (مرت برَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، الحولاء) أخرجه مُحَمَّد بن نصر فِي كتاب (قيام اللَّيْل) . وَجه التَّوْفِيق أَن يحمل على أَنَّهَا كَانَت أَولا عِنْد عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، فَلَمَّا قدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَامَت الْمَرْأَة لتخرج فمرت بِهِ فِي خلال ذهابها، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَبِهَذَا اتّفقت الرِّوَايَات، و: الحولاء، بِالْحَاء الْمُهْملَة، تَأْنِيث الْأَحول، وتويت، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفتح الْوَاو وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق أَيْضا، و: كَانَت الحولاء امْرَأَة صَالِحَة عابدة مهاجرة، رَضِي الله عَنْهَا.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (فُلَانَة) . أَي: الحولاء الأَسدِية وَهِي غير منصرف، لِأَن حكمهَا حكم أَعْلَام الْحَقَائِق: كأسامة، لِأَنَّهَا كِنَايَة عَن كل علم مؤنث للأناس المؤنثة، فَفِيهَا العلمية والتأنيث. قَوْله: (مَه) بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْهَاء وَهِي: إسم سمي بِهِ الْفِعْل، وبنيت على السّكُون، وَمَعْنَاهُ: اكفف، فَإِن وصلت نونته فَقلت: مَه مَه، وَيُقَال: مهمهت بِهِ، أَي: زجرته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: إِذا دخله التَّنْوِين كَانَ نكرَة وَإِذا حذف كَانَ معرفَة، وَهَذَا الْقسم من أَقسَام التَّنْوِين الَّذِي يخْتَص بِالدُّخُولِ على النكرَة ليفصل بَينهَا وَبَين الْمعرفَة، فالمعرفة غير منون، والنكرة منون. قَوْله: (عَلَيْكُم) أَيْضا من أَسمَاء الْأَفْعَال، أَي: الزموا من الْأَعْمَال مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا يمل الله) من الملالة، وَهِي السَّآمَة والضجر، وَفِي (الفصيح) فِي بَاب فعلت: مللت من الشي أمل. وَفِي (الْمُحكم) : مللت الشَّيْء مللاً وملالاً وملالة، وأملني وأمل عَليّ: أبرمني، وَرجل ملول وملالة وملولة وَذُو مِلَّة، وَالْأُنْثَى ملول وملولة، ملول على الْمُبَالغَة، وَفِي (الْجَامِع) : فَأَنت مَال. قَوْله: (أحب الدّين) أَي: أحب الطَّاعَة، وَمِنْه فِي الحَدِيث فِي صفة الْخَوَارِج: (يَمْرُقُونَ من الدّين) ، أَي: من طَاعَة الْأَئِمَّة، وَيجوز أَن يكون فِيهِ حذف تَقْدِيره أحب أَعمال الدّين. وَقَالَ التَّيْمِيّ: فَإِن قلت: المُرَاد بيمرقون من الدّين: من الْإِيمَان، لِأَنَّهُ ورد فِي رِوَايَة أُخْرَى: (يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام) . قلت: الْخَوَارِج غير خَارِجين من الدائرة بالِاتِّفَاقِ، فَيحمل الْإِسْلَام على الاستسلام الَّذِي هُوَ الانقياد وَالطَّاعَة. قَوْله: (داوم) ، من المداومة وَهِي: الْمُوَاظبَة. قَالَ الْجَوْهَرِي: المداومة على الْأَمر الْمُوَاظبَة عَلَيْهِ، وثلاثيه: دَامَ الشَّيْء يَدُوم ويدام دَوْمًا ودواما وديمومة، وأدامه غَيره، ودام الشَّيْء: سكن.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (دخل عَلَيْهَا) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر: أَن، قَوْله: (وَعِنْدهَا امْرَأَة) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (قَالَ) هَكَذَا بِغَيْر فَاء رِوَايَة الْأصيلِيّ، وَفِي رِوَايَة غَيره: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ العاطفة، وَوجه الأول أَن تكون جملَة استثنائية، أَعنِي: جَوَاب سُؤال مُقَدّر، فَكَأَن قَائِلا يَقُول: مَاذَا قَالَ حِين دخل؟ قَالَت: قَالَ: من هَذِه؟ فَقَوله:
(من) مُبْتَدأ، و (هَذِه) خَبره، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. قَوْله: (قَالَت) أَي: عَائِشَة فعل وفاعل. قَوْله: (فُلَانَة) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هِيَ فُلَانَة أَي: الحولاء الأَسدِية. (تذكر) بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فعل مضارع للمؤنث، وفاعله عَائِشَة، رَضِي الله عَنْهَا، ويروى: يذكر، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف المضمومة على فعل مَا لم يسم فَاعله. وَقَوله: (من صلَاتهَا) فِي مَحل الرّفْع مفعول نَاب عَن الْفَاعِل، وَالْمعْنَى يذكرُونَ أَن صلَاتهَا كَثِيرَة، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى الْقطَّان: (لَا تنام تصلي) وعَلى الْوَجْه الأول: هِيَ، فِي مَحل النصب على المفعولية. قَوْله: (مَه) مقول القَوْل. قَوْله: (بِمَا تطيقون) ، وَفِي رِوَايَة: (مَا تطيقون) ، بِغَيْر الْبَاء، وَمَعْنَاهُ: مَا تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدرنَا دوَام الْفِعْل لَا أصل الْفِعْل لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ. قَوْله: (فوَاللَّه) مجرور بواو الْقسم. قَوْله: (لَا يمل الله) ، فعل وفاعل. قَوْله: (حَتَّى تملوا) أَي: حَتَّى أَن تملوا، فَإِن مقدرَة، وَلِهَذَا نصبت: تملوا. قَوْله: (أحب الدّين) كَلَام إضافي مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم كَانَ. قَوْله: (إِلَيْهِ) أَي: إِلَى الله. قَوْله: (مَا داوم عَلَيْهِ صَاحبه) فِي مَحل النصب، لِأَنَّهُ خبر كَانَ، وَصَاحبه مَرْفُوع بداوم أَو كلمة: مَا، للمدة. وَالتَّقْدِير: مُدَّة دوَام صَاحبه عَلَيْهِ.
بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (مَه) زجر كَمَا ذكرنَا، وَلَكِن يحْتَمل أَن يكون لعَائِشَة، وَالْمرَاد نهيها عَن مدح الْمَرْأَة، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد النَّهْي عَن تكلّف عمل لَا يُطَاق بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بعده: (عَلَيْكُم من الْعَمَل مَا تطيقون) . وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ عَائِشَة أمنت عَلَيْهَا الْفِتْنَة، فَلذَلِك مدحتها فِي وَجههَا. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على أَنَّهَا إِنَّمَا ذكرت ذَلِك بعد أَن خرجت الْمَرْأَة، أخرجهَا الْحسن بن سُفْيَان فِي مُسْنده من طَرِيقه، وَلَفظه: (كَانَت عِنْدِي امْرَأَة، فَلَمَّا قَامَت قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من هَذِه يَا عَائِشَة؟ قلت: يَا رَسُول الله هَذِه فُلَانَة، وَهِي أعبد أهل الْمَدِينَة) . قَوْله: (من الْعَمَل) يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ صَلَاة اللَّيْل، لوروده على سَببه، وَيحْتَمل أَن يحمل على جَمِيع الْأَعْمَال، قَالَه الْبَاجِيّ قَوْله: (بِمَا تطيقون) قَالَ القَاضِي: النّدب إِلَى تكلّف مَا لنا بِهِ طَاقَة، وَيحْتَمل النَّهْي عَن تكلّف مَا لَا نطيق، وَالْأَمر بالاقتصار على مَا نطيق. قَالَ: وَهُوَ أنسب للسياق. قَوْله: (عَلَيْكُم من الْعَمَل بِمَا تطيقون) فِيهِ عدُول عَن خطاب النِّسَاء إِلَى خطاب الرِّجَال، وَكَانَ الْخطاب للنِّسَاء فَيَقْتَضِي أَن يُقَال: عليكن، وَلَكِن لما طلب تَعْمِيم الحكم لجَمِيع الْأمة غلب الذُّكُور على الْإِنَاث فِي الذّكر. قَوْله: (فوَاللَّه لَا يمل الله حَتَّى تملوا) ، فِيهِ المشاكلة والازدواج، وَهُوَ: أَن يكون إِحْدَى اللفظتين مُوَافقَة لِلْأُخْرَى وَإِن خَالَفت مَعْنَاهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: ١٩٤) مَعْنَاهُ: فجازوه على اعتدائه، فَسَماهُ اعتداء، وَهُوَ عدل لتزدوج اللَّفْظَة الثَّانِيَة مَعَ الأولى، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا} (الشورى: ٤٠) وَقَالَ الشَّاعِر، وَهُوَ عمر بن كُلْثُوم:
(إِلَّا لَا يجهلن أحدٌ علينا ... فنجهل فَوق جهل الجاهلينا)
أَرَادَ: فنجازيه على فعله، فَسَماهُ جهلا، وَالْجهل لَا يفخر بِهِ ذُو عقل، وَلكنه على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ. وَالْحَاصِل أَن الملال لَا يجوز على الله تَعَالَى، وَلَا يدْخل تَحت صِفَاته لِأَنَّهُ ترك الشَّيْء استثقالاً وكراهية لَهُ بعد حرص ومحبة فِيهِ، وَهُوَ من صِفَات الْمَخْلُوق، فَلَا بُد من تَأْوِيل. وَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ أَنه لَا يتْرك الثَّوَاب على الْعَمَل مَا لم يذكر الْعَمَل، وَذَلِكَ أَن من مل شَيْئا تَركه، فكنى عَن التّرْك بالملال الَّذِي هُوَ سَبَب التّرْك، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَنه لَا يمل إِذا مللتم. قَالَ: ومثاله قَوْلهم فِي البليغ: فلَان لَا يَنْقَطِع حَتَّى تَنْقَطِع خصومه، مَعْنَاهُ لَا يَنْقَطِع إِذا انْقَطَعت خصومه، وَلَو كَانَ لم يكن لَهُ فضل على غَيره. وَقَالَ بَعضهم: وَمَعْنَاهُ أَن الله لَا يتناهى حَقه عَلَيْكُم فِي الطَّاعَة حَتَّى يتناهى جهدكم قبل ذَلِك، فَلَا تكلفوا مَا لَا تطيقون من الْعَمَل، كنى بالملال عَنهُ لِأَن من تناهت قوته عَن أَمر، وَعجز عَن فعله مله وَتَركه. وَقَالَ التَّيْمِيّ: مَعْنَاهُ أَن الله لَا يمل أبدا مللتم أَنْتُم أَو لم تملوا، نَحْو قَوْلهم: لَا أُكَلِّمك حَتَّى يشيب الْغُرَاب. وَلَا يَصح التَّشْبِيه، لِأَن شيب الْغُرَاب لَيْسَ مُمكنا عَادَة، بِخِلَاف ملل الْعباد. وَحكى الْمَاوَرْدِيّ أَن: حَتَّى، هَهُنَا بِمَعْنى: حِين، أَو بِمَعْنى: الْوَاو، وَهَذَا ضَعِيف جدا.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على اسْتِعْمَال الْمجَاز، وَهُوَ إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الْحلف من غير استحلاف، وَأَنه لَا كَرَاهَة فِيهِ إِذا كَانَ فِيهِ تفخيم أَمر، أَو حث على طَاعَة، أَو تنفير عَن مَحْذُور وَنَحْوه، وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: يكره الْيَمين إلَاّ فِي مَوَاضِع: مِنْهَا مَا ذكرنَا. وَمِنْهَا: إِذا كَانَت فِي دَعْوَى فَلَا تكره إِذا كَانَ صَادِقا. الثَّالِث:
فِيهِ فَضِيلَة الدَّوَام على الْعَمَل والحث على الْعَمَل الَّذِي يَدُوم وَالْعَمَل الْقَلِيل الدَّائِم خير من الْكثير الْمُنْقَطع، لِأَن بدوام الْقَلِيل تدوم الطَّاعَة وَالذكر، والمراقبة وَالنِّيَّة والأخلاص والإقبال على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويثمر الْقَلِيل الدَّائِم بِحَيْثُ يزِيد على الْكثير الْمُنْقَطع أضعافا كَثِيرَة. الرَّابِع: فِيهِ بَيَان شَفَقَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورأفته بأمته، لِأَنَّهُ أرشدهم إِلَى مَا يصلحهم، وَهُوَ مَا يُمكنهُم الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا مشقة، لِأَن النَّفس تكون فِيهِ أنشط، وَيحصل مِنْهُ مَقْصُود الْأَعْمَال وَهُوَ الْحُضُور فِيهَا والدوام عَلَيْهَا، بِخِلَاف مَا يشق عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ تعرض لِأَن يتْرك كُله أَو بعضه، أَو يَفْعَله بكلفة فيفوته الْخَيْر الْعَظِيم. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد والمهلب: إِنَّمَا قَالَه عَلَيْهِ السَّلَام خشيَة الملال اللَّاحِق، وَقد ذمّ الله من الْتزم فعل الْبر ثمَّ قطعه بقوله: {ورهبانية ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِم إِلَّا ابْتِغَاء رضوَان الله فَمَا رعوها حق رعايتها} (الْحَدِيد: ٥٧) أَلا ترى أَن عبد الله بن عَمْرو نَدم على مُرَاجعَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالتَّخْفِيفِ عَنهُ لما ضعف، وَمَعَ ذَلِك لم يقطع الَّذِي الْتَزمهُ. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل لِلْجُمْهُورِ على أَن صَلَاة جَمِيع اللَّيْل مَكْرُوهَة، وَعَن جمَاعَة من السّلف لَا بَأْس بِهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: وَقَالَ القَاضِي: كرهه مَالك مرّة، وَقَالَ: لَعَلَّه يَصح مَغْلُوبًا، وَفِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُسْوَة. ثمَّ قَالَ: لَا بَأْس بِهِ مَا لم يضر ذَلِك بِصَلَاة الصُّبْح، وَإِن كَانَ يَأْتِيهِ الصُّبْح وَهُوَ نَائِم فَلَا، وَإِن كَانَ بِهِ فتور وكسل فَلَا بَأْس بِهِ.
٣٣ - (بابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ ونُقْصَانِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، و: بَاب، مَرْفُوع مُضَاف قطعا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول أحبية دوَام الدّين إِلَى الله تَعَالَى، وَالْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَلَا شكّ أَن يزْدَاد الْإِيمَان بدوام العَبْد على أَعمال الدّين، وَينْقص بتقصيره فِي الدَّوَام، سِيمَا هَذَا على مَذْهَب البُخَارِيّ وَجَمَاعَة من الْمُحدثين، وَأما على قَول من لَا يَقُول بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، فَإِنَّهُ أَيْضا يُوجد الزِّيَادَة بالدوام وَالنَّقْص بالتقصير فِيهِ. ولكنهما يرجعان إِلَى صفة الْإِيمَان لَا إِلَى ذَاته، كَمَا عرف فِي مَوْضِعه.
وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وزِدْنَاهُمْ هُدًى} {ويَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانا} وقالَ {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فَإذَا تَرَكَ شَيْئا مِنَ الْكَمَالِ فهُوَ نَاقِصٌ.
وَقَول، مجرور عطف على قَوْله: زِيَادَة الْإِيمَان، وَقَوله الثَّانِي أَيْضا عطف عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي بَيَان زِيَادَة الْإِيمَان، وَبَيَان نقصانه، وَبَيَان قَول الله تَعَالَى: {وزدناهم هدى} (الْكَهْف: ١٣) وَبَيَان قَوْله تَعَالَى: {ويزداد الَّذين آمنُوا إِيمَانًا} (المدثر: ٣١) ثمَّ إِنَّه قَالَ: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) بِلَفْظ الْمَاضِي وَلم يقل وَقَوله الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ على أسلوب أَخَوَيْهِ، لِأَن الْغَرَض مِنْهُ مَا هُوَ لَازمه، وَهُوَ بَيَان النُّقْصَان، وَالِاسْتِدْلَال بِهِ على أَن الْإِيمَان كَمَا تدخله الزِّيَادَة فَكَذَلِك يدْخلهُ النُّقْصَان لِأَن الشَّيْء إِذا قبل أحد الضدين لَا بُد وَأَن يقبل الضِّدّ الآخر، وَبَين ذَلِك بقوله: (فَإِذا ترك شَيْئا من الْكَمَال فَهُوَ نَاقص) ، بِخِلَاف مَا تقدم من الْآيَتَيْنِ، فَإِن المُرَاد مِنْهُمَا إِثْبَات الزِّيَادَة تَصْرِيحًا لَا استلزاما، لِأَن الزِّيَادَة مصرحة فيهمَا بِخِلَاف الْآيَة الثَّالِثَة. فَإِن الصَّرِيح فِيهَا الْكَمَال الَّذِي يُقَابله النُّقْصَان، وَهُوَ يفهم مِنْهُ التزاما لَا صَرِيحًا. وَلما كَانَ الْبَاب مترجما بِزِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه احْتج على الزِّيَادَة بِصَرِيح الْآيَتَيْنِ، وعَلى النُّقْصَان بِالْآيَةِ الثَّالِثَة بطرِيق الاستلزام، وَقد ذكر الْآيَتَيْنِ المتقدمتين فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان عِنْد قَوْله: كتاب الْإِيمَان، وَقد قُلْنَا أَنه لَو ذكر مَا يتَعَلَّق بِأُمُور الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي بَاب وَاحِد، إِمَّا هُنَاكَ وَإِمَّا هَهُنَا، كَانَ أنسب، وَلكنه عقد فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان هَذَا الْبَاب هَهُنَا لأجل الْمُنَاسبَة الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا، فالآية الأولى فِي سُورَة الْكَهْف، وَالثَّانيَِة فِي سُورَة المدثر، وَالثَّالِثَة فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَقد مر الْكَلَام فِي الْآيَتَيْنِ الْأَوليين هُنَاكَ. فَإِن قلت: دلَالَة الْآيَة الثَّانِيَة ظَاهِرَة على زِيَادَة الْإِيمَان فَكيف تدل الأولى وَلَيْسَ فِيهَا إلَاّ زِيَادَة الْهدى، وَهِي الدّلَالَة الموصولة إِلَى البغية؟ وَيُقَال هِيَ الدّلَالَة مُطلقًا؟ قلت: زِيَادَة الْهدى مستلزمة للْإيمَان، أَو المُرَاد من الْهدى هُوَ الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال: هَذِه الْآيَة يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: {الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) حجَّة فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه، لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَأَرَادَ الله عز وَجل قبض نبيه، فدلت هَذِه الْآيَة أَن كَمَال الدّين إِنَّمَا يحصل بِتمَام الشَّرِيعَة، فتصور كَمَاله يَقْتَضِي تصور نقصانه، وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، ولوجوده قبل نزُول الْآيَة.
فَالْمُرَاد الْأَعْمَال، فَمن حَافظ عَلَيْهَا فإيمانه أكمل من إِيمَان من قصر. قلت: هَذِه الْآيَة لَا تدل أصلا على زِيَادَة الدّين وَلَا على نقصانه، لِأَن المُرَاد أكملت لكم شرائع دينكُمْ، وتعليل ابْن بطال على مَا ادَّعَاهُ دَلِيل لما قُلْنَا وَحجَّة عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا نزلت يَوْم كملت الْفَرَائِض وَالسّنَن وَاسْتقر الدّين، وَلم يقل أحد إِن الدّين كَانَ نَاقِصا إِلَى وَقت نزُول هَذِه الْآيَة حَتَّى أكمله فِي هَذَا الْيَوْم، وَإِنَّمَا المُرَاد إِكْمَال شرائع الدّين فِي هَذَا الْيَوْم، لِأَن الشَّرَائِع نزلت شَيْئا فَشَيْئًا طول مُدَّة النُّبُوَّة، فَلَمَّا كملت الشَّرَائِع قبض الله نبيه، عَلَيْهِ السَّلَام، وَهُوَ أَيْضا صرح بِهِ بقوله: وَلَيْسَ المُرَاد التَّوْحِيد، لوُجُوده قبل نزُول الْآيَة. فَإِن ادّعى أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان فَلَيْسَ يتَصَوَّر، لِأَنَّهُ يلْزم أَن يكون كَمَال الْإِيمَان فِي هَذَا الْيَوْم، وَقَبله كَانَ نَاقِصا، لِأَن الشَّرَائِع الَّتِي هِيَ الْأَعْمَال مَا كملت إلَاّ فِي هَذَا الْيَوْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: {أكملت لكم دينكُمْ} (الْمَائِدَة: ٣) كفيتكم أَمر عَدوكُمْ وَجعلت الْيَد الْعليا لكم، كَمَا تَقول الْمُلُوك: الْيَوْم كمل لنا الْملك وكمل لنا مَا نُرِيد، إِذا كفوا من ينازعهم الْملك ووصلوا إِلَى أغراضهم ومباغيهم، أَو أكملت لكم مَا تحتاجون إِلَيْهِ فِي تكليفكم من تَعْلِيم الْحَلَال وَالْحرَام والتوقيف على الشَّرَائِع وقوانين الْقيَاس وأصول الِاجْتِهَاد.
١ - حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنَا هِشَام قَالَ حَدثنَا قَتَادَة عَن أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن شعيرَة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا غله إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن برة من خير وَيخرج من النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَفِي قلبه وزن ذرة من خير.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَلَا سِيمَا على مذْهبه (بَيَان رِجَاله) وهم أَرْبَعَة الأول مُسلم بِضَم الْمِيم وَكسر اللَّام الْخَفِيفَة بن إِبْرَاهِيم أَبُو عَمْرو الازدي الفراهيدي مَوْلَاهُم القصاب وَقد يعرف بالشحام روى عَنهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وروى الْبَقِيَّة عَن رجل ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر ربقين من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وروى الْبَقِيَّة عَن رجل عَنهُ ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة بِالْبَصْرَةِ لعشر بَقينَ من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ يحيى بن معِين هُوَ ثِقَة مَأْمُون وَقَالَ أَبُو حَاتِم ثِقَة صَدُوق وَقَالَ أَحْمد بن عبد الله كَانَ ثِقَة عمى بآخرة وَكَانَ سمع من سبعين امْرَأَة. الثَّانِي هِشَام بِكَسْر الْهَاء بن ابي عبد الله وَاسم ابنى عبد الله سندر الربعِي الْبَصْرِيّ الدستوَائي ويكنى بِأبي بكر قَالَ وَكِيع كَانَ ثبتا وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث وَقَالَ مُحَمَّد بن سعد كَانَ ثِقَة ثبتا فِي الحَدِيث حجَّة إِلَّا أَنه كَانَ يرى الْقدر وَقَالَ الْعجلِيّ كَانَ يَقُول كَانَ يَقُول بِالْقدرِ وَلم يكن يَدْعُو إِلَيْهِ توفّي سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة على قَول روى لَهُ الْجَمَاعَة الثَّالِث قَتَادَة بن دعامة وَقد مر ذكره الرَّابِع أنس بن مَالك رضى الله عَنهُ وَقد مر أَيْضا
بَيَان الْأَنْسَاب الفراهيدي بِفَتْح الْفَاء وبالراء وَالْهَاء الْمَكْسُورَة وَالْيَاء آخر الْحُرُوف الساكنة وَالدَّال الْمُهْملَة وَقَالَ ابْن الآثير بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة بطن من الازد وَمِنْهُم الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ قلت هُوَ فراهيد بن شَبابَة ابْن مَالك بن فهم ابْن غنم بن دوس كَذَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فراهيد وَقَالَ ابْن دُرَيْد بنوفرهود بن شَبابَة الَّذين يُقَال لَهُم الفراهيد والفرهود الغليظ من قَوْلهم تفرهد هَذَا الْغُلَام إِذا سمن يُقَال غُلَام فرهود وَلَا يُوصف بِهِ الرجل قَالَ والفرهود ولد الاسد فِي لُغَة اودعمان وَفِي كتاب الجمهرة فرهود بن الْحَارِث الَّذِي من وَلَده الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ وَهُوَ الفرهودي قَالَ وَمن قَالَ الفراهيدي فأنما يُرِيد الْجمع كَمَا يُقَال مهالبة وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ بعد الْجمع وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وعَلى شبابه وَافقه ابْن الْكَلْبِيّ وَغَيره وَهُوَ الصَّوَاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وشبابه والْحَارث اخوان وَقَالَ أَبُو جَعْفَر حكى قطرب ابْن الفرهود هُوَ الْغُلَام الْكَبِير قَالَ وَعَن ابي عُبَيْدَة الفراهيد أَوْلَاد الوعول قَالَ أَبُو جَعْفَر وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ فراهدي مثل مقابرى قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل لم أره لغيره. الربعِي بِفَتْح الرَّاء وَالْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى ربيعَة بن نذار بن معد بن عدنان وَهُوَ ربيعَة الْفرس وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد وَرَبِيعَة بن نذار شعب وَاسع فِيهِ قبائل وعمار وبطون وافخاذ فَمِمَّنْ ينْسب إِلَيْهِم من الروَاة هِشَام بن أبي عبد الله الدستوَائي الربعى الدستوَائي بِفَتْح الدَّال واسكان السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبعدهَا تَاء مثناة من فَوق مَفْتُوحَة وَآخره همزَة.
بِلَا نون وَقيل الستوائي بِالْقصرِ وَالنُّون وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور ودستواء كورة من كور الاهواز كَانَ يَبِيع الثِّيَاب الَّتِي تجلب مِنْهَا فنسب إِلَيْهَا قلت ضبط السَّمْعَانِيّ بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَفِي الانساب للرشاطى قَالَ سِيبَوَيْهٍ يُقَال فِي دستواء دستوانى مثل بحراني بالنُّون.
(بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْه أَن رُوَاته كلم يبصرون وَمِنْهَا أَنهم كلهم أئئمة أجلاء
(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن معَاذ بن فضَالة وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن مُحَمَّد بن الْمنْهَال عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن سعيد وَهِشَام وَشعْبَة بِهِ وَفِيه قصَّة ليزِيد مَعَ شُعْبَة وَعَن ابي غَسَّان المسمعي مَالك بن عبد الْوَاحِد وَمُحَمّد بن الْمثنى كِلَاهُمَا عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي صفة جَهَنَّم عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن ابْني دَاوُد عَن شُعْبَة وَهِشَام بِهِ وَقَالَ حسن صَحِيح. بَيَان اللُّغَات قَوْله " شعير وَاحِدَة " الشّعير والبرة بِضَم الْبَاء وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الْبر وَهِي الْقَمْح وَقَالَ ابْن دُرَيْد الْبر أفْصح من قَوْلهم الْقَمْح وَيجمع الْبر ابرارا عِنْد الْمبرد وَمنعه سِيبَوَيْهٍ والذرة بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الرَّاء وَاحِدَة الذَّر وَهِي اصغر النَّمْل وَقَالَ القَاضِي عِيَاض الذَّر النَّمْل الصَّغِير وَعَن بعض نقلة الاخبار أَن الذَّر الهباء الَّذِي يظْهر فِي شُعَاع الشَّمْس مثل رُؤْس الابر ويروى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا إِذا وضعت كفك على التُّرَاب ثمَّ نفضتها فَمَا سقط من التُّرَاب فَهُوَ ذرة وَحكى أَن ارْبَعْ ذرات خردلة وَقيل الذّرة جُزْء من ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين جزأ من شعيرَة انْتهى كَلَامه وَقد ابدلها شُعْبَة بِضَم الذَّال وَتَخْفِيف الرَّاء وَكَأن سَببه الْمُنَاسبَة أذ هِيَ من الْحُبُوب أَيْضا كالبة والشعيرة وَقَالَ النَّوَوِيّ واتفقه على أَنه تَصْحِيف قلت لَا يَنْبَغِي أَن ينْسب مثل شُعْبَة إِلَى التَّصْحِيف بل لَهُ وَجه يبعد عَن الْبعد (بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله " يخرج " بِفَتْح الْيَاء من الْخُرُوج وَبِضَمِّهَا وَفتح الرَّاء من الأخراج وَهُوَ رِوَايَة الاصيلى وَالْأول رِوَايَة الْجُمْهُور قَوْله " من قَالَ " جملَة فِي مَحل الرّفْع على الْوَجْهَيْنِ أما على الوجة الأول فَهِيَ فَاعل وَأما الثَّانِي فَهِيَ مفعول نَاب عَن الْفَاعِل وَكلمَة من مَوْصُولَة وَقَالَ جملَة صلتها وَقَول لَا إِلَه إِلَّا الله مقول القَوْل قَوْله " وَفِي قلبه وزن شعيرَة " جملَة اسمية وَقعت حَالا قَوْله " من خير " كلمة من بَيَانِيَّة وَالْكَلَام فِي اعراب الْبَاقِي كَالْكَلَامِ فِيمَا ذَكرْنَاهُ (بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) فِيهِ طى ذكر الْفَاعِل لشهرته لِأَنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن أحد لَا يُخرجهُ من النَّار إِلَّا الله تَعَالَى وَفِيه اطلاق الْخَيْر على الْإِيمَان لِأَن المُرَاد من قَوْله " من خير من إِيمَان " كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَالْخَيْر فِي الْحَقِيقَة مَا يقرب العَبْد إِلَى الله تَعَالَى وَمَا ذَلِك إِلَّا الْإِيمَان وَفِيه اسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ بَيَانه ن الْوَزْن أَنما يتَصَوَّر فِي الْأَجْسَام دون الْمعَانِي وَالْإِيمَان معنى وَلكنه شبه الْإِيمَان بالجسم فاضيف إِلَيْهِ مَا هُوَ من لَوَازِم الْجِسْم وَهُوَ الْوَزْن وَفِيه تنكير خير الَّذِي هُوَ الْإِيمَان بِالتَّنْوِينِ الَّتِي تدل على التقليل ترغيباً فِي تَحْصِيله إِذا لما حصل الْخُرُوج بَاقِل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْإِيمَان فبالكثير مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الأولى فَأن قلت التنكير يقتضى أَن يَكْفِي أَي إِيمَان وَبِأَيِّ شَيْء كَانَ وَمَعَ هَا لَا بُد من الْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا علم مَجِيء الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام فَلَا بُد من ذَلِك حَتَّى يتَحَقَّق حَقِيقَة الْإِيمَان وَيصِح اطلاقه فَأن قلت التَّصْدِيق القلبي كَاف فِي الْخُرُوج إِذْ الْمُؤمن لَا يخلد فِي النَّار وَأما قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فلأ جزاءا احكام الدُّنْيَا عَلَيْهِ فَمَا وَجه الْجمع بَينهمَا قلت الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا فَقَالَ الْبَعْض لَا يَكْفِي مُجَرّد التَّصْدِيق بل لَا بُد من القَوْل وَالْعَمَل أَيْضا وَعَلِيهِ البُخَارِيّ إِذا المارد من الْخُرُوج هُوَ بِحَسب حكمنَا بِهِ أَي نحكم بِالْخرُوجِ لمن كَانَ فِي قلبه إِيمَانًا ضاما إِلَيْهِ عنوانه الَّذِي يدل عَلَيْهِ إِذا الْكَلِمَة هِيَ شعار الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا وَعَلِيهِ مدَار الْأَحْكَام فَلَا بُد مِنْهُمَا حَتَّى يَصح الحكم بِالْخرُوجِ (فان قلت) فعلى هَذَا لَا يَكْفِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله بل لَا بُد من ذكر مُحَمَّد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَه قلت المُرَاد الْمَجْمُوع وَصَارَ الْجُزْء الأول مِنْهُ علما للْكُلّ كَمَا يُقَال قَرَأت (قل هُوَ الله أحد) أَي قَرَأت كل السُّورَة أَو كَانَ هَذَا قبل مَشْرُوعِيَّة ضمنهَا إِلَيْهِ (بَيَان استنباط الاحكام) الأول قَالَ التَّيْمِيّ اسْتدلَّ البُخَارِيّ بِهَذَا الحَدِيث على نُقْصَان الْإِيمَان لِأَنَّهُ يكون لوَاحِد