«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩

الحديث رقم ١٩ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من الدين الفرار من الفتن.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩ في صحيح البخاري

«يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ».

بَابُ قَوْلُِ النَّبِيِّ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾

إسناد حديث البخاري رقم ١٩

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ عُبَادَةَ وَلِيَ قَضَاءَ فِلَسْطِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ . وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ بِالْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِي، أَيْ: لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ. قُلْتُ: لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ: إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِلَا جَوَابٍ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَعْوَى التَّصْحِيفِ فِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى، بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَافِ وَالضَّادِ أَيْضًا وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ بِالْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهِ بَايَعْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ١٩ - أطرافه في: ٧٠٨٨، ٦٤٩٥، ٣٦٠٠، ٣٣٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ. نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ. وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ. وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (يُوشِكُ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَقْرَبُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ، وَغَنَمِ الِاسْمُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (يَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ.

قَوْلُهُ: (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ دِينِهِ. وَمِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ. قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض.

١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،

وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة

والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ.

ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال:

(١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله : (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله ﷿»: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَيُبْطِلُهُ أَنَّ عُبَادَةَ وَلِيَ قَضَاءَ فِلَسْطِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ . وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ بِالْجَنَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَقْضِي، أَيْ: لَا يَقْضِي بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ مُعَيَّنٍ. قُلْتُ: لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ: إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِلَا جَوَابٍ، وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ دَعْوَى التَّصْحِيفِ فِيهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، عَنْ قُتَيْبَةَ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَلِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى، بْنِ هَارُونَ كِلَاهُمَا عَنْ قُتَيْبَةَ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الدِّيَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنْ عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْقَافِ وَالضَّادِ أَيْضًا وَهُوَ تَصْحِيفٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَقَوْلُهُ بِالْجَنَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهِ بَايَعْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ

١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ.

[الحديث ١٩ - أطرافه في: ٧٠٨٨، ٦٤٩٥، ٣٦٠٠، ٣٣٠٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ مُسْلِمٍ. نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ. وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ. وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ.

قَوْلُهُ: (يُوشِكُ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: يَقْرَبُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ، وَغَنَمِ الِاسْمُ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ.

قَوْلُهُ: (يَتَّبِعُ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ.

قَوْلُهُ: (وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ، أَيْ: بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى.

قَوْلُهُ: (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ دِينِهِ. وَمِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ. قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الحديث، ولم يُرِد الحقيقة لأنَّ الفرار ليس بدينٍ، فالتَّقدير: الفرار من الفتن شعبةٌ من شعب الإيمان، كما دلَّ عليه أداة التَّبعيض.

١٩ - وبالسَّند المذكور أوَّل هذا الشَّرح إلى البخاريِّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللَّام بينهما مُهمَلَةٌ ساكنةٌ، ابن قعنبٍ الحارثيُّ البصريُّ، ذو الدَّعوة المُجَابة، أحد رُوَاة «الموطَّأ»، المُتوفَّى سنة إحدى وعشرين ومئتين (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) الأنصاريِّ المازنيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاريِّ (الخُدْرِيِّ) بضمِّ المُعجمَة (١) وسكون المُهملَة؛ نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطنٍ، المُتوفَّى بالمدينة سنة أربعٍ وستِّين أو أربعٍ وسبعين، وله في «البخاريِّ» ستَّةٌ وستُّون حديثًا، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: «» (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : يُوشِكُ) بكسر المُعجَمَة،

وفتحُها لغةٌ رديئةٌ، وهي من أفعال المقاربة، أي: يقرب (أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمًا) -بالنَّصب- خبر «يكون»، وفي رواية غير الأَصيليِّ: بنصب «خيرَ» خبرًا مقدَّمًا، ورفعِ «غنمٌ» اسمًا مُؤخَّرًا، ولا يضرُّ كونه نكرةً؛ لأنَّه موصوفٌ بجملة «يتَّبِع»، وجوَّز ابن مالكٍ رفعهما على الابتداء والخبر، ويقدِّر في «يكون» ضمير الشَّأن، قال في «الفتح»: لكن لم تَجِئْ به الرِّواية، وذكره العينيُّ من غير تنبيهٍ على الرِّواية فأوهم، و «الغنم»: اسمٌ مؤنَّثٌ موضوعٌ للجنس (يَتَّبِعُ بِهَا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة «افتعالٌ»؛ من: اتَّبع اتِّباعًا، ويجوز إسكانها من تَبِعَ -بكسر المُوحَّدة- يَتْبَع، بفتحها، أي: يتبع بالغنم (شَعَفَ) بمُعجَمَةٍ فمُهمَلَةٍ مفتوحتين، جمع: شَعَفَةٍ بالتَّحريك، وهو بالنَّصب مفعول «يتَّبع» أي: رؤوس (الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) بكسر القاف، وهو بالنَّصب (١) عطفٌ على «شعفَ» أي: مواضع نزول (القَطْرِ) أي: المطر، أي: بطون الأودية والصَّحارى، حال كونه (يَفِرُّ بِدِينِهِ) أي: يهرب بسببه، أو مع دينه (مِنَ الفِتَنِ) طلبًا لسلامته، لا لقصدٍ دنيوِيٍّ، فالعزلة عند الفتنة ممدوحةٌ إلَّا لقادرٍ على إزالتها فتجب الخلطة، عينًا أو كفايةً، بحسب الحال والإمكان، واختُلِف فيها عند عدمها؛ فمذهب الشَّافعيِّ: تفضيل الصُّحبة لتعلُّمه وتعليمه، وعبادته، وأدبه، وتحسين خُلُقِه؛ بحِلْمٍ واحتمالٍ، وتواضعٍ، ومعرفة أحكامٍ لازمةٍ، وتكثير سواد المسلمين، وعيادة مريضهم، وتشييع جنائزهم، وحضور الجمعة

والجماعات، واختار آخرون: العزلة للسَّلامة المُحقَّقة، وليعمل بما علم، ويأنس بدوام ذكره، فبالصُّحبة والعزلة كمالُ المرء. نعم؛ تجب العُزلةُ لفقيهٍ لا يَسْلَم دينه بالصُّحبة، وتجب الصُّحبة لمن عرف الحقَّ فاتَّبعه، والباطلَ فاجْتَنَبَه، وتجب على من جهل ذلك لِيَعْلَمَه، فافهم.

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه صحابيٌّ ابن صحابيٍّ (١)، وهو من أفراد البخاريِّ عن مسلمٍ، وقد رواه المؤلِّف أيضًا في «الفتن» [خ¦٧٠٨٨] و «الرقاق» [خ¦٦٤٩٥] و «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٦٠٠]، وأخرجه أبو داودَ والنَّسائيُّ.

ولمَّا كان الفرار من الفتن لا يكون إلَّا على قدر قوَّة دين الرَّجل، وهي تدلُّ على قوَّة المعرفة شَرَعَ يذكر ذلك، فقال:

(١٣) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) بالإضافة، وسقط لفظ «باب» عند الأَصيليِّ، ومقول قوله : (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ) لأنَّه كلَّما كان الرَّجل أقوى في دينه كَانَ أقوى في معرفة ربِّه، وذلك يدلُّ ظاهرًا على قبول الإيمان الزِّيادةَ والنُّقصان، وللأَصيلِّي في غير الفرع وأصله: «أَعْرَفَكم» بدل «أَعْلَمَكم»، والفرق بينهما: أنَّ المعرفةَ هي إدراكُ الجزئيِّ، والعلمَ: إدراكُ الكليِّ (وَ) باب بيان (أَنَّ المَعْرِفَةَ) بفتح الهمزة (فِعْلُ القَلْبِ) فالإيمان بالقول وحده لا يتمُّ إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه؛ خلافًا للكرَّاميَّة، والاعتقاد فعل القلب (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى) ولأبوي الوقت وذَرٍّ «لقوله ﷿»: (﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]) أي: عزمتْ عليه،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد