«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨

الحديث رقم ١٨ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ قال، وحوله عصابة من أصحابه…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ،

⦗١٣⦘

وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ. فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ».

سند حديث: ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ…

١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رسول الله ﷺ قال، وحوله عصابة من أصحابه…

أخبر عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان ممن شهد غزوة بدر الكبرى، وهو كبير قومه الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة التي بمنى -حين كان الرسول بمكة قبل هجرته إلى المدينة- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا بين أصحابه فطلب منهم أن يعاهدوه على أمور:

الأول: لا يشركون في عبادة الله شيئًا ولو قلّ.

الثاني: لا يسرقون.

الثالث: لا يفعلون فاحشة الزنا.

الرابع: لا يقتلون أولادهم؛ ذكورهم خشية الفقر أو أنثاهم خشية العار.

الخامس: لا يأتون بكذب يختلقونه بين أيديهم وأرجلهم حيث أن معظم الأفعال تقع بهما وإن شاركت باقي الأعضاء.

السادس: لا يعصون النبي صلى الله عليه وسلم في معروف.

فمن ثبت منهم على العهد والتزم بذلك فأجره على الله، ومن فعل شيئًا مما ذكر -غير الشرك- فعوقب به في الدنيا بإقامة الحد عليه فهو كفارة له وبه سقط الإثم، ومن فعل من ذلك شيئًا ثم ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعه كل الحاضرين على ذلك.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان ما تضمنته بيعة العقبة الأولى بمكة قبل أن يفرض عليهم الجهاد.
  • قال السندي: قوله ‏‏(في معروف): لا يخفى أن ‌أمره ‌كله ‌معروف ولا يتصور منه خلافه، فقوله (في معروف) للتنبيه على علة وجوب الطاعة وعلى أنه لا طاعة للمخلوق في غير المعروف، وعلى أنه ينبغي اشتراط الطاعة في المعروف في البيعة لا مطلقًا.
  • قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره: خص القتل بالأولاد؛ لأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعًا فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم.
  • قال النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ ‌لَا ‌يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، فالمرتد إذا قُتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة.
  • قال القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ قال، وحوله عصابة من أصحابه…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١ - باب

١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك.

[الحديث ١٨ - أطرافه في: ٧٤٦٨، ٧٢١٣، ٧١٩٩، ٧٠٥٥، ٦٨٧٣، ٦٨٠١، ٦٧٨٤، ٤٨٩٤، ٣٩٩٩، ٣٨٩٣، ٣٨٩٢]

قوله: (باب) كذا في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا، فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا؛ لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء. ووجه التعلق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي عند عقبة منى في الموسم، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية من هذا الكتاب. وقد أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخر: في باب من شهد بدرا، لقوله فيه: كان شهد بدرا؛ وفي باب وفود الأنصار، لقوله فيه: وهو أحد النقباء وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه. ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين: أحدهما: أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر، وثانيهما: أنه تضمن الرد على من يقول: إن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

قَوْلُهُ: (عَائِذُ اللَّهِ) هُوَ اسْمُ عَلَمٍ، أَيْ: ذُو عِيَاذَةٍ بِاللَّهِ، وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْخَوْلَانِيُّ صَحَابِيٌّ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِأَنَّ لَهُ رُؤْيَةً، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَامَ حُنَيْنٍ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ شَامِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) يَعْنِي: حَضَرَ الْوَقْعَةَ الْمَشْهُورَةَ الْكَائِنَةَ بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوفِ بِبَدْرٍ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ قَاتَلَ النَّبِيُّ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْمَغَازِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلَ ذَلِكَ أَبُو إِدْرِيسَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا إِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عُبَادَةَ، أَوِ الزُّهْرِيِّ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا. وَكَذَا قَوْلُهُ: وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ) سَقَطَ قَبْلَهَا مِنْ أَصْلِ الرِّوَايَةِ لَفْظُ قَالَ وَهُوَ خَبَرُ أَنَّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ وَكَانَ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَرِضٌ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ خَطَأً، لَكِنْ حَيْثُ يَتَكَرَّرُ فِي مِثْلِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا بُدَّ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنَ النُّطْقِ بِهَا، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فِي بَابِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ هُنَا مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عُبَادَةَ حَدَّثَهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَوْلَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعِصَابَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَقَدْ جُمِعَتْ عَلَى عَصَائِبَ وَعُصَبٍ.

قَوْلُهُ: (بَايِعُونِي) زَادَ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي، وَالْمُبَايَعَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُعَاهَدَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

قَوْلُهُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيُّ وَغَيْرُهُ: خُصَّ الْقَتْلُ بِالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَقَطِيعَةُ رَحِمٍ. فَالْعِنَايَةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ آكَدُ وَلِأَنَّهُ كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ، وَهُوَ وَأْدُ الْبَنَاتِ وَقَتْلُ الْبَنِينَ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ، أَوْ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ

لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ لَا يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) الْبُهْتَانُ: الْكَذِبُ الذي يَبْهَتُ سَامِعَهُ، وَخَصَّ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ بِالِافْتِرَاءِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ تَقَعُ بِهِمَا، إِذْ كَانَتْ هِيَ الْعَوَامِلَ وَالْحَوَامِلَ لِلْمُبَاشَرَةِ وَالسَّعْيِ، وَكَذَا يُسَمُّونَ الصَّنَائِعَ الْأَيَادِيَ. وَقَدْ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ بِجِنَايَةٍ قَوْلِيَّةٍ فَيُقَالُ: هَذَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ كِفَاحًا وَبَعْضُكُمْ يُشَاهِدُ بَعْضًا، كَمَا يُقَالُ: قُلْتُ كَذَا بَيْنَ يَدَيْ فُلَانٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِذِكْرِ الْأَرْجُلِ.

وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَيْدِي، وَذَكَرَ الْأَرْجُلَ تَأْكِيدًا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ ذِكْرَ الْأَرْجُلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا فَلَيْسَ بِمَانِعٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ الْقَلْبَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُ اللِّسَانُ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ نُسِبَ إِلَيْهِ الِافْتِرَاءُ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَرْمُوا أَحَدًا بِكَذِبٍ تُزَوِّرُونَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ ثُمَّ تَبْهَتُونَ صَاحِبَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبَى جَمْرَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَيْ: فِي الْحَالِ، وَقَوْلُهُ وَأَرْجُلِكُمْ أَيْ: فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ أَفْعَالِ الْأَرْجُلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ هَذَا كَانَ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ - عَنْ نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ الْوَلَدَ الَّذِي تَزْنِي بِهِ أَوْ تَلْتَقِطُهُ إِلَى زَوْجِهَا. ثُمَّ لَمَّا اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي بَيْعَةِ الرِّجَالِ احْتِيجَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ أَوَّلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْصُوا) لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ وَلَا تَعْصُونِي وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ، وَالْمَعْرُوفُ مَا عُرِفَ مِنَ الشَّارِعِ حُسْنُهُ نَهْيًا وَأَمْرًا.

قَوْلُهُ: (فِي مَعْرُوفٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَا تَعْصُونِي وَلَا أَحَدَ أُولِي الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالْمَعْرُوفِ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ بَعْدَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الْمَخْلُوقِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْصِيَةِ لِلَّهِ، فَهِيَ جَدِيرَةٌ بِالتَّوَقِّي فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْعَهْدِ. وَوَفَى بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، أَطْلَقَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْمُبَايَعَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِوُجُودِ الْعِوَضَيْنِ أَثْبَتَ ذِكْرَ الْأَجْرِ فِي مَوْضِعِ أَحَدِهِمَا. وَأَفْصَحَ فِي رِوَايَةٍ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عِبَادَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِتَعْيِينِ الْعِوَضِ، فَقَالَ الْجَنَّةَ، وَعَبَّرَ هُنَا بِلَفْظِ عَلَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَالْوَاجِبَاتِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ تَقْرِيرُ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَأْمُورَاتِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْهَا، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَعْصُوا إِذِ الْعِصْيَانُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ أَنَّ الْكَفَّ أَيْسَرُ مِنْ إِنْشَاءِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ اجْتِنَابَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى اجْتِلَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ) أَيِ: الْعِقَابُ، (كَفَّارَةٌ)، زَادَ أَحْمَدُ: لَهُ، وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَزَادَ وَطَهُورٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَالْمُرْتَدُّ إِذَا قُتِلَ عَلَى ارْتِدَادِهِ لَا يَكُونُ الْقَتْلُ لَهُ كَفَّارَةً. قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا ذُكِرَ بَعْدَ الشِّرْكِ، بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يَدْخُلُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى إِخْرَاجِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا إِذِ الْقَتْلُ عَلَى الشِّرْكِ لَا يُسَمَّى حَدًّا. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ لِتَرَتُّبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَخِطَابُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّحْذِيرَ مِنَ الْإِشْرَاكِ. وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِّ عُرْفِيٌّ حَادِثٌ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرْكِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ شَيْئًا أَيْ: شِرْكًا أَيًّا مَا كَانَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُرْفَ الشَّارِعِ إِذَا أَطْلَقَ الشِّرْكَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَا يُقَابِلَ التَّوْحِيدَ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثِ حَيْثُ لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا ذَلِكَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ طَلَبَ الْجَمْعِ يَقْتَضِي ارْتِكَابَ الْمَجَازِ، فَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ

وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.

وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَقِبَ الْإِصَابَةِ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالرِّيَاءِ لَا عُقُوبَةَ فِيهِ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ الشِّرْكُ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا، لَكِنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ أَصَحُّ إِسْنَادًا. وَيُمْكِنُ - يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ يُوسُفَ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ فَأَرْسَلَهُ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَصَلَهُ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فَقَوِيَتْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَالْجَمْعُ - الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْقَاضِي - حَسَنٌ ; لَكِنَّ الْقَاضِيَ وَمَنْ تَبِعَهُ جَازِمُونَ بِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ هَذَا كَانَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ لَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ الْبَيْعَةَ الْأُولَى بِمِنًى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ عَامَ خَيْبَرَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُهُ مُتَقَدِّمًا؟ وَقَالُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كَانَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ قَدِيمًا وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ كَمَا سَمِعَهُ عُبَادَةُ، وَفِي هَذَا تَعَسُّفٌ. وَيُبْطِلُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ، وَأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ.

وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَالْمُبَايَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ تَقَعْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنْ يَرْحَلَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ - فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ. . . الْحَدِيثَ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ أَنَّهُ جَرَتْ لَهُ قِصَّةٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ وَلَا نَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ فَنَمْنَعَهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَلَنَا الْجَنَّةُ. فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا. فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.

وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى، وَأَلْفَاظٌ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبَيْعَةِ الْأُولَى.

ثُمَّ صَدَرَتْ مُبَايَعَاتٌ أُخْرَى سَتُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْهَا هَذِهِ الْبَيْعَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْفَوَاحِشِ الْمَذْكُورَةِ. وَالَّذِي يُقَوِّي أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمُمْتَحِنَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا بَايَعَهُمْ قَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعِنْدَهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ: قَرَأَ آيَةَ النِّسَاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ، قَالَ: أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا تُبَايِعُونَنِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ: أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ.

فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْدَ نُزُولِ

الْآيَةِ، بَلْ بَعْدَ صُدُورِ الْبَيْعَةِ، بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُدَّةٍ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إِذَا صَحَّ الْإِسْنَادُ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهُوَ كَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، اهـ.

وَإِذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَحَدَ مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَا مِمَّنْ حَضَرَ بَيْعَتَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامُهُ قُرْبَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَضَحَ تَغَايُرُ الْبَيْعَتَيْنِ - بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَهِيَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَيْعَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَشَهِدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ - وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِثْلِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَأَخِّرًا عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الصَّوَابِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الِالْتِبَاسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَضَرَ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مِنْ أَجَلِّ مَا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَكَانَ يَذْكُرُهَا إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيهًا بِسَابِقِيَّتِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ الَّتِي صَدَرَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ.

وَنَظِيرُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ - قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْعَةَ الْحَرْبِ وَكَانَ عُبَادَةُ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اتِّحَادِ الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ بَيْعَةَ الْحَرْبِ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ الْحَرْبَ إِنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَرَدُّهَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ رِوَايَتُهُ عَلَى ثَلَاثِ بَيْعَاتٍ: بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يفْرَضَ الْحَرْبُ فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالثَّانِيَةُ بَيْعَةُ الْحَرْبِ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، وَالثَّالِثَةُ بَيْعَةُ النِّسَاءِ أَيْ: الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى نَظِيرِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ. وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ (١) وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ التَّصْرِيحِ فِي رِوَايَةُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ أَنَّ بَيْعَةَ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَاتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ، وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى النِّسَاءِ لِضَبْطِهَا بِالْقُرْآنِ.

وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ; وَقَالَ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ. فَظَاهِرُ هَذَا اتِّحَادُ الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَا قَرَّرْتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا - أَيْ: لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - عَلَى الْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: بَايَعْنَاهُ إِلَخْ أَيْ: فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ بَايَعْنَاهُ. وَعَلَيْكَ بِرَدِّ مَا أَتَى مِنَ الرِّوَايَاتِ مُوهِمًا بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي نَهَجْتْ إِلَيْهِ فَيَرْتَفِعُ بِذَلِكَ الْإِشْكَالُ، وَلَا يَبْقَى بَيْنَ حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةَ تَعَارُضٌ، وَلَا وَجْهَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلتَّوَقُّفِ فِي كَوْنِ الْحُدُودِ كَفَّارَةً.

وَاعْلَمْ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِرِوَايَةِ هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ رَوَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَفِيهِ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى عَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبَى تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادٍ

حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (١) مَرْفُوعًا: مَا عُوقِبَ رَجُلٌ عَلَى ذَنْبٍ إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَةً لِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ. وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّنِي لَمْ أَرَ مَنْ أَزَالَ اللَّبْسَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ، وَاللَّهُ الْهَادِي.

قَوْلُهُ: (فَعُوقِبَ بِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ بِهِ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ وَالْجَلْدَ أَوِ الرَّجْمَ فِي الزِّنَا. قَالَ: وَأَمَّا قَتْلُ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَةٌ مَعْلُومَةٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ قَتْلَ النَّفْسِ فَكَنَّى عَنْهُ، قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَعُوقِبَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِ إِنَّمَا هُوَ رَادِعٌ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَالطَّلَبُ لِلْمَقْتُولِ قَائِمٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ حَقٌّ. قُلْتُ: بَلْ وَصَلَ إِلَيْهِ حَقٌّ أَيُّ حَقٍّ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ ظُلْمًا تُكَفَّرُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِالْقَتْلِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ مَحَا كُلَّ شَيْءٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَمُرُّ الْقَتْلُ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ فَلَوْلَا الْقَتْلُ مَا كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ، وَأَيُّ حَقٍّ يَصِلُ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ وَلَوْ كَانَ حَدُّ الْقَتْلِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلرَّدْعِ فَقَطْ لَمْ يُشْرَعِ الْعَفْوُ عَنِ الْقَاتِلِ، وَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَغَيْرِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.

وَيَدُلُّ لِلْمَنْعِ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَائِبَ لَا تُنَافِي السَّتْرَ، وَلَكِنْ بَيَّنَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ أَنَّ الْمَصَائِبَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا لَا حَدَّ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ كَفَّارَةٌ لِلذَّنْبِ وَلَوْ لَمْ يَتُبِ الْمَحْدُودُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَوَافَقَهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ تَابَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي عُقُوبَةِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ إِلَى اللَّهِ) قَالَ الْمَازِنِيُّ (٢): فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَرَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ تَعْذِيبَ الْفَاسِقِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَلَمْ يَقُلْ لَا بُدَّ أَنْ يُعَذِّبَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَفِّ عَنِ الشَّهَادَةِ بِالنَّارِ عَلَى أَحَدٍ أَوْ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا مَنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ بِعَيْنِهِ. قُلْتُ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ.

قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) يَشْمَلُ مَنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ، وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَابَ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ هَلْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَوْ لَا. وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَمَا لَا يَجِبُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَتُوبَ سِرًّا وَيَكْفِيَهُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ وَيَعْتَرِفَ بِهِ وَيَسْأَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ كَمَا وَقَعَ لِمَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِنَ بِتَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَنْتَهِبُ وَهُوَ مِمَّا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ الْبَيْعَةَ مُتَأَخِّرَةٌ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ عِنْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وَالْمُرَادُ بِالِانْتِهَابِ مَا يَقَعُ بَعْدَ الْقِتَالِ فِي الْغَنَائِمِ. وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: وَلَا يَعْصِي بِالْجَنَّةِ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ وَلَا يَقْضِي بِقَافٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ فِي تَخْرِيجِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ نَهَاكُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- بغير ترجمةٍ، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، وحينئذٍ فالحديث التَّالي من جملة التَّرجمة السَّابقة، وعلى رواية إثباته فهو كالفصل عن سابقه مع تعلُّقه به، وفي الحديث السَّابق الإشارة لحبِّ الأنصار، وفي اللَّاحق ابتداء السَّبب في تلقيبهم بالأنصار؛ لأنَّ ذلك كان ليلة العقبة، لمَّا تبايعوا على إعلاء توحيد الله تعالى وشريعته، وقد كانوا يُسمَّون قبل ذلك: بني قَيْلة -بقافٍ مفتوحةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ- وهي الأمُّ التي تجمع القبيلتين، فسمَّاهم الأنصار لذلك.

١٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم، أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (بْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عَمرو (١) الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده

كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (بْنَ الصَّامِتِ) بن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ (١): في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ العَقَبَةِ) بمنًى، أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]: جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾ والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت الواو (٢) لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو

صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز (١) اقترانها بالواو لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على (٢) الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقَ اللَّفظيَّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويَّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرِّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك (٣)، وقوَّاه بآية: ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وقراءة ابن أبي عبلة: (إلَّا لها كتابٌ) [الحجر: ٤] بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان شهد … » إلى آخره أبو إدريس (٤)، فيكون متَّصلًا إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «أنَّ» وخبرها السَّاقطِ من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في «باب من شهد

بدرًا» [خ¦٣٨٩٢] والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) -بكسر العين-: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و «عِصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و «من أصحابه»: صفةٌ لـ «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي (١) وشرفه، ومقولُ قولِه : (بَايِعُونِي) أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا) أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده لأنَّه الأصل (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا) فيه حذف المفعول ليدلَّ (٢) على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوَأْد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ (وَلَا تَأْتُوا) بحذف النُّون، ولغير الأربعة: «ولا تأتون» (بِبُهْتَانٍ) أي: بكذبٍ يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ) من الافتراء، أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ

من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا (١)، وقُيِّد به تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره للاهتمام به، (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وفَّى» بالتَّشديد، أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا، أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦٣٨٩٣] وعبَّر بلفظ: «على» وبـ «الأجر» للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره للأدلَّة (٢) القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين أثبت الأجر في موضع أحدهما (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض (فَعُوقِبَ) أي: به، كما رواه أحمدُ، أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا) أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ (فَهُوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: «فهو كفَّارةٌ» بحذف «له» وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا فالله أكرمُ من أن يُثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و «شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ

فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟» وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم ، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معْمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ

نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ) وفي رواية ابن عساكرَ -وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ- زيادة: «عليه» (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح».

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه عمَّن رآه؛ لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٩٩] و «الأحكام» [خ¦٧٢١٣] وفي «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٩٢] وفي «الحدود» [خ¦٦٧٨٤]، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالَهم في محبَّة الرَّسول فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال، شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال:

(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ) ولم يقل: مِنَ الإيمان لمراعاة لفظ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الْقلب، وَالْأول: كِنَايَة عَن إِلْقَاء الْبُهْتَان من تِلْقَاء أنفسهم، وَالثَّانِي: عَن إنْشَاء الْبُهْتَان من دخيلة قُلُوبهم مَبْنِيا على الْغِشّ المبطن. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً مُوَاجهَة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا غير صَوَاب من حَيْثُ إِن الْعَرَب، وَإِن قَالَت: فعلته بَين أَيدي الْقَوْم، أَي: بحضرتهم لم تقل: فعلته بَين أَرجُلهم، وَلم ينْقل عَنْهُم هَذَا أَلْبَتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ صَوَاب، إِذْ لَيْسَ الْمَذْكُور الأرجل فَقَط، بل المُرَاد الْأَيْدِي، وَذكر الأرجل تَأْكِيدًا لَهُ وتابعاً لذَلِك، فالمخطىء مخطىء وَيُقَال: يحْتَمل أَن يُرَاد بِمَا بَين الْأَيْدِي والأرجل الْقلب، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يترجم اللِّسَان عَنهُ، فَلذَلِك نسب إِلَيْهِ الافتراء،، فَإِن الْمَعْنى: لَا ترموا أحدا بكذب تزوِّرونه فِي أَنفسكُم ثمَّ تبهتون صَاحبكُم بألسنتكم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: بَين أَيْدِيكُم، أَي: فِي الْحَال، قَوْله: وأرجلكم أَي: فِي الْمُسْتَقْبل، لِأَن السَّعْي من أَفعَال الأرجل. وَقَالَ غَيره: أصل هَذَا كَانَ فِي بيعَة النِّسَاء، وكنى بذلك كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) عَن نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزني بِهِ أَو تلتقطه إِلَى زَوجهَا، ثمَّ لما اسْتعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعَة الرِّجَال احْتِيجَ إِلَى حمله على غير مَا ورد فِيهِ أَولا. قلت: وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا، أَي: لَا يسخر. وَقيل: لَا يَأْتِي بِبُهْتَان، يُقَال: عضهت الرجل رميته بالعضيهة؛ قَالَ الْجَوْهَرِي: العضيهة البهيتة، وَهُوَ الْإِفْك والبهتان، تَقول يَا للعضيهة. بِكَسْر اللَّام، وَهِي استغاثة، وَأَصله من: عضهه عضهاً بِالْفَتْح، وَقَالَ الْكسَائي: العضه الْكَذِب، وَجَمعهَا عضون، مثل: عزة وعزون، وَيُقَال نقصانه الْهَاء وَأَصله عضهة. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيد قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، بقوله: (فِي مَعْرُوف) ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قَيده بذلك تطييباً لنفوسهم، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل فِي معنى الحَدِيث: وَلما تعصوني، وَلَا أجد عَلَيْكُم أولى من اتباعي إِذا أَمرتكُم بِالْمَعْرُوفِ، فَيكون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ عَائِدًا إِلَى الِاتِّبَاع، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تعصوا وَلم يقل وَلَا تعصوني. قلت: فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، فحينئذٍ الْأَحْسَن هُوَ الْجَواب الأول. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي آيَة المبايعات: فَإِن قلت: لَو اقْتصر على قَوْله: لَا يَعْصِينَك، فقد علم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. قلت: نبه بذلك على أَن طَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وَمِنْهَا مَا قيل: قد ذكر فِي الاعتقاديات والعمليات كلتيهما، فلِمَ اكْتفى فِي الاعتقاديات بِالتَّوْحِيدِ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل والأساس. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ مَا ذكر الْإِتْيَان بالواجبات وَاقْتصر على ترك المنهيات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يقْتَصر حَيْثُ قَالَ: وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف، إِذْ الْعِصْيَان مُخَالفَة الْأَمر، أَو اقْتصر لِأَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَلم تشرع الْأَفْعَال بعد. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات؟ وَأجِيب: بِأَن التخلي عَن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ ترك سَائِر المنهيات وَلم يقل مثلا {وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم} (الْأَنْعَام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤) وَغير ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت حرَام آخر، أَو اكْتفى بِالْبَعْضِ ليقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ، أَو لزِيَادَة الاهتمام بالمذكورات. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (فَأَجره على الله) يشْعر بِالْوُجُوب على الله لكلمة: على وَأجِيب: بِأَن هَذَا وَارِد على سَبِيل التفخيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فقد وَقع أجره على الله} (النِّسَاء: ١٠٠) وَيتَعَيَّن حمله على غير ظَاهره للأدلة القاطعة على أَنه لَا يجب على الله شَيْء. وَمِنْهَا مَا قيل: لفظ الْأجر مشْعر بِأَن الثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لَا مُجَرّد فضل كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أطلق الْأجر لِأَنَّهُ مشابه لِلْأجرِ، صُورَة لترتبه عَلَيْهِ.

١٢ - (بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَلَا يجوز فِيهِ الْإِضَافَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن معنى الْبَاب الأول مُتَضَمّن معنى هَذَا الْبَاب، وَذَلِكَ لِأَن النُّقَبَاء من الْأَنْصَار، والانصار كلهم خيروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذلوا أَرْوَاحهم وَأَمْوَالهمْ فِي محبته فِرَارًا بدينهم من فتن الْكفْر والضلال، وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب يبين فِيهِ ترك الْمُسلم الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ ومعاشرتهم، واختياره الْعُزْلَة والانقطاع فِرَارًا بِدِينِهِ من فتن النَّاس والاختلاط بهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: بَاب من الْإِيمَان الْفِرَار من الْفِتَن، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي أَكثر الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة والأبواب الْآتِيَة، وَأَيْضًا عقد الْكتاب فِي الْإِيمَان؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليطابق التَّرْجَمَة الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِي

الْبَاب، فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الْفِرَار بِالدّينِ من الْفِتَن، وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال: لما كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام مترادفين عِنْده. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) أطلق الدّين فِي مَوضِع الْإِيمَان. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من لفظ الحَدِيث عد الْفِرَار دينا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة للدّين، قلت: لم يرد بِكَلَامِهِ الْحَقِيقَة، لِأَن الْفِرَار لَيْسَ بدين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الْفِرَار للخوف على دينه من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين، وَلِهَذَا ذكره: بِمن، التبعيضية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بَاب الْفِرَار من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين.

١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشِكُ أَن يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسِلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ.

الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا.

(بَيَان رِجَاله) : وهم خَمْسَة. الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، ابْن قعنب أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، روى عَن: مَالك وَاللَّيْث بن سعد ومخرمة بن بكير وَابْن أبي ذِئْب، وَسمع من أَحَادِيث شُعْبَة حَدِيثا وَاحِدًا اتّفق على توثيقه وجلالته، وَأَنه حجَّة ثَبت رجل صَالح، وَقيل لمَالِك: إِن عبد الله قدم، فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض. روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وأكثرا، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى مُسلم عَن عبد بن حميد عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْأَطْعِمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِمَكَّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس إِمَام دَار الْهِجْرَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، واسْمه عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن منذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه (رَافع الارتياب) : إِن الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَوهم ابْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِمَ يخْتَلف على مَالك فِي اسْمه؟ قلت: فِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان خالفهم مَالك، فَقَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان، وروى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَانَ جده شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ، وَأَبوهُ عَمْرو مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، قَتله بردع بن زيد بن عَامر بن سَواد بن ظفر من الْأَوْس، ثمَّ أسلم بردع وَشهد أحدا. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد، وَقيل: عبد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر، وَهُوَ خدرة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، وَزعم بَعضهم أَن خدرة هِيَ أم الأبجر، استصغر يَوْم أحد فرُدَّ، وغزا بعد ذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة غَزْوَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، رُوِيَ لَهُ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة وَأَرْبَعين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة عشر، وَمُسلم بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين. روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، مِنْهُم: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ووالده مَالك وَأَخُوهُ لأمه، قَتَادَة بن النُّعْمَان، وروى عَنهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَخلق من التَّابِعين، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقيل: أَربع وَسبعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَاعْلَم أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن اسْم أبي سعيد هَذَا: سِنَان بن مَالك بن سِنَان، وَالأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ انه: سعد بن مَالك بن سِنَان، وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا: سعد بن أبي وَقاص مَالك وَسعد بن مَالك العذري قدم فِي وَفد عذرة.

(بَيَان الْأَنْسَاب) القعْنبِي: هُوَ عبد الله بن مسلمة، شيخ البُخَارِيّ، ونسبته إِلَى جده قعنب، والقعنب، فِي اللُّغَة: الشَّديد، وَمِنْه يُقَال للأسد، القعنب، وَيُقَال: القعنب: الثَّعْلَب الذّكر. والمازن فِي قبائل، فَفِي قيس بن غيلَان: مَازِن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَفِي قيس بن غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة. وَفِي فَزَارَة: مَازِن بن فَزَارَة، وَفِي ضبة: مَازِن بن كَعْب، وَفِي مذْحج: مَازِن بن ربيعَة، وَفِي الْأَنْصَار: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَفِي تَمِيم: مَازِن بن مَالك، وَفِي شَيبَان بن ذهل: مَازِن بن شَيبَان، وَفِي هُذَيْل: مَازِن بن مُعَاوِيَة، وَفِي الأزد: مَازِن بن الأزد. والخدري، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة

وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته) فِي تَرْجَمَة أبي سعيد: إِن خدرة من الْيمن، وَمرَاده أَن الْأَنْصَار من الْيمن فهم بطن من الْأَنْصَار، وهم نفر قَلِيل بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو عمر: خدرة وخدارة بطْنَان من الْأَنْصَار، فَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من خدارة، وَأَبُو سعيد من خدرة، وهما إبنا عَوْف بن الْحَارِث كَمَا تقدم، وَضبط أَبُو عمر: خدارة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ من كَونه بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، وَصَوَّبَهُ الرّشاطي، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ العسكري فِي الصَّحَابَة، والحافظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي. وَاعْلَم أَن الْخُدْرِيّ، بِالضَّمِّ، يشْتَبه بالخدري، بِالْكَسْرِ، نِسْبَة إِلَى: خدرة، بطن من ذهل بن شَيبَان، وبالخدري، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن حسن مُتَأَخّر، روى عَن أبي حَاتِم، وبالجدري بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال، وَهُوَ عُمَيْر بن سَالم، وبكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال: الجدري، نِسْبَة إِلَى جدرة بطن من كَعْب.

(بَيَان لطائف الْإِسْنَاد) : مِنْهَا: أَن هَذَا الاسناد كُله مدنيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فَرد تحديث وَالْبَاقِي عنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَرَوَاهُ هَهُنَا عَن القعْنبِي، وَفِي الْفِتَن عَن ابْن يُوسُف، وَفِي إِسْنَاد الْكتاب عَن إِسْمَاعِيل ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَفِي الرقَاق وعلامات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم عَن الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ من أَحَادِيث مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَن معن عَن مَالك، فَجعله من قَول أبي سعيد لم يُجَاوِزهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْندهُ ابْن وهب التنيسِي، وسُويد وَغَيرهم والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (يُوشك) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يقرب، وَيُقَال فِي ماضيه: أوشك، وَمن أنكر اسْتِعْمَاله مَاضِيا فقد غلط، فقد كثر اسْتِعْمَاله. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوشك فلَان يُوشك: إيشاكاً أَي: أسْرع، قَالَ جرير:

(إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر ... لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصابا)

قَالَ: والعامة تَقول: يُوشك، بِفَتْح الشين، وَهِي لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: واشك يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، وَيُقَال: إِنَّه مواشك أَي: مسارع. وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: وَشك ذَا خُرُوجًا بِالضَّمِّ يُوشك أَي: يسْرع، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الوشك السرعة، وَيُقَال: الوشك والوشك، وَدفع الْأَصْمَعِي الوشك يَعْنِي: بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْكسَائي: عجبت من وشكان ذَلِك الْأَمر، وَمن وشكانه أَي: من سرعته، وَفِي الْمثل: وشكان مَاذَا إذابةً وحقناً أَي: مَا أسْرع مَا أذيب هَذَا السّمن وحقن، وَنصب إذابة، وحقناً على الْحَال، وَإِن كَانَا مصدرين كَمَا يُقَال: سرع ذَا مذاباً ومحقوناً، وَيجوز أَن يحمل على التَّمْيِيز، كَمَا يُقَال: حسن زيد وَجها يضْرب فِي سرعَة وُقُوع الْأَمر، وَلمن يخبر بالشَّيْء قبل أَوَانه، وَيُقَال: وشكان ذَا إهالة. فَإِن قلت: هَل يسْتَعْمل اسْم الْفَاعِل؟ قلت: نعم، وَلكنه نَادِر، قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن:

(فَإنَّك موشك أَن لَا ترَاهَا ... وتغدو دون غاضرة العوادي)

وغاضرة، بالمعجمتين، اسْم جَارِيَة أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، والعوادي: عوائق الدَّهْر وموانعه. قَوْله: (غنم) الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا، وعَلى الذُّكُور وحدهم وعَلى الأناث وَحدهَا. فَإِذا صغرتها الحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَازم لَهَا، وَيُقَال: لَهَا خمس من الْغنم ذُكُور، فيؤنث الْعدَد لِأَن الْعدَد يجْرِي على تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، قَوْله: (يتبع) بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، فَالْأول: من بَاب الافتعال من: اتبع اتبَاعا، وَالثَّانِي: من تبع بِكَسْر الْبَاء يتبع بِفَتْحِهَا تبعا بِفتْحَتَيْنِ وتباعة بِالْفَتْح، يُقَال: تبِعت الْقَوْم إِذا مَشى خَلفهم، أَو مروا بِهِ فَمضى مَعَهم، قَوْله: (شعف الْجبَال) بشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة، جمع: شعفة، بِالتَّحْرِيكِ، رَأس الْجَبَل، وَيجمع أَيْضا على شعوف وشعاف وشعفات قَالَه فِي (الْعباب) . وَفِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: إِن الشعاف بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة شعفة كل شي أَعْلَاهُ. قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَي: الْمَطَر، والمواقع جمع موقع بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مَوضِع نزُول الْمَطَر. قَوْله: (يفر) من فر يفر فِرَارًا ومفراً، إِذا

هرب، والمفر بِكَسْر الْفَاء مَوضِع الْفِرَار، والفتن جمع فتْنَة، وأصل الْفِتْنَة الاختبار، يُقَال: فتنت الْفضة على النَّار، إِذا خلصتها، ثمَّ اسْتعْملت فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي أَبْوَاب الْمَكْرُوه، فجَاء مرّة بِمَعْنى الْكفْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {والفتنة أكبر من الْقَتْل} (الْبَقَرَة: ٢١٧) وَيَجِيء للإثم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} (التَّوْبَة: ٤٩) وَيكون بِمَعْنى الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١٠) أَي: حرقوهم، وَيَجِيء بِمَعْنى الصّرْف عَن الشَّيْء، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} (الْإِسْرَاء: ٧٣) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (يُوشك) من أَفعَال المقاربة عِنْد النُّحَاة وضع لدنو الْخَبَر أخذا فِيهِ، وَهُوَ مثل: كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال، فَيجوز: أوشك زيد يَجِيء، وَأَن يَجِيء، وأوشك أَن يَجِيء زيد على الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وَخَبره يكون فعلا مضارعاً مَقْرُونا بِأَن وَقد يسند إِلَى: أَن، كَمَا قُلْنَا فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة، والْحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ أسْند يُوشك إِلَى أَن، وَالْفِعْل الْمُضَارع، فسد ذَلِك مسد اسْمه وَخَبره، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(يُوشك أَن يبلغ مُنْتَهى الْأَجَل ... فالبر لَازم برجا ووجل)

قَوْله: (خير) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: (غنم) ، وَيكون: فِي يكون، ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ كَلَام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتَوَقَّع، وَأما النصب فعلى كَونه خبر يكون مقدما على اسْمه، وَهُوَ قَوْله: (غنم) . وَلَا يضركون غنم نكرَة لِأَنَّهَا وصفت بقوله: (يتبع بهَا) وَقد روى غنما بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة نصب خبر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالرَّفْع، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى الْغنم، وَقد ذكرنَا أَنه اسْم جنس يجوز تأنيثه بِاعْتِبَار معنى الْجمع، قَوْله: (شعف الْجبَال) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول يتبع؛ قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَيْضا، كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على شعف الْجبَال. قَوْله: (يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أَي: من فَسَاد ذَات الْبَين وَغَيرهَا، وَقَوله: يفر جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى الْمُسلم، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، أما من الضَّمِير الَّذِي فِي يتبع أَو من الْمُسلم، وَيجوز وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (النِّسَاء: ١٢٥) فَإِن قلت: إِنَّمَا يَقع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْمُضَاف جزأ من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي حكمه كَمَا فِي: رَأَيْت وَجه هِنْد قَائِمَة، فَإِنَّهُ يجوز، وَلَا يجوز قَوْلك: رَأَيْت غُلَام هِنْد قَائِمَة، وَالْمَال لَيْسَ بِجُزْء للْمُسلمِ. قلت: المَال لشدَّة ملابسته بِذِي المَال كَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْملَّة لَيْسَ بِجُزْء لإِبْرَاهِيم حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة الْجُزْء مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَيقدر ذَلِك بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام، وَالْبَاء فِي (بِدِينِهِ) للسَّبَبِيَّة، وَكلمَة: من فِي قَوْله: (من الْفِتَن) ابتدائية تَقْدِيره: يفر بِسَبَب دينه ومنشأ فراره الدّين، وَيجوز أَن تكون الْبَاء، للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبط بِسَلام} (هود: ٤٨) أَي: مَعَه.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ فضل الْعُزْلَة فِي أَيَّام الْفِتَن إلَاّ أَن يكون الْإِنْسَان مِمَّن لَهُ قدرَة على إِزَالَة الْفِتْنَة، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي إِزَالَتهَا، إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كِفَايَة بِحَسب الْحَال والإمكان، وَأما فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعُزْلَة والاختلاط أَيهمَا أفضل؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب الشَّافِعِي والأكثرين إِلَى تَفْضِيل الْخلطَة لما فِيهَا من اكْتِسَاب الْفَوَائِد، وشهود شَعَائِر الْإِسْلَام، وتكثير سَواد الْمُسلمين، وإيصال الْخَيْر إِلَيْهِم وَلَو بعيادة المرضى، وتشييع الْجَنَائِز، وإفشاء السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وإعانة الْمُحْتَاج، وَحُضُور جماعاتهم وَغير ذَلِك مِمَّا يقدر عَلَيْهِ كل أحد، فَإِن كَانَ صَاحب علم أَو زهد تَأَكد فضل اخْتِلَاطه. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْعُزْلَة لما فِيهَا من السَّلامَة المحققة، لَكِن بِشَرْط أَن يكون عَارِفًا بوظائف الْعِبَادَة الَّتِي تلْزمهُ وَمَا يُكَلف بِهِ، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَفْضِيل الْخلطَة لمن لَا يغلب على ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمعاصِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُخْتَار فِي عصرنا تَفْضِيل الانعزال لندور خلو المحافل عَن الْمعاصِي. قلت: أَنا مُوَافق لَهُ فِيمَا قَالَ، فَإِن الِاخْتِلَاط مَعَ النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان لَا يجلب إِلَّا الشرور. الثَّانِي: فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْفِتَن، وَقد خرجت جمَاعَة من السّلف عَن أوطانهم وتغربوا خوفًا من الْفِتْنَة، وَقد خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع إِلَى الربذَة فِي فتْنَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْغنم واقتنائها على مَا نقُول عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ إِخْبَار بِأَنَّهُ يكون فِي آخر الزَّمَان فتن وَفَسَاد بَين النَّاس، وَهَذَا من جملَة معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١ - باب

١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك.

[الحديث ١٨ - أطرافه في: ٧٤٦٨، ٧٢١٣، ٧١٩٩، ٧٠٥٥، ٦٨٧٣، ٦٨٠١، ٦٧٨٤، ٤٨٩٤، ٣٩٩٩، ٣٨٩٣، ٣٨٩٢]

قوله: (باب) كذا في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا، فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا؛ لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء. ووجه التعلق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي عند عقبة منى في الموسم، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية من هذا الكتاب. وقد أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخر: في باب من شهد بدرا، لقوله فيه: كان شهد بدرا؛ وفي باب وفود الأنصار، لقوله فيه: وهو أحد النقباء وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه. ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين: أحدهما: أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر، وثانيهما: أنه تضمن الرد على من يقول: إن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

قَوْلُهُ: (عَائِذُ اللَّهِ) هُوَ اسْمُ عَلَمٍ، أَيْ: ذُو عِيَاذَةٍ بِاللَّهِ، وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْخَوْلَانِيُّ صَحَابِيٌّ، وَهُوَ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ لِأَنَّ لَهُ رُؤْيَةً، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَامَ حُنَيْنٍ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ شَامِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) يَعْنِي: حَضَرَ الْوَقْعَةَ الْمَشْهُورَةَ الْكَائِنَةَ بِالْمَكَانِ الْمَعْرُوفِ بِبَدْرٍ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ قَاتَلَ النَّبِيُّ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْمَغَازِي. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلَ ذَلِكَ أَبُو إِدْرِيسَ، فَيَكُونُ مُتَّصِلًا إِذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عُبَادَةَ، أَوِ الزُّهْرِيِّ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا. وَكَذَا قَوْلُهُ: وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ.

قَوْلُهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ) سَقَطَ قَبْلَهَا مِنْ أَصْلِ الرِّوَايَةِ لَفْظُ قَالَ وَهُوَ خَبَرُ أَنَّ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ وَكَانَ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَرِضٌ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحَذْفِ قَالَ خَطَأً، لَكِنْ حَيْثُ يَتَكَرَّرُ فِي مِثْلِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَا بُدَّ عِنْدَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنَ النُّطْقِ بِهَا، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا فِي بَابِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ هُنَا مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَلِأَحْمَدَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عُبَادَةَ حَدَّثَهُ.

قَوْلُهُ: (وَحَوْلَهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعِصَابَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا، وَقَدْ جُمِعَتْ عَلَى عَصَائِبَ وَعُصَبٍ.

قَوْلُهُ: (بَايِعُونِي) زَادَ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ تَعَالَوْا بَايِعُونِي، وَالْمُبَايَعَةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُعَاهَدَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

قَوْلُهُ: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّيْمِيُّ وَغَيْرُهُ: خُصَّ الْقَتْلُ بِالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَقَطِيعَةُ رَحِمٍ. فَالْعِنَايَةُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ آكَدُ وَلِأَنَّهُ كَانَ شَائِعًا فِيهِمْ، وَهُوَ وَأْدُ الْبَنَاتِ وَقَتْلُ الْبَنِينَ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ، أَوْ خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ

لِأَنَّهُمْ بِصَدَدِ أَنْ لَا يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ) الْبُهْتَانُ: الْكَذِبُ الذي يَبْهَتُ سَامِعَهُ، وَخَصَّ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ بِالِافْتِرَاءِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْأَفْعَالِ تَقَعُ بِهِمَا، إِذْ كَانَتْ هِيَ الْعَوَامِلَ وَالْحَوَامِلَ لِلْمُبَاشَرَةِ وَالسَّعْيِ، وَكَذَا يُسَمُّونَ الصَّنَائِعَ الْأَيَادِيَ. وَقَدْ يُعَاقَبُ الرَّجُلُ بِجِنَايَةٍ قَوْلِيَّةٍ فَيُقَالُ: هَذَا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: لَا تَبْهَتُوا النَّاسَ كِفَاحًا وَبَعْضُكُمْ يُشَاهِدُ بَعْضًا، كَمَا يُقَالُ: قُلْتُ كَذَا بَيْنَ يَدَيْ فُلَانٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِذِكْرِ الْأَرْجُلِ.

وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَيْدِي، وَذَكَرَ الْأَرْجُلَ تَأْكِيدًا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ ذِكْرَ الْأَرْجُلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضِيًا فَلَيْسَ بِمَانِعٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ الْقَلْبَ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُ اللِّسَانُ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ نُسِبَ إِلَيْهِ الِافْتِرَاءُ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَرْمُوا أَحَدًا بِكَذِبٍ تُزَوِّرُونَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ ثُمَّ تَبْهَتُونَ صَاحِبَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبَى جَمْرَةَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَيْ: فِي الْحَالِ، وَقَوْلُهُ وَأَرْجُلِكُمْ أَيْ: فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ أَفْعَالِ الْأَرْجُلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَصْلُ هَذَا كَانَ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ - عَنْ نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ الْوَلَدَ الَّذِي تَزْنِي بِهِ أَوْ تَلْتَقِطُهُ إِلَى زَوْجِهَا. ثُمَّ لَمَّا اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ فِي بَيْعَةِ الرِّجَالِ احْتِيجَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ أَوَّلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْصُوا) لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ وَلَا تَعْصُونِي وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْآيَةِ، وَالْمَعْرُوفُ مَا عُرِفَ مِنَ الشَّارِعِ حُسْنُهُ نَهْيًا وَأَمْرًا.

قَوْلُهُ: (فِي مَعْرُوفٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَلَا تَعْصُونِي وَلَا أَحَدَ أُولِي الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالْمَعْرُوفِ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ بَعْدَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الْمَخْلُوقِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْصِيَةِ لِلَّهِ، فَهِيَ جَدِيرَةٌ بِالتَّوَقِّي فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ) أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْعَهْدِ. وَوَفَى بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا بِمَعْنًى.

قَوْلُهُ: فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، أَطْلَقَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْخِيمِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْ ذَكَرَ الْمُبَايَعَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِوُجُودِ الْعِوَضَيْنِ أَثْبَتَ ذِكْرَ الْأَجْرِ فِي مَوْضِعِ أَحَدِهِمَا. وَأَفْصَحَ فِي رِوَايَةٍ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عِبَادَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِتَعْيِينِ الْعِوَضِ، فَقَالَ الْجَنَّةَ، وَعَبَّرَ هُنَا بِلَفْظِ عَلَى لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَالْوَاجِبَاتِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ لِلْأَدِلَّةِ الْقَائِمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فِي تَفْسِيرِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ تَقْرِيرُ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَأْمُورَاتِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُهْمِلْهَا، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَعْصُوا إِذِ الْعِصْيَانُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَالْحِكْمَةُ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ أَنَّ الْكَفَّ أَيْسَرُ مِنْ إِنْشَاءِ الْفِعْلِ ; لِأَنَّ اجْتِنَابَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى اجْتِلَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ) أَيِ: الْعِقَابُ، (كَفَّارَةٌ)، زَادَ أَحْمَدُ: لَهُ، وَكَذَا هُوَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَزَادَ وَطَهُورٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ: عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فَالْمُرْتَدُّ إِذَا قُتِلَ عَلَى ارْتِدَادِهِ لَا يَكُونُ الْقَتْلُ لَهُ كَفَّارَةً. قُلْتُ: وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا ذُكِرَ بَعْدَ الشِّرْكِ، بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ فَلَا يَدْخُلُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى إِخْرَاجِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا إِذِ الْقَتْلُ عَلَى الشِّرْكِ لَا يُسَمَّى حَدًّا. لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ لِتَرَتُّبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَخِطَابُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّحْذِيرَ مِنَ الْإِشْرَاكِ. وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِّ عُرْفِيٌّ حَادِثٌ، فَالصَّوَابُ مَا قَالَ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّرْكِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُ شَيْئًا أَيْ: شِرْكًا أَيًّا مَا كَانَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عُرْفَ الشَّارِعِ إِذَا أَطْلَقَ الشِّرْكَ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَا يُقَابِلَ التَّوْحِيدَ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثِ حَيْثُ لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا ذَلِكَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ طَلَبَ الْجَمْعِ يَقْتَضِي ارْتِكَابَ الْمَجَازِ، فَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ

وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.

وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَقِبَ الْإِصَابَةِ بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالرِّيَاءِ لَا عُقُوبَةَ فِيهِ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ الشِّرْكُ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ.

وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَفَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: لَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا، لَكِنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ أَصَحُّ إِسْنَادًا. وَيُمْكِنُ - يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَدَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قُلْتُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَنَّ هِشَامَ بْنَ يُوسُفَ رَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ فَأَرْسَلَهُ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَصَلَهُ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فَقَوِيَتْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَالْجَمْعُ - الَّذِي جَمَعَ بِهِ الْقَاضِي - حَسَنٌ ; لَكِنَّ الْقَاضِيَ وَمَنْ تَبِعَهُ جَازِمُونَ بِأَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ هَذَا كَانَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ لَمَّا بَايَعَ الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللَّهِ الْبَيْعَةَ الْأُولَى بِمِنًى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبْعِ سِنِينَ عَامَ خَيْبَرَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُهُ مُتَقَدِّمًا؟ وَقَالُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كَانَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ قَدِيمًا وَلَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ كَمَا سَمِعَهُ عُبَادَةُ، وَفِي هَذَا تَعَسُّفٌ. وَيُبْطِلُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ، وَأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ.

وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَالْمُبَايَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ تَقَعْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنْ يَرْحَلَ إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ - فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَغَيْرِهِ - مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ. . . الْحَدِيثَ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ أَنَّهُ جَرَتْ لَهُ قِصَّةٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ وَلَا نَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ فَنَمْنَعَهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا، وَلَنَا الْجَنَّةُ. فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا. فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ.

وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى، وَأَلْفَاظٌ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذِهِ. وَقَدْ وَضَحَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْبَيْعَةِ الْأُولَى.

ثُمَّ صَدَرَتْ مُبَايَعَاتٌ أُخْرَى سَتُذْكَرُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْهَا هَذِهِ الْبَيْعَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْفَوَاحِشِ الْمَذْكُورَةِ. وَالَّذِي يُقَوِّي أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمُمْتَحِنَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا بَايَعَهُمْ قَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا، وَعِنْدَهُ فِي تَفْسِيرِ الْمُمْتَحِنَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ: قَرَأَ آيَةَ النِّسَاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: فَتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ، قَالَ: أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا تُبَايِعُونَنِي عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ: أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَشْعَثِ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ.

فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْدَ نُزُولِ

الْآيَةِ، بَلْ بَعْدَ صُدُورِ الْبَيْعَةِ، بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُدَّةٍ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: إِذَا صَحَّ الْإِسْنَادُ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهُوَ كَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، اهـ.

وَإِذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَحَدَ مَنْ حَضَرَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَا مِمَّنْ حَضَرَ بَيْعَتَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ إِسْلَامُهُ قُرْبَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَضَحَ تَغَايُرُ الْبَيْعَتَيْنِ - بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَهِيَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَيْعَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَشَهِدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ - وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِثْلِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَأَخِّرًا عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الصَّوَابِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الِالْتِبَاسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَضَرَ الْبَيْعَتَيْنِ مَعًا، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مِنْ أَجَلِّ مَا يُتَمَدَّحُ بِهِ، فَكَانَ يَذْكُرُهَا إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيهًا بِسَابِقِيَّتِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْبَيْعَةَ الَّتِي صَدَرَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ.

وَنَظِيرُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ - قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْعَةَ الْحَرْبِ وَكَانَ عُبَادَةُ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي اتِّحَادِ الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ بَيْعَةَ الْحَرْبِ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ الْحَرْبَ إِنَّمَا شُرِعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَرَدُّهَا إِلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ رِوَايَتُهُ عَلَى ثَلَاثِ بَيْعَاتٍ: بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يفْرَضَ الْحَرْبُ فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالثَّانِيَةُ بَيْعَةُ الْحَرْبِ وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ، وَالثَّالِثَةُ بَيْعَةُ النِّسَاءِ أَيْ: الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى نَظِيرِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ. وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ (١) وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ التَّصْرِيحِ فِي رِوَايَةُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ أَنَّ بَيْعَةَ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَاتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْآيَةُ، وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى النِّسَاءِ لِضَبْطِهَا بِالْقُرْآنِ.

وَنَظِيرُهُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ قَالَ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ; وَقَالَ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ. فَظَاهِرُ هَذَا اتِّحَادُ الْبَيْعَتَيْنِ ; وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَا قَرَّرْتُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا - أَيْ: لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - عَلَى الْإِيوَاءِ وَالنَّصْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: بَايَعْنَاهُ إِلَخْ أَيْ: فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ فِي قَوْلِهِ وَقَالَ بَايَعْنَاهُ. وَعَلَيْكَ بِرَدِّ مَا أَتَى مِنَ الرِّوَايَاتِ مُوهِمًا بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْعَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي نَهَجْتْ إِلَيْهِ فَيَرْتَفِعُ بِذَلِكَ الْإِشْكَالُ، وَلَا يَبْقَى بَيْنَ حَدِيثَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةَ تَعَارُضٌ، وَلَا وَجْهَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلتَّوَقُّفِ فِي كَوْنِ الْحُدُودِ كَفَّارَةً.

وَاعْلَمْ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِرِوَايَةِ هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ رَوَى ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَفِيهِ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى عَبْدِهِ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبَى تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِإِسْنَادٍ

حَسَنٍ وَلَفْظُهُ: مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الذَّنْبُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (١) مَرْفُوعًا: مَا عُوقِبَ رَجُلٌ عَلَى ذَنْبٍ إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَةً لِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ. وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّنِي لَمْ أَرَ مَنْ أَزَالَ اللَّبْسَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْضِيِّ، وَاللَّهُ الْهَادِي.

قَوْلُهُ: (فَعُوقِبَ بِهِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يُرِيدُ بِهِ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ وَالْجَلْدَ أَوِ الرَّجْمَ فِي الزِّنَا. قَالَ: وَأَمَّا قَتْلُ الْوَلَدِ فَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَةٌ مَعْلُومَةٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ قَتْلَ النَّفْسِ فَكَنَّى عَنْهُ، قُلْتُ: وَفِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَعُوقِبَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحُكِيَ عَنِ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِ أَنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِ إِنَّمَا هُوَ رَادِعٌ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَالطَّلَبُ لِلْمَقْتُولِ قَائِمٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ حَقٌّ. قُلْتُ: بَلْ وَصَلَ إِلَيْهِ حَقٌّ أَيُّ حَقٍّ، فَإِنَّ الْمَقْتُولَ ظُلْمًا تُكَفَّرُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ بِالْقَتْلِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا جَاءَ الْقَتْلُ مَحَا كُلَّ شَيْءٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَلَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَلِلْبَزَّارِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَمُرُّ الْقَتْلُ بِذَنْبٍ إِلَّا مَحَاهُ فَلَوْلَا الْقَتْلُ مَا كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ، وَأَيُّ حَقٍّ يَصِلُ إِلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ وَلَوْ كَانَ حَدُّ الْقَتْلِ إِنَّمَا شُرِعَ لِلرَّدْعِ فَقَطْ لَمْ يُشْرَعِ الْعَفْوُ عَنِ الْقَاتِلِ، وَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ الْمَصَائِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنَ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَغَيْرِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.

وَيَدُلُّ لِلْمَنْعِ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَائِبَ لَا تُنَافِي السَّتْرَ، وَلَكِنْ بَيَّنَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ أَنَّ الْمَصَائِبَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا لَا حَدَّ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ كَفَّارَةٌ لِلذَّنْبِ وَلَوْ لَمْ يَتُبِ الْمَحْدُودُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ التَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَوَافَقَهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْبَغَوِيُّ وَطَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِاسْتِثْنَاءِ مَنْ تَابَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَالْجَوَابُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي عُقُوبَةِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ قُيِّدَتْ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (فَهُوَ إِلَى اللَّهِ) قَالَ الْمَازِنِيُّ (٢): فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَرَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ تَعْذِيبَ الْفَاسِقِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَلَمْ يَقُلْ لَا بُدَّ أَنْ يُعَذِّبَهُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْكَفِّ عَنِ الشَّهَادَةِ بِالنَّارِ عَلَى أَحَدٍ أَوْ بِالْجَنَّةِ لِأَحَدٍ إِلَّا مَنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ بِعَيْنِهِ. قُلْتُ: أَمَّا الشِّقُّ الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ. وَأَمَّا الثَّانِي فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ إِنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ.

قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) يَشْمَلُ مَنْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ، وَقَالَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَابَ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ هَلْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ أَوْ لَا. وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَمَا لَا يَجِبُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أَتَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَتُوبَ سِرًّا وَيَكْفِيَهُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ وَيَعْتَرِفَ بِهِ وَيَسْأَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ كَمَا وَقَعَ لِمَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِنَ بِتَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.

(تَنْبِيهٌ): زَادَ فِي رِوَايَةِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَنْتَهِبُ وَهُوَ مِمَّا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي أَنَّ الْبَيْعَةَ مُتَأَخِّرَةٌ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ عِنْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ، وَالْمُرَادُ بِالِانْتِهَابِ مَا يَقَعُ بَعْدَ الْقِتَالِ فِي الْغَنَائِمِ. وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا: وَلَا يَعْصِي بِالْجَنَّةِ، إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مَا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ وَلَا يَقْضِي بِقَافٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ النَّاسِ فِي تَخْرِيجِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ نَهَاكُمْ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- بغير ترجمةٍ، ولفظ: «الباب» ساقطٌ عند الأَصيليِّ، وحينئذٍ فالحديث التَّالي من جملة التَّرجمة السَّابقة، وعلى رواية إثباته فهو كالفصل عن سابقه مع تعلُّقه به، وفي الحديث السَّابق الإشارة لحبِّ الأنصار، وفي اللَّاحق ابتداء السَّبب في تلقيبهم بالأنصار؛ لأنَّ ذلك كان ليلة العقبة، لمَّا تبايعوا على إعلاء توحيد الله تعالى وشريعته، وقد كانوا يُسمَّون قبل ذلك: بني قَيْلة -بقافٍ مفتوحةٍ ومثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ساكنةٍ- وهي الأمُّ التي تجمع القبيلتين، فسمَّاهم الأنصار لذلك.

١٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة القرشيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ) بالمُعجَمَة، وهو اسم عَلَم، أي: ذو عياذةٍ بالله، فهو عطف بيانٍ لقوله: أبو إدريس (بْنُ عَبْدِ اللهِ) الصَّحابيِّ، ابن عَمرو (١) الخولانيُّ، الدِّمشقيُّ الصَّحابيُّ؛ لأنَّ مولده

كان عام حُنينٍ، التَّابعيُّ الكبير من حيث الرِّواية، المُتوفَّى سنة ثمانين (أَنَّ عُبَادَةَ) بضمِّ العين (بْنَ الصَّامِتِ) بن قيسٍ الأنصاريَّ الخزرجيَّ، المُتوفَّى بالرَّملة سنة أربعٍ وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً، وقِيلَ (١): في خلافة معاوية سنة خمسٍ وأربعين، وله في «البخاريِّ» تسعةُ أحاديثَ (، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا) أي: وقعتها، فالنَّصب بقوله: شهد، وليس مفعولًا فيه (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ) جمع نقيبٍ؛ وهو النَّاظر على القوم وضمينهم وعريفهم، وكانوا اثني عشر رجلًا (لَيْلَةَ العَقَبَةِ) بمنًى، أي: فيها، والواو في «وهو» كواو «وكان»؛ هي الدَّاخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، وإفادة أنَّ اتِّصافه بها أمرٌ ثابتٌ، ولا ريبَ أنَّ كون شهود عُبَادةَ بدرًا وكونه من النُّقباء صفتان من صفاته، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال، ولا للعطف، قاله العينيُّ، وهذا ذكره ابن هشامٍ في «مُغْنيه» حاكيًا له عن الزَّمخشريِّ في «كشَّافه»، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]: جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾ والقياس أنَّه لا تتوسَّط الواو بينهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت الواو (٢) لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يُقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه ابن مالكٍ في «شرح تسهيله»: بأنَّ ما ذَهَبَ إليه من توسُّط الواو بين الصِّفة والموصوف فاسدٌ؛ لأنَّ مذهبه في هذه المسألة لا يُعرَف من البصريِّين ولا من الكوفيِّين معوِّلٌ عليه، فوجب ألَّا يُلتفَت إليه، وأيضًا: فلأنَّه مُعلَّلٌ بما لا يُناسب؛ وذلك لأنَّ الواو تدلُّ على الجمع بين ما قبلها وما بعدها، وذلك مُستلزِمٌ لتغايرهما، وهو ضدٌّ لِمَا يُرَاد من التَّأكيد، فلا يصحُّ أن يُقَال للعاطف: مُؤكِّدٌ، وأيضًا: لو

صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصِّفة لَكَان أَوْلَى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال؛ نحو: إنَّ رجلًا رأيُهُ سديدٌ لَسعيدٌ، فـ «رأيُهُ سديدٌ» جملةٌ نُعِتَ بها، ولا يجوز (١) اقترانها بالواو لعدم صلاحيَّتها للحال؛ بخلاف: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ فإنَّها جملةٌ يصلح في موضعها الحال؛ لأنَّها بعد نفيٍ، وتعقَّبه نجم الدِّين سعيدٌ على (٢) الوجه الأوَّل: بأنَّ الزَّمخشريَّ أَعْرَفُ باللُّغة، مع أنَّه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوَّل عليه عدمُه، وعلى الثَّاني: أنَّ تغاير الشَّيئين لا ينافي تلاصقهما، والجملة التي هي صفةٌ لها التصاقٌ بالموصوف، والواو أكَّدت الالتصاق باعتبار أنَّها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق، لا أنَّها عاطفةٌ، وعلى الثَّالث: أنَّ المراد من الالتصاق ليس الالتصاقَ اللَّفظيَّ كما فهمه ابن مالكٍ، بل المعنويَّ، والواو تؤكِّد الثَّاني دون الأوَّل، وتعقَّبه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ قوله: «أعرف باللُّغة» مجرَّدُ دعوى، مع أنَّها لو سلمت لا تصلح لردِّ أنَّ هذا المذهب غير معروفٍ لبصريٍّ ولا كوفيٍّ، وإنَّما وجه الرَّدِّ أن يُقَال: بل هو معروفٌ، ويبيِّن من قاله منهم. انتهى. وقد تبع الزَّمخشريَّ في ذلك أبو البقاء، وقال في «الدُّرِّ»: إن في محفوظه أنَّ ابن جنِّيٍّ سبق الزَّمخشريَّ بذلك (٣)، وقوَّاه بآية: ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وقراءة ابن أبي عبلة: (إلَّا لها كتابٌ) [الحجر: ٤] بإسقاط الواو، ويحتمل أن يكون قائلَ: «وكان شهد … » إلى آخره أبو إدريس (٤)، فيكون متَّصلًا إنْ حُمِلَ على أنَّه سمع ذلك من عُبادةَ، أو الزُّهريُّ فيكون منقطعًا، والجملة اعتراضٌ بين «أنَّ» وخبرها السَّاقطِ من أصل الرِّواية هنا، ولعلَّها سقطت من ناسخٍ بعده واستمرَّ؛ بدليل ثبوتها عند المصنِّف في «باب من شهد

بدرًا» [خ¦٣٨٩٢] والتَّقدير هنا: أنَّ عبادة بن الصَّامت أخبر: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ، وَحَوْلَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) -بكسر العين-: ما بين العشرة إلى الأربعين، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، و «عِصابةٌ»: مبتدأٌ، خبره: «حولَهُ» مقدَّمًا، و «من أصحابه»: صفةٌ لـ «عصابةٌ»، وأشار الرَّاوي بذلك إلى المُبالَغة في ضبط الحديث، وأنَّه عن تحقيقٍ وإتقانٍ؛ ولذا ذكر أنَّ الرَّاوي شهد بدرًا، وأنَّه أحد النُّقباء، والمُرَاد به: التَّقوية، فإنَّ الرِّواية تترجَّح عند المُعارَضة بفضل الرَّاوي (١) وشرفه، ومقولُ قولِه : (بَايِعُونِي) أي: عاقدوني (عَلَى) التَّوحيد (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا) أي: على ترك الإشراك، وهو عامٌّ لأنَّه نكرةٌ في سياق النَّهي كالنَّفي، وقدَّمه على ما بعده لأنَّه الأصل (وَ) على أن (لَا تَسْرِقُوا) فيه حذف المفعول ليدلَّ (٢) على العموم (وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ) خصَّهم بالذِّكر لأنَّهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشيةَ الإملاق، أو لأنَّ قتلهم أكبرُ من قتل غيرهم، وهو الوَأْد؛ وهو أشنع القتل، أو أنَّه قتلٌ وقطيعةُ رَحِمٍ، فصرفُ العناية إليه أكثرُ (وَلَا تَأْتُوا) بحذف النُّون، ولغير الأربعة: «ولا تأتون» (بِبُهْتَانٍ) أي: بكذبٍ يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته؛ كالرَّمي بالزِّنا والفضيحة والعار، وقوله: (تَفْتَرُونَهُ) من الافتراء، أي: تختلقونه (بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) أي: من قِبَلِ أنفسكم، فكنَّى باليد والرِّجل عن الذَّات لأنَّ مُعظَم الأفعال بهما، والمعنى: لا تأتوا ببهتانٍ

من قِبَلِ أنفسكم، أو أنَّ البهتان ناشئٌ عمَّا يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل، ثمَّ يبرزه بلسانه، أو المعنى: لا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحًا مواجهةً (وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ) وهو ما عُرِفَ من الشَّارع حُسنُه، نهيًا أو أمرًا (١)، وقُيِّد به تطييبًا لقلوبهم؛ لأنَّه لا يأمر إلَّا به، وقال البيضاويُّ في الآية: والتَّقييد بالمعروف مع أنَّ الرَّسول لا يأمر إلَّا به؛ للتَّنبيه على أنَّه لا تجوز طاعة مخلوقٍ في معصية الخالق، وخصَّ ما ذكر من المناهي بالذِّكر دون غيره للاهتمام به، (فَمَنْ وَفَى) بالتَّخفيف، وفي رواية أبي ذَرٍّ: «وفَّى» بالتَّشديد، أي: ثبت على العهد (مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ) فضلًا ووعدًا، أي: بالجنَّة، كما وقع التَّصريح به في «الصَّحيحين» من حديث عُبادةَ في رواية الصُّنابحيِّ [خ¦٣٨٩٣] وعبَّر بلفظ: «على» وبـ «الأجر» للمُبالغَة في تحقُّق وقوعه، ويتعيَّن حمله على غير ظاهره للأدلَّة (٢) القاطعة على أنَّه لا يجب على الله شيءٌ، بل الأجر من فضله عليه، لمَّا ذكر المُبايَعَة المقتضية لوجود العوضين أثبت الأجر في موضع أحدهما (وَمَنْ أَصَابَ) منكم أيُّها المؤمنون (مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) غير الشِّرك؛ بنصب «شيئًا» مفعول «أصاب» الذي هو صلةٌ من الموصول المتضمِّن معنى الشَّرط، والجارُّ للتَّبعيض (فَعُوقِبَ) أي: به، كما رواه أحمدُ، أي: بسببه (فِي الدُّنْيَا) أي: بأن أُقِيَم عليه الحدُّ (فَهُوَ) أي: العقاب (كَفَّارَةٌ لَهُ) فلا يُعاقَب عليه في الآخرة، وفي رواية الأربعة: «فهو كفَّارةٌ» بحذف «له» وقد قِيلَ: إنَّ قتل القاتل حدٌّ وإرداعٌ لغيره، وأمَّا في الآخرة فالطَّلب للمقتول قائمٌ، وتُعقِّب بأنَّه لو كان كذلك لم يَجُزِ العفوُ عن القاتل، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لظاهر الحديث، وفي «التِّرمذيِّ» وصحَّحه من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه مرفوعًا نحو هذا الحديث، وفيه: «ومن أصاب ذنبًا فعُوقِبَ به في الدُّنيا فالله أكرمُ من أن يُثنِّي العقوبة على عبده في الآخرة» و «شيئًا»: نكرةٌ تفيد العموم لأنَّها في سياق الشَّرط، وقد صرَّح ابن الحاجب بأنَّه كالنَّفي في إفادته، وحينئذٍ

فيشمل إصابة الشِّرك وغيره، واستُشكِل: بأنَّ المرتدَّ إذا قُتِلَ على ارتداده لا يكون قتله كفَّارةً، وأُجِيب: بأنَّ عموم الحديث مخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] أو المُرَاد به: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرِّياء، وتُعقِّب: بأنَّ عُرْفَ الشَّارع إذا أَطْلَقَ الشِّركَ إنَّما يريد به ما يقابل التَّوحيد، وأُجِيب: بأنَّ طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فهو محتملٌ وإن كان ضعيفًا، وتُعقِّب: بأنَّه عقب الإصابة بالعقوبة في الدُّنيا، والرِّياء لا عقوبةَ فيه، فوضح أنَّ المراد الشِّرك، وأنَّه مخصوصٌ، وقال قومٌ: بالوقف؛ لحديث أبي هريرة المرويِّ عند البزَّار والحاكم وصحَّحه: أنَّه قال: «لا أدري؛ الحدود كفَّارةٌ لأهلها أم لا؟» وأُجِيب: بأنَّ حديث الباب أصحُّ إسنادًا، وبأنَّ حديث أبي هريرة ورد أوَّلًا قبل أن يعلم ، ثمَّ أعلمه الله تعالى آخرًا، وعُورِضَ بتأخُّر إسلام أبي هريرة، وتقدَّم حديث الباب؛ إذ كان ليلة العقبة الأولى، وأُجِيب: بأنَّ حديث أبي هريرة صحيحٌ سابقٌ على حديث الباب، وأنَّ المبايعةَ المذكورةَ لم تكن ليلة العقبة، وإنَّما هي بعد فتح مكَّة وآية «الممتحنة»، وذلك بعد إسلام أبي هريرة، وعُورِضَ: بأنَّ الحديث رواه الحاكمُ، ولا يخفى تساهله في التَّصحيح، على أنَّ الدَّارقطنيَّ قال: إنَّ عبد الرَّزَّاق تفرَّد بوصله، وإنَّ هشام بن يوسف رواه عن معْمرٍ فأرسله، وحينئذٍ فلا تساويَ بينهما، وعلى ذلك فلا يحتاج إلى الجمع والتَّوفيق بين الحديثين، وبأنَّ عياضًا وغيره جزموا بأنَّ حديث عُبادةَ هذا كان بمكَّةَ ليلة العقبة عند البيعة الأولى بمِنًى، ويؤيِّده قوله: «عصابةٌ» المفسَّر بـ «النُّقباء الاثني عشر»، بل صرَّح بذلك في رواية النَّسائيِّ، ولفظه: «بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهطٍ»، والرَّهط: ما دون العشرة من الرِّجال فقط، وقال ابن دريدٍ: وربَّما جاوز ذلك قليلًا، وهو ضدُّ الكثير، وأقلُّه ثلاثةٌ، وأكثر القليل اثنان، فتُضَاف للتِّسعة، فالمجموع أحدَ عَشَرَ، فكان المُرَاد من الرَّهط هنا: أحدَ عَشَرَ نقيبًا، ومع عُبَادَةَ اثنا عَشَرَ

نقيبًا، وإذا ثبت هذا فقد دلَّ قطعًا: أنَّ هذه المبايعةَ كانت ليلة العقبة الأولى؛ لأنَّ الواقعة بعد الفتح كان فيها الرِّجال والنِّساء معًا، مع العدد الكثير. انتهى.

(وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ) المذكور (شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ) وفي رواية ابن عساكرَ -وعَزَاها الحافظ ابن حجرٍ لكريمةَ- زيادة: «عليه» (فَهُوَ) مفوَّضٌ (إِلَى اللهِ) تعالى (إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ) بفضله (وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ) بعدله. (فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) ومفهوم هذا يتناول مَنْ تاب ومَنْ لم يَتُبْ، وأنَّه لم يتحتَّم دخوله النَّار، بل هو إلى مشيئة الله تعالى، وقال الجمهور: إنَّ التَّوبة ترفع المُؤاخَذة. نعم؛ لا يأمن من مكر الله تعالى لأنَّه لا اطِّلاع له على قبول توبته، وقال قومٌ: بالتَّفرقة بين ما يجب فيه الحدُّ وما لا يجب، فإن قلت: ما الحكمة في عطف الجملة المتضمِّنة للعقوبة على ما قبلها بالفاء، والمتضمِّنة للسَّتر بـ «ثمَّ»؟ أُجِيب: باحتمال أنَّه للتَّنفير عن مُواقَعَة المعصية، فإنَّ السَّامع إذا علم أنَّ العقوبة مفاجئةٌ لإصابة المعصية غير متراخيةٍ عنها، وأنَّ السَّتر مُتَرَاخٍ؛ بعثه ذلك على اجتناب المعصية وتوقِّيها، قاله في «المصابيح».

ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم شاميُّون، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وفيه رواية قاضٍ عن قاضٍ أبو إدريس وعبادةُ، ورواية من رآه عمَّن رآه؛ لأنَّ أبا إدريسَ له رؤيةٌ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٣٩٩٩] و «الأحكام» [خ¦٧٢١٣] وفي «وفود الأنصار» [خ¦٣٨٩٢] وفي «الحدود» [خ¦٦٧٨٤]، ومسلمٌ في «الحدود» أيضًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وألفاظهم مختلفةٌ.

ولمَّا فرغ المصنِّف من تلويحه بمناقب الأنصار؛ مِنْ بذلهم أرواحَهم وأموالَهم في محبَّة الرَّسول فرارًا بدينهم من فِتَنِ الكفر والضَّلال، شرع يذكر فضيلة العزلة والفرار من الفتن، فقال:

(١٢) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ) ولم يقل: مِنَ الإيمان لمراعاة لفظ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَهُوَ الْقلب، وَالْأول: كِنَايَة عَن إِلْقَاء الْبُهْتَان من تِلْقَاء أنفسهم، وَالثَّانِي: عَن إنْشَاء الْبُهْتَان من دخيلة قُلُوبهم مَبْنِيا على الْغِشّ المبطن. وَقَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: لَا تبهتوا النَّاس بالمعايب كفاحاً مُوَاجهَة، وَهَذَا كَمَا يَقُول الرجل: فعلت هَذَا بَين يَديك، أَي: بحضرتك. وَقَالَ التَّيْمِيّ: هَذَا غير صَوَاب من حَيْثُ إِن الْعَرَب، وَإِن قَالَت: فعلته بَين أَيدي الْقَوْم، أَي: بحضرتهم لم تقل: فعلته بَين أَرجُلهم، وَلم ينْقل عَنْهُم هَذَا أَلْبَتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: هُوَ صَوَاب، إِذْ لَيْسَ الْمَذْكُور الأرجل فَقَط، بل المُرَاد الْأَيْدِي، وَذكر الأرجل تَأْكِيدًا لَهُ وتابعاً لذَلِك، فالمخطىء مخطىء وَيُقَال: يحْتَمل أَن يُرَاد بِمَا بَين الْأَيْدِي والأرجل الْقلب، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يترجم اللِّسَان عَنهُ، فَلذَلِك نسب إِلَيْهِ الافتراء،، فَإِن الْمَعْنى: لَا ترموا أحدا بكذب تزوِّرونه فِي أَنفسكُم ثمَّ تبهتون صَاحبكُم بألسنتكم. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن أبي جَمْرَة: يحْتَمل أَن يكون قَوْله: بَين أَيْدِيكُم، أَي: فِي الْحَال، قَوْله: وأرجلكم أَي: فِي الْمُسْتَقْبل، لِأَن السَّعْي من أَفعَال الأرجل. وَقَالَ غَيره: أصل هَذَا كَانَ فِي بيعَة النِّسَاء، وكنى بذلك كَمَا قَالَ الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) عَن نِسْبَة الْمَرْأَة الْوَلَد الَّذِي تَزني بِهِ أَو تلتقطه إِلَى زَوجهَا، ثمَّ لما اسْتعْمل هَذَا اللَّفْظ فِي بيعَة الرِّجَال احْتِيجَ إِلَى حمله على غير مَا ورد فِيهِ أَولا. قلت: وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم: وَلَا نقْتل أَوْلَادنَا، وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا، أَي: لَا يسخر. وَقيل: لَا يَأْتِي بِبُهْتَان، يُقَال: عضهت الرجل رميته بالعضيهة؛ قَالَ الْجَوْهَرِي: العضيهة البهيتة، وَهُوَ الْإِفْك والبهتان، تَقول يَا للعضيهة. بِكَسْر اللَّام، وَهِي استغاثة، وَأَصله من: عضهه عضهاً بِالْفَتْح، وَقَالَ الْكسَائي: العضه الْكَذِب، وَجَمعهَا عضون، مثل: عزة وعزون، وَيُقَال نقصانه الْهَاء وَأَصله عضهة. وَمِنْهَا مَا قيل: لم قيد قَوْله: (وَلَا تعصوا) ، بقوله: (فِي مَعْرُوف) ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ قَيده بذلك تطييباً لنفوسهم، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: يحْتَمل فِي معنى الحَدِيث: وَلما تعصوني، وَلَا أجد عَلَيْكُم أولى من اتباعي إِذا أَمرتكُم بِالْمَعْرُوفِ، فَيكون التَّقْيِيد بِالْمَعْرُوفِ عَائِدًا إِلَى الِاتِّبَاع، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تعصوا وَلم يقل وَلَا تعصوني. قلت: فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ، فِي بَاب وُفُود الْأَنْصَار: وَلَا تعصوني، فحينئذٍ الْأَحْسَن هُوَ الْجَواب الأول. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: فِي آيَة المبايعات: فَإِن قلت: لَو اقْتصر على قَوْله: لَا يَعْصِينَك، فقد علم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يَأْمر إلَاّ بِالْمَعْرُوفِ. قلت: نبه بذلك على أَن طَاعَة الْمَخْلُوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وَمِنْهَا مَا قيل: قد ذكر فِي الاعتقاديات والعمليات كلتيهما، فلِمَ اكْتفى فِي الاعتقاديات بِالتَّوْحِيدِ؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ هُوَ الأَصْل والأساس. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ مَا ذكر الْإِتْيَان بالواجبات وَاقْتصر على ترك المنهيات؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يقْتَصر حَيْثُ قَالَ: وَلَا تعصوا فِي مَعْرُوف، إِذْ الْعِصْيَان مُخَالفَة الْأَمر، أَو اقْتصر لِأَن هَذِه الْمُبَايعَة كَانَت فِي أَوَائِل الْبعْثَة وَلم تشرع الْأَفْعَال بعد. وَمِنْهَا مَا قيل: لِمَ قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات؟ وَأجِيب: بِأَن التخلي عَن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل. وَمِنْهَا مَا قيل: فلِمَ ترك سَائِر المنهيات وَلم يقل مثلا {وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم} (الْأَنْعَام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤) وَغير ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت حرَام آخر، أَو اكْتفى بِالْبَعْضِ ليقاس الْبَاقِي عَلَيْهِ، أَو لزِيَادَة الاهتمام بالمذكورات. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: (فَأَجره على الله) يشْعر بِالْوُجُوب على الله لكلمة: على وَأجِيب: بِأَن هَذَا وَارِد على سَبِيل التفخيم نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فقد وَقع أجره على الله} (النِّسَاء: ١٠٠) وَيتَعَيَّن حمله على غير ظَاهره للأدلة القاطعة على أَنه لَا يجب على الله شَيْء. وَمِنْهَا مَا قيل: لفظ الْأجر مشْعر بِأَن الثَّوَاب إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزلَة لَا مُجَرّد فضل كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا أطلق الْأجر لِأَنَّهُ مشابه لِلْأجرِ، صُورَة لترتبه عَلَيْهِ.

١٢ - (بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَلَا يجوز فِيهِ الْإِضَافَة. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن معنى الْبَاب الأول مُتَضَمّن معنى هَذَا الْبَاب، وَذَلِكَ لِأَن النُّقَبَاء من الْأَنْصَار، والانصار كلهم خيروا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبذلوا أَرْوَاحهم وَأَمْوَالهمْ فِي محبته فِرَارًا بدينهم من فتن الْكفْر والضلال، وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَاب يبين فِيهِ ترك الْمُسلم الِاخْتِلَاط بِالنَّاسِ ومعاشرتهم، واختياره الْعُزْلَة والانقطاع فِرَارًا بِدِينِهِ من فتن النَّاس والاختلاط بهم. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يقل: بَاب من الْإِيمَان الْفِرَار من الْفِتَن، كَمَا ذكر هَكَذَا فِي أَكثر الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة والأبواب الْآتِيَة، وَأَيْضًا عقد الْكتاب فِي الْإِيمَان؟ قلت: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك ليطابق التَّرْجَمَة الحَدِيث الَّذِي يذكرهُ فِي

الْبَاب، فَإِن الْمَذْكُور فِيهِ الْفِرَار بِالدّينِ من الْفِتَن، وَلَا يحْتَاج أَن يُقَال: لما كَانَ الْإِيمَان وَالْإِسْلَام مترادفين عِنْده. وَقَالَ الله تَعَالَى: {إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام} (آل عمرَان: ١٩) أطلق الدّين فِي مَوضِع الْإِيمَان. فَإِن قلت: قَالَ النَّوَوِيّ: فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة نظر، لِأَنَّهُ لَا يلْزم من لفظ الحَدِيث عد الْفِرَار دينا، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة للدّين، قلت: لم يرد بِكَلَامِهِ الْحَقِيقَة، لِأَن الْفِرَار لَيْسَ بدين، وَإِنَّمَا المُرَاد أَن الْفِرَار للخوف على دينه من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين، وَلِهَذَا ذكره: بِمن، التبعيضية، وَتَقْدِير الْكَلَام: بَاب الْفِرَار من الْفِتَن شُعْبَة من شعب الدّين.

١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ عنْ أبِيهِ عَن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُوشِكُ أَن يَكُونَ خَيْرَ مالِ المُسِلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ.

الْمُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة ظَاهِرَة على مَا ذكرنَا.

(بَيَان رِجَاله) : وهم خَمْسَة. الأول: عبد الله بن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، ابْن قعنب أَبُو عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ الْبَصْرِيّ، وَكَانَ مجاب الدعْوَة، روى عَن: مَالك وَاللَّيْث بن سعد ومخرمة بن بكير وَابْن أبي ذِئْب، وَسمع من أَحَادِيث شُعْبَة حَدِيثا وَاحِدًا اتّفق على توثيقه وجلالته، وَأَنه حجَّة ثَبت رجل صَالح، وَقيل لمَالِك: إِن عبد الله قدم، فَقَالَ: قومُوا بِنَا إِلَى خير أهل الأَرْض. روى عَنهُ: البُخَارِيّ وَمُسلم وأكثرا، وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ عَن رجل عَنهُ، وروى مُسلم عَن عبد بن حميد عَنهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي الْأَطْعِمَة، مَاتَ سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِمَكَّة. الثَّانِي: مَالك بن أنس إِمَام دَار الْهِجْرَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة، واسْمه عَمْرو بن زيد بن عَوْف بن منذول بن عَمْرو بن غنم بن مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ الْمَازِني الْمدنِي، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) مَاتَ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه. وَقَالَ الْخَطِيب فِي كِتَابه (رَافع الارتياب) : إِن الصَّوَاب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي صعصعة، قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: وَوهم ابْن عُيَيْنَة حَيْثُ قَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لِمَ يخْتَلف على مَالك فِي اسْمه؟ قلت: فِي (الثِّقَات) لِابْنِ حبَان خالفهم مَالك، فَقَالَ: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة. الرَّابِع: أَبوهُ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان، وروى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَكَانَ جده شهد أحدا وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله عَنهُ، وَأَبوهُ عَمْرو مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّة، قَتله بردع بن زيد بن عَامر بن سَواد بن ظفر من الْأَوْس، ثمَّ أسلم بردع وَشهد أحدا. الْخَامِس: أَبُو سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان بن عبيد، وَقيل: عبد بن ثَعْلَبَة بن عبيد بن الأبجر، وَهُوَ خدرة بن عَوْف بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج الْأنْصَارِيّ، وَزعم بَعضهم أَن خدرة هِيَ أم الأبجر، استصغر يَوْم أحد فرُدَّ، وغزا بعد ذَلِك اثْنَتَيْ عشرَة غَزْوَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، رُوِيَ لَهُ ألف حَدِيث وَمِائَة وَسَبْعُونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على سِتَّة وَأَرْبَعين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِسِتَّة عشر، وَمُسلم بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين. روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، مِنْهُم: الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ووالده مَالك وَأَخُوهُ لأمه، قَتَادَة بن النُّعْمَان، وروى عَنهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة. مِنْهُم: ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَخلق من التَّابِعين، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة أَربع وَسِتِّينَ، وَقيل: أَربع وَسبعين. روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَاعْلَم أَن مِنْهُم من قَالَ: إِن اسْم أبي سعيد هَذَا: سِنَان بن مَالك بن سِنَان، وَالأَصَح مَا ذَكرْنَاهُ انه: سعد بن مَالك بن سِنَان، وَفِي الصَّحَابَة أَيْضا: سعد بن أبي وَقاص مَالك وَسعد بن مَالك العذري قدم فِي وَفد عذرة.

(بَيَان الْأَنْسَاب) القعْنبِي: هُوَ عبد الله بن مسلمة، شيخ البُخَارِيّ، ونسبته إِلَى جده قعنب، والقعنب، فِي اللُّغَة: الشَّديد، وَمِنْه يُقَال للأسد، القعنب، وَيُقَال: القعنب: الثَّعْلَب الذّكر. والمازن فِي قبائل، فَفِي قيس بن غيلَان: مَازِن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس بن غيلَان، وَفِي قيس بن غيلَان أَيْضا: مَازِن بن صعصعة. وَفِي فَزَارَة: مَازِن بن فَزَارَة، وَفِي ضبة: مَازِن بن كَعْب، وَفِي مذْحج: مَازِن بن ربيعَة، وَفِي الْأَنْصَار: مَازِن بن النجار بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج، وَفِي تَمِيم: مَازِن بن مَالك، وَفِي شَيبَان بن ذهل: مَازِن بن شَيبَان، وَفِي هُذَيْل: مَازِن بن مُعَاوِيَة، وَفِي الأزد: مَازِن بن الأزد. والخدري، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة

وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة، نِسْبَة إِلَى خدرة: أحد أجداد أبي سعيد، وَقَالَ ابْن حبَان فِي (ثقاته) فِي تَرْجَمَة أبي سعيد: إِن خدرة من الْيمن، وَمرَاده أَن الْأَنْصَار من الْيمن فهم بطن من الْأَنْصَار، وهم نفر قَلِيل بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ أَبُو عمر: خدرة وخدارة بطْنَان من الْأَنْصَار، فَأَبُو مَسْعُود الْأنْصَارِيّ من خدارة، وَأَبُو سعيد من خدرة، وهما إبنا عَوْف بن الْحَارِث كَمَا تقدم، وَضبط أَبُو عمر: خدارة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ خلاف مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ من كَونه بِالْجِيم الْمَكْسُورَة، وَصَوَّبَهُ الرّشاطي، وَكَذَا نَص عَلَيْهِ العسكري فِي الصَّحَابَة، والحافظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي. وَاعْلَم أَن الْخُدْرِيّ، بِالضَّمِّ، يشْتَبه بالخدري، بِالْكَسْرِ، نِسْبَة إِلَى: خدرة، بطن من ذهل بن شَيبَان، وبالخدري، بِفَتْح الْخَاء وَالدَّال، وَهُوَ مُحَمَّد بن حسن مُتَأَخّر، روى عَن أبي حَاتِم، وبالجدري بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال، وَهُوَ عُمَيْر بن سَالم، وبكسر الْجِيم وَسُكُون الدَّال: الجدري، نِسْبَة إِلَى جدرة بطن من كَعْب.

(بَيَان لطائف الْإِسْنَاد) : مِنْهَا: أَن هَذَا الاسناد كُله مدنيون، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فَرد تحديث وَالْبَاقِي عنعنة، وَمِنْهَا: أَن فِيهِ صَحَابِيّ ابْن صَحَابِيّ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) : هَذَا من أَفْرَاد البُخَارِيّ عَن مُسلم، وَرَوَاهُ هَهُنَا عَن القعْنبِي، وَفِي الْفِتَن عَن ابْن يُوسُف، وَفِي إِسْنَاد الْكتاب عَن إِسْمَاعِيل ثَلَاثَتهمْ عَن مَالك بِهِ، وَفِي الرقَاق وعلامات النُّبُوَّة عَن أبي نعيم عَن الْمَاجشون عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ، وَهُوَ من أَحَادِيث مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَزعم الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي (مستخرجه) أَن إِسْحَاق بن مُوسَى الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ عَن معن عَن مَالك، فَجعله من قَول أبي سعيد لم يُجَاوِزهُ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: أسْندهُ ابْن وهب التنيسِي، وسُويد وَغَيرهم والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (يُوشك) ، بِضَم الْيَاء وَكسر الشين الْمُعْجَمَة. أَي: يقرب، وَيُقَال فِي ماضيه: أوشك، وَمن أنكر اسْتِعْمَاله مَاضِيا فقد غلط، فقد كثر اسْتِعْمَاله. قَالَ الْجَوْهَرِي: أوشك فلَان يُوشك: إيشاكاً أَي: أسْرع، قَالَ جرير:

(إِذا جهل اللَّئِيم وَلم يقدر ... لبَعض الْأَمر أوشك أَن يصابا)

قَالَ: والعامة تَقول: يُوشك، بِفَتْح الشين، وَهِي لُغَة رَدِيئَة. وَقَالَ ابْن السّكيت: واشك يواشك وشاكاً. مثل: أوشك، وَيُقَال: إِنَّه مواشك أَي: مسارع. وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: وَشك ذَا خُرُوجًا بِالضَّمِّ يُوشك أَي: يسْرع، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الوشك السرعة، وَيُقَال: الوشك والوشك، وَدفع الْأَصْمَعِي الوشك يَعْنِي: بِالْكَسْرِ، وَقَالَ الْكسَائي: عجبت من وشكان ذَلِك الْأَمر، وَمن وشكانه أَي: من سرعته، وَفِي الْمثل: وشكان مَاذَا إذابةً وحقناً أَي: مَا أسْرع مَا أذيب هَذَا السّمن وحقن، وَنصب إذابة، وحقناً على الْحَال، وَإِن كَانَا مصدرين كَمَا يُقَال: سرع ذَا مذاباً ومحقوناً، وَيجوز أَن يحمل على التَّمْيِيز، كَمَا يُقَال: حسن زيد وَجها يضْرب فِي سرعَة وُقُوع الْأَمر، وَلمن يخبر بالشَّيْء قبل أَوَانه، وَيُقَال: وشكان ذَا إهالة. فَإِن قلت: هَل يسْتَعْمل اسْم الْفَاعِل؟ قلت: نعم، وَلكنه نَادِر، قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن:

(فَإنَّك موشك أَن لَا ترَاهَا ... وتغدو دون غاضرة العوادي)

وغاضرة، بالمعجمتين، اسْم جَارِيَة أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، أُخْت عمر بن عبد الْعَزِيز رَضِي الله عَنهُ، والعوادي: عوائق الدَّهْر وموانعه. قَوْله: (غنم) الْغنم اسْم مؤنث مَوْضُوع للْجِنْس، يَقع على الذُّكُور وَالْإِنَاث جَمِيعًا، وعَلى الذُّكُور وحدهم وعَلى الأناث وَحدهَا. فَإِذا صغرتها الحقتها الْهَاء، فَقلت: غنيمَة، لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَازم لَهَا، وَيُقَال: لَهَا خمس من الْغنم ذُكُور، فيؤنث الْعدَد لِأَن الْعدَد يجْرِي على تذكيره وتأنيثه على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى، قَوْله: (يتبع) بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، فَالْأول: من بَاب الافتعال من: اتبع اتبَاعا، وَالثَّانِي: من تبع بِكَسْر الْبَاء يتبع بِفَتْحِهَا تبعا بِفتْحَتَيْنِ وتباعة بِالْفَتْح، يُقَال: تبِعت الْقَوْم إِذا مَشى خَلفهم، أَو مروا بِهِ فَمضى مَعَهم، قَوْله: (شعف الْجبَال) بشين مُعْجمَة مَفْتُوحَة وَعين مُهْملَة مَفْتُوحَة، جمع: شعفة، بِالتَّحْرِيكِ، رَأس الْجَبَل، وَيجمع أَيْضا على شعوف وشعاف وشعفات قَالَه فِي (الْعباب) . وَفِي (الموعب) عَن الْأَصْمَعِي: إِن الشعاف بِالْكَسْرِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة شعفة كل شي أَعْلَاهُ. قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَي: الْمَطَر، والمواقع جمع موقع بِكَسْر الْقَاف، وَهُوَ مَوضِع نزُول الْمَطَر. قَوْله: (يفر) من فر يفر فِرَارًا ومفراً، إِذا

هرب، والمفر بِكَسْر الْفَاء مَوضِع الْفِرَار، والفتن جمع فتْنَة، وأصل الْفِتْنَة الاختبار، يُقَال: فتنت الْفضة على النَّار، إِذا خلصتها، ثمَّ اسْتعْملت فِيمَا أخرجه الاختبار للمكروه، ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله فِي أَبْوَاب الْمَكْرُوه، فجَاء مرّة بِمَعْنى الْكفْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {والفتنة أكبر من الْقَتْل} (الْبَقَرَة: ٢١٧) وَيَجِيء للإثم، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا} (التَّوْبَة: ٤٩) وَيكون بِمَعْنى الإحراق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِن الَّذين فتنُوا الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} (البروج: ١٠) أَي: حرقوهم، وَيَجِيء بِمَعْنى الصّرْف عَن الشَّيْء، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَك} (الْإِسْرَاء: ٧٣) .

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (يُوشك) من أَفعَال المقاربة عِنْد النُّحَاة وضع لدنو الْخَبَر أخذا فِيهِ، وَهُوَ مثل: كَاد وَعَسَى فِي الِاسْتِعْمَال، فَيجوز: أوشك زيد يَجِيء، وَأَن يَجِيء، وأوشك أَن يَجِيء زيد على الْأَوْجه الثَّلَاثَة، وَخَبره يكون فعلا مضارعاً مَقْرُونا بِأَن وَقد يسند إِلَى: أَن، كَمَا قُلْنَا فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة، والْحَدِيث من هَذَا الْقَبِيل حَيْثُ أسْند يُوشك إِلَى أَن، وَالْفِعْل الْمُضَارع، فسد ذَلِك مسد اسْمه وَخَبره، وَمثله قَول الشَّاعِر:

(يُوشك أَن يبلغ مُنْتَهى الْأَجَل ... فالبر لَازم برجا ووجل)

قَوْله: (خير) يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى الِابْتِدَاء وَخَبره، قَوْله: (غنم) ، وَيكون: فِي يكون، ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ كَلَام تضمن تحذيراً وتعظيماً لما يتَوَقَّع، وَأما النصب فعلى كَونه خبر يكون مقدما على اسْمه، وَهُوَ قَوْله: (غنم) . وَلَا يضركون غنم نكرَة لِأَنَّهَا وصفت بقوله: (يتبع بهَا) وَقد روى غنما بِالنّصب وَهُوَ ظَاهر، وَالْأَشْهر فِي الرِّوَايَة نصب خبر، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ بِالرَّفْع، وَالضَّمِير فِي: بهَا، يرجع إِلَى الْغنم، وَقد ذكرنَا أَنه اسْم جنس يجوز تأنيثه بِاعْتِبَار معنى الْجمع، قَوْله: (شعف الْجبَال) كَلَام إضافي مَنْصُوب على أَنه مفعول يتبع؛ قَوْله: (ومواقع الْقطر) أَيْضا، كَلَام إضافي مَنْصُوب عطفا على شعف الْجبَال. قَوْله: (يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) أَي: من فَسَاد ذَات الْبَين وَغَيرهَا، وَقَوله: يفر جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر فِيهِ الَّذِي يرجع إِلَى الْمُسلم، وَهِي فِي مَحل النصب على الْحَال، أما من الضَّمِير الَّذِي فِي يتبع أَو من الْمُسلم، وَيجوز وُقُوع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ نَحْو قَوْله تَعَالَى: {فَاتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} (النِّسَاء: ١٢٥) فَإِن قلت: إِنَّمَا يَقع الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ إِذا كَانَ الْمُضَاف جزأ من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي حكمه كَمَا فِي: رَأَيْت وَجه هِنْد قَائِمَة، فَإِنَّهُ يجوز، وَلَا يجوز قَوْلك: رَأَيْت غُلَام هِنْد قَائِمَة، وَالْمَال لَيْسَ بِجُزْء للْمُسلمِ. قلت: المَال لشدَّة ملابسته بِذِي المَال كَأَنَّهُ جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْملَّة لَيْسَ بِجُزْء لإِبْرَاهِيم حَقِيقَة، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة الْجُزْء مِنْهُ. وَيجوز أَن تكون هَذِه الْجُمْلَة استئنافية، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَيقدر ذَلِك بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام، وَالْبَاء فِي (بِدِينِهِ) للسَّبَبِيَّة، وَكلمَة: من فِي قَوْله: (من الْفِتَن) ابتدائية تَقْدِيره: يفر بِسَبَب دينه ومنشأ فراره الدّين، وَيجوز أَن تكون الْبَاء، للمصاحبة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبط بِسَلام} (هود: ٤٨) أَي: مَعَه.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) : وَهُوَ على وُجُوه. الأول: فِيهِ فضل الْعُزْلَة فِي أَيَّام الْفِتَن إلَاّ أَن يكون الْإِنْسَان مِمَّن لَهُ قدرَة على إِزَالَة الْفِتْنَة، فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ السَّعْي فِي إِزَالَتهَا، إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كِفَايَة بِحَسب الْحَال والإمكان، وَأما فِي غير أَيَّام الْفِتْنَة فَاخْتلف الْعلمَاء فِي الْعُزْلَة والاختلاط أَيهمَا أفضل؟ قَالَ النَّوَوِيّ: مَذْهَب الشَّافِعِي والأكثرين إِلَى تَفْضِيل الْخلطَة لما فِيهَا من اكْتِسَاب الْفَوَائِد، وشهود شَعَائِر الْإِسْلَام، وتكثير سَواد الْمُسلمين، وإيصال الْخَيْر إِلَيْهِم وَلَو بعيادة المرضى، وتشييع الْجَنَائِز، وإفشاء السَّلَام، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وإعانة الْمُحْتَاج، وَحُضُور جماعاتهم وَغير ذَلِك مِمَّا يقدر عَلَيْهِ كل أحد، فَإِن كَانَ صَاحب علم أَو زهد تَأَكد فضل اخْتِلَاطه. وَذهب آخَرُونَ إِلَى تَفْضِيل الْعُزْلَة لما فِيهَا من السَّلامَة المحققة، لَكِن بِشَرْط أَن يكون عَارِفًا بوظائف الْعِبَادَة الَّتِي تلْزمهُ وَمَا يُكَلف بِهِ، قَالَ: وَالْمُخْتَار تَفْضِيل الْخلطَة لمن لَا يغلب على ظَنّه الْوُقُوع فِي الْمعاصِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْمُخْتَار فِي عصرنا تَفْضِيل الانعزال لندور خلو المحافل عَن الْمعاصِي. قلت: أَنا مُوَافق لَهُ فِيمَا قَالَ، فَإِن الِاخْتِلَاط مَعَ النَّاس فِي هَذَا الزَّمَان لَا يجلب إِلَّا الشرور. الثَّانِي: فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْفِتَن، وَقد خرجت جمَاعَة من السّلف عَن أوطانهم وتغربوا خوفًا من الْفِتْنَة، وَقد خرج سَلمَة بن الْأَكْوَع إِلَى الربذَة فِي فتْنَة عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْغنم واقتنائها على مَا نقُول عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الرَّابِع: فِيهِ إِخْبَار بِأَنَّهُ يكون فِي آخر الزَّمَان فتن وَفَسَاد بَين النَّاس، وَهَذَا من جملَة معجزاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل