الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧
الحديث رقم ٢٧ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الْإِسْلَامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا رِيَاءَ فِيهِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجِهَادَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ وَذَكَرَ الْعِتْقَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرِّ ثُمَّ الْجِهَادِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَ السَّلَامَةَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتِلَافُ الْأَجْوِبَةِ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَاحْتِيَاجِ الْمُخَاطَبِينَ، وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ السَّائِلُ وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لَفْظَةَ مِنْ مُرَادَةٌ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ أَعْقَلُ النَّاسِ وَالْمُرَادُ مِنْ أَعْقَلِهِمْ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ خَيْرَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَادَ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ رُكْنٌ؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ نَفْعَ الْحَجِّ قَاصِرٌ غَالِبًا، وَنَفْعَ الْجِهَادِ مُتَعَدٍّ غَالِبًا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ - وَوُقُوعُهُ فَرْضَ عَيْنٍ إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّرٌ - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوْ الْخَوْفِ مِنْ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا - وَسَعْدٌ جَالِسٌ - فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ. وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ٢٧ - طرفه في: ١٤٧٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ) حَذَفَ جَوَابَ قَوْلِهِ إِذَا لِلْعِلْمِ بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي يُرَادِفُ الْإِيمَانَ وَيَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهُوَ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ، فَالْحَقِيقَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا هِيَ الشَّرْعِيَّةُ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُسْلِمَ يُطْلَقَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بَاطِنُهُ، فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ تَصْدُقْ عَلَيْهِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَأَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَحَاصِلَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَهُوَ وَالِدُ عَامِرٍ الرَّاوِي عَنْهُ، كَمَا وَقَعَ فِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ فِيهَا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكٌ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ نَسَبِهِ فِي مَنَاقِبِ سَعْدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَعْطَى رَهْطًا) الرَّهْطُ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَرُبَّمَا جَاوَزُوا ذَلِكَ قَلِيلًا، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ بَنُو أَبِيهِ الْأَدْنَى، وَقِيلَ قَبِيلَتُهُ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ جَاءَهُ رَهْطٌ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ فَتَرَكَ رَجُلًا مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) فِيهِ تَجْرِيدٌ، وَقَوْلُهُ: أَعْجَبَهُمْ إِلَيَّ فِيهِ الْتِفَاتٌ،
وَلَفْظُهُ فِي الزَّكَاةِ أَعْطَى رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فَسَاقَهُ بِلَا تَجْرِيدٍ وَلَا الْتِفَاتٍ، وَزَادَ فِيهِ فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ.
وَغَفَلَ بَعْضُهُمْ فَعَزَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ، وَالرَّجُلُ الْمَتْرُوكُ اسْمُهُ جُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيُّ، سَمَّاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (مَالَكٌ عَنْ فُلَانٍ) يَعْنِي أَيُّ سَبَبٍ لِعُدُولِكَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؟ وَلَفْظُ فُلَانٍ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمٍ أُبْهِمَ بَعْدَ أَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ الْقَسَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
قَوْلُهُ: (لَأُرَاهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ هُنَا وَفِي الزَّكَاةِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ﵀: بَلْ هُوَ بِفَتْحِهَا أَيْ أَعْلَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ ضَمُّهَا فَيَصِيرُ بِمَعْنَى أَظُنُّهُ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، اهـ. وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَتْحِ لِجَوَازِ إِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْعِلْمِ أَنْ لَا تَكُونَ مُقَدِّمَاتُهُ ظَنِّيَّةً فَيَكُونَ نَظَرِيًّا لَا يَقِينِيًّا وَهُوَ الْمُمْكِنُ هُنَا، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: الرِّوَايَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَازَ الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا نَهَاهُ عَنِ الْحَلِفِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى وِجْدَانِ الظَّنِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُقْسِمْ عَلَى الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ كَمَا ظُنَّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا) هُوَ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ لَا بِفَتْحِهَا، فَقِيلَ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لِلتَّشْرِيكِ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَيَرُدُّ هَذَا رِوَايَةَ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَا تَقُلْ مُؤْمِنٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَوَضَحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْتَبَرْ حَالُهُ الْخِبْرَةَ الْبَاطِنَةَ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ مُلَخَّصًا. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ دَالًّا عَلَى مَا عُقِدَ لَهُ الْبَابُ، وَلَا يَكُونَ لِرَدِّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ فَائِدَةٌ. وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالتَّرْجَمَةِ قَبْلُ، وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوسِعُ الْعَطَاءَ لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَأَلُّفًا، فَلَمَّا أَعْطَى الرَّهْطَ وَهُمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَتَرَكَ جُعَيْلًا وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ سَأَلُوهُ، خَاطَبَهُ سَعْدٌ فِي أَمْرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ جُعَيْلًا أَحَقُّ مِنْهُمْ لِمَا اخْتَبَرَهُ مِنْهُ دُونَهُمْ، وَلِهَذَا رَاجَعَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِعْلَامُهُ بِالْحِكْمَةِ فِي إِعْطَاءِ أُولَئِكَ وَحِرْمَانِ جُعَيْلٍ مَعَ كَوْنِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَعْطَى ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إِعْطَاءَ الْمُؤَلَّفِ لَمْ يُؤْمَنِ ارْتِدَادُهُ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
ثَانِيهُمَا: إِرْشَادُهُ إِلَى التَّوَقُّفِ عَنِ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ دُونَ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، فَوَضَحَ بِهَذَا فَائِدَةُ رَدِّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَحْضَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ بِالْأَوْلَى، وَالْآخَرُ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِذَارِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ سَعْدٍ، لِجُعَيْلٍ بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ لَقُبِلَ مِنْهُ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ سَعْدٍ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لَهُ وَالتَّوَسُّلِ فِي الطَّلَبِ لِأَجْلِهِ، فَلِهَذَا نُوقِشَ فِي لَفْظِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَمَا اسْتَلْزَمَتِ الْمَشُورَةُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْأَوْلَى رَدَّ شَهَادَتِهِ، بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلِهِ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. وَرَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى جُعَيْلًا؟ قَالَ قُلْتُ: كَشَكْلِهِ مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فُلَانًا؟ قَالَ: قُلْتُ: سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ. قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ: قُلْتُ: فَفُلَانٌ هَكَذَا وَأَنْتَ تَصْنَعُ بِهِ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَأْسُ قَوْمِهِ، فَأَنَا أَتَأَلَّفُهُمْ بِهِ. فَهَذِهِ مَنْزِلَةُ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَرَى، فَظَهَرَتْ بِهَذَا الْحِكْمَةُ فِي حِرْمَانِهِ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ حَقِيقَتَيِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَتَرْكِ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ لِمَنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْعُ الْقَطْعِ بِالْجَنَّةِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صَرِيحًا وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ بَعْضُ
الشَّارِحِينَ. نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ النَّصُّ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ فِي اكْتِفَائِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِنُطْقِ اللِّسَانِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الرَّعِيَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِيمَا يَعْتَقِدُ الشَّافِعُ جَوَازَهُ، وَتَنْبِيهُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْهُ، وَمُرَاجَعَةُ الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ فِي الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مَفْسَدَةٍ، وَأَنَّ الْإِسْرَارَ بِالنَّصِيحَةِ أَوْلَى مِنَ الْإِعْلَانِ كَمَا سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُهُ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ إِذَا جَرَّ الْإِعْلَانُ إِلَى مَفْسَدَةٍ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُشِيرُ مَصْلَحَةً لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ. وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى الشَّافِعِ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِ إِجَابَتِهِ، وَأَنْ لَا عَيْبَ عَلَى الشَّافِعِ إِذَا رُدَّتْ شَفَاعَتُهُ لِذَلِكَ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ الْإِلْحَاحِ فِي السُّؤَالِ كَمَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْهُ فِي الزَّكَاةِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) حُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلتَّعْمِيمِ، أَيْ: أَيَّ عَطَاءٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (أَعْجَبُ إِلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحَبُّ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ وَمَا أُعْطِيهِ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ إِلَخْ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا، وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا، مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُبَّهُ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْكَافِ يُقَالُ: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا أَطْرَقَ، وَكَبَّهُ غَيْرُهُ إِذَا قَلَبَهُ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاس لِأَنَّ الْفِعْلَ اللَّازِمَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ فَقُصِرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: يُقَالُ أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتُ: كَبَّهُ وَكَبَبْتُهُ. وَجَاءَ نَظِيرُ هَذَا فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ مِنْهَا: أَنْسَلَ رِيشُ الطَّائِرِ وَنَسْلْتُهُ، وَأَنْزَفَتِ الْبِئْرُ وَنَزَفْتُهَا، وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمُتَعَدِّي كَبَّهُ وَأَكَبَّهُ مَعًا.
(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ فِيهِ إِعَادَةُ السُّؤَالِ ثَانِيًا وَلَا الْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَرِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ جَمِيعًا عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدٍ آخَرَ قَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَنَقَلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ رَاوِيهِ وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ الْمُلَقَّبِ رُسْتَهْ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْهَاءِ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ مَفْتُوحَةٌ، وَلَفْظُهُ قَرِيبٌ مِنْ سِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، لَيْسَ فِيهِ إِعَادَةُ السُّؤَالِ ثَانِيًا وَلَا الْجَوَابُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَالِحٌ) يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَفِيهِ مِنِ اللَّطَائِفِ رِوَايَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَهُمْ صَالِحٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَامِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْمَرٌ) يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ أَعَادَ السُّؤَالَ ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَوَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِزِيَادَةِ مَعْمَرٍ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ أَبِي عُمَرَ شَيْخُ مُسْلِمٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْوَهْمَ مِنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ الْوَهْمُ صَدَرَ مِنْهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ مُسْلِمًا، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْوَهْمُ فِي جِهَتِهِ، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ مَعْمَرٍ وَمَرَّةً بِإِثْبَاتِهِ، وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِ مَعْمَرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ بِإِسْقَاطِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْمَوْجُودُ فِي مُسْنَدِ شَيْخِهِ بِلَا إِسْقَاطٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ، وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُخَالِفُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْمَرْءَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
جماعةٍ من المحدِّثين، وجمهور المعتزلة والمتكلِّمين، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فاستثنى ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ والأصل في الاستثناء كون المُستثنَى من جنس المُستثنَى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان، وَرُدَّ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلو كانا شيئًا واحدًا لزم إثباتُ شيءٍ ونفيُه في حالةٍ واحدةٍ، وهو مُحَالٌ، وأُجِيب: بأنَّ الإسلام المُعتَبر في الشَّرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى: انقياد الظَّاهر من غير انقياد الباطن، كما تقدَّم قريبًا.
ثمَّ استدلَّ المؤلِّف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾) أي: غير التَّوحيد والانقياد لحكم الله تعالى (﴿دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]): جواب الشَّرط، ووجه الدَّلالة على ترادفهما: أنَّ الإيمان لو كان غير الإسلام لمَا كان مقبولًا، فتعيَّن (١) أن يكون عينه لأنَّ الإيمانَ هو الدِّينُ، والدِّينُ هو الإسلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فينتج أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، وسقط للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي من قوله: «﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾ … إلى آخره».
٢٧ - وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ)
محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، و «سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه -كما عند الإسماعيليِّ- ليتألَّفهم (١) لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما (٢) دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهُطٌ وأراهطُ وأرهاطٌ وأراهيطُ (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ -كما هو الأصل- بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم -الذي هو مُقتضَى المقام- إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُبن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي،
والجملة نصب صفةٍ لـ «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا!) بفتح الهمزة، أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كـ «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]: «لأُراه» بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المُفْهِم»، وعبارته: الرِّواية بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرَّر المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ «إنَّ» و «اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ ﷺ، وتكرار نسبة العلم إليه يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده (فَقَالَ) ﷺ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «قال»: (أَوْ مُسْلِمًا) بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ
وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ) أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول، أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فعدتُ» وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ «لمقالتي» (فَقُلْتُ): يا رسول الله (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: «أَراه» (مُؤْمِنًا! فَقَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا) وسقط للحَمُّويي قوله «فسكتُّ قليلًا» (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل ﵊ قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه ﵊ قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) ﷺ مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ أتألَّفُ قلبَه به (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) والحَمُّويي والمُستملي: «أعجبُ إليَّ منه» (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الكاف ونصب الموحَّدة بـ «أن» أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه، أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ) لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول ﵊ إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه فهو أحبُّ إليَّ فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.
وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أُراه»، وجواز
الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمَّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ (١) به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ -كما مرَّ- واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زُهريُّون مَدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]، ومسلمٌ في «الإيمان» و «الزَّكاة».
قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ) بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها، أي: هذا الحديث أيضًا (٢) (يُونُسُ) بن يزيد (٣) الأيليّ (وَصَالِحٌ) يعني: ابن كيسان المدنيَّ (وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريَّ (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى -فيما جزم به النَّوويُّ- في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في «كتاب الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر الملقَّب رُسْتهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨] وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ
وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (السَّلَامُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: هذا بابٌ في (١) بيان أنَّ السَّلام من شُعَبِ الإسلام، وفي رواية غير (٢) الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «إفشاء السَّلام من الإسلام» وهو بكسر الهمزة، أي: إذاعة السَّلام ونشره (وَقَالَ عَمَّارٌ) أبو اليقظان -بالمُعجَمَة- ابن ياسر بن عامرٍ، أحد السَّابقين الأوَّلين، المقتول بصِفِّين في صفر سنة سبعٍ وثلاثين مع عليٍّ، ومقول قوله: (ثَلَاثٌ) أي: ثلاث خصالٍ (مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ) أي: حاز كماله؛ أحدها: (الإِنْصَافُ) وهو العدل (مِنْ نَفْسِكَ) بأنْ لم تترك لمولاك حقًّا واجبًا عليك إلَّا أدَّيتَه، ولا شيئًا ممَّا نُهِيتَ عنه إلَّا اجتنبْتَه، وسقط لفظ «فقد» عند الأربعة (وَ) الثَّاني: (بَذْلُ السَّلَامِ) بالمُعجَمَة (لِلْعَالَمِ) بفتح اللَّام، أي: لكلِّ مؤمنٍ، عرفته أو لم تعرفه، وخرج (٣) الكافر بدليلٍ آخرَ، وفيه حضٌّ على مكارم الأخلاق، والتَّواضع، واستئلاف النُّفوس (وَ) الثَّالث: (الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ) بكسر الهمزة، أي: في حالة الفقر، وفيه غاية الكرم؛ لأنَّه إذا أنفق وهو محتاجٌ كان مع التَّوسُّع أكثرَ إنفاقًا، والإنفاق شاملٌ للنَّفقة على العيال، وعلى الضَّيف والزَّائر.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لَا رِيَاءَ فِيهِ.
(فَائِدَةٌ): قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجِهَادَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ وَذَكَرَ الْعِتْقَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرِّ ثُمَّ الْجِهَادِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَ السَّلَامَةَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: اخْتِلَافُ الْأَجْوِبَةِ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَاحْتِيَاجِ الْمُخَاطَبِينَ، وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ السَّائِلُ وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لَفْظَةَ مِنْ مُرَادَةٌ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ أَعْقَلُ النَّاسِ وَالْمُرَادُ مِنْ أَعْقَلِهِمْ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ خَيْرَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَادَ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ رُكْنٌ؟ فَالْجَوَابُ: إنَّ نَفْعَ الْحَجِّ قَاصِرٌ غَالِبًا، وَنَفْعَ الْجِهَادِ مُتَعَدٍّ غَالِبًا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ - وَوُقُوعُهُ فَرْضَ عَيْنٍ إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّرٌ - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوْ الْخَوْفِ مِنْ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ فَإِذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا - وَسَعْدٌ جَالِسٌ - فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا. ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ. وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ٢٧ - طرفه في: ١٤٧٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ) حَذَفَ جَوَابَ قَوْلِهِ إِذَا لِلْعِلْمِ بِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَمُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي يُرَادِفُ الْإِيمَانَ وَيَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهُوَ مُجَرَّدُ الِانْقِيَادِ وَالِاسْتِسْلَامِ، فَالْحَقِيقَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا هِيَ الشَّرْعِيَّةُ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمُسْلِمَ يُطْلَقَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بَاطِنُهُ، فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ تَصْدُقْ عَلَيْهِ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَأَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَحَاصِلَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَعْدٍ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَهُوَ وَالِدُ عَامِرٍ الرَّاوِي عَنْهُ، كَمَا وَقَعَ فِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ فِيهَا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكٌ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ نَسَبِهِ فِي مَنَاقِبِ سَعْدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (أَعْطَى رَهْطًا) الرَّهْطُ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، قَالَ الْقَزَّازُ: وَرُبَّمَا جَاوَزُوا ذَلِكَ قَلِيلًا، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَرَهْطُ الرَّجُلِ بَنُو أَبِيهِ الْأَدْنَى، وَقِيلَ قَبِيلَتُهُ. وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ جَاءَهُ رَهْطٌ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ فَتَرَكَ رَجُلًا مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) فِيهِ تَجْرِيدٌ، وَقَوْلُهُ: أَعْجَبَهُمْ إِلَيَّ فِيهِ الْتِفَاتٌ،
وَلَفْظُهُ فِي الزَّكَاةِ أَعْطَى رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فَسَاقَهُ بِلَا تَجْرِيدٍ وَلَا الْتِفَاتٍ، وَزَادَ فِيهِ فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ.
وَغَفَلَ بَعْضُهُمْ فَعَزَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ، وَالرَّجُلُ الْمَتْرُوكُ اسْمُهُ جُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيُّ، سَمَّاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (مَالَكٌ عَنْ فُلَانٍ) يَعْنِي أَيُّ سَبَبٍ لِعُدُولِكَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؟ وَلَفْظُ فُلَانٍ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمٍ أُبْهِمَ بَعْدَ أَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ) فِيهِ الْقَسَمُ فِي الْإِخْبَارِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ.
قَوْلُهُ: (لَأُرَاهُ) وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ هُنَا وَفِي الزَّكَاةِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ ﵀: بَلْ هُوَ بِفَتْحِهَا أَيْ أَعْلَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ ضَمُّهَا فَيَصِيرُ بِمَعْنَى أَظُنُّهُ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، اهـ. وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَتْحِ لِجَوَازِ إِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الْعِلْمِ أَنْ لَا تَكُونَ مُقَدِّمَاتُهُ ظَنِّيَّةً فَيَكُونَ نَظَرِيًّا لَا يَقِينِيًّا وَهُوَ الْمُمْكِنُ هُنَا، وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: الرِّوَايَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ جَوَازَ الْحَلِفِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا نَهَاهُ عَنِ الْحَلِفِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ; لِأَنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى وِجْدَانِ الظَّنِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُقْسِمْ عَلَى الْأَمْرِ الْمَظْنُونِ كَمَا ظُنَّ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمًا) هُوَ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ لَا بِفَتْحِهَا، فَقِيلَ هِيَ لِلتَّنْوِيعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ لِلتَّشْرِيكِ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقُولَهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَيَرُدُّ هَذَا رِوَايَةَ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَا تَقُلْ مُؤْمِنٌ بَلْ مُسْلِمٌ فَوَضَحَ أَنَّهَا لِلْإِضْرَابِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُسْلِمِ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْتَبَرْ حَالُهُ الْخِبْرَةَ الْبَاطِنَةَ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ الْمُؤْمِنِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، قَالَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ مُلَخَّصًا. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ دَالًّا عَلَى مَا عُقِدَ لَهُ الْبَابُ، وَلَا يَكُونَ لِرَدِّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ فَائِدَةٌ. وَهُوَ تَعَقُّبٌ مَرْدُودٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالتَّرْجَمَةِ قَبْلُ، وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوسِعُ الْعَطَاءَ لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ تَأَلُّفًا، فَلَمَّا أَعْطَى الرَّهْطَ وَهُمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَتَرَكَ جُعَيْلًا وَهُوَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ سَأَلُوهُ، خَاطَبَهُ سَعْدٌ فِي أَمْرِهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ جُعَيْلًا أَحَقُّ مِنْهُمْ لِمَا اخْتَبَرَهُ مِنْهُ دُونَهُمْ، وَلِهَذَا رَاجَعَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِعْلَامُهُ بِالْحِكْمَةِ فِي إِعْطَاءِ أُولَئِكَ وَحِرْمَانِ جُعَيْلٍ مَعَ كَوْنِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَعْطَى ; لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إِعْطَاءَ الْمُؤَلَّفِ لَمْ يُؤْمَنِ ارْتِدَادُهُ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
ثَانِيهُمَا: إِرْشَادُهُ إِلَى التَّوَقُّفِ عَنِ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الْبَاطِنِ دُونَ الثَّنَاءِ بِالْأَمْرِ الظَّاهِرِ، فَوَضَحَ بِهَذَا فَائِدَةُ رَدِّ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى سَعْدٍ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ مَحْضَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ أَحَدُ الْجَوَابَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ بِالْأَوْلَى، وَالْآخَرُ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِذَارِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ سَعْدٍ، لِجُعَيْلٍ بِالْإِيمَانِ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ بِالْعَدَالَةِ لَقُبِلَ مِنْهُ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ سَعْدٍ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لَهُ وَالتَّوَسُّلِ فِي الطَّلَبِ لِأَجْلِهِ، فَلِهَذَا نُوقِشَ فِي لَفْظِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ لَمَا اسْتَلْزَمَتِ الْمَشُورَةُ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْأَوْلَى رَدَّ شَهَادَتِهِ، بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلِهِ فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. وَرَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَرَى جُعَيْلًا؟ قَالَ قُلْتُ: كَشَكْلِهِ مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ: فَكَيْفَ تَرَى فُلَانًا؟ قَالَ: قُلْتُ: سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ. قَالَ: فَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ: قُلْتُ: فَفُلَانٌ هَكَذَا وَأَنْتَ تَصْنَعُ بِهِ مَا تَصْنَعُ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَأْسُ قَوْمِهِ، فَأَنَا أَتَأَلَّفُهُمْ بِهِ. فَهَذِهِ مَنْزِلَةُ جُعَيْلٍ الْمَذْكُورِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَرَى، فَظَهَرَتْ بِهَذَا الْحِكْمَةُ فِي حِرْمَانِهِ وَإِعْطَاءِ غَيْرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ حَقِيقَتَيِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَتَرْكِ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ لِمَنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْعُ الْقَطْعِ بِالْجَنَّةِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صَرِيحًا وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ بَعْضُ
الشَّارِحِينَ. نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ النَّصُّ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ فِي اكْتِفَائِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِنُطْقِ اللِّسَانِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَإِنْ خَفِيَ وَجْهُ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الرَّعِيَّةِ. وَفِيهِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِيمَا يَعْتَقِدُ الشَّافِعُ جَوَازَهُ، وَتَنْبِيهُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْهُ، وَمُرَاجَعَةُ الْمَشْفُوعِ إِلَيْهِ فِي الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى مَفْسَدَةٍ، وَأَنَّ الْإِسْرَارَ بِالنَّصِيحَةِ أَوْلَى مِنَ الْإِعْلَانِ كَمَا سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُهُ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ إِذَا جَرَّ الْإِعْلَانُ إِلَى مَفْسَدَةٍ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ الْمُشِيرُ مَصْلَحَةً لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ. وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ إِلَى الشَّافِعِ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِ إِجَابَتِهِ، وَأَنْ لَا عَيْبَ عَلَى الشَّافِعِ إِذَا رُدَّتْ شَفَاعَتُهُ لِذَلِكَ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَرْكِ الْإِلْحَاحِ فِي السُّؤَالِ كَمَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْهُ فِي الزَّكَاةِ، وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ) حُذِفَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلتَّعْمِيمِ، أَيْ: أَيَّ عَطَاءٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (أَعْجَبُ إِلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحَبُّ وَكَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ. وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ وَمَا أُعْطِيهِ إِلَّا مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ إِلَخْ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ إِنِّي أُعْطِي رِجَالًا، وَأَدَعُ مَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُمْ لَا أُعْطِيهِ شَيْئًا، مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُبَّهُ) هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْكَافِ يُقَالُ: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا أَطْرَقَ، وَكَبَّهُ غَيْرُهُ إِذَا قَلَبَهُ، وَهَذَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاس لِأَنَّ الْفِعْلَ اللَّازِمَ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَهَذَا زِيدَتْ عَلَيْهِ الْهَمْزَةُ فَقُصِرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: يُقَالُ أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قُلْتُ: كَبَّهُ وَكَبَبْتُهُ. وَجَاءَ نَظِيرُ هَذَا فِي أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ مِنْهَا: أَنْسَلَ رِيشُ الطَّائِرِ وَنَسْلْتُهُ، وَأَنْزَفَتِ الْبِئْرُ وَنَزَفْتُهَا، وَحَكَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمُتَعَدِّي كَبَّهُ وَأَكَبَّهُ مَعًا.
(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ فِيهِ إِعَادَةُ السُّؤَالِ ثَانِيًا وَلَا الْجَوَابُ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَرِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ جَمِيعًا عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدٍ آخَرَ قَالَ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَنَقَلَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ رَاوِيهِ وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَرَوَاهُ يُونُسُ) يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ الْأَيْلِيَّ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيِّ الْمُلَقَّبِ رُسْتَهْ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْهَاءِ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ مَفْتُوحَةٌ، وَلَفْظُهُ قَرِيبٌ مِنْ سِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ، لَيْسَ فِيهِ إِعَادَةُ السُّؤَالِ ثَانِيًا وَلَا الْجَوَابُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَالِحٌ) يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، وَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَفِيهِ مِنِ اللَّطَائِفِ رِوَايَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَهُمْ صَالِحٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَامِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْمَرٌ) يَعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ أَعَادَ السُّؤَالَ ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَوَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ ; لِأَنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَانِيدِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِزِيَادَةِ مَعْمَرٍ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ ابْنُ أَبِي عُمَرَ شَيْخُ مُسْلِمٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَزَعَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْوَهْمَ مِنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ الْوَهْمُ صَدَرَ مِنْهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ مُسْلِمًا، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْوَهْمُ فِي جِهَتِهِ، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ مَرَّةً بِإِسْقَاطِ مَعْمَرٍ وَمَرَّةً بِإِثْبَاتِهِ، وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِثْبَاتِ مَعْمَرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ بِإِسْقَاطِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَالْمَوْجُودُ فِي مُسْنَدِ شَيْخِهِ بِلَا إِسْقَاطٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ فِي كِتَابِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ، وَالْإِيمَانَ الْعَمَلُ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يُخَالِفُهُ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الزُّهْرِيِّ أَنَّ الْمَرْءَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
جماعةٍ من المحدِّثين، وجمهور المعتزلة والمتكلِّمين، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فاستثنى ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ والأصل في الاستثناء كون المُستثنَى من جنس المُستثنَى منه، فيكون الإسلام هو الإيمان، وَرُدَّ بقوله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فلو كانا شيئًا واحدًا لزم إثباتُ شيءٍ ونفيُه في حالةٍ واحدةٍ، وهو مُحَالٌ، وأُجِيب: بأنَّ الإسلام المُعتَبر في الشَّرع لا يوجد بدون الإيمان، وهو في الآية بمعنى: انقياد الظَّاهر من غير انقياد الباطن، كما تقدَّم قريبًا.
ثمَّ استدلَّ المؤلِّف أيضًا على مذهبه بقوله تعالى: (﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ﴾) أي: غير التَّوحيد والانقياد لحكم الله تعالى (﴿دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]): جواب الشَّرط، ووجه الدَّلالة على ترادفهما: أنَّ الإيمان لو كان غير الإسلام لمَا كان مقبولًا، فتعيَّن (١) أن يكون عينه لأنَّ الإيمانَ هو الدِّينُ، والدِّينُ هو الإسلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فينتج أنَّ الإيمانَ هو الإسلامُ، وسقط للكُشْمِيْهَنِيِّ والحَمُّويي من قوله: «﴿وَمَن يَبْتَغِ﴾ … إلى آخره».
٢٧ - وبسندي الذي قدَّمته أوَّلَ هذا التَّعليق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الأمويُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ)
محمَّد بن مسلمٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، و «سعْد»: بسكون العين، واسم أبي وقَّاص مالكٌ، القرشيُّ، المتوفَّى بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ ومئةٍ (عَنْ) أبيه (سَعْدٍ) المذكورِ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، المُتوفَّى آخرهم بقصره بالعقيق؛ على عشرة أميالٍ من المدينة، سنة سبعٍ وخمسين، وحُمِل على رقاب الرِّجال إلى المدينة، ودُفِنَ بالبقيع، وله في البخاريِّ عشرون حديثًا (﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا) من المؤلَّفة شيئًا من الدُّنيا لمَّا سألوه -كما عند الإسماعيليِّ- ليتألَّفهم (١) لضعف إيمانهم، والرَّهط: العدد من الرِّجال لا امرأةَ فيهم، من ثلاثةٍ أو سبعةٍ إلى عشرةٍ، أو ما (٢) دون العشرة، ولا واحدَ له من لفظه، وجمعه: أرهُطٌ وأراهطُ وأرهاطٌ وأراهيطُ (وَسَعْدٌ جَالِسٌ) جملة ٌاسميَّةٌ وقعت حالًا، ولم يَقُلْ: وأنا جالسٌ -كما هو الأصل- بل جرَّد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه بالجلوس، أو هو من باب الالتفات من التكلُّم -الذي هو مُقتضَى المقام- إلى الغَيبة، كما هو قول صاحب «المفتاح»، قال سعدٌ: (فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا) سأله أيضًا مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطى، وهو جُعَيلُبن سراقةَ الضَّمريُّ المهاجريُّ (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي: أفضلُهم وأصلحُهم في اعتقادي،
والجملة نصب صفةٍ لـ «رجلًا»، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: أعجبهم إليه؛ لأنَّه قال: «وسعدٌ جالسٌ»، بل قال: «إليَّ» على طريق الالتفات من الغِيبة إلى التَّكلُّم (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: أيُّ سبب لِعُدُولِكَ عنه إلى غيره؟! ولفظ «فلانٍ» كنايةٌ عن اسمٍ أُبْهِمَ بعد أن ذُكِرَ (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا!) بفتح الهمزة، أي: أَعْلَمُهُ، وفي رواية أبي ذَرٍّ وغيره هنا كـ «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]: «لأُراه» بضمِّها؛ بمعنى: أظنُّه، وبه جزم القرطبيُّ في «المُفْهِم»، وعبارته: الرِّواية بضمِّ الهمزة، وكذا رواه الإسماعيليُّ وغيره، ولم يجوِّزه النَّوويُّ محتجًّا بقوله الآتي: «ثمَّ غلبني ما أعلم منه»، ولأنَّه راجع النَّبيَّ ﷺ مرارًا، فلو لم يكن جازمًا باعتقاده لَمَا كرَّر المُراجَعة، وتُعقِّب: بأنَّه لا دلالةَ فيه على تعيُّن الفتح؛ لجواز إطلاق العلم على الظَّنِّ الغالب؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو الظَّنُّ الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنِّما سمَّاه علمًا إيذانًا بأنَّه كالعلم في وجوب العمل به، كما قاله البيضاوي، وأُجِيب: بأنَّ قَسَمَ سعدٍ وتأكيد كلامه بـ «إنَّ» و «اللَّام»، ومراجعته للنَّبيِّ ﷺ، وتكرار نسبة العلم إليه يدلُّ على أنَّه كان جازمًا باعتقاده (فَقَالَ) ﷺ، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «قال»: (أَوْ مُسْلِمًا) بسكون الواو فقط؛ بمعنى الإضراب على قول سعدٍ، وليس الإضراب هنا بمعنى إنكار كون الرَّجل مؤمنًا، بل معناه: النَّهي عن القطع بإيمان من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة؛ لأنَّ الباطن لا يطَّلع عليه إلَّا الله، فالأَوْلى: التَّعبير بالإسلام الظَّاهر، بل في الحديث إشارةٌ إلى إيمان المذكور؛ وهي قوله: «لَأعطي الرجلَ
وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه»، قال سعدٌ: (فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ) أي: فرجعتُ (لِمَقَالَتِي) مصدرٌ ميميٌّ بمعنى القول، أي: لِقولي، وثبت لأبي ذَرٍّ وابن عساكر: «فعدتُ» وسقط للأَصيليِّ وأبي الوقت لفظ «لمقالتي» (فَقُلْتُ): يا رسول الله (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ) باللَّام وضمِّ الهمزة كذا رواه ابن عساكرَ، ورواه أبو ذَرٍّ: «أَراه» (مُؤْمِنًا! فَقَالَ) ﵊: (أَوْ مُسْلِمًا، فَسَكَتُّ) سكوتًا (قَلِيلًا) وسقط للحَمُّويي قوله «فسكتُّ قليلًا» (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا) أي: الذي (أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ) وليس في رواية الكُشْمِيهَنيِّ إعادة السُّؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه، وإنَّما لم يقبل ﵊ قول سعد في جُعَيلٍ؛ لأنَّه لم يخرج مخرج الشَّهادة، وإنَّما هو مدحٌ له، وتوسُّلٌ في الطَّلب لأجله، ولهذا ناقشه في لفظه، نعم؛ في الحديث نفسِهِ ما يدلُّ على أنَّه ﵊ قَبِلَ قوله فيه، وهو قوله: (ثُمَّ قَالَ) ﷺ مرشدًا له إلى الحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّن أعطاه: (يَا سَعْدُ؛ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) الضَّعيف الإيمانِ العطاءَ أتألَّفُ قلبَه به (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ) جملةٌ حاليَّةٌ، وفي رواية أبي ذَرٍّ (١) والحَمُّويي والمُستملي: «أعجبُ إليَّ منه» (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وضمِّ الكاف ونصب الموحَّدة بـ «أن» أي: لأجل خشية كبِّ الله إيَّاه، أي: إلقائه منكوسًا (فِي النَّارِ) لكفره، إمَّا بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه ينسب الرَّسول ﵊ إلى البخل، وأمَّا من قَوِيَ إيمانه فهو أحبُّ إليَّ فأَكِلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده، وفيه الكناية؛ لأنَّ الكبَّ في النَّار مِنَ لازِمِ الكفر، فأطلق اللَّازم وأراد الملزوم.
وفي الحديث: دلالةٌ على جواز الحلف على الظَّنِّ عند من أجاز ضمَّ همزة «أُراه»، وجواز
الشَّفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومُرَادَدة الشَّفيع إذا لم يؤدِّ إلى مفسدةٍ، وأنَّ المشفوع إليه لا عتبَ عليه إذا رَدَّ الشَّفاعة إذا كانت خلاف المصلحة، وأنَّ الإمام يصرف الأموال في مصالح المسلمين الأهمَّ فالأهمَّ، وأنَّه لا يقطع لأحدٍ على التَّعيين بالجنَّة إلَّا العشرة المبشَّرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا ينفع إلَّا إذا قُرِنَ (١) به الاعتقاد بالقلب، وعليه الإجماعُ -كما مرَّ- واستدلَّ به عياضٌ لعدم ترادف الإيمان والإسلام، لكنَّه لا يكون مؤمنًا إلَّا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمنٍ.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه ثلاثة رواةٍ زُهريُّون مَدنيُّون، وثلاثةٌ تابعيُّون، يروي بعضهم عن بعضٍ، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨]، ومسلمٌ في «الإيمان» و «الزَّكاة».
قال المؤلِّف: (وَرَوَاهُ) بواو العطف، وللأربعة: بإسقاطها، أي: هذا الحديث أيضًا (٢) (يُونُسُ) بن يزيد (٣) الأيليّ (وَصَالِحٌ) يعني: ابن كيسان المدنيَّ (وَمَعْمَرٌ) بفتح الميمين؛ يعني: ابن راشدٍ البصريَّ (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن عبد الله بن مسلمٍ، المُتوفَّى -فيما جزم به النَّوويُّ- في سنة اثنتين وخمسين ومئةٍ، هؤلاء الأربعة: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ بإسناده، كما رواه شعيبٌ عنه، فحديث يونس موصولٌ في «كتاب الإيمان» لعبد الرَّحمن بن عمر الملقَّب رُسْتهْ، وهو قريبٌ من سياق الكُشْمِيهَنيِّ، ليس فيه إعادة السُّؤال ولا الجواب عنه، وحديث صالحٍ موصولٌ عند المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦١٤٧٨] وحديث معمر عند أحمد ابن حنبل والحميديِّ
وغيرهما عن عبد الرَّزَّاق عنه، وقال فيه: إنَّه أعاد السُّؤال ثلاثًا، وحديث ابن أخي الزُّهريِّ عند مسلمٍ، وساق فيه السُّؤال والجواب ثلاثَ مرَّاتٍ، والله تعالى أعلم.
(٢٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (السَّلَامُ مِنَ الإِسْلَامِ) أي: هذا بابٌ في (١) بيان أنَّ السَّلام من شُعَبِ الإسلام، وفي رواية غير (٢) الأَصيليِّ وأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «إفشاء السَّلام من الإسلام» وهو بكسر الهمزة، أي: إذاعة السَّلام ونشره (وَقَالَ عَمَّارٌ) أبو اليقظان -بالمُعجَمَة- ابن ياسر بن عامرٍ، أحد السَّابقين الأوَّلين، المقتول بصِفِّين في صفر سنة سبعٍ وثلاثين مع عليٍّ، ومقول قوله: (ثَلَاثٌ) أي: ثلاث خصالٍ (مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ) أي: حاز كماله؛ أحدها: (الإِنْصَافُ) وهو العدل (مِنْ نَفْسِكَ) بأنْ لم تترك لمولاك حقًّا واجبًا عليك إلَّا أدَّيتَه، ولا شيئًا ممَّا نُهِيتَ عنه إلَّا اجتنبْتَه، وسقط لفظ «فقد» عند الأربعة (وَ) الثَّاني: (بَذْلُ السَّلَامِ) بالمُعجَمَة (لِلْعَالَمِ) بفتح اللَّام، أي: لكلِّ مؤمنٍ، عرفته أو لم تعرفه، وخرج (٣) الكافر بدليلٍ آخرَ، وفيه حضٌّ على مكارم الأخلاق، والتَّواضع، واستئلاف النُّفوس (وَ) الثَّالث: (الإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ) بكسر الهمزة، أي: في حالة الفقر، وفيه غاية الكرم؛ لأنَّه إذا أنفق وهو محتاجٌ كان مع التَّوسُّع أكثرَ إنفاقًا، والإنفاق شاملٌ للنَّفقة على العيال، وعلى الضَّيف والزَّائر.