«انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَان�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٦

الحديث رقم ٣٦ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الجهاد من الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا…

«انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».

سند حديث: ٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ…

٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا…

في هذا الحديث ضمان من الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيله مؤمناً مخلصاً أنه ضامن على الله واحدًا من ثلاثة أو اثنتين منها فإن قتل فهو ضامن على الله أن يدخله الجنة وإن بقي فقد تضمن الله أن يرجعه إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة أي من أجر بدون غنيمة أو يجمع الله له بين الغنيمة والأجر.
أما الرواية الثانية التي عزاها صاحب العمدة إلى مسلم وهي متفق عليها وفيها أن فضيلة الجهاد في سبيل الله أي التي تقوم مقام الجهاد أمر لا يستطيعه البشر وذلك كالآتي: أن يكون بدلاً من الخروج يدخل في مصلاه فيواصل الصلاة والصيام والقيام ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا تستطيعونه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • جود الله -تعالى-؛ إذ ألزم نفسه بهذا الجزاء الكبير للمجاهدين.
  • فضل الجهاد في سبيل الله، إذ تحقق ربحه العظيم، وهذا بنيل الجزاء الأخروي سواء حصل ذلك بالشهادة أو حصول الثواب، أو الجزاء الدنيوي بتحصيل الغنيمة.
  • يؤخذ من قوله مثل المجاهد في سبيل الله أن ثواب المجاهد كثواب الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر أي الذي لا يفتر عن الصلاة وفي هذا من الفضل ما لا يستطاع وصفه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيُوَافِقُهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيُوَافِقُهَا زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَإِلَّا فَالْجَزَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَى قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا يَصْدُقُ قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَّا عَلَى مَنْ وَافَقَهَا، وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَوَضَحَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَعَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

٢٦ - بَاب الْجِهَادُ مِنْ الْإِيمَانِ

٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ.

[الحديث ٣٦ - أطرافه في: ٧٤٦٣، ٧٤٥٧، ٧٢٢٧، ٧٢٢٦، ٣١٢٣، ٢٩٧٢، ٢٧٩٧، ٢٧٨٧]

٢٧ - بَاب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ الْإِيمَانِ

٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

٢٨ - بَاب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنْ الْإِيمَانِ

٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ)

أَوْرَدَ هَذَا الْبَابَ بَيْنَ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَبَيْنَ قِيَامِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ، فَأَمَّا مُنَاسَبَةُ إِيرَادِهِ مَعَهَا فِي الْجُمْلَةِ فَوَاضِحٌ لِاشْتِرَاكِهَا فِي كَوْنِهَا مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا إِيرَادُهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ مَعَ أَنَّ تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ظَاهِرٌ فَلِنُكْتَةٍ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا، بَلْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: صَنِيعُهُ هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ مَقْطُوعٌ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، يَعْنِي اشْتِرَاكَهَا فِي كَوْنِهَا مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ. وَأَقُولُ: بَلْ قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمُنَاسَبَةِ لِقِيَامِ رَمَضَانَ لَكِنَّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي بَابِ الْجِهَادِ مُنَاسَبَةً بِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَسَنَةً جِدًّا لِأَنَّ الْتِمَاسَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَسْتَدْعِي مُحَافَظَةً زَائِدَةً وَمُجَاهَدَةً تَامَّةً، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ يُوَافِقُهَا أَوْ لَا.

وَكَذَلِكَ الْمُجَاهِدُ يَلْتَمِسُ الشَّهَادَةَ وَيَقْصِدُ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا، فَتَنَاسَبَا فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُجَاهَدَةً، وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ لِصَاحِبِهِ أَوْ لَا. فَالْقَائِمُ لِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَأْجُورٌ، فَإِنْ وَافَقَهَا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا. وَالْمُجَاهِدُ لِالْتِمَاسِ الشَّهَادَةِ مَأْجُورٌ، فَإِنْ وَافَقَهَا كَانَ أَعْظَمُ أَجْرًا. وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ تَمَنِّيهِ الشَّهَادَةَ بِقَوْلِهِ: وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فَضْلَ الْجِهَادِ لِذَلِكَ اسْتِطْرَادًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى ذِكْرِ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَامٌّ بَعْدَ خَاصٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَابَ الصِّيَامِ لِأَنَّ الصِّيَامَ مِنَ التُّرُوكِ فَأَخَّرَهُ عَنِ القِيَامِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ ; وَلِأَنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إلَّا غُفِرَ له»، وقوله: «فيوافقها» زيادة بيانٍ، وإلَّا فالجزاء مُرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدق قيامها إلَّا على من يوافقها، وقوله: «يَقُمْ» بفتح الياء، مِنْ: قام يقوم، وقع هنا متعدِّيًا، ويدلُّ له حديث الشَّيخين مرفوعًا: «من قامه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» [خ¦٣٧] ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قِيلَ: إنَّ أصحَّ أسانيد أبي هريرة: أبو الزِّناد عن الأعرج عنه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦١٩٠١] مطوَّلًا، وكذا أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، ومالكٌ في «موطَّئه».

ولمَّا كان التماس ليلة القدر يستدعي مُحافَظةً زائدةً ومُجاهَدةً تامَّةً، ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا يوافقها، وكان هذا المجاهد يلتمس الشَّهادة، ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى؛ نَاسَبَ أن يعقِّب المؤلِّف هذا الباب بفضل الجهاد استطرادًا، فقال:

(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، أو أنَّه كالأبواب السَّابقة في أنَّ الأعمالَ إيمانٌ؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان هو المُخْرِجَ له في سبيله تعالى كان الخروج إيمانًا، تسميةً للشَّيء باسم سببه، والجهاد: قتال الكفَّار لإعلاء كلمة الله، ولفظ: «باب» ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ.

٣٦ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ) أي: ابن عمر العَتَكِيُّ؛ بفتح

المُهمَلَة والمُثنَّاة الفوقيَّة؛ نسبةً إلى العتيك بن الأسد القَسْمَليِّ؛ بفتح القاف وسكون المُهمَلَة وفتح الميم؛ نسبةً إلى قَسْمَلَة، وهو معاوية بن عمرٍو، أو إلى القساملة؛ قبيلة من الأزد، البصريُّ، ثقةٌ من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلِّف عن «مسلمٍ»، وتوفِّي سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ؛ نسبةً إلى عبد القيس البصريُّ الثَّقفيُّ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين المُهمَلَة، ابن القعقاع بن شبرمة الكوفيُّ الضَّبيُّ؛ نسبةً إلى ضَبَّةَ بن أُدِّ بن طابخةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو عبد الله (بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بزيادة: «بْنِ جَرِيرٍ (١) البَجَليُّ»؛ بفتح المُوحَّدة والجيم نسبةً إلى بَجِيلة بنت صعبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (٢) (قَالَ (٣): انْتَدَبَ اللهُ) بنونٍ ساكنةٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ ودالٍ مُهملَةٍ كذلك في آخره مُوحَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في رواية الأَصيليِّ هنا: «ائتدب» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مهموزةٍ بدل النُّون؛ مِنَ المأدبة قال: وهو تصحيفٌ، وقد وجَّهوه بتكلُّفٍ، لكنَّ إطباقَ الرُّواة على خلافه مع اتِّحاد المَخْرَج كافٍ في تخطئته. انتهى.

وعَزَاهَا القاضي عياضٌ لرواية القابسيِّ، وأمَّا رواية: «انتدب» بالنُّون؛ فهو من ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب، أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: وندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل، كما رواه المؤلِّف في أواخر «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧] أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأَصيليِّ وكريمةَ: «انتدب الله ﷿» (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) حال كونه (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ) وفي روايةٍ: «إلا الإيمان» (بِي و (١) تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرَّفع فيهما فاعلُ «لا يُخْرِجُه»، والاستثناء مُفرَّغٌ، وإنَّما عدل عن «به» -الذي هو الأصل- إلى «بي» للالتفات من الغَيبة إلى التَّكلُّم، وقول ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: كان الأَلْيَقُ «إيمانٌ به» ولكنه على تقدير حالٍ محذوفٍ، أي: قائلًا: لا يخرجه إلَّا إيمانٌ بي، و «لا يخرجه» مقول القول؛ لأنَّ صاحب الحال على هذا التَّقدير هو الله. ردَّه ابن المُرَحِّل، فقال: أساء في قوله: «كان الأَلْيَق» وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجة إلى تقدير حالٍ؛ لأنَّ حذف الحال لا يجوز، حكاه الزَّركشيُّ وغيره. وقال في «المصابيح»: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوعٌ، فقد ذكر ابن مالكٍ من شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] أي: قائلين: سلامٌ عليكم، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ (٢) لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٧] أي: قائلين، قال ابن المرَحِّل: وإنَّما هو من باب الالتفات، وقال الزَّركشيُّ: الأَلْيَق أن يُقَال: عدل عن ضمير الغَيبة إلى الحضور؛ يعني: أنَّ الالتفات يوهم الجسميَّة، فلا يُطْلَق في كلام الله تعالى، وهذا

خلاف ما أطبق عليه علماء البيان، وذكر الكِرمانيُّ قوله: «أو (١) تصديقٌ برسلي» بلفظ «أو» واستشكله؛ لأنَّه لا بدَّ من الأمرين: الإيمان بالله والتَّصديق برسله، وأجاب بما معناه: أنَّ «أو» بمعنى: الواو، أو أنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وتصديق رسله مُستلزمٌ للإيمان بالله، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه لم يثبت في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ «أو». انتهى. نعم وجدته في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي، «أو» بالألف قبل الواو، وعلى الألف: «لا س» وفوق الواو جَزْمةٌ سوداء ونَصْبةٌ بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن «البخاريِّ» من النُّسخة التي وقفت عليها من «تنقيح الزَّركشيِّ»، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيليِّ كمسلمٍ: «إلَّا إيمانًا» بالنَّصب مفعولٌ له، أي: لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتَّصديق (أَنْ أَرْجِعَهُ) بفتح الهمزة من «رَجَعَ»، و «أن» مصدريَّةٌ، والأصل بأن أرجعه، أي: برجعه إلى بلده (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) أي: بالذي أصابه من النَّيل؛ وهو العطاء، من أجرٍ فقط إن لم يغنموا (أَوْ) أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، أو أنَّ (٢) «أو» بمعنى الواو، كما رواه أبو داودَ «بالواو» بغير ألفٍ، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: «نال» (٣) لتحقُّق وعده تعالى (أَوْ) أن (أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ) عند دخول المقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخَذَةٍ بذنوبٍ؛ إذ تُكفِّرها الشَّهادة، أو عند موته؛ لقوله: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]

(وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) أي: لولا المشقَّة (عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أي: ما قعدت بعد (سَرِيَّةٍ) بل كنت أخرج معها بنفسي لِعِظَمِ أجرِها، و «لولا»: امتناعيَّةٌ، و «أنْ» مصدريَّةٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، و «ما قعدت» جواب «لولا»، وأصله: «لمَا» فحُذِفَت اللَّام، والمعنى: امتنع عدم القعود؛ وهو القيام لوجود المشقَّة، وسَبَبُ المشقَّة صعوبةُ تخلُّفِهم بعده، ولا قُدرةَ لهم على المسير معه لضيق حالهم، قال ذلك شفقةً على أمَّته، جزاه الله سبحانه عنَّا أفضلَ الجزاء (وَلَوَدِدْتُ) عطفًا على «ما قعدت»، واللَّام للتَّأكيد، أو جواب قسمٍ محذوفٌ، أي: والله لَوَدِدْتُ، أي: أحببت (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بضمِّ الهمزة في كلٍّ من «أُحْيَا» و «أُقْتَل»، وهي (١) خمسة ألفاظٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: «أن أُقْتَل» بدل «أنِّي»، ولأبي ذَرٍّ: «فأُقتَل ثمَّ أحيا فأُقتَل» كذا في «اليونينيَّة»، وخُتِم بقوله: «ثمَّ أُقْتَل»، والقرار إنَّما هو على حالة الحياة لأنَّ المُرَادَ الشَّهادةُ، فختم الحال عليها، أو الإحياء للجزاء من المعلوم، فلا حاجة إلى وَدَادَتِه لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و «ثمَّ»: للتَّراخي في الرُّتبة أحسن من حملها على تراخي الزَّمان لأنَّ المُتمنَّى حصولُ مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى، فإن قلت: تمنِّيه أن يُقتَل يقتضي تمنِّيَ وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد، أُجِيب: بأنَّ مراده حُصولُ ثواب الشَّهادة، لا تمنِّيَ المعصية للقاتل.

وفي الحديث: استحبابُ طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصريٍّ (٢) وكوفيٍّ، خالٍ عن العنعنة، ليس فيه إلَّا التَّحديث والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ) بالطَّاعة في لياليه (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبِهِ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا قيل: لفظ: من يقم لَيْلَة الْقدر، هَل يَقْتَضِي قيام تَمام اللَّيْلَة، أَو يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْقيام؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يَكْفِي الْأَقَل وَعَلِيهِ بعض الْأَئِمَّة، حَتَّى قيل بكفاية فرض صَلَاة الْعشَاء فِي دُخُوله تَحت الْقيام فِيهَا، لَكِن الظَّاهِر مِنْهُ عرفا أَنه لَا يُقَال: قيام اللَّيْلَة، إلَاّ إِذا قَامَ كلهَا أَو أَكْثَرهَا. قلت: قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) . مثل: من يصم يَوْمًا، فَكَمَا لَا يَكْفِي صَوْم بعض الْيَوْم وَلَا أَكْثَره، فَكَذَلِك لَا يَكْفِي قيام بعض لَيْلَة الْقدر وَلَا أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ لِأَن لَيْلَة الْقدر وَقعت مَفْعُولا لقَوْله: يقم، فَيَنْبَغِي أَن يُوصف جَمِيع اللَّيْلَة بِالْقيامِ، لِأَن من شَأْن الْمَفْعُول أَن يكون مشمولاً بِفعل الْفَاعِل. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى الْقيام فِيهَا إِذْ ظَاهره غير مُرَاد قطعا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقيام للطاعة كَأَنَّهُ مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى: {قومُوا لله قَانِتِينَ} (الْبَقَرَة: ٢٣٨) وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الذَّنب علم لِأَنَّهُ اسْم جنس مُضَاف، فَهَل يَقْتَضِي مغْفرَة ذَنْب يتَعَلَّق بِحَق النَّاس؟ وَأجِيب: بِأَن لَفظه مُقْتَض لذَلِك مُقْتَض لذَلِك، وَلَكِن علم من الْأَدِلَّة الخارجية أَن حُقُوق الْعباد لَا بُد فِيهَا من رضى الْخُصُوم، فَهُوَ عَام اخْتصَّ بِحَق الله تَعَالَى وَنَحْوه بِمَا يدل على التَّخْصِيص، وَقيل: يجوز أَن تكون: من، تبعيضية. وَفِيه نظر.

٢٦ - (بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ)

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول: قَوْله: (بَاب) لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إِلَّا بِتَقْدِير: هَذَا بَاب، فَيكون خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: (الْجِهَاد) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: (من الْإِيمَان) وَلَا يجوز فِيهِ غير الرّفْع. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قيام لَيْلَة الْقدر، وَلَا يحصل ذَلِك، إِلَّا بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة وَترك الِاخْتِلَاط بالأهل والعيال، فَكَذَلِك الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمُجَاهِد الَّذِي لَا يحصل لَهُ الْحَظ من الْجِهَاد، وَلَا يُسمى مُجَاهدًا إلَاّ بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة الزَّائِدَة وَترك الْأَهْل والعيال، وكما أَن الْقَائِم لَيْلَة الْقدر يجْتَهد أَن ينَال رُؤْيَة تِلْكَ اللَّيْلَة ويتحلى بهَا، وإلَاّ فيكتسب أجورا عَظِيمَة، فَكَذَلِك الْمُجَاهِد يجْتَهد أَن ينَال دَرَجَة الشُّهَدَاء ومنزلتهم وإلَاّ فَيرجع بغنيمة وافرة مَعَ اكْتِسَاب اسْم الْغُزَاة، فَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة وَإِن كَانَ التَّرْتِيب الوضعي يَقْتَضِي أَن يذكر بَاب تطوع قيام رَمَضَان عقيب هَذَا الْبَاب، وَبَاب صَوْم رَمَضَان عقيب هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل لترتيب الْكتاب وتوسيط الْجِهَاد بَين قيام لَيْلَة الْقدر وَقيام رَمَضَان وصيامه مُنَاسبَة أم لَا؟ قلت: مناسبته تَامَّة وَهِي الْمُشَاركَة فِي كَون كل من الْمَذْكُورَات من أُمُور الْإِيمَان. وتوسيط الْجِهَاد مشْعر بِأَن النّظر مَقْطُوع عَن غير هَذِه الْمُنَاسبَة. قلت: يُرِيد بِكَلَامِهِ هَذَا أَن الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا هِيَ اشتراكها فِي كَونهَا من خِصَال الْإِيمَان، مَعَ قطع النّظر عَن طلب الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ من الْأَبْوَاب، وَهَذَا كَلَام من يعجز عَن إبداء وَجه الْمُنَاسبَة الْخَاصَّة مَعَ الْمُنَاسبَة الْعَامَّة، وَمَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَا ذكرته، فَافْهَم. الثَّالِث: معنى قَوْله: (الْجِهَاد من الْإِيمَان) الْجِهَاد شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال وَعبد الْوَاحِد، الشارحان: هَذَا كالأبواب الْمُتَقَدّمَة فِي أَن الْأَعْمَال إِيمَان، لِأَنَّهُ لما كَانَ الْإِيمَان هُوَ الْمخْرج لَهُ فِي سَبيله، كَانَ الْخُرُوج إِيمَانًا تَسْمِيَة للشَّيْء باسم سَببه، كَمَا قيل للمطر سَمَاء لنزوله من السَّمَاء، وللنبات. توأ لِأَنَّهُ ينشأ من النوء، وَالْجهَاد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى.

٣٦ - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ قَالَ حدّثنا عُمَارَةُ قَالَ حدّثنا أبُو زُرْعَةَ بنُ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَاّ إيمانٌ بِي وتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَن أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرِ أَو غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وَلَوْلَا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلوِددْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُم أُحْيا ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحيا ثمَّ أُقتل..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَن الْمخْرج للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى لما كَانَ هُوَ كَونه مُؤمنا بِاللَّه ومصدقا برسله، كَانَ خُرُوجه من الْإِيمَان، وَالْجهَاد هُوَ الْخُرُوج فِي سَبِيل الله لِلْقِتَالِ مَعَ أعدائه، وَقد ثَبت أَن الْخُرُوج من الْإِيمَان، فينتج أَن الْجِهَاد من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حرمي، اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة، ابْن حَفْص بن عمر، الْعَتكِي الْقَسْمَلِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَن مُسلم، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بشر عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَيعرف: بالثقفي. قَالَ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، فِي طبقته عبد الْوَاحِد بن زيد الْبَصْرِيّ أَيْضا لكنه ضَعِيف، وَلم يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة، ابْن أخي عبد الله بن شبْرمَة الْكُوفِي الضَّبِّيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى، ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي، وَاخْتلف فِي اسْمه وأشهرها: هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبيد الله بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، سمع جده وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَتكِي: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فِي الأزد: ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة: عتِيك بطن. الْقَسْمَلِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، فِي الأزد: ينْسب إِلَى قسملة، وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن دوس، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قسملي فِي الأزد وهم القسامل، سموا بذلك لجمالهم، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: الْقَسْمَلِي نِسْبَة إِلَى القساملة، قَبيلَة من الأزد نزلت الْبَصْرَة فنسبت الْمحلة إِلَيْهِم أَيْضا، وَهَذَا مَنْسُوب إِلَى الْقَبِيلَة، وَفِي شرح النَّوَوِيّ على قِطْعَة من البُخَارِيّ: أَن الْقَسْمَلِي، بِكَسْر الْقَاف وَالْمِيم، وَكَأَنَّهُ سبق قلم، وَالصَّوَاب فتحهما؛ والعبدي: نِسْبَة إِلَى عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار، وَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَفِي تَمِيم: ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم. وَفِي قضاعة: إِلَى عبد الله بن الْخِيَار

وَفِي هَمدَان إِلَى عبد الله بن عليان. والثقفي: نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ قسي بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان. والضبي، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش: ضبة بن الْحَارِث ابْن فهر، وَفِي هُذَيْل: ضبة بن عَمْرو بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. والبجلي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: نِسْبَة إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك بن مذْحج.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا وَهُوَ أعظمها: أَنه خَال عَن العنعنة وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فيهم إسما على صُورَة النِّسْبَة، وَرُبمَا يَظُنّهُ من لَا إِلْمَام لَهُ بِالْحَدِيثِ أَنه نِسْبَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن زُهَيْر عَن جرير، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب عَن ابْن فُضَيْل عَن عمَارَة بِهِ. وَفِي لفظ مُسلم: (يضمن الله) ، وَفِي بَعْضهَا: (تكفل الله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (توكل الله) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ: وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: (انتدب الله لمن يخرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إلَاّ الْإِيمَان بِي وَالْجهَاد فِي سبيلي أَنه ضَامِن حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة بِأَيِّهِمَا كَانَ: إِمَّا بقتل أَو وفادة، أَو أرده إِلَى مَسْكَنه الَّذِي يخرج مِنْهُ، نَالَ مَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) .

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (انتدب الله) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، من قَوْلهم: نَدبه لأمر فَانْتدبَ لَهُ، أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب، فَكَأَن الله تَعَالَى جعل جِهَاد الْعباد فِي سَبِيل الله سؤالاً، وَدُعَاء لَهُ إِيَّاه. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) فِي فصل النُّون مَعَ الدَّال قَوْله: (انتدب الله لمن جَاهد فِي سَبيله) أَي: سارع بثوابه وَحسن جَزَائِهِ، وَقيل: أجَاب، وَقيل: تكفل، وَقَالَ ابْن بطال: أوجب وتفضل أَي: حقق واحكم أَي: ينجز ذَلِك لمن أخْلص قلت: كَأَنَّهُ يُرِيد مَا وعده، بقوله تَعَالَى: {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة، وَذكره أَيْضا فِي (الْمطَالع) فِي فصل الْهمزَة مَعَ الدَّال من مَادَّة أدب، فَقَالَ قَوْله: (ائتدب الله لمن خرج فِي سَبيله) . كَذَا للقابسي بِهَمْزَة، وَمَعْنَاهُ: أجَاب من دَعَاهُ، من المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم يأدبهم ويأدبهم أدبا إِذا دعاهم. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: انتدب، بالنُّون، وَأَهْمَلَهُ الْأصيلِيّ وَلم يُقَيِّدهُ، وَمَعْنَاهُ قريب من الأول، كَأَنَّهُ أجَاب رغبته. يُقَال:

ندبته فَانْتدبَ أَي دَعوته فَأجَاب، وَمِنْه فِي حَدِيث الخَنْدَق: فَانْتدبَ الزبير، رَضِي الله عَنهُ، وَذكره الصغاني أَيْضا فِي بَاب النُّون مَعَ الدَّال وَقَالَ: وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (انتدب الله) الحَدِيث، فَمَعْنَاه: أَجَابَهُ إِلَى غفرانه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رَوَاهُ الْقَابِسِيّ: ائتدب، بِهَمْزَة صورتهَا يَاء من: المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم مخففا، إِذا دعاهم، وَمِنْه: (الْقُرْآن مأدبة الله فِي الأَرْض) . قلت: قَالَ الصغاني: الْأَدَب الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام، يُقَال أدبهم يأدبهم بِكَسْر الدَّال، وَاسم الطَّعَام عَن أبي زيد: المأدبة والمأدبة، يَعْنِي بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، ثمَّ قَالَ: وَأما المأدبة، بِالْفَتْح، فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: (إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته) فَلَيْسَتْ من الطَّعَام فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هِيَ مفعلة من الْأَدَب بِالتَّحْرِيكِ، انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هُنَا: ايتدب، بياء تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بدل النُّون من المأدبة وَهُوَ تَصْحِيف، وَقد وجههوه بتكلف، لَكِن إِطْلَاق الروَاة على خِلَافه. قلت: لم يقل أحد من الشُّرَّاح ولامن رُوَاة الْكتاب إِن هَذَا تَصْحِيف، وَلَا أطبقت الروَاة على خِلَافه، وَقد رَأَيْت مَا قَالَت الْمَشَايِخ فِيهِ وَالدَّعْوَى بِلَا برهَان لَا تقبل. قَوْله: (أَن أرجعه) بِفَتْح الْهمزَة من رَجَعَ، وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا ولازما، فمصدر الأول الرجع، ومصدر الثَّانِي الرُّجُوع، وَهَهُنَا مُتَعَدٍّ نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة} (التَّوْبَة: ٨٣) وَفِي (الْعباب) : رَجَعَ بِنَفسِهِ يرجع رُجُوعا ومرجعا ورجعي، قَالَ الله تَعَالَى: {ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم} (الْأَنْعَام: ١٦٤، الزمر: ٧) وَهُوَ شَاذ لِأَن المصادر من: فعل يفعل، إِنَّمَا تكون بِالْفَتْح. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن إِلَى رَبك الرجعى} (العلق: ٨) ورجعته عَن الشَّيْء وَإِلَى الشَّيْء رجعا: رَددته. قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّه على رجعه لقادر} (الطارق: ٨) أَي: على إِعَادَته حَيا بعد مَوته وبلاه، لِأَنَّهُ المبدىء المعيد. وَقَالَ تَعَالَى: {يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل} (سبأ: ٣١) أَي: يتلاومون. قَوْله: (بِمَا نَالَ) . أَي: بِمَا أصَاب من النّيل، وَهُوَ الْعَطاء. قَوْله: (خلف سَرِيَّة) خلف هَهُنَا بِمَعْنى بعد، والسرية: هِيَ قِطْعَة من الْجَيْش، يُقَال: خير السَّرَايَا أَربع مائَة رجل.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (انتدب) فعل مَاض، وَلَفْظَة: الله، فَاعله، وَقَوله (لمن خرج) يتَعَلَّق بانتدب، وَمن، مَوْصُولَة. وَخرج، جملَة صلتها، وَفِي سَبيله، يتَعَلَّق بِهِ، وَالضَّمِير فِي سَبيله، يرجع إِلَى الله. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير، وموضعها نصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفيا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا بُد من التَّأْوِيل وَهُوَ تَقْدِير اسْم فَاعل من القَوْل مَنْصُوب على الْحَال، كَأَنَّهُ قَالَ: انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله قَائِلا لَا يُخرجهُ إِلَّا إِيمَان بِي. قلت: هَذَا لَيْسَ بسديد لِأَنَّهُ على تَقْدِيره يلْزم أَن يكون ذُو الْحَال هُوَ الله تَعَالَى، وَيكون قَوْله لَا يُخرجهُ، مقول القَوْل، وَلَيْسَ كَذَلِك بل ذُو الْحَال هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي خرج وَأَيْضًا فِيهِ حذف الْحَال وَهُوَ لَا يجوز. قَوْله: (إِيمَان) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: لَا يُخرجهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مفرغ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: إلَاّ إِيمَانًا، بِالنّصب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، وَتَقْدِيره: لَا يُخرجهُ مخرج إِلَّا الْإِيمَان والتصديق. قَوْله: (وتصديق برسلي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تَصْدِيق، وَفِي بعض النّسخ: (وتصديق) بِالْوَاو الْوَاصِلَة وَهُوَ ظَاهر. قلت: لم أَقف على من ذكر هَذَا رِوَايَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ: بِأَو، الفاصلة، فَمَا مَعْنَاهُ إِذْ لَا بُد من الْأَمريْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه والتصديق برسل الله؟ قلت: أَو، هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا، أَي: لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا، وَقد يَجْتَمِعَانِ بل يلْزم الِاجْتِمَاع، لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه مُسْتَلْزم لتصديق رسله، إِذْ من جملَة الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بأحكامه وأفعاله، وَكَذَا التَّصْدِيق بالرسل يسْتَلْزم الْإِيمَان بِاللَّه، وَهُوَ ظَاهر. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مِمَّا يدل عَلَيْهِ: أَو، لِأَن الِاجْتِمَاع هَهُنَا لَازم و: أَو، لَا يدل على لُزُوم الِاجْتِمَاع. قَوْله: (أَن أرجعه) يتَعَلَّق بقوله: (انتدب) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن أرجعه، أَي: يرجعه، وَالْبَاء فِي: بِمَا نَالَ، يتَعَلَّق بِهِ، وَمَا، مَوْصُولَة، و: نَالَ، صلتها والعائد مَحْذُوف أَي: بِمَا ناله. قَوْله: (من) للْبَيَان، قَوْله: (أَو غنيمَة) أَو: هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا أَعنِي: أَن اللَّفْظ لَا يَنْفِي اجْتِمَاعهمَا، بل يثبت أَحدهمَا مَعَ جَوَاز ثُبُوت الآخر، فقد يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ أَن أرجعه بِمَا نَالَ من أجر مُجَرّد وَإِن لم يكن غنيمَة، أَو أجر وغنيمة إِذا كَانَت، فَاكْتفى بِذكر الْأجر أَولا عَن تكراره، أَو أَن: أَو، هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاو، كَمَا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة يحيى بن يحيى، وَفِي سنَن أبي دَاوُد: من أجر وغنيمة بِغَيْر ألف. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١١ و ١٢) مَعْنَاهُ: وَدين، وَقيل: من وَصِيَّة وَدين، أَو دين دون وَصِيَّة. قَوْله: (أَو أدخلهُ) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن أرجعه) . قَوْله: (لَوْلَا) هِيَ الامتناعية لَا التحضيضية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع

على الِابْتِدَاء، وَالتَّقْدِير: لَوْلَا الْمَشَقَّة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِفعل مَحْذُوف، أَي: لَوْلَا ثَبت أَن أشق، وَقَوله: أشق مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (مَا قعدت) جَوَاب لَوْلَا، وَأَصله: لما قعدت، فحذفت اللَّام مِنْهُ. وَقَوله: (خلف) نصب على الظَّرْفِيَّة، وَسبب الْمَشَقَّة صعوبة تخلفهم بعده، وَلَا يقدرُونَ على الْمسير مَعَه لضيق حَالهم، وَلَا قدرَة لَهُ على حملهمْ، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي حَدِيث آخر، حَيْثُ قَالَ: (فَإِنَّهُ يشق عَلَيْهِم التَّخَلُّف بعده، وَلَا تطيب أنفسهم بذلك) . قَوْله: (ولوددت) اللَّام للتَّأْكِيد، وَهُوَ عطف على قَوْله: مَا قعدت، وَيجوز أَن تكون اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَالله لَوَدِدْت أَي: أَحْبَبْت. قَوْله: (أَن أقتل) فِي مَحل النصب على المفعولية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: الْقَتْل، والهمزة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة مَضْمُومَة. قَوْله: (ثمَّ أحيى) أَي: ثمَّ أَن أحيى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَوَاقِي.

{بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إلَاّ إِيمَان بِي وتصديق برسلي) : يُرِيد خلوص نِيَّته لذَلِك، وَفِيه الْتِفَات، وَهُوَ الْعُدُول من الْغَيْبَة، إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم، والسياق كَانَ يَقْتَضِي أَن يَقُول: إِلَّا إِيمَان بِهِ. قَوْله: (أَن أرجعه) فِيهِ حذف أَي: إِلَى مَسْكَنه. قَوْله: (بِمَا نَالَ) فِيهِ اسْتِعْمَال الْمَاضِي مَوضِع الْمُضَارع لتحَقّق وعد الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ أحيى) كلمة ثمَّ، وَإِن كَانَت تدل على التَّرَاخِي فِي الزَّمَان، وَلكنهَا هَهُنَا حملت على التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَة، لِأَن المتمنى حُصُول مرتبَة بعد مرتبَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الفردوس الْأَعْلَى.

استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: فضل الْجِهَاد وَالشَّهَادَة فِي سَبِيل الله. وَفِيه: تمني الشَّهَادَة وتعظيم أجرهَا. وَفِيه: تمني الْخَيْر وَالنِّيَّة فَوق مَا لَا يُطيق الْإِنْسَان وَمَا لَا يُمكنهُ إِذا قدر لَهُ، وَهُوَ أحد التَّأْويلَيْنِ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله) وَفِيه: بَيَان شدَّة شَفَقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أمته ورأفته بهم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْقَتْل فِي سَبِيل الله. وَفِيه: جَوَاز قَول الْإِنْسَان: وددت حُصُول كَذَا من الْخَيْر الَّذِي يعلم أَنه لَا يحصل. وَفِيه: إِذا تعَارض مصلحتان بدىء بأهمهما، وَأَنه يتْرك بعض الْمصَالح لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، أَو لخوف مفْسدَة تزيد عَلَيْهَا. وَفِيه: إِن الْجِهَاد فرض كِفَايَة لَا فرض عين. وَفِيه: السَّعْي فِي زَوَال الْمَكْرُوه وَالْمَشَقَّة عَن الْمُسلمين. وَفِيه: إِن من خرج فِي قتال الْبُغَاة وَفِي إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْو ذَلِك يدْخل فِي قَوْله: (فِي سَبِيل الله) وَإِن كَانَ ظَاهره فِي قتال الْكفَّار.

الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: جَمِيع الْمُؤمنِينَ يدخلهم الله تَعَالَى الْجنَّة، فَمَا وَجه اختصاصهم بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يدْخلهُ بعد مَوته، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ} (آل عمرَان: ١٦٩) وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: الدُّخُول عِنْد دُخُول السَّابِقين والمقربين بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب، وَلَا مُؤَاخذَة بذنوب، وَتَكون الشَّهَادَة مكفرة لَهَا كَمَا رُوِيَ من قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل شَيْء إِلَّا الدّين) . رَوَاهُ مُسلم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمُجَاهِد لَهُ حالتان: الشَّهَادَة والسلامة، فالجنة للحالة الأولى، وَالْأَجْر وَالْغنيمَة للثَّانِيَة وَلَفظه: أَو فِي قَوْله: أَو غنيمَة، تدل على أَن للسالم، إِمَّا الْأجر، وَإِمَّا الْغَنِيمَة لَا كِلَاهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن معنى: أَو، لِامْتِنَاع الْخُلُو عَنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَهُنَا حَالَة ثَالِثَة للسالم وَهُوَ: الْأجر بِدُونِ الْغَنِيمَة. وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْحَالة دَاخِلَة تَحت الْحَالة الثَّانِيَة إِذْ هِيَ أَعم من الْأجر فَقَط، أَو مِنْهُ مَعَ الْغَنِيمَة. وَمِنْهَا مَا قيل: الْأجر ثَابت للشهيد الدَّاخِل فِي الْجنَّة، فَكيف يكون السَّالِم والشهيد مقترنين فِي أَن لأَحَدهمَا الْأجر وَللْآخر الْجنَّة، مَعَ أَن الْجنَّة أَيْضا أجر؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا أجر خَاص، وَالْجنَّة أجر أَعلَى مِنْهُ، فهما متغايران. أَو أَن الْقسمَيْنِ هما الرجع والإدخال، لَا الْأجر وَالْجنَّة. وَمعنى الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى ضمن أَن الْخَارِج للْجِهَاد ينَال خيرا بِكُل حَال، فإمَّا أَن يستشهد فَيدْخل الْجنَّة، وَإِمَّا أَن يرجع بِأَجْر فَقَط، وَإِمَّا بِأَجْر وغنيمة. وَمِنْهَا مَا قيل: بِمَاذَا هَذَا الضَّمَان؟ وَأجِيب: بِمَا سبق فِي علمه، وَمَا ذكره فِي كِتَابه بقوله: {إِن الله اشْترى} (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة: وَمِنْهَا مَا قيل: لَا مشقة على الْأمة فِي ودادة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن غَايَة مَا فِي الْبَاب وجود الْمُتَابَعَة فِي الودادة، وَلَيْسَ فِيهَا مشقة. وَأجِيب: بِأَنا لَا نسلم عدم الْمَشَقَّة، وَلَئِن سلمنَا فَرُبمَا ينجر إِلَى تشييع مودوده، فَيصير سَببا للْمَشَقَّة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْفِرَار إِنَّمَا هُوَ على حَالَة الْحَيَاة. فَلم جعل النِّهَايَة هِيَ الْقَتْل؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد هُوَ الشَّهَادَة، فختم الْحَال عَلَيْهَا، أَو أَن الْإِحْيَاء للجزاء وَهُوَ مَعْلُوم شرعا، فَلَا حَاجَة إِلَى ودادته، لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ الْوُقُوع. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَن لَا يتَمَنَّى الْمعْصِيَة أصلا، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره، فَكيف تمناه؟ لِأَن حَاصله أَنه تمنى أَن يُمكن فِيهِ كَافِر فيعصى فِيهِ؟ وَأجِيب: بِأَن الْمعْصِيَة لَيست مَقْصُودَة بالتمني، إِنَّمَا المتمنى الْحَالة الرفيعة وَهِي الشَّهَادَة، وَتلك تحصل تبعا. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) يُعَارضهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الصَّحِيح: (مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فتغنم وتسلم، إلَاّ كَانُوا

قد تعجلوا ثُلثي أجرهم، وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق فتصاب إِلَّا تمّ أُجُورهم) . والإخفاق أَن تغزو وَلَا تغتنم شَيْئا وَلَا يَصح أَن ينقص الْغَنِيمَة من أجرهم، كَمَا لم تنقص أهل بدر، وَكَانُوا أفضل الْمُجَاهدين. وَأجِيب: بأجوبة. الأول: الطعْن فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن فِي إِسْنَاده: حميد بن هَانِيء، وَلَيْسَ بالمشهور، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ أخرج لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ يحيى بن سعيد: حدث عَنهُ الْأَئِمَّة، وَأَحَادِيثه كَثِيرَة مُسْتَقِيمَة. الثَّانِي: إِن الَّذِي يخْفق يزْدَاد بِالْأَجْرِ، والأسف على مَا فاتها من الْمغنم، ويضاعف لَهَا كَمَا يُضَاعف لمن أُصِيب بأَهْله وَمَاله. الثَّالِث: أَن يحمل الأول على من أخْلص فِي نِيَّته لقَوْله: (لَا يُخرجهُ إلَاّ جِهَاد فِي سبيلي) وَيحمل الحَدِيث الثَّانِي على من خرج بنية الْجِهَاد والمغنم، فَهَذَا شرك بِمَا يجوز فِيهِ التَّشْرِيك، وانقسمت نِيَّته بَين الْوَجْهَيْنِ فنقص أجره، وَالْأول خَاص فكمل أجره. وَنفى النَّوَوِيّ التَّعَارُض لِأَن الْغُزَاة إِذا سلمُوا وغنموا تكون أُجُورهم أقل من أجر من لم يسلم، أَو سلم وَلم يغنم، وَأَن الْغَنِيمَة فِي مُقَابلَة جُزْء من أجر غزوهم، فَإِذا حصلت فقد تعجلوا ثُلثي أجرهم. وَقَالَ القَاضِي: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، بِمَا نَالَ من أجر وغنيمة، مُطلق لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ: إِن الْغَنِيمَة تنقص الْأجر، والْحَدِيث الثَّانِي مُقَيّد، وَأما استدلالهم بغزوة بدر فَلَيْسَ فِيهِ أَنهم لَو لم يغنموا لَكَانَ أجرهم على قدر أجرهم مَعَ الْغَنِيمَة، وكونهم مغفورا مرضيا عَنْهُم لَا يلْزم مِنْهُم أَن لَا يكون فَوْقه مرتبَة أُخْرَى هِيَ أفضل.

٢٧ - (بابٌ تَطَوُّعُ قِيام رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب. قَوْله: (تطوع) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب تطوع قيام شهر رَمَضَان. والتطوع: تفعل، وَمَعْنَاهُ: التَّكَلُّف بِالطَّاعَةِ والتطوع بالشَّيْء: التَّبَرُّع بِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاح: التَّنَفُّل، وَالْمرَاد من الْقيام هُوَ الْقيام بِالطَّاعَةِ فِي لياليه، وَقد ذكرنَا وَجه تخَلّل بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان. ورمضان فِي الأَصْل مصدر: رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، ثمَّ جعل هَذَا علما لهَذَا الشَّهْر، وَمنع الصّرْف: للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وَلما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر.

٣٧ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ.

(رَاجع الحَدِيث رقم ٣٥) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ غفران مَا تقدم من الذُّنُوب شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَالتَّقْدِير فِي الْبَاب: بَاب تطوع قيام رَمَضَان شُعْبَة من شعب الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت شَيْخه الإِمَام مَالك. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أَبُو إِبْرَاهِيم، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو عُثْمَان الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، وَأمه أُخْت عُثْمَان بن عَفَّان، أول الْمُهَاجِرَات من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، قلت: اسْمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط، أُخْت عُثْمَان لأمه، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْعلم، وَفِي غير مَوضِع عَن الزُّهْرِيّ وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي مليكَة عَنهُ، عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ومَيْمُونَة، وَأخرج لَهُ أَيْضا عَن عُثْمَان وَسَعِيد بن زيد وَغَيرهمَا، سمع جمعا من كبار الصَّحَابَة مِنْهُم أَبَوَاهُ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعنهُ الزُّهْرِيّ وخلائق من التَّابِعين وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَغَيره، وَكَانَ كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَقيل: سنة خمس وَمِائَة وَهُوَ غلط. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا قد أخرجَا لحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْفَقِيه، وَلَا يلتبس بِهَذَا، وَإِن رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا وَغَيرهمَا فاعلمه. وَمَا قلت من إِخْرَاج البُخَارِيّ لهَذَا جزم بِهِ الكلاباذي فِي كِتَابه، والمزي فِي (تهذيبه) ، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه عَن الْحَاكِم، والْحميدِي، وَصَاحب الْجمع وَعبد الْغَنِيّ وَغَيرهم أَنهم قَالُوا: لم يخرج لَهُ شَيْئا، وَلم يخرج

مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ غير حَدِيث: (أفضل الصّيام بعد رَمَضَان) الحَدِيث ... فَقَط، وَمَا عداهُ فَهُوَ من رِوَايَة ابْن عَوْف، قَالَ: وَقد غلطوا الكلاباذي فِي دَعْوَاهُ: إِخْرَاج البُخَارِيّ لَهُ ووهموه، قَالَ: وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَنه لم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي من رِوَايَة البُخَارِيّ وَلما ذكر النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم حَدِيثه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اعْلَم أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي عَنهُ اثْنَان كل مِنْهُمَا حميد بن عبد الرَّحْمَن: أَحدهمَا هَذَا الْحِمْيَرِي، وَالثَّانِي الزُّهْرِيّ. قَالَ الْحميدِي فِي جمعه: كل مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ الزُّهْرِيّ إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث خَاصَّة، فَإِن رَاوِيه عَن أبي هُرَيْرَة الْحِمْيَرِي، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه. قَالَ: وَلَا ذكر الْحِمْيَرِي فِي البُخَارِيّ أصلا، وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث قلت: دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي صَحِيحه قد علمت مَا فِيهِ، وَقَوله: وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ بجيد، فقد ذكره مُسلم فِي ثَلَاثَة أَحَادِيث. أَحدهَا: أول الْكتاب حَدِيث ابْن عمر فِي الْقدر عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي قَالَا: لَقينَا ابْن عمر وَذكر الحَدِيث. الثَّانِي: فِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو بن سعيد عَن حميد الْحِمْيَرِي عَن ثَلَاثَة من ولد سعد أَن سَعْدا، فَذكره. الثَّالِث: فِيهَا عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَعَن رجل آخر هُوَ فِي نَفسِي أفضل من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، ثمَّ سَاقه من حَدِيث قُرَّة قَالَ: وسمى الرجل: حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي بكرَة: (خَطَبنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر فَقَالَ؛ أَي يَوْم هَذَا؟) الحَدِيث.

فَائِدَة:

روى مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله عَنْهُمَا، كَانَا يصليان الْمغرب فِي رَمَضَان، ثمَّ يفطران. وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ: رَأَيْت عمر وَعُثْمَان فَذكره قَالَ الْوَاقِدِيّ: حميد لم يسمع من عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَلَا رَآهُ، وسنه وَمَوته يدلان على ذَلِك، وَلَعَلَّه سمع من عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ خَاله لأمه، لِأَن أم مَكْتُوم أُخْت عُثْمَان، وَكَانَ يدْخل على عُثْمَان كَمَا يدْخل وَلَده.

الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والموطأ وَآخَرُونَ.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (غفر لَهُ) ، وهما الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَمعنى من قَامَ رَمَضَان: من قَامَ بِالطَّاعَةِ فِي ليَالِي رَمَضَان، وَيُقَال: يُرِيد صَلَاة التَّرَاوِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا يخْتَص ذَلِك بِصَلَاة التَّرَاوِيح بل فِي أَي وَقت صلى تَطَوّعا حصل لَهُ ذَلِك الْفضل، وَاتفقَ الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب التَّرَاوِيح، وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل. فَقَالَ الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن عبد الحكم من أَصْحَاب مَالك: أَن حضورهما فِي الْجَمَاعَة فِي الْمَسَاجِد أفضل، كَمَا فعله عمر بن الْخطاب وَالصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَاسْتمرّ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف والطَّحَاوِي وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: الْإِفْرَاد بهَا فِي الْبيُوت أفضل، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) . قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الحالية على تَأْوِيل مُؤمنا ومحتسبا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، أَي: مُصدقا ومريدا بِهِ وَجه الله تَعَالَى بخلوص النِّيَّة.

استباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ حجَّة لمن جوز قَول رَمَضَان بِغَيْر إِضَافَة شهر إِلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِي بَابه. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على غفران مَا تقدم من الذُّنُوب بِقِيَام رَمَضَان: وَدلّ الحَدِيث الْمَاضِي على غفرانها بِقِيَام لَيْلَة الْقدر، ولاتعارض بَينهمَا، فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للتكفير، وَقد يقْتَصر الشَّخْص على قيام لَيْلَة الْقدر بِتَوْفِيق الله لَهُ فَيحصل ذَلِك. الثَّالِث: ظَاهر الحَدِيث غفران الصَّغَائِر والكبائر، وَفضل الله وَاسع، وَلَكِن الْمَشْهُور من مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه كَحَدِيث غفران الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ، وبصوم يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم عَاشُورَاء وَنَحْوه أَن المُرَاد غفران

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فَيُوَافِقُهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيُوَافِقُهَا زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَإِلَّا فَالْجَزَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَى قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا يَصْدُقُ قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَّا عَلَى مَنْ وَافَقَهَا، وَالْحَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، فَوَضَحَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ وَاحِدٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَعَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ.

٢٦ - بَاب الْجِهَادُ مِنْ الْإِيمَانِ

٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ.

[الحديث ٣٦ - أطرافه في: ٧٤٦٣، ٧٤٥٧، ٧٢٢٧، ٧٢٢٦، ٣١٢٣، ٢٩٧٢، ٢٧٩٧، ٢٧٨٧]

٢٧ - بَاب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ الْإِيمَانِ

٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

٢٨ - بَاب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنْ الْإِيمَانِ

٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجِهَادِ مِنَ الْإِيمَانِ)

أَوْرَدَ هَذَا الْبَابَ بَيْنَ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَبَيْنَ قِيَامِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ، فَأَمَّا مُنَاسَبَةُ إِيرَادِهِ مَعَهَا فِي الْجُمْلَةِ فَوَاضِحٌ لِاشْتِرَاكِهَا فِي كَوْنِهَا مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا إِيرَادُهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ مَعَ أَنَّ تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ظَاهِرٌ فَلِنُكْتَةٍ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا، بَلْ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: صَنِيعُهُ هَذَا دَالٌّ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ مَقْطُوعٌ عَنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، يَعْنِي اشْتِرَاكَهَا فِي كَوْنِهَا مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ. وَأَقُولُ: بَلْ قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمُنَاسَبَةِ لِقِيَامِ رَمَضَانَ لَكِنَّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي بَابِ الْجِهَادِ مُنَاسَبَةً بِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ حَسَنَةً جِدًّا لِأَنَّ الْتِمَاسَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَسْتَدْعِي مُحَافَظَةً زَائِدَةً وَمُجَاهَدَةً تَامَّةً، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ يُوَافِقُهَا أَوْ لَا.

وَكَذَلِكَ الْمُجَاهِدُ يَلْتَمِسُ الشَّهَادَةَ وَيَقْصِدُ إِعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا، فَتَنَاسَبَا فِي أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُجَاهَدَةً، وَفِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ لِصَاحِبِهِ أَوْ لَا. فَالْقَائِمُ لِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَأْجُورٌ، فَإِنْ وَافَقَهَا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا. وَالْمُجَاهِدُ لِالْتِمَاسِ الشَّهَادَةِ مَأْجُورٌ، فَإِنْ وَافَقَهَا كَانَ أَعْظَمُ أَجْرًا. وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ تَمَنِّيهِ الشَّهَادَةَ بِقَوْلِهِ: وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فَضْلَ الْجِهَادِ لِذَلِكَ اسْتِطْرَادًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى ذِكْرِ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَامٌّ بَعْدَ خَاصٍّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَابَ الصِّيَامِ لِأَنَّ الصِّيَامَ مِنَ التُّرُوكِ فَأَخَّرَهُ عَنِ القِيَامِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ ; وَلِأَنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ مَشْرُوعٌ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

إلَّا غُفِرَ له»، وقوله: «فيوافقها» زيادة بيانٍ، وإلَّا فالجزاء مُرتَّبٌ على قيام ليلة القدر، ولا يَصْدق قيامها إلَّا على من يوافقها، وقوله: «يَقُمْ» بفتح الياء، مِنْ: قام يقوم، وقع هنا متعدِّيًا، ويدلُّ له حديث الشَّيخين مرفوعًا: «من قامه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» [خ¦٣٧] ومن لطائف إسناد هذا الحديث ما قِيلَ: إنَّ أصحَّ أسانيد أبي هريرة: أبو الزِّناد عن الأعرج عنه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصِّيام» [خ¦١٩٠١] مطوَّلًا، وكذا أبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، ومالكٌ في «موطَّئه».

ولمَّا كان التماس ليلة القدر يستدعي مُحافَظةً زائدةً ومُجاهَدةً تامَّةً، ومع ذلك فقد يوافقها وقد لا يوافقها، وكان هذا المجاهد يلتمس الشَّهادة، ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى؛ نَاسَبَ أن يعقِّب المؤلِّف هذا الباب بفضل الجهاد استطرادًا، فقال:

(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ) أي: شعبةٌ من شُعَبِهِ، أو أنَّه كالأبواب السَّابقة في أنَّ الأعمالَ إيمانٌ؛ لأنَّه لمَّا كان الإيمان هو المُخْرِجَ له في سبيله تعالى كان الخروج إيمانًا، تسميةً للشَّيء باسم سببه، والجهاد: قتال الكفَّار لإعلاء كلمة الله، ولفظ: «باب» ساقطٌ في رواية الأَصيليِّ.

٣٦ - وبالسَّند إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ) أي: ابن عمر العَتَكِيُّ؛ بفتح

المُهمَلَة والمُثنَّاة الفوقيَّة؛ نسبةً إلى العتيك بن الأسد القَسْمَليِّ؛ بفتح القاف وسكون المُهمَلَة وفتح الميم؛ نسبةً إلى قَسْمَلَة، وهو معاوية بن عمرٍو، أو إلى القساملة؛ قبيلة من الأزد، البصريُّ، ثقةٌ من كبار العاشرة، وانفرد به المؤلِّف عن «مسلمٍ»، وتوفِّي سنة ثلاثٍ أو ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ؛ نسبةً إلى عبد القيس البصريُّ الثَّقفيُّ؛ نسبةً إلى ثقيفٍ، المُتوفَّى سنة سبعٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ) بضمِّ العين المُهمَلَة، ابن القعقاع بن شبرمة الكوفيُّ الضَّبيُّ؛ نسبةً إلى ضَبَّةَ بن أُدِّ بن طابخةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو عبد الله (بْنُ عَمْرٍو) وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ بزيادة: «بْنِ جَرِيرٍ (١) البَجَليُّ»؛ بفتح المُوحَّدة والجيم نسبةً إلى بَجِيلة بنت صعبٍ (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) (عَنِ النَّبِيِّ ) أنَّه (٢) (قَالَ (٣): انْتَدَبَ اللهُ) بنونٍ ساكنةٍ ومُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ مفتوحةٍ ودالٍ مُهملَةٍ كذلك في آخره مُوحَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في رواية الأَصيليِّ هنا: «ائتدب» بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مهموزةٍ بدل النُّون؛ مِنَ المأدبة قال: وهو تصحيفٌ، وقد وجَّهوه بتكلُّفٍ، لكنَّ إطباقَ الرُّواة على خلافه مع اتِّحاد المَخْرَج كافٍ في تخطئته. انتهى.

وعَزَاهَا القاضي عياضٌ لرواية القابسيِّ، وأمَّا رواية: «انتدب» بالنُّون؛ فهو من ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب، أي: أجاب إليه، وفي «القاموس»: وندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه، أو معناه: تكفَّل، كما رواه المؤلِّف في أواخر «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧] أو سارع بثوابه وحسن جزائه، وللأَصيليِّ وكريمةَ: «انتدب الله ﷿» (لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) حال كونه (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ) وفي روايةٍ: «إلا الإيمان» (بِي و (١) تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي) بالرَّفع فيهما فاعلُ «لا يُخْرِجُه»، والاستثناء مُفرَّغٌ، وإنَّما عدل عن «به» -الذي هو الأصل- إلى «بي» للالتفات من الغَيبة إلى التَّكلُّم، وقول ابن مالكٍ في «التَّوضيح»: كان الأَلْيَقُ «إيمانٌ به» ولكنه على تقدير حالٍ محذوفٍ، أي: قائلًا: لا يخرجه إلَّا إيمانٌ بي، و «لا يخرجه» مقول القول؛ لأنَّ صاحب الحال على هذا التَّقدير هو الله. ردَّه ابن المُرَحِّل، فقال: أساء في قوله: «كان الأَلْيَق» وإنَّما هو من باب الالتفات، ولا حاجة إلى تقدير حالٍ؛ لأنَّ حذف الحال لا يجوز، حكاه الزَّركشيُّ وغيره. وقال في «المصابيح»: ما ذكره من عدم جواز حذف الحال ممنوعٌ، فقد ذكر ابن مالكٍ من شواهده هنا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: قائلين، وقوله تعالى: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] أي: قائلين: سلامٌ عليكم، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ (٢) لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٧] أي: قائلين، قال ابن المرَحِّل: وإنَّما هو من باب الالتفات، وقال الزَّركشيُّ: الأَلْيَق أن يُقَال: عدل عن ضمير الغَيبة إلى الحضور؛ يعني: أنَّ الالتفات يوهم الجسميَّة، فلا يُطْلَق في كلام الله تعالى، وهذا

خلاف ما أطبق عليه علماء البيان، وذكر الكِرمانيُّ قوله: «أو (١) تصديقٌ برسلي» بلفظ «أو» واستشكله؛ لأنَّه لا بدَّ من الأمرين: الإيمان بالله والتَّصديق برسله، وأجاب بما معناه: أنَّ «أو» بمعنى: الواو، أو أنَّ الإيمان بالله مستلزمٌ لتصديق رسله، وتصديق رسله مُستلزمٌ للإيمان بالله، وتعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه لم يثبت في شيءٍ من الرِّوايات بلفظ «أو». انتهى. نعم وجدته في أصل فرع «اليونينيَّة» كهي، «أو» بالألف قبل الواو، وعلى الألف: «لا س» وفوق الواو جَزْمةٌ سوداء ونَصْبةٌ بالحمرة، وكذا وجدته أيضًا بالألف في متن «البخاريِّ» من النُّسخة التي وقفت عليها من «تنقيح الزَّركشيِّ»، وكذا في نسخة كريمة، وعند الإسماعيليِّ كمسلمٍ: «إلَّا إيمانًا» بالنَّصب مفعولٌ له، أي: لا يخرجه المخرج إلَّا الإيمان والتَّصديق (أَنْ أَرْجِعَهُ) بفتح الهمزة من «رَجَعَ»، و «أن» مصدريَّةٌ، والأصل بأن أرجعه، أي: برجعه إلى بلده (بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ) أي: بالذي أصابه من النَّيل؛ وهو العطاء، من أجرٍ فقط إن لم يغنموا (أَوْ) أجرٍ مع (غَنِيمَةٍ) إن غنموا، أو أنَّ (٢) «أو» بمعنى الواو، كما رواه أبو داودَ «بالواو» بغير ألفٍ، وعبَّر بالماضي موضع المضارع في قوله: «نال» (٣) لتحقُّق وعده تعالى (أَوْ) أن (أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ) عند دخول المقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخَذَةٍ بذنوبٍ؛ إذ تُكفِّرها الشَّهادة، أو عند موته؛ لقوله: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]

(وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ) أي: لولا المشقَّة (عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أي: ما قعدت بعد (سَرِيَّةٍ) بل كنت أخرج معها بنفسي لِعِظَمِ أجرِها، و «لولا»: امتناعيَّةٌ، و «أنْ» مصدريَّةٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، و «ما قعدت» جواب «لولا»، وأصله: «لمَا» فحُذِفَت اللَّام، والمعنى: امتنع عدم القعود؛ وهو القيام لوجود المشقَّة، وسَبَبُ المشقَّة صعوبةُ تخلُّفِهم بعده، ولا قُدرةَ لهم على المسير معه لضيق حالهم، قال ذلك شفقةً على أمَّته، جزاه الله سبحانه عنَّا أفضلَ الجزاء (وَلَوَدِدْتُ) عطفًا على «ما قعدت»، واللَّام للتَّأكيد، أو جواب قسمٍ محذوفٌ، أي: والله لَوَدِدْتُ، أي: أحببت (أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) بضمِّ الهمزة في كلٍّ من «أُحْيَا» و «أُقْتَل»، وهي (١) خمسة ألفاظٍ، وفي رواية الأَصيليِّ: «أن أُقْتَل» بدل «أنِّي»، ولأبي ذَرٍّ: «فأُقتَل ثمَّ أحيا فأُقتَل» كذا في «اليونينيَّة»، وخُتِم بقوله: «ثمَّ أُقْتَل»، والقرار إنَّما هو على حالة الحياة لأنَّ المُرَادَ الشَّهادةُ، فختم الحال عليها، أو الإحياء للجزاء من المعلوم، فلا حاجة إلى وَدَادَتِه لأنَّه ضروريُّ الوقوع، و «ثمَّ»: للتَّراخي في الرُّتبة أحسن من حملها على تراخي الزَّمان لأنَّ المُتمنَّى حصولُ مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى، فإن قلت: تمنِّيه أن يُقتَل يقتضي تمنِّيَ وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوعٌ للقواعد، أُجِيب: بأنَّ مراده حُصولُ ثواب الشَّهادة، لا تمنِّيَ المعصية للقاتل.

وفي الحديث: استحبابُ طلب القتل في سبيل الله، وفضل الجهاد، ورجاله ما بين بصريٍّ (٢) وكوفيٍّ، خالٍ عن العنعنة، ليس فيه إلَّا التَّحديث والسَّماع، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٧٩٧]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ) بالطَّاعة في لياليه (مِنَ الإِيمَانِ) أي: من شُعَبِهِ،

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

مَا قيل: لفظ: من يقم لَيْلَة الْقدر، هَل يَقْتَضِي قيام تَمام اللَّيْلَة، أَو يَكْفِي أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْقيام؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يَكْفِي الْأَقَل وَعَلِيهِ بعض الْأَئِمَّة، حَتَّى قيل بكفاية فرض صَلَاة الْعشَاء فِي دُخُوله تَحت الْقيام فِيهَا، لَكِن الظَّاهِر مِنْهُ عرفا أَنه لَا يُقَال: قيام اللَّيْلَة، إلَاّ إِذا قَامَ كلهَا أَو أَكْثَرهَا. قلت: قَوْله: (من يقم لَيْلَة الْقدر) . مثل: من يصم يَوْمًا، فَكَمَا لَا يَكْفِي صَوْم بعض الْيَوْم وَلَا أَكْثَره، فَكَذَلِك لَا يَكْفِي قيام بعض لَيْلَة الْقدر وَلَا أَكْثَرهَا، وَذَلِكَ لِأَن لَيْلَة الْقدر وَقعت مَفْعُولا لقَوْله: يقم، فَيَنْبَغِي أَن يُوصف جَمِيع اللَّيْلَة بِالْقيامِ، لِأَن من شَأْن الْمَفْعُول أَن يكون مشمولاً بِفعل الْفَاعِل. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى الْقيام فِيهَا إِذْ ظَاهره غير مُرَاد قطعا؟ وَأجِيب: بِأَن الْقيام للطاعة كَأَنَّهُ مَعْهُود من قَوْله تَعَالَى: {قومُوا لله قَانِتِينَ} (الْبَقَرَة: ٢٣٨) وَهُوَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة فِيهِ. وَمِنْهَا مَا قيل: الذَّنب علم لِأَنَّهُ اسْم جنس مُضَاف، فَهَل يَقْتَضِي مغْفرَة ذَنْب يتَعَلَّق بِحَق النَّاس؟ وَأجِيب: بِأَن لَفظه مُقْتَض لذَلِك مُقْتَض لذَلِك، وَلَكِن علم من الْأَدِلَّة الخارجية أَن حُقُوق الْعباد لَا بُد فِيهَا من رضى الْخُصُوم، فَهُوَ عَام اخْتصَّ بِحَق الله تَعَالَى وَنَحْوه بِمَا يدل على التَّخْصِيص، وَقيل: يجوز أَن تكون: من، تبعيضية. وَفِيه نظر.

٢٦ - (بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ)

الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع الأول: قَوْله: (بَاب) لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إِلَّا بِتَقْدِير: هَذَا بَاب، فَيكون خَبرا مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ. وَقَوله: (الْجِهَاد) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره: (من الْإِيمَان) وَلَا يجوز فِيهِ غير الرّفْع. الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ قيام لَيْلَة الْقدر، وَلَا يحصل ذَلِك، إِلَّا بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة وَترك الِاخْتِلَاط بالأهل والعيال، فَكَذَلِك الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب حَال الْمُجَاهِد الَّذِي لَا يحصل لَهُ الْحَظ من الْجِهَاد، وَلَا يُسمى مُجَاهدًا إلَاّ بالمجاهدة التَّامَّة ومقاساة الْمَشَقَّة الزَّائِدَة وَترك الْأَهْل والعيال، وكما أَن الْقَائِم لَيْلَة الْقدر يجْتَهد أَن ينَال رُؤْيَة تِلْكَ اللَّيْلَة ويتحلى بهَا، وإلَاّ فيكتسب أجورا عَظِيمَة، فَكَذَلِك الْمُجَاهِد يجْتَهد أَن ينَال دَرَجَة الشُّهَدَاء ومنزلتهم وإلَاّ فَيرجع بغنيمة وافرة مَعَ اكْتِسَاب اسْم الْغُزَاة، فَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة وَإِن كَانَ التَّرْتِيب الوضعي يَقْتَضِي أَن يذكر بَاب تطوع قيام رَمَضَان عقيب هَذَا الْبَاب، وَبَاب صَوْم رَمَضَان عقيب هَذَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل لترتيب الْكتاب وتوسيط الْجِهَاد بَين قيام لَيْلَة الْقدر وَقيام رَمَضَان وصيامه مُنَاسبَة أم لَا؟ قلت: مناسبته تَامَّة وَهِي الْمُشَاركَة فِي كَون كل من الْمَذْكُورَات من أُمُور الْإِيمَان. وتوسيط الْجِهَاد مشْعر بِأَن النّظر مَقْطُوع عَن غير هَذِه الْمُنَاسبَة. قلت: يُرِيد بِكَلَامِهِ هَذَا أَن الْمُنَاسبَة بَين هَذِه الْأَبْوَاب كلهَا هِيَ اشتراكها فِي كَونهَا من خِصَال الْإِيمَان، مَعَ قطع النّظر عَن طلب الْمُنَاسبَة بَين كل بَابَيْنِ من الْأَبْوَاب، وَهَذَا كَلَام من يعجز عَن إبداء وَجه الْمُنَاسبَة الْخَاصَّة مَعَ الْمُنَاسبَة الْعَامَّة، وَمَا يَنْبَغِي أَن يذكر مَا ذكرته، فَافْهَم. الثَّالِث: معنى قَوْله: (الْجِهَاد من الْإِيمَان) الْجِهَاد شُعْبَة من شعب الْإِيمَان. وَقَالَ ابْن بطال وَعبد الْوَاحِد، الشارحان: هَذَا كالأبواب الْمُتَقَدّمَة فِي أَن الْأَعْمَال إِيمَان، لِأَنَّهُ لما كَانَ الْإِيمَان هُوَ الْمخْرج لَهُ فِي سَبيله، كَانَ الْخُرُوج إِيمَانًا تَسْمِيَة للشَّيْء باسم سَببه، كَمَا قيل للمطر سَمَاء لنزوله من السَّمَاء، وللنبات. توأ لِأَنَّهُ ينشأ من النوء، وَالْجهَاد الْقِتَال مَعَ الْكفَّار لإعلاء كلمة الله تَعَالَى.

٣٦ - حدّثنا حَرَمِيُّ بنُ حَفْصٍ قَالَ حدّثنا عبدُ الوَاحِدِ قَالَ حدّثنا عُمَارَةُ قَالَ حدّثنا أبُو زُرْعَةَ بنُ عَمْرو بنِ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلَاّ إيمانٌ بِي وتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَن أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرِ أَو غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ وَلَوْلَا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلوِددْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُم أُحْيا ثمَّ أُقْتَلُ ثمَّ أُحيا ثمَّ أُقتل..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة أَن الْمخْرج للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى لما كَانَ هُوَ كَونه مُؤمنا بِاللَّه ومصدقا برسله، كَانَ خُرُوجه من الْإِيمَان، وَالْجهَاد هُوَ الْخُرُوج فِي سَبِيل الله لِلْقِتَالِ مَعَ أعدائه، وَقد ثَبت أَن الْخُرُوج من الْإِيمَان، فينتج أَن الْجِهَاد من الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حرمي، اسْم بِلَفْظ النِّسْبَة، ابْن حَفْص بن عمر، الْعَتكِي الْقَسْمَلِي الْبَصْرِيّ، روى عَنهُ البُخَارِيّ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَن مُسلم، وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ. مَاتَ سنة ثَلَاث، وَقيل: سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: أَبُو بشر عبد الْوَاحِد بن زِيَاد، الْعَبْدي الْبَصْرِيّ، وَيعرف: بالثقفي. قَالَ يحيى وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة: ثِقَة. وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، فِي طبقته عبد الْوَاحِد بن زيد الْبَصْرِيّ أَيْضا لكنه ضَعِيف، وَلم يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَيْء. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة، ابْن الْقَعْقَاع بن شبْرمَة، ابْن أخي عبد الله بن شبْرمَة الْكُوفِي الضَّبِّيّ، روى عَنهُ الثَّوْريّ وَالْأَعْمَش وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى، ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي، وَاخْتلف فِي اسْمه وأشهرها: هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقيل: عبيد الله بن عَمْرو بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ، سمع جده وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهمَا، قَالَ يحيى: ثِقَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان الْأَنْسَاب: الْعَتكِي: بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، فِي الأزد: ينْسب إِلَى العتيك بن الْأسد بن عمرَان بن عَمْرو بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَفِي قضاعة: عتِيك بطن. الْقَسْمَلِي بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم، فِي الأزد: ينْسب إِلَى قسملة، وَهُوَ: مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن دوس، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قسملي فِي الأزد وهم القسامل، سموا بذلك لجمالهم، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: الْقَسْمَلِي نِسْبَة إِلَى القساملة، قَبيلَة من الأزد نزلت الْبَصْرَة فنسبت الْمحلة إِلَيْهِم أَيْضا، وَهَذَا مَنْسُوب إِلَى الْقَبِيلَة، وَفِي شرح النَّوَوِيّ على قِطْعَة من البُخَارِيّ: أَن الْقَسْمَلِي، بِكَسْر الْقَاف وَالْمِيم، وَكَأَنَّهُ سبق قلم، وَالصَّوَاب فتحهما؛ والعبدي: نِسْبَة إِلَى عبد الْقَيْس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار، وَفِي قُرَيْش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر، وَفِي تَمِيم: ينْسب إِلَى عبد الله بن دارم. وَفِي قضاعة: إِلَى عبد الله بن الْخِيَار

وَفِي هَمدَان إِلَى عبد الله بن عليان. والثقفي: نِسْبَة إِلَى ثَقِيف، وَهُوَ قسي بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان. والضبي، بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: نِسْبَة إِلَى ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر، وَفِي قُرَيْش: ضبة بن الْحَارِث ابْن فهر، وَفِي هُذَيْل: ضبة بن عَمْرو بن الْحَارِث بن تَمِيم بن سعد بن هُذَيْل. والبجلي بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالْجِيم: نِسْبَة إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك بن مذْحج.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا وَهُوَ أعظمها: أَنه خَال عَن العنعنة وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ التحديث وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فيهم إسما على صُورَة النِّسْبَة، وَرُبمَا يَظُنّهُ من لَا إِلْمَام لَهُ بِالْحَدِيثِ أَنه نِسْبَة.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن زُهَيْر عَن جرير، وَعَن أبي بكر وَأبي كريب عَن ابْن فُضَيْل عَن عمَارَة بِهِ. وَفِي لفظ مُسلم: (يضمن الله) ، وَفِي بَعْضهَا: (تكفل الله) ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (توكل الله) وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ: وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: (انتدب الله لمن يخرج فِي سَبيله لَا يُخرجهُ إلَاّ الْإِيمَان بِي وَالْجهَاد فِي سبيلي أَنه ضَامِن حَتَّى أدخلهُ الْجنَّة بِأَيِّهِمَا كَانَ: إِمَّا بقتل أَو وفادة، أَو أرده إِلَى مَسْكَنه الَّذِي يخرج مِنْهُ، نَالَ مَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) .

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (انتدب الله) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون النُّون وَفتح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالدَّال الْمُهْملَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة، من قَوْلهم: نَدبه لأمر فَانْتدبَ لَهُ، أَي: دَعَاهُ لَهُ فَأجَاب، فَكَأَن الله تَعَالَى جعل جِهَاد الْعباد فِي سَبِيل الله سؤالاً، وَدُعَاء لَهُ إِيَّاه. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) فِي فصل النُّون مَعَ الدَّال قَوْله: (انتدب الله لمن جَاهد فِي سَبيله) أَي: سارع بثوابه وَحسن جَزَائِهِ، وَقيل: أجَاب، وَقيل: تكفل، وَقَالَ ابْن بطال: أوجب وتفضل أَي: حقق واحكم أَي: ينجز ذَلِك لمن أخْلص قلت: كَأَنَّهُ يُرِيد مَا وعده، بقوله تَعَالَى: {إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ} (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة، وَذكره أَيْضا فِي (الْمطَالع) فِي فصل الْهمزَة مَعَ الدَّال من مَادَّة أدب، فَقَالَ قَوْله: (ائتدب الله لمن خرج فِي سَبيله) . كَذَا للقابسي بِهَمْزَة، وَمَعْنَاهُ: أجَاب من دَعَاهُ، من المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم يأدبهم ويأدبهم أدبا إِذا دعاهم. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: انتدب، بالنُّون، وَأَهْمَلَهُ الْأصيلِيّ وَلم يُقَيِّدهُ، وَمَعْنَاهُ قريب من الأول، كَأَنَّهُ أجَاب رغبته. يُقَال:

ندبته فَانْتدبَ أَي دَعوته فَأجَاب، وَمِنْه فِي حَدِيث الخَنْدَق: فَانْتدبَ الزبير، رَضِي الله عَنهُ، وَذكره الصغاني أَيْضا فِي بَاب النُّون مَعَ الدَّال وَقَالَ: وَأما قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (انتدب الله) الحَدِيث، فَمَعْنَاه: أَجَابَهُ إِلَى غفرانه. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: رَوَاهُ الْقَابِسِيّ: ائتدب، بِهَمْزَة صورتهَا يَاء من: المأدبة، يُقَال: أدب الْقَوْم مخففا، إِذا دعاهم، وَمِنْه: (الْقُرْآن مأدبة الله فِي الأَرْض) . قلت: قَالَ الصغاني: الْأَدَب الدُّعَاء إِلَى الطَّعَام، يُقَال أدبهم يأدبهم بِكَسْر الدَّال، وَاسم الطَّعَام عَن أبي زيد: المأدبة والمأدبة، يَعْنِي بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا، ثمَّ قَالَ: وَأما المأدبة، بِالْفَتْح، فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله عَنهُ: (إِن هَذَا الْقُرْآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته) فَلَيْسَتْ من الطَّعَام فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هِيَ مفعلة من الْأَدَب بِالتَّحْرِيكِ، انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ هُنَا: ايتدب، بياء تَحْتَانِيَّة مَهْمُوزَة بدل النُّون من المأدبة وَهُوَ تَصْحِيف، وَقد وجههوه بتكلف، لَكِن إِطْلَاق الروَاة على خِلَافه. قلت: لم يقل أحد من الشُّرَّاح ولامن رُوَاة الْكتاب إِن هَذَا تَصْحِيف، وَلَا أطبقت الروَاة على خِلَافه، وَقد رَأَيْت مَا قَالَت الْمَشَايِخ فِيهِ وَالدَّعْوَى بِلَا برهَان لَا تقبل. قَوْله: (أَن أرجعه) بِفَتْح الْهمزَة من رَجَعَ، وَقد جَاءَ مُتَعَدِّيا ولازما، فمصدر الأول الرجع، ومصدر الثَّانِي الرُّجُوع، وَهَهُنَا مُتَعَدٍّ نَحْو قَوْله تَعَالَى {فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة} (التَّوْبَة: ٨٣) وَفِي (الْعباب) : رَجَعَ بِنَفسِهِ يرجع رُجُوعا ومرجعا ورجعي، قَالَ الله تَعَالَى: {ثمَّ إِلَى ربكُم مرجعكم} (الْأَنْعَام: ١٦٤، الزمر: ٧) وَهُوَ شَاذ لِأَن المصادر من: فعل يفعل، إِنَّمَا تكون بِالْفَتْح. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن إِلَى رَبك الرجعى} (العلق: ٨) ورجعته عَن الشَّيْء وَإِلَى الشَّيْء رجعا: رَددته. قَالَ الله تَعَالَى: {إِنَّه على رجعه لقادر} (الطارق: ٨) أَي: على إِعَادَته حَيا بعد مَوته وبلاه، لِأَنَّهُ المبدىء المعيد. وَقَالَ تَعَالَى: {يرجع بَعضهم إِلَى بعض القَوْل} (سبأ: ٣١) أَي: يتلاومون. قَوْله: (بِمَا نَالَ) . أَي: بِمَا أصَاب من النّيل، وَهُوَ الْعَطاء. قَوْله: (خلف سَرِيَّة) خلف هَهُنَا بِمَعْنى بعد، والسرية: هِيَ قِطْعَة من الْجَيْش، يُقَال: خير السَّرَايَا أَربع مائَة رجل.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (انتدب) فعل مَاض، وَلَفْظَة: الله، فَاعله، وَقَوله (لمن خرج) يتَعَلَّق بانتدب، وَمن، مَوْصُولَة. وَخرج، جملَة صلتها، وَفِي سَبيله، يتَعَلَّق بِهِ، وَالضَّمِير فِي سَبيله، يرجع إِلَى الله. قَوْله: (لَا يُخرجهُ) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَهُوَ الضَّمِير، وموضعها نصب على الْحَال، وَقد علم أَن الْمُضَارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ منفيا يجوز فِيهِ الْوَاو وَتركهَا، نَحْو: جَاءَنِي زيد لَا يركب، أَو: وَلَا يركب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا بُد من التَّأْوِيل وَهُوَ تَقْدِير اسْم فَاعل من القَوْل مَنْصُوب على الْحَال، كَأَنَّهُ قَالَ: انتدب الله لمن خرج فِي سَبيله قَائِلا لَا يُخرجهُ إِلَّا إِيمَان بِي. قلت: هَذَا لَيْسَ بسديد لِأَنَّهُ على تَقْدِيره يلْزم أَن يكون ذُو الْحَال هُوَ الله تَعَالَى، وَيكون قَوْله لَا يُخرجهُ، مقول القَوْل، وَلَيْسَ كَذَلِك بل ذُو الْحَال هُوَ الضَّمِير الَّذِي فِي خرج وَأَيْضًا فِيهِ حذف الْحَال وَهُوَ لَا يجوز. قَوْله: (إِيمَان) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: لَا يُخرجهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مفرغ، وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم والإسماعيلي: إلَاّ إِيمَانًا، بِالنّصب. وَقَالَ النَّوَوِيّ: مَنْصُوب على أَنه مفعول لَهُ، وَتَقْدِيره: لَا يُخرجهُ مخرج إِلَّا الْإِيمَان والتصديق. قَوْله: (وتصديق برسلي) ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَو تَصْدِيق، وَفِي بعض النّسخ: (وتصديق) بِالْوَاو الْوَاصِلَة وَهُوَ ظَاهر. قلت: لم أَقف على من ذكر هَذَا رِوَايَة، ثمَّ قَالَ: فَإِن قلت: إِذا كَانَ: بِأَو، الفاصلة، فَمَا مَعْنَاهُ إِذْ لَا بُد من الْأَمريْنِ: الْإِيمَان بِاللَّه والتصديق برسل الله؟ قلت: أَو، هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا، أَي: لَا يَخْلُو عَن أَحدهمَا، وَقد يَجْتَمِعَانِ بل يلْزم الِاجْتِمَاع، لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه مُسْتَلْزم لتصديق رسله، إِذْ من جملَة الْإِيمَان بِاللَّه الْإِيمَان بأحكامه وأفعاله، وَكَذَا التَّصْدِيق بالرسل يسْتَلْزم الْإِيمَان بِاللَّه، وَهُوَ ظَاهر. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَيْسَ مِمَّا يدل عَلَيْهِ: أَو، لِأَن الِاجْتِمَاع هَهُنَا لَازم و: أَو، لَا يدل على لُزُوم الِاجْتِمَاع. قَوْله: (أَن أرجعه) يتَعَلَّق بقوله: (انتدب) ، وَأَن مَصْدَرِيَّة، وَأَصلهَا: بِأَن أرجعه، أَي: يرجعه، وَالْبَاء فِي: بِمَا نَالَ، يتَعَلَّق بِهِ، وَمَا، مَوْصُولَة، و: نَالَ، صلتها والعائد مَحْذُوف أَي: بِمَا ناله. قَوْله: (من) للْبَيَان، قَوْله: (أَو غنيمَة) أَو: هَهُنَا لِامْتِنَاع الْخُلُو مِنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا أَعنِي: أَن اللَّفْظ لَا يَنْفِي اجْتِمَاعهمَا، بل يثبت أَحدهمَا مَعَ جَوَاز ثُبُوت الآخر، فقد يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: مَعْنَاهُ أَن أرجعه بِمَا نَالَ من أجر مُجَرّد وَإِن لم يكن غنيمَة، أَو أجر وغنيمة إِذا كَانَت، فَاكْتفى بِذكر الْأجر أَولا عَن تكراره، أَو أَن: أَو، هَهُنَا بِمَعْنى الْوَاو، كَمَا جَاءَ فِي مُسلم من رِوَايَة يحيى بن يحيى، وَفِي سنَن أبي دَاوُد: من أجر وغنيمة بِغَيْر ألف. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: {من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين} (النِّسَاء: ١١ و ١٢) مَعْنَاهُ: وَدين، وَقيل: من وَصِيَّة وَدين، أَو دين دون وَصِيَّة. قَوْله: (أَو أدخلهُ) بِالنّصب عطفا على قَوْله: (أَن أرجعه) . قَوْله: (لَوْلَا) هِيَ الامتناعية لَا التحضيضية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع

على الِابْتِدَاء، وَالتَّقْدِير: لَوْلَا الْمَشَقَّة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِفعل مَحْذُوف، أَي: لَوْلَا ثَبت أَن أشق، وَقَوله: أشق مَنْصُوب بِهِ. قَوْله: (مَا قعدت) جَوَاب لَوْلَا، وَأَصله: لما قعدت، فحذفت اللَّام مِنْهُ. وَقَوله: (خلف) نصب على الظَّرْفِيَّة، وَسبب الْمَشَقَّة صعوبة تخلفهم بعده، وَلَا يقدرُونَ على الْمسير مَعَه لضيق حَالهم، وَلَا قدرَة لَهُ على حملهمْ، كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي حَدِيث آخر، حَيْثُ قَالَ: (فَإِنَّهُ يشق عَلَيْهِم التَّخَلُّف بعده، وَلَا تطيب أنفسهم بذلك) . قَوْله: (ولوددت) اللَّام للتَّأْكِيد، وَهُوَ عطف على قَوْله: مَا قعدت، وَيجوز أَن تكون اللَّام فِيهِ جَوَاب قسم مَحْذُوف أَي: وَالله لَوَدِدْت أَي: أَحْبَبْت. قَوْله: (أَن أقتل) فِي مَحل النصب على المفعولية، وَأَن، مَصْدَرِيَّة، أَي: الْقَتْل، والهمزة فِي الْمَوَاضِع الْخَمْسَة مَضْمُومَة. قَوْله: (ثمَّ أحيى) أَي: ثمَّ أَن أحيى، وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَوَاقِي.

{بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (إلَاّ إِيمَان بِي وتصديق برسلي) : يُرِيد خلوص نِيَّته لذَلِك، وَفِيه الْتِفَات، وَهُوَ الْعُدُول من الْغَيْبَة، إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم، والسياق كَانَ يَقْتَضِي أَن يَقُول: إِلَّا إِيمَان بِهِ. قَوْله: (أَن أرجعه) فِيهِ حذف أَي: إِلَى مَسْكَنه. قَوْله: (بِمَا نَالَ) فِيهِ اسْتِعْمَال الْمَاضِي مَوضِع الْمُضَارع لتحَقّق وعد الله تَعَالَى. قَوْله: (ثمَّ أحيى) كلمة ثمَّ، وَإِن كَانَت تدل على التَّرَاخِي فِي الزَّمَان، وَلكنهَا هَهُنَا حملت على التَّرَاخِي فِي الرُّتْبَة، لِأَن المتمنى حُصُول مرتبَة بعد مرتبَة إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الفردوس الْأَعْلَى.

استنباط الْأَحْكَام: فِيهِ: فضل الْجِهَاد وَالشَّهَادَة فِي سَبِيل الله. وَفِيه: تمني الشَّهَادَة وتعظيم أجرهَا. وَفِيه: تمني الْخَيْر وَالنِّيَّة فَوق مَا لَا يُطيق الْإِنْسَان وَمَا لَا يُمكنهُ إِذا قدر لَهُ، وَهُوَ أحد التَّأْويلَيْنِ فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (نِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله) وَفِيه: بَيَان شدَّة شَفَقَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أمته ورأفته بهم. وَفِيه: اسْتِحْبَاب طلب الْقَتْل فِي سَبِيل الله. وَفِيه: جَوَاز قَول الْإِنْسَان: وددت حُصُول كَذَا من الْخَيْر الَّذِي يعلم أَنه لَا يحصل. وَفِيه: إِذا تعَارض مصلحتان بدىء بأهمهما، وَأَنه يتْرك بعض الْمصَالح لمصْلحَة أرجح مِنْهَا، أَو لخوف مفْسدَة تزيد عَلَيْهَا. وَفِيه: إِن الْجِهَاد فرض كِفَايَة لَا فرض عين. وَفِيه: السَّعْي فِي زَوَال الْمَكْرُوه وَالْمَشَقَّة عَن الْمُسلمين. وَفِيه: إِن من خرج فِي قتال الْبُغَاة وَفِي إِقَامَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَنَحْو ذَلِك يدْخل فِي قَوْله: (فِي سَبِيل الله) وَإِن كَانَ ظَاهره فِي قتال الْكفَّار.

الأسئلة والأجوبة: مِنْهَا مَا قيل: جَمِيع الْمُؤمنِينَ يدخلهم الله تَعَالَى الْجنَّة، فَمَا وَجه اختصاصهم بذلك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يدْخلهُ بعد مَوته، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ} (آل عمرَان: ١٦٩) وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: الدُّخُول عِنْد دُخُول السَّابِقين والمقربين بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب، وَلَا مُؤَاخذَة بذنوب، وَتَكون الشَّهَادَة مكفرة لَهَا كَمَا رُوِيَ من قَوْله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (الْقَتْل فِي سَبِيل الله يكفر كل شَيْء إِلَّا الدّين) . رَوَاهُ مُسلم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْمُجَاهِد لَهُ حالتان: الشَّهَادَة والسلامة، فالجنة للحالة الأولى، وَالْأَجْر وَالْغنيمَة للثَّانِيَة وَلَفظه: أَو فِي قَوْله: أَو غنيمَة، تدل على أَن للسالم، إِمَّا الْأجر، وَإِمَّا الْغَنِيمَة لَا كِلَاهُمَا؟ وَأجِيب: بِأَن معنى: أَو، لِامْتِنَاع الْخُلُو عَنْهُمَا مَعَ إِمْكَان الْجمع بَينهمَا. وَمِنْهَا مَا قيل: هَهُنَا حَالَة ثَالِثَة للسالم وَهُوَ: الْأجر بِدُونِ الْغَنِيمَة. وَأجِيب: بِأَن هَذِه الْحَالة دَاخِلَة تَحت الْحَالة الثَّانِيَة إِذْ هِيَ أَعم من الْأجر فَقَط، أَو مِنْهُ مَعَ الْغَنِيمَة. وَمِنْهَا مَا قيل: الْأجر ثَابت للشهيد الدَّاخِل فِي الْجنَّة، فَكيف يكون السَّالِم والشهيد مقترنين فِي أَن لأَحَدهمَا الْأجر وَللْآخر الْجنَّة، مَعَ أَن الْجنَّة أَيْضا أجر؟ وَأجِيب: بِأَن هَذَا أجر خَاص، وَالْجنَّة أجر أَعلَى مِنْهُ، فهما متغايران. أَو أَن الْقسمَيْنِ هما الرجع والإدخال، لَا الْأجر وَالْجنَّة. وَمعنى الحَدِيث: إِن الله تَعَالَى ضمن أَن الْخَارِج للْجِهَاد ينَال خيرا بِكُل حَال، فإمَّا أَن يستشهد فَيدْخل الْجنَّة، وَإِمَّا أَن يرجع بِأَجْر فَقَط، وَإِمَّا بِأَجْر وغنيمة. وَمِنْهَا مَا قيل: بِمَاذَا هَذَا الضَّمَان؟ وَأجِيب: بِمَا سبق فِي علمه، وَمَا ذكره فِي كِتَابه بقوله: {إِن الله اشْترى} (التَّوْبَة: ١١١) الْآيَة: وَمِنْهَا مَا قيل: لَا مشقة على الْأمة فِي ودادة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَن غَايَة مَا فِي الْبَاب وجود الْمُتَابَعَة فِي الودادة، وَلَيْسَ فِيهَا مشقة. وَأجِيب: بِأَنا لَا نسلم عدم الْمَشَقَّة، وَلَئِن سلمنَا فَرُبمَا ينجر إِلَى تشييع مودوده، فَيصير سَببا للْمَشَقَّة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْفِرَار إِنَّمَا هُوَ على حَالَة الْحَيَاة. فَلم جعل النِّهَايَة هِيَ الْقَتْل؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد هُوَ الشَّهَادَة، فختم الْحَال عَلَيْهَا، أَو أَن الْإِحْيَاء للجزاء وَهُوَ مَعْلُوم شرعا، فَلَا حَاجَة إِلَى ودادته، لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ الْوُقُوع. فَافْهَم. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْقَوَاعِد تَقْتَضِي أَن لَا يتَمَنَّى الْمعْصِيَة أصلا، لَا لنَفسِهِ وَلَا لغيره، فَكيف تمناه؟ لِأَن حَاصله أَنه تمنى أَن يُمكن فِيهِ كَافِر فيعصى فِيهِ؟ وَأجِيب: بِأَن الْمعْصِيَة لَيست مَقْصُودَة بالتمني، إِنَّمَا المتمنى الْحَالة الرفيعة وَهِي الشَّهَادَة، وَتلك تحصل تبعا. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بِمَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة) يُعَارضهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي الصَّحِيح: (مَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تغزو فتغنم وتسلم، إلَاّ كَانُوا

قد تعجلوا ثُلثي أجرهم، وَمَا من غَازِيَة أَو سَرِيَّة تخفق فتصاب إِلَّا تمّ أُجُورهم) . والإخفاق أَن تغزو وَلَا تغتنم شَيْئا وَلَا يَصح أَن ينقص الْغَنِيمَة من أجرهم، كَمَا لم تنقص أهل بدر، وَكَانُوا أفضل الْمُجَاهدين. وَأجِيب: بأجوبة. الأول: الطعْن فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن فِي إِسْنَاده: حميد بن هَانِيء، وَلَيْسَ بالمشهور، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ أخرج لَهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَقَالَ يحيى بن سعيد: حدث عَنهُ الْأَئِمَّة، وَأَحَادِيثه كَثِيرَة مُسْتَقِيمَة. الثَّانِي: إِن الَّذِي يخْفق يزْدَاد بِالْأَجْرِ، والأسف على مَا فاتها من الْمغنم، ويضاعف لَهَا كَمَا يُضَاعف لمن أُصِيب بأَهْله وَمَاله. الثَّالِث: أَن يحمل الأول على من أخْلص فِي نِيَّته لقَوْله: (لَا يُخرجهُ إلَاّ جِهَاد فِي سبيلي) وَيحمل الحَدِيث الثَّانِي على من خرج بنية الْجِهَاد والمغنم، فَهَذَا شرك بِمَا يجوز فِيهِ التَّشْرِيك، وانقسمت نِيَّته بَين الْوَجْهَيْنِ فنقص أجره، وَالْأول خَاص فكمل أجره. وَنفى النَّوَوِيّ التَّعَارُض لِأَن الْغُزَاة إِذا سلمُوا وغنموا تكون أُجُورهم أقل من أجر من لم يسلم، أَو سلم وَلم يغنم، وَأَن الْغَنِيمَة فِي مُقَابلَة جُزْء من أجر غزوهم، فَإِذا حصلت فقد تعجلوا ثُلثي أجرهم. وَقَالَ القَاضِي: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ، بِمَا نَالَ من أجر وغنيمة، مُطلق لِأَنَّهُ لم يقل فِيهِ: إِن الْغَنِيمَة تنقص الْأجر، والْحَدِيث الثَّانِي مُقَيّد، وَأما استدلالهم بغزوة بدر فَلَيْسَ فِيهِ أَنهم لَو لم يغنموا لَكَانَ أجرهم على قدر أجرهم مَعَ الْغَنِيمَة، وكونهم مغفورا مرضيا عَنْهُم لَا يلْزم مِنْهُم أَن لَا يكون فَوْقه مرتبَة أُخْرَى هِيَ أفضل.

٢٧ - (بابٌ تَطَوُّعُ قِيام رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَان)

أَي: هَذَا بَاب. قَوْله: (تطوع) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَخَبره قَوْله: (من الْإِيمَان) ، وَفِي بعض النّسخ: بَاب تطوع قيام شهر رَمَضَان. والتطوع: تفعل، وَمَعْنَاهُ: التَّكَلُّف بِالطَّاعَةِ والتطوع بالشَّيْء: التَّبَرُّع بِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاح: التَّنَفُّل، وَالْمرَاد من الْقيام هُوَ الْقيام بِالطَّاعَةِ فِي لياليه، وَقد ذكرنَا وَجه تخَلّل بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان بَين هَذَا الْبَاب وَبَاب قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان. ورمضان فِي الأَصْل مصدر: رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، ثمَّ جعل هَذَا علما لهَذَا الشَّهْر، وَمنع الصّرْف: للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وَلما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر.

٣٧ - حدّثنا إسْماعِيلُ قَالَ حدّثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنْ حُمَيْدٍ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسابا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ.

(رَاجع الحَدِيث رقم ٣٥) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن مُبَاشرَة الْعَمَل الَّذِي فِيهِ غفران مَا تقدم من الذُّنُوب شُعْبَة من شعب الْإِيمَان، وَالتَّقْدِير فِي الْبَاب: بَاب تطوع قيام رَمَضَان شُعْبَة من شعب الْإِيمَان.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: إِسْمَاعِيل بن أويس الأصبحي الْمدنِي، ابْن أُخْت شَيْخه الإِمَام مَالك. الثَّانِي: مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أحد الْعشْرَة المبشرة بِالْجنَّةِ، أَبُو إِبْرَاهِيم، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، وَيُقَال: أَبُو عُثْمَان الْقرشِي الزُّهْرِيّ الْمدنِي، وَأمه أُخْت عُثْمَان بن عَفَّان، أول الْمُهَاجِرَات من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة، قلت: اسْمهَا أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط، أُخْت عُثْمَان لأمه، أخرج لَهُ البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْعلم، وَفِي غير مَوضِع عَن الزُّهْرِيّ وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي مليكَة عَنهُ، عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد ومَيْمُونَة، وَأخرج لَهُ أَيْضا عَن عُثْمَان وَسَعِيد بن زيد وَغَيرهمَا، سمع جمعا من كبار الصَّحَابَة مِنْهُم أَبَوَاهُ وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعنهُ الزُّهْرِيّ وخلائق من التَّابِعين وَثَّقَهُ أَبُو زرْعَة وَغَيره، وَكَانَ كثير الحَدِيث، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين بِالْمَدِينَةِ عَن ثَلَاث وَسبعين سنة، وَقيل: سنة خمس وَمِائَة وَهُوَ غلط. وَاعْلَم أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا قد أخرجَا لحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْفَقِيه، وَلَا يلتبس بِهَذَا، وَإِن رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة أَيْضا وَغَيرهمَا فاعلمه. وَمَا قلت من إِخْرَاج البُخَارِيّ لهَذَا جزم بِهِ الكلاباذي فِي كِتَابه، والمزي فِي (تهذيبه) ، وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي شَرحه عَن الْحَاكِم، والْحميدِي، وَصَاحب الْجمع وَعبد الْغَنِيّ وَغَيرهم أَنهم قَالُوا: لم يخرج لَهُ شَيْئا، وَلم يخرج

مُسلم فِي صَحِيحه عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ غير حَدِيث: (أفضل الصّيام بعد رَمَضَان) الحَدِيث ... فَقَط، وَمَا عداهُ فَهُوَ من رِوَايَة ابْن عَوْف، قَالَ: وَقد غلطوا الكلاباذي فِي دَعْوَاهُ: إِخْرَاج البُخَارِيّ لَهُ ووهموه، قَالَ: وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَنه لم يذكرهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي من رِوَايَة البُخَارِيّ وَلما ذكر النَّوَوِيّ فِي شَرحه لمُسلم حَدِيثه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: اعْلَم أَن أَبَا هُرَيْرَة يروي عَنهُ اثْنَان كل مِنْهُمَا حميد بن عبد الرَّحْمَن: أَحدهمَا هَذَا الْحِمْيَرِي، وَالثَّانِي الزُّهْرِيّ. قَالَ الْحميدِي فِي جمعه: كل مَا فِي البُخَارِيّ وَمُسلم حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ الزُّهْرِيّ إلَاّ فِي هَذَا الحَدِيث خَاصَّة، فَإِن رَاوِيه عَن أبي هُرَيْرَة الْحِمْيَرِي، وَهَذَا الحَدِيث لم يذكرهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه. قَالَ: وَلَا ذكر الْحِمْيَرِي فِي البُخَارِيّ أصلا، وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث قلت: دَعْوَاهُ أَن البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِي صَحِيحه قد علمت مَا فِيهِ، وَقَوله: وَلَا فِي مُسلم إلَاّ هَذَا الحَدِيث، لَيْسَ بجيد، فقد ذكره مُسلم فِي ثَلَاثَة أَحَادِيث. أَحدهَا: أول الْكتاب حَدِيث ابْن عمر فِي الْقدر عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن يحيى بن يعمر وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي قَالَا: لَقينَا ابْن عمر وَذكر الحَدِيث. الثَّانِي: فِي الْوَصَايَا عَن عَمْرو بن سعيد عَن حميد الْحِمْيَرِي عَن ثَلَاثَة من ولد سعد أَن سَعْدا، فَذكره. الثَّالِث: فِيهَا عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة وَعَن رجل آخر هُوَ فِي نَفسِي أفضل من عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة، ثمَّ سَاقه من حَدِيث قُرَّة قَالَ: وسمى الرجل: حميد بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي بكرَة: (خَطَبنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم النَّحْر فَقَالَ؛ أَي يَوْم هَذَا؟) الحَدِيث.

فَائِدَة:

روى مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن أَن عمر وَعُثْمَان، رَضِي الله عَنْهُمَا، كَانَا يصليان الْمغرب فِي رَمَضَان، ثمَّ يفطران. وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون عَن ابْن أبي ذِئْب عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ: رَأَيْت عمر وَعُثْمَان فَذكره قَالَ الْوَاقِدِيّ: حميد لم يسمع من عمر، رَضِي الله عَنهُ، وَلَا رَآهُ، وسنه وَمَوته يدلان على ذَلِك، وَلَعَلَّه سمع من عُثْمَان، رَضِي الله عَنهُ، لِأَنَّهُ كَانَ خَاله لأمه، لِأَن أم مَكْتُوم أُخْت عُثْمَان، وَكَانَ يدْخل على عُثْمَان كَمَا يدْخل وَلَده.

الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون. وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصّيام. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه والموطأ وَآخَرُونَ.

بَيَان الْإِعْرَاب والمعاني: قَوْله: (من) ، مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (غفر لَهُ) ، وهما الشَّرْط وَالْجَزَاء، وَمعنى من قَامَ رَمَضَان: من قَامَ بِالطَّاعَةِ فِي ليَالِي رَمَضَان، وَيُقَال: يُرِيد صَلَاة التَّرَاوِيح، وَقَالَ بَعضهم: لَا يخْتَص ذَلِك بِصَلَاة التَّرَاوِيح بل فِي أَي وَقت صلى تَطَوّعا حصل لَهُ ذَلِك الْفضل، وَاتفقَ الْعلمَاء على اسْتِحْبَاب التَّرَاوِيح، وَاخْتلفُوا فِي الْأَفْضَل. فَقَالَ الشَّافِعِي وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حنيفَة وَأحمد وَابْن عبد الحكم من أَصْحَاب مَالك: أَن حضورهما فِي الْجَمَاعَة فِي الْمَسَاجِد أفضل، كَمَا فعله عمر بن الْخطاب وَالصَّحَابَة، رَضِي الله عَنْهُم، وَاسْتمرّ الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالك وَأَبُو يُوسُف والطَّحَاوِي وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَغَيرهم: الْإِفْرَاد بهَا فِي الْبيُوت أفضل، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفضل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيته إلَاّ الْمَكْتُوبَة) . قَوْله: (إِيمَانًا واحتسابا) منصوبان على الحالية على تَأْوِيل مُؤمنا ومحتسبا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب: قيام لَيْلَة الْقدر من الْإِيمَان، أَي: مُصدقا ومريدا بِهِ وَجه الله تَعَالَى بخلوص النِّيَّة.

استباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ حجَّة لمن جوز قَول رَمَضَان بِغَيْر إِضَافَة شهر إِلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوَاب، وَسَيَجِيءُ الْكَلَام فِي بَابه. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على غفران مَا تقدم من الذُّنُوب بِقِيَام رَمَضَان: وَدلّ الحَدِيث الْمَاضِي على غفرانها بِقِيَام لَيْلَة الْقدر، ولاتعارض بَينهمَا، فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا صَالح للتكفير، وَقد يقْتَصر الشَّخْص على قيام لَيْلَة الْقدر بِتَوْفِيق الله لَهُ فَيحصل ذَلِك. الثَّالِث: ظَاهر الحَدِيث غفران الصَّغَائِر والكبائر، وَفضل الله وَاسع، وَلَكِن الْمَشْهُور من مَذَاهِب الْعلمَاء فِي هَذَا الحَدِيث وَشبهه كَحَدِيث غفران الْخَطَايَا بِالْوضُوءِ، وبصوم يَوْم عَرَفَة، وَيَوْم عَاشُورَاء وَنَحْوه أَن المُرَاد غفران

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده