«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨

الحديث رقم ٢٨ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إفشاء السلام من الإسلام.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟…

«أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

سند حديث: ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا…

٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟…

سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ خِصَالِ الإسلامِ أفضلُ؟ فَذَكَرَ خَصْلتين:

الأولى: الإكثار من إطعام الفقراء، ويدخل فيه الصدقة والهدية والضيافة والوليمة، وتتأكد فضيلة الإطعام في أوقات المجاعة وغلاء الأسعار.

والثانية: إلقاء السلام على كلِّ مسلم، عَرَفْتَه أوْ لم تَعْرِفْه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص الصحابة على معرفة الخِصال التي تنفع في الدنيا والآخرة.
  • السلام وإطعام الطعام من أفضل الأعمال في الإسلام؛ لفضلها وحاجة الناس إليها في كل وقت.
  • بهاتين الخصلتين يجتمع الإحسان بالقول والفعل، وهو أكمل الإحسان.
  • هذه الخصال فيما يتعلَّق بتعامل المسلمين فيما بينهم، وهناك خِصالٌ في تعامُلِ العبد مع ربِّه.
  • البدء بالسلام مخصوص بين المسلمين، فلا يُسلَّم ابتداءً على كافر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أي الإسلام خير؟…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيُسَمَّى مُسْلِمًا إِذَا تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ - أَيْ: كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ - وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ الْكَامِلُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ شُعَيْبٌ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ مَوْصُولٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَاقَ فِيهِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَلَى الْوِلَاءِ هُوَ وَعَمُّهُ وَعَامِرٌ وَأَبُوهُ.

٢٠ - بَاب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ.

٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ: (السَّلَامُ مِنَ الْإِسْلَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِفْشَاءَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِإِفْشَائِهِ نَشْرُهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْمَرْفُوعِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. وَبَيَانُ كَوْنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ مَعَ بَقِيَّةَ فَوَائِدِهِ. وَغَايَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ شَيْخَيْهِ اللَّذَيْنِ حَدَّثَاهُ عَنِ اللَّيْثِ مُرَاعَاةً لِلْإِتْيَانِ بِالْفَائِدَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَهِيَ تَكْثِيرُ الطُّرُقِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ الْحُكْمَيْنِ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُخَرِّجَ الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْهِ مَعًا، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ غَيْرِ الْمَعْرِضِ الْآخَرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِ تَصْنِيفٍ مُبَوَّبٍ لِكُلٍّ مِنْ شَيْخَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ; وَلِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِتَرْجَمَةِ كُلٍّ مِنْ قُتَيْبَةَ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْنِيفًا عَلَى الْأَبْوَابِ ; وَلِأَنَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يُقَلِّدُ فِي التَّرَاجِمِ، وَالْمَعْرُوفُ الشَّائِعُ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ فِي الْأَحَادِيثِ وَيُتَرْجِمُ لَهَا وَيَتَفَنَّنُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; وَلِأَنَّهُ يَبْقَى السُّؤَالُ بِحَالِهِ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ كَانَ سَمِعَهُمَا مُفْتَرِقَيْنِ.

وَالظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يَقْصِدُ تَعْدِيدَ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَخَصَّ كُلَّ شُعْبَةٍ بِبَابٍ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا، وَقَصْدُ التَّنْوِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمَّارٌ) هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَثَرُهُ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمَا، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، وَلَفْظُ شُعْبَةَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَهُوَ بِالْمَعْنَى، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي جَامِعِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأُخْرَةٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ كَعْبٍ الْوَاسِطِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَرْفُوعًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الأثر أخرجه أحمد في «كتاب الإيمان»، والبزَّار في «مُسنَدِه»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»، والطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير».

٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) تصغير قِتْبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، قال الصَّغانيُّ: وبها سُمِّيَ الرَّجلُ: قُتيبةَ، وكنيته أبو رجاء، واسمه -فيما قاله ابن منده-: عليُّ بن سعيد (١) بن جميلٍ البَغْلانيُّ؛ نسبةً إلى بَغلان -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجمَة- قرية من قرى بَلْخٍ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بفتح الميم والمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ : (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو ذَرٍّ فيما قِيلَ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ : أَيُّ) خصالِ (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) : (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين.

وهذا الحديث تقدَّم في «باب إطعام الطَّعام» [خ¦١٢] وأعاده المؤلِّف هنا -كعادته في غيره-

لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٠ - (بابُ إفْشاءُ السَّلَامِ مِنَ الإسْلَامِ)

أَي: هَذَا بابٌ، وَإِن لم يقدر هَكَذَا لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب على مَا ذكرنَا غير مرّة، فَحِينَئِذٍ بَاب منون. وَقَوله: (السَّلَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَقَوله: (من الْإِسْلَام) خَبره، وَالتَّقْدِير فِي الأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السَّلَام من جملَة شعب الْإِسْلَام، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: بَاب إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام. وَهُوَ مُوَافق للْحَدِيث الْمَرْفُوع فِي قَوْله: (على من عرفت وَمن لم تعرف) والإفشاء، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أفشى يفشي، يُقَال: أفشيت الْخَبَر إِذا نشرته وأذعته، وثلاثيه: فشى يفشوا فشوا، وَمِنْه: تفشى الشَّيْء: إِذا اتَّسع.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ هُوَ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق أَن الدّين هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام لَا يكمل إلَاّ بِاسْتِعْمَال خلاله، وَمن جملَة خِلاله إفشاء السَّلَام للْعَالم. وَفِي هَذَا الْبَاب يبين هَذِه الْخلَّة فِي الحَدِيث الْمَوْقُوف وَالْمَرْفُوع جَمِيعًا، مَعَ زِيَادَة خلة أُخْرَى فيهمَا، وَهِي: إطْعَام الطَّعَام، وَزِيَادَة خلة أُخْرَى فِي الْمَوْقُوف وَهِي: الْإِنْصَاف من نَفسه. وَأما وَجه كَون إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام فقد بَيناهُ فِي بَاب إطْعَام الطَّعَام.

وقالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ للْعالَمِ والإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي تَرْجَمَة عمار، وَهُوَ أَبُو الْيَقظَان، بِالْمُعْجَمَةِ، عمار بن يَاسر بن عَامر بن مَالك بن كنَانَة بن قيس بن الْحصين بن الوذيم بن ثَعْلَبَة بن عَوْف بن حَارِثَة بن عَامر الْأَكْبَر بن يام بن عنس، بالنُّون، وَهُوَ زيد بن مَالك بن أدد بن يشجب بن غَرِيب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. هَكَذَا نسبه ابْن سعد، رَحمَه الله، أمه سميَّة، بِصِيغَة التصغير من السمو، بنت خياط، أسلمت وَكَذَا يَاسر مَعَ عمار قَدِيما، وَقَتل أَبُو جهل سميَّة وَكَانَت أول شهيدة فِي الْإِسْلَام، وَكَانَت مَعَ يَاسر وعمار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يُعَذبُونَ بِمَكَّة فِي الله تَعَالَى، فَمر بهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم يُعَذبُونَ (فَيَقُول: صبرا آل يَاسر فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة) . وَكَانُوا من الْمُسْتَضْعَفِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وهم قوم لَا عشائر لَهُم بِمَكَّة وَلَا مَنْعَة وَلَا قُوَّة، كَانَت قُرَيْش تُعَذبهُمْ فِي الرمضاء، فَكَانَ عمار، رَضِي الله عَنهُ، يعذب حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول. وصهيب كَذَلِك، وفكيهة كَذَلِك، وبلال وعامر بن فهَيْرَة، وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا} (النَّحْل: ١١٠) وَمن قَرَأَ فتنُوا بِالْفَتْح وَهُوَ ابْن عَامر، فَالْمَعْنى: فتنُوا أنفسهم، وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَ: (احْرِقْ الْمُشْركُونَ عمار بن يَاسر بالنَّار، فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام، يمر بِهِ ويمر بِيَدِهِ على رَأسه فَيَقُول: يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على عمار كَمَا كنت على إِبْرَاهِيم، تقتلك الفئة الباغية) . وَعَن ابْن ابْنه قَالَ: أَخذ الْمُشْركُونَ عمارا فَلم يَتْرُكُوهُ حَتَّى نَالَ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسلم وَذكر آلِهَتهم بِخَير، فَلَمَّا أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرّ يَا رَسُول الله؟ وَالله مَا تركت حَتَّى نلْت مِنْك وَذكرت آلِهَتهم بِخَير. قَالَ: فَكيف تَجِد قَلْبك؟ قَالَ: مطمئنا بِالْإِيمَان. قَالَ: فَإِن عَادوا فعد، وَفِيه نزل: {إِلَّا من إِكْرَاه وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ١٠٦) . شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ إِسْلَامه بعد بضعَة وَثَلَاثِينَ رجلا هُوَ وصهيب، وروى عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَعَن غَيره من الصَّحَابَة. رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة، وَمُسلم بِحَدِيث. وآخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينه وَبَين حُذَيْفَة، وَكَانَ رجلا آدم طَويلا أشهل الْعَينَيْنِ بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، لَا يُغير شَيْبه، قتل بصفين فِي صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ مَعَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عَن ثَلَاث وَقيل: عَن أَربع وَتِسْعين سنة، وَدفن هُنَاكَ بصفين، وَقتل وَهُوَ مُجْتَمع الْعقل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وياسر رهن فِي الْقمَار هُوَ ووالده وَولده، فقمروهم فصاروا بذلك عبيدا للقامر، فأعزهم الله بِالْإِسْلَامِ. وعمار أول من بنى مَسْجِدا لله فِي الله، بنى مَسْجِد قبَاء، وَلما قتل دَفنه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، بثيابه حسب مَا أوصاه بِهِ ثمَّة وَلم يغسلهُ. وَقَالَ صَاحب (الِاسْتِيعَاب) : وروى أهل الْكُوفَة أَنه صلى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبهم فِي الشُّهَدَاء أَنهم لَا يغسلونهم، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم، وَقَالَ مُسَدّد: لم يكن فِي الْمُهَاجِرين أحد أَبَوَاهُ مسلمان غير عمار بن يَاسر. قلت: وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أسلم أَبَوَاهُ. وَفِي (شرح قطب الدّين) : وَكَانَ أَبُو يَاسر خَالف أَبَا حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، وَلما قدم يَاسر من الْيمن إِلَى مَكَّة زوجه أَبُو حُذَيْفَة أمة لَهُ يُقَال لَهَا: سميَّة، فَولدت لَهُ عمارا، فَأعْتقهَا أَبُو حُذَيْفَة. وعمار روى لَهُ الْجَمَاعَة.

الثَّانِي: قَول عمار الَّذِي علقه البُخَارِيّ رَوَاهُ الْقَاسِم اللالكائي بِسَنَد صَحِيح عَن عَليّ بن أَحْمد بن حَفْص، حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المرهبي، حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن جَعْفَر الصَّيْرَفِي، حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا قطر عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة بن زفر عَنهُ، وَرَوَاهُ رسته أَيْضا عَن سُفْيَان، حَدثنَا

أَبُو إِسْحَاق فَذكره، وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده من طَرِيق شُعْبَة وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيرهمَا، كلهم عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي، عَن صلَة بن زفر، عَن عمار، رَضِي الله عَنهُ؛ وَلَفظ شُعْبَة: (ثَلَاث من كن فِيهِ فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . وَهَكَذَا رُوِيَ فِي جَامع معمر عَن أبي إِسْحَاق، وَكَذَا حدث بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر، وَحدث بِهِ عبد الرَّزَّاق بِآخِرهِ فرفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده، وَابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) كِلَاهُمَا عَن الْحسن بن عبد الله الْكُوفِي، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) من طَرِيق أَحْمد بن كَعْب الوَاسِطِيّ، وَكَذَا أخرجه ابْن الْأَعرَابِي فِي مُعْجَمه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الصغاني، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّزَّاق مَرْفُوعا. وَقَالَ الْبَزَّار: غَرِيب، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ خطأ، فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من وَجه آخر عَن عمار، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَلَكِن فِي إِسْنَاده ضعف، وَالله أعلم.

الثَّالِث فِي إعرابه وَمَعْنَاهُ. فَقَوله: (ثَلَاث) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، فَقَامَتْ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَيجوز أَن يُقَال: يجوز وُقُوع النكرَة مُبْتَدأ إِذا كَانَ الْكَلَام بهَا فِي معنى الْمَدْح، نَحْو: طَاعَة خير من مَعْصِيّة، وَقد عدوه من جملَة الْمَوَاضِع الَّتِي يَقع فِيهَا الْمُبْتَدَأ نكرَة. وَقَوله: (من) مُبْتَدأ ثَان، وَهِي مَوْصُوفَة متضمنة لِمَعْنى الشَّرْط، وجمعهن صلتها. وَقَوله: (فقد جمع الْإِيمَان) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. وَالْفَاء، فِي: (فقد) ، لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، و: (الْإِيمَان) ، مَنْصُوب: بِجمع، وَمَعْنَاهُ: فقد حَاز كَمَال الْإِيمَان، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة شُعْبَة (فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . قَوْله: (الْإِنْصَاف) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: إِحْدَى ثَلَاث الانصاف، يُقَال: أنصفه من نَفسه، وانتصفت أَنا مِنْهُ، وَقَالَ الصغاني: الْإِنْصَاف الْعدْل، وَالنّصف والنصفة الِاسْم مِنْهُ، يُقَال: جَاءَ منصفا أَي: مسرعا. قَوْله: (وبذل السَّلَام) أَي: الثَّانِي من الثَّلَاث بذل السَّلَام، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَفِي (الْعباب) : بذلت الشَّيْء أبذِله وأبذُله، وَهَذِه عَن ابْن عباد، أَي: أَعْطيته وجُدْتُ بِهِ، ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب: والتركيب يدل على ترك صِيَانة الشَّيْء. قَوْله: (للْعَالم) بِفَتْح اللَّام، وَأَرَادَ بِهِ كل النَّاس من عرفت وَمن لم تعرف. فَإِن قلت: الْعَالم اسْم لما سوى الله تَعَالَى فَيدْخل فِيهِ الْكفَّار، وَلَا يجوز بذل السَّلَام لَهُم {قلت: ذَاك خرج بِدَلِيل آخر، وَهُوَ قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تبدأوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى)

إِلَخ كَمَا تقدم. قَوْله: (والإنفاق) ، أَي: الثَّالِث: الْإِنْفَاق من الإقتار، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ الافتقار. يُقَال: اقتر الرجل إِذا افْتقر. فَإِن قلت: على هَذَا التَّفْسِير يكون الْمَعْنى الْإِنْفَاق من الْعَدَم، وَهُوَ لَا يَصح} قلت: كلمة: من، هَهُنَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِيهِ، وَالْمعْنَى: والانفاق فِي حَالَة الْفقر، وَهُوَ من غَايَة الْكَرم، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: عِنْد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا} (آل عمرَان: ١٠ و ١١٦، والمجادلة: ١٧) أَي: عِنْد الله، وَالْمعْنَى: والانفاق عِنْد الْفقر وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْغَايَة، كَمَا فِي قَوْلك: أَخَذته من زيد، فَيكون الافتقار غَايَة لإنفاقه، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ للابتداء، لِأَن الْمُنفق فِي الإقتار يبتدىء مِنْهُ إِلَى الْغَايَة. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد بن سراج: جمع عمار فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الْخَيْر كُله. لِأَنَّك إِذا أنصفت من نَفسك فقد بلغت الْغَايَة بَيْنك وَبَين خالقك وَبَيْنك وَبَين النَّاس وَلم تضيع شَيْئا، أَي: مِمَّا لله وَلِلنَّاسِ عَلَيْك، وَأما بذل السَّلَام للْعَالم فَهُوَ كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: (وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف) ، وَهَذَا حض على مَكَارِم الْأَخْلَاق، واستئلاف النُّفُوس. وَأما الْإِنْفَاق من الإقتار فَهُوَ الْغَايَة فِي الْكَرم، فقد مدح الله، عز وَجل، من هَذِه صفته بقوله: {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} (الْحَشْر: ٩) وَهَذَا عَام فِي نَفَقَة الرجل على عِيَاله وأضيافه، وكل نَفَقَة فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن نَفَقَة الْمُعسر على عِيَاله أعظم أجرا من نَفَقَة الْمُوسر. قلت: هَذِه الْكَلِمَات جَامِعَة لخصال الْإِيمَان كلهَا لِأَنَّهَا إِمَّا مَالِيَّة أَو بدنية، فالإنفاق إِشَارَة إِلَى الْمَالِيَّة المتضمنة للوثوق بِاللَّه تَعَالَى، وَالزِّيَادَة فِي الدُّنْيَا وَقصر الأمل، وَنَحْو ذَلِك. والبدنية إِمَّا مَعَ الله تَعَالَى، أَي: التَّعْظِيم لأمر الله تَعَالَى وَهُوَ الْإِنْصَاف، أَو مَعَ النَّاس وَهُوَ الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى، وَهُوَ بذل السَّلَام الَّذِي يتَضَمَّن مَكَارِم الْأَخْلَاق والتواضع وَعدم الاحتقار، وَيحصل بِهِ التآلف والتحابب وَنَحْو ذَلِك.

٢٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍ وأنّ رَجُلاً سَأَلَ الله رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ.

(رَاجع الحَدِيث رقم ١٢) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْبَاب يتَضَمَّن أحد شطريه.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: قُتَيْبَة، على صُورَة تَصْغِير قتبة، بِكَسْر الْقَاف وَاحِدَة الأقتاب، وَهِي الأمعاء. قَالَ الصَّنْعَانِيّ: وَبهَا سمي الرجل قُتَيْبَة. وَقَالَ ابْن عدي: إسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: إسمه عَليّ بن سعيد بن جميل البغلاني مَنْسُوب إِلَى بغلان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَرْيَة من قرى بَلخ. وَقيل: إِن جده كَانَ مولى للحجاج بن يُوسُف، فَهُوَ ثقفي، مَوْلَاهُم، وكنيته أَبُو رَجَاء. روى عَن مَالك وَغَيره عَن أَئِمَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَنهُ أَحْمد وَأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة. قلت: روى عَنهُ يحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن بكير البرْسَانِي: كَانَ ثبتا صَاحب حَدِيث وَسنة. وَقَالَ الْأَثْرَم: أثنى عَلَيْهِ أَحْمد. وَقَالَ يحيى وَالنَّسَائِيّ: ثِقَة وَكَانَ كثير المَال كَمَا كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد السمسمار: سمعته يَقُول: ولدت ببلخ يَوْم الْجُمُعَة، حِين تَعَالَى النَّهَار، لست مضين من رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) : مَاتَ فِي ثَانِي رَمَضَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد بن أبي حبيب الْمصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَكلهمْ قد تقدمُوا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مصريون مَا خلا قُتَيْبَة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاّء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه أخرجه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَأخرجه فِيمَا مضى عَن: عَمْرو بن خَالِد عَن لَيْث عَن يزِيد عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث إِلَخ بِعَين هَؤُلَاءِ، وَنبهَ بذلك على الْمُغَايرَة بَين شيخيه اللَّذين حَدَّثَاهُ عَن اللَّيْث، وَهِي تشعر بتكثير الطّرق. وَقد علم أَنه لَا يُعِيد الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين على صُورَة وَاحِدَة، على أَنه بوب بِهِ هُنَاكَ على أَن: الْإِطْعَام من الْإِسْلَام، وَهَهُنَا على أَن: السَّلَام من الْإِسْلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَقُول ثمَّة أَو هَهُنَا بَاب الاطعام وَالسَّلَام من الْإِسْلَام، بِأَن يدخلهما فِي سلك وَاحِد، وَيتم الْمَطْلُوب. قلت: لَعَلَّ عَمْرو بن خَالِد ذكره فِي معرض بَيَان أَن الْإِطْعَام مِنْهُ، وقتيبة فِي بَيَان أَن الْإِسْلَام مِنْهُ، فَلذَلِك ميزهما، مضيفا إِلَى كل راوٍ قَصده فِي رِوَايَته. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَيْسَ بطائل، لِأَنَّهُ يبْقى السُّؤَال بِحَالهِ إِذْ لَا يمْتَنع مَعَه أَن يجمعهما المُصَنّف، وَلَو كَانَ سمعهما مفترقين. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ بطائل، وَهُوَ جَوَاب حسن، ويندفع السُّؤَال بِهِ، وَلَو كَانَ المُصَنّف جَمعهمَا لَكَانَ تغييرا لما أفرده كل وَاحِد من شيخيه، وَلم يرد تَغْيِير ذَلِك، فَلذَلِك ميزهما بالبابين. فَافْهَم وَبَاقِي الْكَلَام ذَكرْنَاهُ، فِيمَا مضى، مُسْتَوفى.

٢١ - (بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ)

الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله هُوَ: أَن الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة هُوَ أُمُور الْإِيمَان، وَالْكفْر ضِدّه، والمناسبة بَينهمَا من جِهَة التضاد، لِأَن الْجَامِع بَين الشَّيْئَيْنِ على أَنْوَاع: عَقْلِي: بِأَن يكون بَينهمَا اتِّحَاد فِي التَّصَوُّر أَو تماثل أَو تضايف، كَمَا بَين الْأَقَل وَالْأَكْثَر، والعلو والسفل. و: وهمي: بِأَن يكون بَين تصور الشَّيْئَيْنِ شبه تماثل، كلوني بَيَاض وصفرة، أَو تضَاد كالسواد وَالْبَيَاض، وَالْإِيمَان وَالْكفْر، وَشبه تضَاد: كالسماء وَالْأَرْض، و: خيالي: بِأَن يكون بَينهمَا تقارن فِي الخيال، وأسبابه مُخْتَلفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَلم أر شارحا ذكر وَجه الْمُنَاسبَة هَهُنَا كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ بعض الشَّارِحين: أرْدف البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب بِالَّذِي قبله لينبه على أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان وَلَا تخرج إِلَى الْكفْر الْمُوجب للخلود فِي النَّار، لأَنهم ظنُّوا أَنه الْكفْر بِاللَّه، فأجابهم أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، أَرَادَ كفرهن حق أَزوَاجهنَّ، وَذَلِكَ لَا محَالة نقص من إيمانهن، لِأَنَّهُ يزِيد بشكرهن العشير وبأفعال الْبر، فَظهر بِهَذَا أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث، أَرَادَ بِهِ حَدِيث الْبَاب أَنْوَاع من الْعلم: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ أَن الْكفْر قد يُطلق على غير الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى؛ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه: مُرَاد المُصَنّف أَن يبين أَن الطَّاعَات كَمَا تسمى إِيمَانًا كَذَلِك الْمعاصِي تسمى كفرا، لَكِن حَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا الْكفْر لَا يُرَاد بِهِ الْكفْر الْمخْرج عَن الْملَّة، وَهَذَا كَمَا ترى لَيْسَ فِي كَلَام وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِوَجْه

الْمُنَاسبَة، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْبَاب، وَالَّذِي بعده من الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة، عقيب بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: (الدّين النَّصِيحَة لله) . إِلَخ بعد الْفَرَاغ من ذكر الْأَبْوَاب الَّتِي فِيهَا أُمُور الْإِيمَان رِعَايَة للمناسبة الْكَامِلَة.

الْوَجْه الثَّانِي: فِي الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: فَقَوله: (بَاب) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفران العشير وَبَيَان كفر دون كفر. وَقَوله: (وَكفر) ، عطف على كفران. وَقَوله: (دون كفر) كَلَام إضافي فِي صفته، وَدون، نصب على الظّرْف، و: الكفران، مصدر كالكفر، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكفْر فِي الدّين، والكفران فِي النِّعْمَة. وَفِي (الْعباب) : الْكفْر نقيض الْإِيمَان، وَقد كفر بِاللَّه كفرا، وَالْكفْر أَيْضا جحود النِّعْمَة وَهُوَ ضد الشُّكْر، وَقد كفرها كفورا وكفرانا، وأصل الْكفْر التغطية، وَقد كفرت الشَّيْء أكفره، بالكسرة، كفرا، بِالْفَتْح، أَي: سترته، وكل شَيْء غطى شَيْئا فقد كفره، وَمِنْه: الْكَافِر، لِأَنَّهُ يستر تَوْحِيد الله، أَو نعْمَة الله، وَيُقَال للزارع: الْكَافِر لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر تَحت التُّرَاب، و: رماد مكفور، إِذا سفت الرّيح التُّرَاب عَلَيْهِ حَتَّى غطته؛ والعشير: فعيل بِمَعْنى معاشر، كالأكيل بِمَعْنى المؤاكل، من المعاشرة وَهِي المخالطة، وَقيل: الْمُلَازمَة. قَالُوا: المُرَاد هَهُنَا الزَّوْج، يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يعاشر صَاحبه، وَحمله الْبَعْض على الْعُمُوم. والعشير أَيْضا الخليط والصاحب، وَفِي (الْعباب) : العشير: المعاشر، قَالَ الله تَعَالَى: {لبئس الْمولى ولبئس العشير} (الْحَج: ١٣) والعشير: الزَّوْج. ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، والعشير: الْعشْر، كَمَا يُقَال لِلنِّصْفِ: نصيف، وللثلث: ثليث، وللسدس: سديس. والعشير فِي حِسَاب مساحة الأَرْض: عشر القفيز، والقفيز: عشر الجريب، وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة، والمعشر: الْجَمَاعَة. قَوْله: (وَكفر دون كفر) أَشَارَ بِهِ إِلَى تفَاوت الْكفْر فِي مَعْنَاهُ، أَي: وَكفر أقرب من كفر، كَمَا يُقَال: هَذَا دون ذَلِك، أَي: أقرب مِنْهُ. وَالْكفْر الْمُطلق هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَمَا دون ذَلِك يقرب مِنْهُ، وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَه الْأَزْهَرِي: الْكفْر بِاللَّه أَنْوَاع: إِنْكَار، وجحود، وعناد، ونفاق. وَهَذِه الْأَرْبَعَة من لقى الله تَعَالَى بِوَاحِد مِنْهَا لم يغْفر لَهُ. فَالْأول: أَن يكفر بِقَلْبِه وَلسَانه، وَلَا يعرف مَا يذكر لَهُ من التَّوْحِيد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم} (الْبَقَرَة: ٦) الْآيَة أَي: الَّذين كفرُوا بِالتَّوْحِيدِ وأنكروا مَعْرفَته. وَالثَّانِي: أَن يعرف بِقَلْبِه وَلَا يقر بِلِسَانِهِ، وَهَذَا ككفر إِبْلِيس وبلعام وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَالثَّالِث: أَن يعرف بِقَلْبِه ويقر بِلِسَانِهِ، ويأبى أَن يقبل الْإِيمَان بِالتَّوْحِيدِ ككفر أبي طَالب. وَالرَّابِع: أَن يقر بِلِسَانِهِ وَيكفر بِقَلْبِه ككفر الْمُنَافِقين. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَيكون الْكفْر بِمَعْنى الْبَرَاءَة، كَقَوْلِه تَعَالَى، حِكَايَة عَن الشَّيْطَان: {إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) أَي: تبرأت. قَالَ: وَأما الْكفْر الَّذِي هُوَ دون مَا ذكرنَا، فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بِلِسَانِهِ، ويعتقد ذَلِك بِقَلْبِه، لكنه يرتكب الْكَبَائِر من الْقَتْل، وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، ومنازعة الْأَمر أَهله، وشق عَصا الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك انْتهى. وَقد أطلق الشَّارِع الْكفْر على مَا سوى الْأَرْبَعَة، وَهُوَ: كفران الْحُقُوق وَالنعَم، كَهَذا الحَدِيث وَنَحْوه، وَهَذَا مُرَاده من قَوْله: (وَكفر دون كفر) وَفِي بعض الْأُصُول: وَكفر بعد كفر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.

فِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: فِي الْبَاب يرْوى حَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: فِيهِ أَبُو سعيد، أَي: يدْخل فِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب لَهُ طَرِيق غير الطَّرِيق الَّتِي سَاقهَا هَهُنَا، وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي سعيد فِي الْحيض وَغَيره من طَرِيق عِيَاض بن عبد الله عَنهُ، وَفِيه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء: (تصدقن فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرِيد بذلك حَدِيث أبي سعيد: (لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس) . قلت: هَذَا بعيد، وَمرَاده مَا ذَكرْنَاهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله: (وتكفرن العشير) . كَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، وترجمة الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة، وَلَا يُنَاسب التَّرْجَمَة إلَاّ حديثاهما، فَافْهَم.

٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيتُ النَّارَ فَإذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النَّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ

أيَكْفُرْنَ باللَّهِ قالَ يَكْفُرَن العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَطُّ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كفران العشير وَإِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي الْمدنِي، وَقد تقدم ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس، وَقد تقدم ذكره أَيْضا، الثَّالِث: أَبُو أُسَامَة زيد بن أسلم الْقرشِي الْعَدوي، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ، روى عَن أَبِيه وَعبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَالزهْرِيّ وَمعمر وَأَيوب وَيحيى وَعبد الله بن عمر وَالثَّوْري وَبَنوهُ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأُسَامَة وَغَيرهم. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، القَاضِي الْمدنِي الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا، أَخُو سُلَيْمَان وَعبد الْملك وَعبد الله، سمع أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وروى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَزيد بن أسلم وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: هُوَ ثِقَة توفّي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة، وَقيل: أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء كبار.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل أوردهُ فِي بَاب: صَلَاة الْكُسُوف بِهَذَا الاسناد تَاما، وَأخرجه فِي الصَّلَاة فِي بَاب: من صلى وقدامه نَار بِهَذَا الاسناد بِعَيْنِه، وَأخرجه فِي بَدْء الْخلق فِي ذكر الشَّمْس وَالْقَمَر عَن شيخ غير القعْنبِي مُقْتَصرا على مَوضِع الْحَاجة، وَأخرجه فِي عشرَة النِّسَاء عَن شيخ غَيرهمَا عَن مَالك أَيْضا. وَأخرجه فِي كتاب الْعلم عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي بكر وَابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب، وَعَن أبي رَافع بن أبي رِفَاعَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كِلَاهُمَا عَن عَطاء، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر أَيْضا، وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ أَيْضا. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تقطيع هَذَا الحَدِيث وَإِخْرَاج طرف مِنْهُ هَهُنَا، ثمَّ إِخْرَاجه تَاما فِي مَوضِع آخر بِعَين الْإِسْنَاد الَّذِي هَهُنَا؟ قلت: مذْهبه جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا كَانَ مَا يقطعهُ مِنْهُ لَا يسْتَلْزم فَسَاد الْمَعْنى، وغرضه من ذَلِك تنويع الْأَبْوَاب، وَرُبمَا يتَوَهَّم من لَا يحفظ الحَدِيث، وَلَا لَهُ كَثْرَة الممارسة فِيهِ، أَن الْمُخْتَصر حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ بعض غَيره، لَا سِيمَا إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْمُخْتَصر من أثْنَاء الحَدِيث التَّام كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن أَوله هُنَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (أريت النَّار) إِلَى آخر مَا ذكر مِنْهُ، وَأول التَّام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَذكر قصَّة صَلَاة الْكُسُوف، ثمَّ خطْبَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفيهَا الْقدر الْمَذْكُور هُنَا، وَكثير مِمَّن يعد أَحَادِيث البُخَارِيّ يظنّ أَن مثل هَذَا الحَدِيث حديثان أَو أَكثر لاخْتِلَاف ابْتِدَاء الحَدِيث، فَمن ذَلِك قَالُوا عدَّة أَحَادِيثه بِغَيْر تكْرَار أَرْبَعَة آلَاف أَو نَحْوهَا، وَكَذَا ذكر ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَمن بعدهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِذا حرر ذَلِك لَا يزِيد على ألفي حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَثَلَاثَة عشر حَدِيثا.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أريت) ؛ بِضَم الْهمزَة، من الرُّؤْيَة الَّتِي بِمَعْنى التبصير. قَوْله: (العشير) قد مر تَفْسِيره، قَوْله: (الْإِحْسَان) ، مصدر أحسن، يُقَال: أَحْسَنت بِهِ وأحسنت إِلَيْهِ إِذا فعلت مَعَه جميلاً، وَأَصله من الْحسن خلاف الْقبْح. قَوْله: (الدَّهْر) ، هُوَ الزَّمَان، وَالْجمع: الدهور، وَيُقَال: الدَّهْر: الْأَبَد، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الدَّهْر عِنْد الْعَرَب يَقع على بعض الدَّهْر الأطول، وَيَقَع على مُدَّة الدُّنْيَا كلهَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قَالَ قوم: الدَّهْر مُدَّة الدُّنْيَا من ابتدائها إِلَى انْقِضَائِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بل دهر كل قوم زمانهم. قَوْله: (قطّ) ، لتأكيد نفي الْمَاضِي، وفيهَا لُغَات: فتح الْقَاف وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الطَّاء المضمومة فيهمَا، وبفتحهما مَعَ تَشْدِيد الطَّاء الْمَكْسُورَة، وبالفتح مَعَ إسكان الطَّاء، وبالفتح بِكَسْر الطَّاء المخففة. قَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الْكسَائي: كَانَ أَصْلهَا: قطط، فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه، ثمَّ قَالَ بعد حكايته: فِيهَا لُغَات مِنْهَا عَن بَعضهم: قطّ وقط بِالتَّخْفِيفِ، وَزَاد القَاضِي: قطّ

بِكَسْر الْقَاف مَعَ التَّخْفِيف، هَذَا كُله إِذا كَانَت زمنية أما إِذا كَانَت بِمَعْنى: حسب، وَهُوَ: الِاكْتِفَاء، فَهِيَ مَفْتُوحَة سَاكِنة الطَّاء، تَقول: رَأَيْته مرّة وَاحِدَة فَقَط. قَالَ القَاضِي: وَقد يكون هَذَا للتقليل أَيْضا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أريت) : على صِيغَة الْمَجْهُول بِمَعْنى أَبْصرت، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ هُوَ الْقَائِم مقَام الْمَفْعُول الأول. وَقَوله: (النَّار) هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (فَرَأَيْت) عطف على: (أريت) . وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أول لرأيت. وَقَوله (النِّسَاء) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان وَفِي بعض الرِّوَايَات: (رَأَيْت النَّار أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) بِدُونِ قَوْله: (فَرَأَيْت) ، فعلى هَذَا: أريت، بِمَعْنى: أعلمت، فالتاء مَفْعُوله الأول نَائِب عَن الْفَاعِل، وَالنَّار مَفْعُوله الثَّانِي، وَالنِّسَاء مَفْعُوله الثَّالِث. وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من النَّار، وَيجوز رفع أَكثر على أَنه مُبْتَدأ، وَالنِّسَاء بِالرَّفْع أَيْضا خَبره، وَالْجُمْلَة تكون حَالا بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦، والأعراف: ٢٤) وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا: (فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ جزلة: وَمَا لنا يَا رَسُول الله أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير، مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين) . الحَدِيث فَقَوله: أَكثر، بِالنّصب إِمَّا على الْمَفْعُول، أَو على الْحَال على مَذْهَب ابْن السراج وَأبي عَليّ الْفَارِسِي وَغَيرهمَا مِمَّن قَالَ: إِن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَقيل: هُوَ بدل من الْكَاف فِي: رأيتكن، وَقَوْلها: وَمَا لنا أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ النَّوَوِيّ: نصب أَكثر على الْحِكَايَة. قَوْله: (يكفرن) بياء المضارعة، جملَة استئنافية، وَالتَّقْدِير: هن يكفرن، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سَائل سَأَلَ: يَا رَسُول الله لِمَ؟ وَجَاء بكفرهن بِالْبَاء السَّبَبِيَّة الْمُتَعَلّقَة بقول أَكثر، أَو بِفعل الرُّؤْيَة. قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ الْهمزَة للاستفهام وَهَذَا الاستفسار دَلِيل على أَن لفظ الْكفْر مُجمل بَين الْكفْر بِاللَّه وَالْكفْر الَّذِي للعشير، وَنَحْوه. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يكفرن العشير) أَي: هن يكفرن العشير. وَقَوله: (يكفرن) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية (والعشير) نصب على المفعولية. وَقَوله: (ويكفرن الاحسان) عطف على الْجُمْلَة الأولى. فَإِن قلت: كَيفَ عدى: يكفرن، بِالْيَاءِ فِي قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ وَلم يعديها فِي قَوْله: (يكفرن العشير) ؟ قلت: لَان فِي الأول يتَضَمَّن معنى الِاعْتِرَاف بِخِلَاف الثَّانِي. فَإِن قلت: مَا كفران العشير وَمَا كفران الاحسان؟ قلت: كفران العشير لَيْسَ لذاته، بل الكفران لَهُ هُوَ الكفران لإحسانه، فالجملة الثَّانِيَة فِي الْحَقِيقَة بَيَان للجملة الأولى. فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي العشير؟ قلت: للْعهد إِن فسر العشير بِالزَّوْجِ، وللجنس أَو الاستغرق إِن فسر بالمعاشر مُطلقًا. فَإِن قلت: أَيهَا الأَصْل فِي اللَّام؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْجِنْس هُوَ الْحَقِيقَة، فَيحمل عَلَيْهَا إلَاّ إِذا دلّت قرينَة على التَّخْصِيص والتعميم فتتبع الْقَرِينَة حِينَئِذٍ، وَهَذَا حكم عَام لهَذِهِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن أصل اللَّام للْعهد، وَقد عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لَو أَحْسَنت) وَفِي بعض النّسخ: (إِن أَحْسَنت) . فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره، فَكيف صَحَّ هُنَا هَذَا الْمَعْنى؟ قلت: لَو هُنَا بِمَعْنى: إِن، يَعْنِي لمُجَرّد الشّرطِيَّة، وَمثله كثير. وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) بِأَن يكون الحكم ثَابتا على النقيضين، والطرف الْمَسْكُوت عَنهُ أولى من الْمَذْكُور. قَوْله: (أَحْسَنت) لَيْسَ الْخطاب فِيهِ لأحد بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا مُرَاده بِهَذَا كل من يَأْتِي مِنْهُ أَن يكون مُخَاطبا بِهِ. فَإِن قلت: أصل وضع الضَّمِير أَن يكون مُسْتَعْملا لمُعين مشخص. قلت: نعم، لَكِن هَذَا على سَبِيل التَّجَوُّز: فَإِن قلت: لَو لم يكن عَاما لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي كل مُخَاطب كزيد مثلا حَقِيقَة؟ قلت: عَام بِاعْتِبَار أَمر عَام لِمَعْنى خَاص، بِخِلَاف الْعلم، فَإِنَّهُ خَاص بالاعتبارين. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن اللَّفْظ قد يوضع وضعا عَاما لأمور مَخْصُوصَة، كاسم الْإِشَارَة فَإِنَّهُ وضع بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْعَام الَّذِي هُوَ الْإِشَارَة الحسية للخصوصيات الَّتِي تَحْتَهُ، أَي لكل وَاحِد مِمَّا يشار إِلَيْهِ، وَلَا يُرَاد بِهِ عِنْد الِاسْتِعْمَال الْعُمُوم على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَقد يوضع وضعا عَاما الْمَوْضُوع لَهُ عَام، نَحْو: الرجل، فَلَا يُرَاد بِهِ خَاص حَقِيقَة، وَهُوَ عكس الأول. وَقد يوضع وضعا خَاصّا لموضوع لَهُ خَاص، نَحْو: الْعلم كزيد وَنَحْوه والمضمرات من الْقسم الأول فَإِن أُرِيد بالضمير فِي: أَحْسَنت، مُخَاطب معِين، كَانَ حَقِيقَة وإلَاّ كَانَ مجَازًا، وَمثله قَوْله تَعَالَى: {وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} (السَّجْدَة: ١٢) قَوْله: (الدَّهْر) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ثمَّ رَأَتْ) جملَة معطوفة على مَا قبلهَا، وَقد علم أَن فِي: ثمَّ، معنى المهلة والتراخي. قَوْله: (شَيْئا) نصب على أَنه مفعول: رَأَتْ، أَي شَيْئا قَلِيلا لَا يُوَافق مزاجها، أَو شَيْئا حَقِيرًا لَا يعجبها، فَحِينَئِذٍ التَّنْوِين فِيهِ للتقليل أَو التحقير. قَوْله: (خيرا) مفعول مَا رَأَيْت.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَيُسَمَّى مُسْلِمًا إِذَا تَلَفَّظَ بِالْكَلِمَةِ - أَيْ: كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ - وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ الْكَامِلُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قَوْلُهُ: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) يَعْنِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورِينَ رَوَوْا هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ كَمَا رَوَاهُ شُعَيْبٌ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ مَوْصُولٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَاقَ فِيهِ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَلَى الْوِلَاءِ هُوَ وَعَمُّهُ وَعَامِرٌ وَأَبُوهُ.

٢٠ - بَاب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ.

٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ.

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ. وَقَوْلُهُ: (السَّلَامُ مِنَ الْإِسْلَامِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: إِفْشَاءَ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِإِفْشَائِهِ نَشْرُهُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلْمَرْفُوعِ فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ. وَبَيَانُ كَوْنِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ مَعَ بَقِيَّةَ فَوَائِدِهِ. وَغَايَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ شَيْخَيْهِ اللَّذَيْنِ حَدَّثَاهُ عَنِ اللَّيْثِ مُرَاعَاةً لِلْإِتْيَانِ بِالْفَائِدَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَهِيَ تَكْثِيرُ الطُّرُقِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الْمَتْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْمَعَ الْحُكْمَيْنِ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُخَرِّجَ الْحَدِيثَ عَنْ شَيْخَيْهِ مَعًا، أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ غَيْرِ الْمَعْرِضِ الْآخَرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِطَائِلٍ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِ تَصْنِيفٍ مُبَوَّبٍ لِكُلٍّ مِنْ شَيْخَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ; وَلِأَنَّ مَنِ اعْتَنَى بِتَرْجَمَةِ كُلٍّ مِنْ قُتَيْبَةَ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْنِيفًا عَلَى الْأَبْوَابِ ; وَلِأَنَّهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ يُقَلِّدُ فِي التَّرَاجِمِ، وَالْمَعْرُوفُ الشَّائِعُ عَنْهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ الْأَحْكَامَ فِي الْأَحَادِيثِ وَيُتَرْجِمُ لَهَا وَيَتَفَنَّنُ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يُدْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ; وَلِأَنَّهُ يَبْقَى السُّؤَالُ بِحَالِهِ إِذْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ أَنْ يَجْمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَلَوْ كَانَ سَمِعَهُمَا مُفْتَرِقَيْنِ.

وَالظَّاهِرُ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ يَقْصِدُ تَعْدِيدَ شُعَبِ الْإِيمَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَخَصَّ كُلَّ شُعْبَةٍ بِبَابٍ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا، وَقَصْدُ التَّنْوِيهِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْكِيدِ فَلِذَلِكَ غَايَرَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَمَّارٌ) هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ، أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَثَرُهُ هَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمَا، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَمَّارٍ، وَلَفْظُ شُعْبَةَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ وَهُوَ بِالْمَعْنَى، وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي جَامِعِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَكَذَا حَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِأُخْرَةٍ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ، كَذَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ كَعْبٍ الْوَاسِطِيِّ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الصَّنْعَانِيِّ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَرْفُوعًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الأثر أخرجه أحمد في «كتاب الإيمان»، والبزَّار في «مُسنَدِه»، وعبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه»، والطَّبرانيُّ في «معجمه الكبير».

٢٨ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال رحمه الله تعالى: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) تصغير قِتْبة؛ بكسر القاف، واحدة الأقتاب؛ وهي الأمعاء، قال الصَّغانيُّ: وبها سُمِّيَ الرَّجلُ: قُتيبةَ، وكنيته أبو رجاء، واسمه -فيما قاله ابن منده-: عليُّ بن سعيد (١) بن جميلٍ البَغْلانيُّ؛ نسبةً إلى بَغلان -بفتح المُوحَّدة وسكون المُعجمَة- قرية من قرى بَلْخٍ، المُتوفَّى سنة أربعين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ) المصريِّ (عَنْ أَبِي الخَيْرِ) مَرْثَد بفتح الميم والمُثلَّثة (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) يعني: ابن العاصِ : (أَنَّ رَجُلًا) هو أبو ذَرٍّ فيما قِيلَ (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ : أَيُّ) خصالِ (الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ) : (تُطْعِمُ) الخَلْقَ (الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ) بفتح التَّاء (السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) من المسلمين.

وهذا الحديث تقدَّم في «باب إطعام الطَّعام» [خ¦١٢] وأعاده المؤلِّف هنا -كعادته في غيره-

لِمَا اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللَّذين حدَّثاه عن اللَّيث؛ مراعاةً للفائدة الإسناديَّة وهي تكثير الطُّرق حيث يَحتَاج إلى إعادة المتن، فإنَّ عادته ألَّا يعيدَ الحديث في موضعين على صورةٍ واحدةٍ، وقد مرَّ أنَّ المؤلِّف أخرج هذا الحديث في ثلاثة مواضعَ [خ¦١٢] [خ¦٢٨] [خ¦٦٢٣٦]، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(٢١) هذا (بابُ) بغير تنوينٍ لإضافته لقوله: (كُفْرَانِ العَشِيرِ) وهو الزَّوج، كما يدلُّ (١) عليه السِّياق، قِيلَ له: عشيرٌ بمعنى مُعاشِرٍ، والمُعَاشَرَةُ المُخَالَطَةُ أو الإلْفُ، واللَّامُ للجنس، والكفران من الكَفْر -بالفتح- وهو السَّتر، ومن ثمَّ سُمِّيَ ضدُّ الإيمان كفرًا؛ لأنَّه ستر على الحقِّ وهو التَّوحيد، وأُطْلِقَ أيضًا على جحد النِّعم، لكنِ الأكثرون على تسمية ما يقابل الإيمان كفرًا، وعلى جحد النِّعم كفرانًا، وكما أنَّ الطَّاعات تُسمَّى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمَّى كفرًا، لكن حيث يُطلَق عليها الكفر لا يُرَاد به المخرِجُ عن (٢) الملَّة، ثمَّ إن هذا الكفر يتفاوت في معناه، كما أشار إليه المؤلِّف بقوله: (وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) كذا للأربعة، أي: أقرب من كفرٍ، فأخذ أموال النَّاس بالباطل دون قتل النَّفس بغير حقٍّ، وفي بعض الأصول: «وكفرٍ بعد كفرٍ» ومعناه كالأوَّل، وهو الذي في فرع «اليونينيَّة» كهي، لكنَّه ضُبِّب عليه، وأثبت على

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٢٠ - (بابُ إفْشاءُ السَّلَامِ مِنَ الإسْلَامِ)

أَي: هَذَا بابٌ، وَإِن لم يقدر هَكَذَا لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب على مَا ذكرنَا غير مرّة، فَحِينَئِذٍ بَاب منون. وَقَوله: (السَّلَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَقَوله: (من الْإِسْلَام) خَبره، وَالتَّقْدِير فِي الأَصْل: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن السَّلَام من جملَة شعب الْإِسْلَام، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: بَاب إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام. وَهُوَ مُوَافق للْحَدِيث الْمَرْفُوع فِي قَوْله: (على من عرفت وَمن لم تعرف) والإفشاء، بِكَسْر الْهمزَة، مصدر من أفشى يفشي، يُقَال: أفشيت الْخَبَر إِذا نشرته وأذعته، وثلاثيه: فشى يفشوا فشوا، وَمِنْه: تفشى الشَّيْء: إِذا اتَّسع.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ هُوَ أَن من جملَة الْمَذْكُور فِي الْبَاب السَّابِق أَن الدّين هُوَ الْإِسْلَام، وَالْإِسْلَام لَا يكمل إلَاّ بِاسْتِعْمَال خلاله، وَمن جملَة خِلاله إفشاء السَّلَام للْعَالم. وَفِي هَذَا الْبَاب يبين هَذِه الْخلَّة فِي الحَدِيث الْمَوْقُوف وَالْمَرْفُوع جَمِيعًا، مَعَ زِيَادَة خلة أُخْرَى فيهمَا، وَهِي: إطْعَام الطَّعَام، وَزِيَادَة خلة أُخْرَى فِي الْمَوْقُوف وَهِي: الْإِنْصَاف من نَفسه. وَأما وَجه كَون إفشاء السَّلَام من الْإِسْلَام فقد بَيناهُ فِي بَاب إطْعَام الطَّعَام.

وقالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السَّلَامِ للْعالَمِ والإنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: فِي تَرْجَمَة عمار، وَهُوَ أَبُو الْيَقظَان، بِالْمُعْجَمَةِ، عمار بن يَاسر بن عَامر بن مَالك بن كنَانَة بن قيس بن الْحصين بن الوذيم بن ثَعْلَبَة بن عَوْف بن حَارِثَة بن عَامر الْأَكْبَر بن يام بن عنس، بالنُّون، وَهُوَ زيد بن مَالك بن أدد بن يشجب بن غَرِيب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. هَكَذَا نسبه ابْن سعد، رَحمَه الله، أمه سميَّة، بِصِيغَة التصغير من السمو، بنت خياط، أسلمت وَكَذَا يَاسر مَعَ عمار قَدِيما، وَقَتل أَبُو جهل سميَّة وَكَانَت أول شهيدة فِي الْإِسْلَام، وَكَانَت مَعَ يَاسر وعمار، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، يُعَذبُونَ بِمَكَّة فِي الله تَعَالَى، فَمر بهم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم يُعَذبُونَ (فَيَقُول: صبرا آل يَاسر فَإِن مَوْعدكُمْ الْجنَّة) . وَكَانُوا من الْمُسْتَضْعَفِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وهم قوم لَا عشائر لَهُم بِمَكَّة وَلَا مَنْعَة وَلَا قُوَّة، كَانَت قُرَيْش تُعَذبهُمْ فِي الرمضاء، فَكَانَ عمار، رَضِي الله عَنهُ، يعذب حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول. وصهيب كَذَلِك، وفكيهة كَذَلِك، وبلال وعامر بن فهَيْرَة، وَفِيهِمْ نزل قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ إِن رَبك للَّذين هَاجرُوا من بعد مَا فتنُوا ثمَّ جاهدوا وصبروا} (النَّحْل: ١١٠) وَمن قَرَأَ فتنُوا بِالْفَتْح وَهُوَ ابْن عَامر، فَالْمَعْنى: فتنُوا أنفسهم، وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَ: (احْرِقْ الْمُشْركُونَ عمار بن يَاسر بالنَّار، فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام، يمر بِهِ ويمر بِيَدِهِ على رَأسه فَيَقُول: يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على عمار كَمَا كنت على إِبْرَاهِيم، تقتلك الفئة الباغية) . وَعَن ابْن ابْنه قَالَ: أَخذ الْمُشْركُونَ عمارا فَلم يَتْرُكُوهُ حَتَّى نَالَ من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَسلم وَذكر آلِهَتهم بِخَير، فَلَمَّا أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا وَرَاءَك؟ قَالَ: شَرّ يَا رَسُول الله؟ وَالله مَا تركت حَتَّى نلْت مِنْك وَذكرت آلِهَتهم بِخَير. قَالَ: فَكيف تَجِد قَلْبك؟ قَالَ: مطمئنا بِالْإِيمَان. قَالَ: فَإِن عَادوا فعد، وَفِيه نزل: {إِلَّا من إِكْرَاه وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان} (النَّحْل: ١٠٦) . شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَهَاجَر إِلَى أَرض الْحَبَشَة، ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ إِسْلَامه بعد بضعَة وَثَلَاثِينَ رجلا هُوَ وصهيب، وروى عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَعَن غَيره من الصَّحَابَة. رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَسِتُّونَ حَدِيثا، اتفقَا مِنْهَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِثَلَاثَة، وَمُسلم بِحَدِيث. وآخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَينه وَبَين حُذَيْفَة، وَكَانَ رجلا آدم طَويلا أشهل الْعَينَيْنِ بعيد مَا بَين الْمَنْكِبَيْنِ، لَا يُغير شَيْبه، قتل بصفين فِي صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ مَعَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، عَن ثَلَاث وَقيل: عَن أَربع وَتِسْعين سنة، وَدفن هُنَاكَ بصفين، وَقتل وَهُوَ مُجْتَمع الْعقل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وياسر رهن فِي الْقمَار هُوَ ووالده وَولده، فقمروهم فصاروا بذلك عبيدا للقامر، فأعزهم الله بِالْإِسْلَامِ. وعمار أول من بنى مَسْجِدا لله فِي الله، بنى مَسْجِد قبَاء، وَلما قتل دَفنه عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، بثيابه حسب مَا أوصاه بِهِ ثمَّة وَلم يغسلهُ. وَقَالَ صَاحب (الِاسْتِيعَاب) : وروى أهل الْكُوفَة أَنه صلى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبهم فِي الشُّهَدَاء أَنهم لَا يغسلونهم، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم، وَقَالَ مُسَدّد: لم يكن فِي الْمُهَاجِرين أحد أَبَوَاهُ مسلمان غير عمار بن يَاسر. قلت: وَأَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَيْضا أسلم أَبَوَاهُ. وَفِي (شرح قطب الدّين) : وَكَانَ أَبُو يَاسر خَالف أَبَا حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة، وَلما قدم يَاسر من الْيمن إِلَى مَكَّة زوجه أَبُو حُذَيْفَة أمة لَهُ يُقَال لَهَا: سميَّة، فَولدت لَهُ عمارا، فَأعْتقهَا أَبُو حُذَيْفَة. وعمار روى لَهُ الْجَمَاعَة.

الثَّانِي: قَول عمار الَّذِي علقه البُخَارِيّ رَوَاهُ الْقَاسِم اللالكائي بِسَنَد صَحِيح عَن عَليّ بن أَحْمد بن حَفْص، حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المرهبي، حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن جَعْفَر الصَّيْرَفِي، حَدثنَا أَبُو نعيم، حَدثنَا قطر عَن أبي إِسْحَاق عَن صلَة بن زفر عَنهُ، وَرَوَاهُ رسته أَيْضا عَن سُفْيَان، حَدثنَا

أَبُو إِسْحَاق فَذكره، وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي كتاب الْإِيمَان من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ، وَرَوَاهُ يَعْقُوب بن شيبَة فِي مُسْنده من طَرِيق شُعْبَة وَزُهَيْر بن مُعَاوِيَة وَغَيرهمَا، كلهم عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي، عَن صلَة بن زفر، عَن عمار، رَضِي الله عَنهُ؛ وَلَفظ شُعْبَة: (ثَلَاث من كن فِيهِ فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . وَهَكَذَا رُوِيَ فِي جَامع معمر عَن أبي إِسْحَاق، وَكَذَا حدث بِهِ عبد الرَّزَّاق فِي (مُصَنفه) عَن معمر، وَحدث بِهِ عبد الرَّزَّاق بِآخِرهِ فرفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده، وَابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) كِلَاهُمَا عَن الْحسن بن عبد الله الْكُوفِي، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي (شرح السّنة) من طَرِيق أَحْمد بن كَعْب الوَاسِطِيّ، وَكَذَا أخرجه ابْن الْأَعرَابِي فِي مُعْجَمه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح الصغاني، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الرَّزَّاق مَرْفُوعا. وَقَالَ الْبَزَّار: غَرِيب، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: هُوَ خطأ، فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من وَجه آخر عَن عمار، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَلَكِن فِي إِسْنَاده ضعف، وَالله أعلم.

الثَّالِث فِي إعرابه وَمَعْنَاهُ. فَقَوله: (ثَلَاث) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة صفة لموصوف مَحْذُوف تَقْدِيره: خِصَال ثَلَاث، فَقَامَتْ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف الْمَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَيجوز أَن يُقَال: يجوز وُقُوع النكرَة مُبْتَدأ إِذا كَانَ الْكَلَام بهَا فِي معنى الْمَدْح، نَحْو: طَاعَة خير من مَعْصِيّة، وَقد عدوه من جملَة الْمَوَاضِع الَّتِي يَقع فِيهَا الْمُبْتَدَأ نكرَة. وَقَوله: (من) مُبْتَدأ ثَان، وَهِي مَوْصُوفَة متضمنة لِمَعْنى الشَّرْط، وجمعهن صلتها. وَقَوله: (فقد جمع الْإِيمَان) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول. وَالْفَاء، فِي: (فقد) ، لتضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط، و: (الْإِيمَان) ، مَنْصُوب: بِجمع، وَمَعْنَاهُ: فقد حَاز كَمَال الْإِيمَان، تدل عَلَيْهِ رِوَايَة شُعْبَة (فقد اسْتكْمل الْإِيمَان) . قَوْله: (الْإِنْصَاف) ، خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَالتَّقْدِير: إِحْدَى ثَلَاث الانصاف، يُقَال: أنصفه من نَفسه، وانتصفت أَنا مِنْهُ، وَقَالَ الصغاني: الْإِنْصَاف الْعدْل، وَالنّصف والنصفة الِاسْم مِنْهُ، يُقَال: جَاءَ منصفا أَي: مسرعا. قَوْله: (وبذل السَّلَام) أَي: الثَّانِي من الثَّلَاث بذل السَّلَام، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة. وَفِي (الْعباب) : بذلت الشَّيْء أبذِله وأبذُله، وَهَذِه عَن ابْن عباد، أَي: أَعْطيته وجُدْتُ بِهِ، ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب: والتركيب يدل على ترك صِيَانة الشَّيْء. قَوْله: (للْعَالم) بِفَتْح اللَّام، وَأَرَادَ بِهِ كل النَّاس من عرفت وَمن لم تعرف. فَإِن قلت: الْعَالم اسْم لما سوى الله تَعَالَى فَيدْخل فِيهِ الْكفَّار، وَلَا يجوز بذل السَّلَام لَهُم {قلت: ذَاك خرج بِدَلِيل آخر، وَهُوَ قَوْله: عَلَيْهِ السَّلَام: (لَا تبدأوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى)

إِلَخ كَمَا تقدم. قَوْله: (والإنفاق) ، أَي: الثَّالِث: الْإِنْفَاق من الإقتار، بِكَسْر الْهمزَة، وَهُوَ الافتقار. يُقَال: اقتر الرجل إِذا افْتقر. فَإِن قلت: على هَذَا التَّفْسِير يكون الْمَعْنى الْإِنْفَاق من الْعَدَم، وَهُوَ لَا يَصح} قلت: كلمة: من، هَهُنَا يجوز أَن تكون بِمَعْنى: فِي، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة} (الْجُمُعَة: ٩) أَي: فِيهِ، وَالْمعْنَى: والانفاق فِي حَالَة الْفقر، وَهُوَ من غَايَة الْكَرم، وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى: عِنْد، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا} (آل عمرَان: ١٠ و ١١٦، والمجادلة: ١٧) أَي: عِنْد الله، وَالْمعْنَى: والانفاق عِنْد الْفقر وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الْغَايَة، كَمَا فِي قَوْلك: أَخَذته من زيد، فَيكون الافتقار غَايَة لإنفاقه، وَفِي الْحَقِيقَة هِيَ للابتداء، لِأَن الْمُنفق فِي الإقتار يبتدىء مِنْهُ إِلَى الْغَايَة. وَقَالَ أَبُو الزِّنَاد بن سراج: جمع عمار فِي هَذِه الْأَلْفَاظ الْخَيْر كُله. لِأَنَّك إِذا أنصفت من نَفسك فقد بلغت الْغَايَة بَيْنك وَبَين خالقك وَبَيْنك وَبَين النَّاس وَلم تضيع شَيْئا، أَي: مِمَّا لله وَلِلنَّاسِ عَلَيْك، وَأما بذل السَّلَام للْعَالم فَهُوَ كَقَوْلِه عَلَيْهِ السَّلَام: (وتقرأ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف) ، وَهَذَا حض على مَكَارِم الْأَخْلَاق، واستئلاف النُّفُوس. وَأما الْإِنْفَاق من الإقتار فَهُوَ الْغَايَة فِي الْكَرم، فقد مدح الله، عز وَجل، من هَذِه صفته بقوله: {ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة} (الْحَشْر: ٩) وَهَذَا عَام فِي نَفَقَة الرجل على عِيَاله وأضيافه، وكل نَفَقَة فِي طَاعَة الله تَعَالَى. وَفِيه: أَن نَفَقَة الْمُعسر على عِيَاله أعظم أجرا من نَفَقَة الْمُوسر. قلت: هَذِه الْكَلِمَات جَامِعَة لخصال الْإِيمَان كلهَا لِأَنَّهَا إِمَّا مَالِيَّة أَو بدنية، فالإنفاق إِشَارَة إِلَى الْمَالِيَّة المتضمنة للوثوق بِاللَّه تَعَالَى، وَالزِّيَادَة فِي الدُّنْيَا وَقصر الأمل، وَنَحْو ذَلِك. والبدنية إِمَّا مَعَ الله تَعَالَى، أَي: التَّعْظِيم لأمر الله تَعَالَى وَهُوَ الْإِنْصَاف، أَو مَعَ النَّاس وَهُوَ الشَّفَقَة على خلق الله تَعَالَى، وَهُوَ بذل السَّلَام الَّذِي يتَضَمَّن مَكَارِم الْأَخْلَاق والتواضع وَعدم الاحتقار، وَيحصل بِهِ التآلف والتحابب وَنَحْو ذَلِك.

٢٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرٍ وأنّ رَجُلاً سَأَلَ الله رَسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ.

(رَاجع الحَدِيث رقم ١٢) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْبَاب يتَضَمَّن أحد شطريه.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: قُتَيْبَة، على صُورَة تَصْغِير قتبة، بِكَسْر الْقَاف وَاحِدَة الأقتاب، وَهِي الأمعاء. قَالَ الصَّنْعَانِيّ: وَبهَا سمي الرجل قُتَيْبَة. وَقَالَ ابْن عدي: إسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: إسمه عَليّ بن سعيد بن جميل البغلاني مَنْسُوب إِلَى بغلان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَرْيَة من قرى بَلخ. وَقيل: إِن جده كَانَ مولى للحجاج بن يُوسُف، فَهُوَ ثقفي، مَوْلَاهُم، وكنيته أَبُو رَجَاء. روى عَن مَالك وَغَيره عَن أَئِمَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَنهُ أَحْمد وَأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة. قلت: روى عَنهُ يحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن بكير البرْسَانِي: كَانَ ثبتا صَاحب حَدِيث وَسنة. وَقَالَ الْأَثْرَم: أثنى عَلَيْهِ أَحْمد. وَقَالَ يحيى وَالنَّسَائِيّ: ثِقَة وَكَانَ كثير المَال كَمَا كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد السمسمار: سمعته يَقُول: ولدت ببلخ يَوْم الْجُمُعَة، حِين تَعَالَى النَّهَار، لست مضين من رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) : مَاتَ فِي ثَانِي رَمَضَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد بن أبي حبيب الْمصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَكلهمْ قد تقدمُوا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مصريون مَا خلا قُتَيْبَة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاّء.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه أخرجه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَأخرجه فِيمَا مضى عَن: عَمْرو بن خَالِد عَن لَيْث عَن يزِيد عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث إِلَخ بِعَين هَؤُلَاءِ، وَنبهَ بذلك على الْمُغَايرَة بَين شيخيه اللَّذين حَدَّثَاهُ عَن اللَّيْث، وَهِي تشعر بتكثير الطّرق. وَقد علم أَنه لَا يُعِيد الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين على صُورَة وَاحِدَة، على أَنه بوب بِهِ هُنَاكَ على أَن: الْإِطْعَام من الْإِسْلَام، وَهَهُنَا على أَن: السَّلَام من الْإِسْلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَقُول ثمَّة أَو هَهُنَا بَاب الاطعام وَالسَّلَام من الْإِسْلَام، بِأَن يدخلهما فِي سلك وَاحِد، وَيتم الْمَطْلُوب. قلت: لَعَلَّ عَمْرو بن خَالِد ذكره فِي معرض بَيَان أَن الْإِطْعَام مِنْهُ، وقتيبة فِي بَيَان أَن الْإِسْلَام مِنْهُ، فَلذَلِك ميزهما، مضيفا إِلَى كل راوٍ قَصده فِي رِوَايَته. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَيْسَ بطائل، لِأَنَّهُ يبْقى السُّؤَال بِحَالهِ إِذْ لَا يمْتَنع مَعَه أَن يجمعهما المُصَنّف، وَلَو كَانَ سمعهما مفترقين. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ بطائل، وَهُوَ جَوَاب حسن، ويندفع السُّؤَال بِهِ، وَلَو كَانَ المُصَنّف جَمعهمَا لَكَانَ تغييرا لما أفرده كل وَاحِد من شيخيه، وَلم يرد تَغْيِير ذَلِك، فَلذَلِك ميزهما بالبابين. فَافْهَم وَبَاقِي الْكَلَام ذَكرْنَاهُ، فِيمَا مضى، مُسْتَوفى.

٢١ - (بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ)

الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله هُوَ: أَن الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة هُوَ أُمُور الْإِيمَان، وَالْكفْر ضِدّه، والمناسبة بَينهمَا من جِهَة التضاد، لِأَن الْجَامِع بَين الشَّيْئَيْنِ على أَنْوَاع: عَقْلِي: بِأَن يكون بَينهمَا اتِّحَاد فِي التَّصَوُّر أَو تماثل أَو تضايف، كَمَا بَين الْأَقَل وَالْأَكْثَر، والعلو والسفل. و: وهمي: بِأَن يكون بَين تصور الشَّيْئَيْنِ شبه تماثل، كلوني بَيَاض وصفرة، أَو تضَاد كالسواد وَالْبَيَاض، وَالْإِيمَان وَالْكفْر، وَشبه تضَاد: كالسماء وَالْأَرْض، و: خيالي: بِأَن يكون بَينهمَا تقارن فِي الخيال، وأسبابه مُخْتَلفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَلم أر شارحا ذكر وَجه الْمُنَاسبَة هَهُنَا كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ بعض الشَّارِحين: أرْدف البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب بِالَّذِي قبله لينبه على أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان وَلَا تخرج إِلَى الْكفْر الْمُوجب للخلود فِي النَّار، لأَنهم ظنُّوا أَنه الْكفْر بِاللَّه، فأجابهم أَنه، عَلَيْهِ السَّلَام، أَرَادَ كفرهن حق أَزوَاجهنَّ، وَذَلِكَ لَا محَالة نقص من إيمانهن، لِأَنَّهُ يزِيد بشكرهن العشير وبأفعال الْبر، فَظهر بِهَذَا أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث، أَرَادَ بِهِ حَدِيث الْبَاب أَنْوَاع من الْعلم: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ أَن الْكفْر قد يُطلق على غير الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى؛ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه: مُرَاد المُصَنّف أَن يبين أَن الطَّاعَات كَمَا تسمى إِيمَانًا كَذَلِك الْمعاصِي تسمى كفرا، لَكِن حَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا الْكفْر لَا يُرَاد بِهِ الْكفْر الْمخْرج عَن الْملَّة، وَهَذَا كَمَا ترى لَيْسَ فِي كَلَام وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِوَجْه

الْمُنَاسبَة، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْبَاب، وَالَّذِي بعده من الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة، عقيب بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم: (الدّين النَّصِيحَة لله) . إِلَخ بعد الْفَرَاغ من ذكر الْأَبْوَاب الَّتِي فِيهَا أُمُور الْإِيمَان رِعَايَة للمناسبة الْكَامِلَة.

الْوَجْه الثَّانِي: فِي الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: فَقَوله: (بَاب) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفران العشير وَبَيَان كفر دون كفر. وَقَوله: (وَكفر) ، عطف على كفران. وَقَوله: (دون كفر) كَلَام إضافي فِي صفته، وَدون، نصب على الظّرْف، و: الكفران، مصدر كالكفر، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكفْر فِي الدّين، والكفران فِي النِّعْمَة. وَفِي (الْعباب) : الْكفْر نقيض الْإِيمَان، وَقد كفر بِاللَّه كفرا، وَالْكفْر أَيْضا جحود النِّعْمَة وَهُوَ ضد الشُّكْر، وَقد كفرها كفورا وكفرانا، وأصل الْكفْر التغطية، وَقد كفرت الشَّيْء أكفره، بالكسرة، كفرا، بِالْفَتْح، أَي: سترته، وكل شَيْء غطى شَيْئا فقد كفره، وَمِنْه: الْكَافِر، لِأَنَّهُ يستر تَوْحِيد الله، أَو نعْمَة الله، وَيُقَال للزارع: الْكَافِر لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر تَحت التُّرَاب، و: رماد مكفور، إِذا سفت الرّيح التُّرَاب عَلَيْهِ حَتَّى غطته؛ والعشير: فعيل بِمَعْنى معاشر، كالأكيل بِمَعْنى المؤاكل، من المعاشرة وَهِي المخالطة، وَقيل: الْمُلَازمَة. قَالُوا: المُرَاد هَهُنَا الزَّوْج، يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يعاشر صَاحبه، وَحمله الْبَعْض على الْعُمُوم. والعشير أَيْضا الخليط والصاحب، وَفِي (الْعباب) : العشير: المعاشر، قَالَ الله تَعَالَى: {لبئس الْمولى ولبئس العشير} (الْحَج: ١٣) والعشير: الزَّوْج. ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، والعشير: الْعشْر، كَمَا يُقَال لِلنِّصْفِ: نصيف، وللثلث: ثليث، وللسدس: سديس. والعشير فِي حِسَاب مساحة الأَرْض: عشر القفيز، والقفيز: عشر الجريب، وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة، والمعشر: الْجَمَاعَة. قَوْله: (وَكفر دون كفر) أَشَارَ بِهِ إِلَى تفَاوت الْكفْر فِي مَعْنَاهُ، أَي: وَكفر أقرب من كفر، كَمَا يُقَال: هَذَا دون ذَلِك، أَي: أقرب مِنْهُ. وَالْكفْر الْمُطلق هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَمَا دون ذَلِك يقرب مِنْهُ، وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَه الْأَزْهَرِي: الْكفْر بِاللَّه أَنْوَاع: إِنْكَار، وجحود، وعناد، ونفاق. وَهَذِه الْأَرْبَعَة من لقى الله تَعَالَى بِوَاحِد مِنْهَا لم يغْفر لَهُ. فَالْأول: أَن يكفر بِقَلْبِه وَلسَانه، وَلَا يعرف مَا يذكر لَهُ من التَّوْحِيد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم} (الْبَقَرَة: ٦) الْآيَة أَي: الَّذين كفرُوا بِالتَّوْحِيدِ وأنكروا مَعْرفَته. وَالثَّانِي: أَن يعرف بِقَلْبِه وَلَا يقر بِلِسَانِهِ، وَهَذَا ككفر إِبْلِيس وبلعام وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَالثَّالِث: أَن يعرف بِقَلْبِه ويقر بِلِسَانِهِ، ويأبى أَن يقبل الْإِيمَان بِالتَّوْحِيدِ ككفر أبي طَالب. وَالرَّابِع: أَن يقر بِلِسَانِهِ وَيكفر بِقَلْبِه ككفر الْمُنَافِقين. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَيكون الْكفْر بِمَعْنى الْبَرَاءَة، كَقَوْلِه تَعَالَى، حِكَايَة عَن الشَّيْطَان: {إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل} (إِبْرَاهِيم: ٢٢) أَي: تبرأت. قَالَ: وَأما الْكفْر الَّذِي هُوَ دون مَا ذكرنَا، فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بِلِسَانِهِ، ويعتقد ذَلِك بِقَلْبِه، لكنه يرتكب الْكَبَائِر من الْقَتْل، وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، ومنازعة الْأَمر أَهله، وشق عَصا الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك انْتهى. وَقد أطلق الشَّارِع الْكفْر على مَا سوى الْأَرْبَعَة، وَهُوَ: كفران الْحُقُوق وَالنعَم، كَهَذا الحَدِيث وَنَحْوه، وَهَذَا مُرَاده من قَوْله: (وَكفر دون كفر) وَفِي بعض الْأُصُول: وَكفر بعد كفر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.

فِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

أَي: فِي الْبَاب يرْوى حَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: فِيهِ أَبُو سعيد، أَي: يدْخل فِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب لَهُ طَرِيق غير الطَّرِيق الَّتِي سَاقهَا هَهُنَا، وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي سعيد فِي الْحيض وَغَيره من طَرِيق عِيَاض بن عبد الله عَنهُ، وَفِيه قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للنِّسَاء: (تصدقن فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرِيد بذلك حَدِيث أبي سعيد: (لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس) . قلت: هَذَا بعيد، وَمرَاده مَا ذَكرْنَاهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله: (وتكفرن العشير) . كَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، وترجمة الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة، وَلَا يُنَاسب التَّرْجَمَة إلَاّ حديثاهما، فَافْهَم.

٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُرِيتُ النَّارَ فَإذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النَّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ

أيَكْفُرْنَ باللَّهِ قالَ يَكْفُرَن العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَطُّ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كفران العشير وَإِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي الْمدنِي، وَقد تقدم ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس، وَقد تقدم ذكره أَيْضا، الثَّالِث: أَبُو أُسَامَة زيد بن أسلم الْقرشِي الْعَدوي، مولى عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ، روى عَن أَبِيه وَعبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَالزهْرِيّ وَمعمر وَأَيوب وَيحيى وَعبد الله بن عمر وَالثَّوْري وَبَنوهُ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأُسَامَة وَغَيرهم. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، القَاضِي الْمدنِي الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله عَنْهَا، أَخُو سُلَيْمَان وَعبد الْملك وَعبد الله، سمع أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وروى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَزيد بن أسلم وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: هُوَ ثِقَة توفّي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة، وَقيل: أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا.

بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء كبار.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل أوردهُ فِي بَاب: صَلَاة الْكُسُوف بِهَذَا الاسناد تَاما، وَأخرجه فِي الصَّلَاة فِي بَاب: من صلى وقدامه نَار بِهَذَا الاسناد بِعَيْنِه، وَأخرجه فِي بَدْء الْخلق فِي ذكر الشَّمْس وَالْقَمَر عَن شيخ غير القعْنبِي مُقْتَصرا على مَوضِع الْحَاجة، وَأخرجه فِي عشرَة النِّسَاء عَن شيخ غَيرهمَا عَن مَالك أَيْضا. وَأخرجه فِي كتاب الْعلم عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي بكر وَابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب، وَعَن أبي رَافع بن أبي رِفَاعَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كِلَاهُمَا عَن عَطاء، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر أَيْضا، وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث جَابر رَضِي الله عَنهُ أَيْضا. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تقطيع هَذَا الحَدِيث وَإِخْرَاج طرف مِنْهُ هَهُنَا، ثمَّ إِخْرَاجه تَاما فِي مَوضِع آخر بِعَين الْإِسْنَاد الَّذِي هَهُنَا؟ قلت: مذْهبه جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا كَانَ مَا يقطعهُ مِنْهُ لَا يسْتَلْزم فَسَاد الْمَعْنى، وغرضه من ذَلِك تنويع الْأَبْوَاب، وَرُبمَا يتَوَهَّم من لَا يحفظ الحَدِيث، وَلَا لَهُ كَثْرَة الممارسة فِيهِ، أَن الْمُخْتَصر حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ بعض غَيره، لَا سِيمَا إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْمُخْتَصر من أثْنَاء الحَدِيث التَّام كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن أَوله هُنَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (أريت النَّار) إِلَى آخر مَا ذكر مِنْهُ، وَأول التَّام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، فَذكر قصَّة صَلَاة الْكُسُوف، ثمَّ خطْبَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وفيهَا الْقدر الْمَذْكُور هُنَا، وَكثير مِمَّن يعد أَحَادِيث البُخَارِيّ يظنّ أَن مثل هَذَا الحَدِيث حديثان أَو أَكثر لاخْتِلَاف ابْتِدَاء الحَدِيث، فَمن ذَلِك قَالُوا عدَّة أَحَادِيثه بِغَيْر تكْرَار أَرْبَعَة آلَاف أَو نَحْوهَا، وَكَذَا ذكر ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَمن بعدهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِذا حرر ذَلِك لَا يزِيد على ألفي حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَثَلَاثَة عشر حَدِيثا.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أريت) ؛ بِضَم الْهمزَة، من الرُّؤْيَة الَّتِي بِمَعْنى التبصير. قَوْله: (العشير) قد مر تَفْسِيره، قَوْله: (الْإِحْسَان) ، مصدر أحسن، يُقَال: أَحْسَنت بِهِ وأحسنت إِلَيْهِ إِذا فعلت مَعَه جميلاً، وَأَصله من الْحسن خلاف الْقبْح. قَوْله: (الدَّهْر) ، هُوَ الزَّمَان، وَالْجمع: الدهور، وَيُقَال: الدَّهْر: الْأَبَد، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الدَّهْر عِنْد الْعَرَب يَقع على بعض الدَّهْر الأطول، وَيَقَع على مُدَّة الدُّنْيَا كلهَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قَالَ قوم: الدَّهْر مُدَّة الدُّنْيَا من ابتدائها إِلَى انْقِضَائِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بل دهر كل قوم زمانهم. قَوْله: (قطّ) ، لتأكيد نفي الْمَاضِي، وفيهَا لُغَات: فتح الْقَاف وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الطَّاء المضمومة فيهمَا، وبفتحهما مَعَ تَشْدِيد الطَّاء الْمَكْسُورَة، وبالفتح مَعَ إسكان الطَّاء، وبالفتح بِكَسْر الطَّاء المخففة. قَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الْكسَائي: كَانَ أَصْلهَا: قطط، فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه، ثمَّ قَالَ بعد حكايته: فِيهَا لُغَات مِنْهَا عَن بَعضهم: قطّ وقط بِالتَّخْفِيفِ، وَزَاد القَاضِي: قطّ

بِكَسْر الْقَاف مَعَ التَّخْفِيف، هَذَا كُله إِذا كَانَت زمنية أما إِذا كَانَت بِمَعْنى: حسب، وَهُوَ: الِاكْتِفَاء، فَهِيَ مَفْتُوحَة سَاكِنة الطَّاء، تَقول: رَأَيْته مرّة وَاحِدَة فَقَط. قَالَ القَاضِي: وَقد يكون هَذَا للتقليل أَيْضا.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أريت) : على صِيغَة الْمَجْهُول بِمَعْنى أَبْصرت، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ هُوَ الْقَائِم مقَام الْمَفْعُول الأول. وَقَوله: (النَّار) هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (فَرَأَيْت) عطف على: (أريت) . وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أول لرأيت. وَقَوله (النِّسَاء) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان وَفِي بعض الرِّوَايَات: (رَأَيْت النَّار أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) بِدُونِ قَوْله: (فَرَأَيْت) ، فعلى هَذَا: أريت، بِمَعْنى: أعلمت، فالتاء مَفْعُوله الأول نَائِب عَن الْفَاعِل، وَالنَّار مَفْعُوله الثَّانِي، وَالنِّسَاء مَفْعُوله الثَّالِث. وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من النَّار، وَيجوز رفع أَكثر على أَنه مُبْتَدأ، وَالنِّسَاء بِالرَّفْع أَيْضا خَبره، وَالْجُمْلَة تكون حَالا بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: ٣٦، والأعراف: ٢٤) وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا: (فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ جزلة: وَمَا لنا يَا رَسُول الله أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير، مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين) . الحَدِيث فَقَوله: أَكثر، بِالنّصب إِمَّا على الْمَفْعُول، أَو على الْحَال على مَذْهَب ابْن السراج وَأبي عَليّ الْفَارِسِي وَغَيرهمَا مِمَّن قَالَ: إِن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَقيل: هُوَ بدل من الْكَاف فِي: رأيتكن، وَقَوْلها: وَمَا لنا أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ النَّوَوِيّ: نصب أَكثر على الْحِكَايَة. قَوْله: (يكفرن) بياء المضارعة، جملَة استئنافية، وَالتَّقْدِير: هن يكفرن، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سَائل سَأَلَ: يَا رَسُول الله لِمَ؟ وَجَاء بكفرهن بِالْبَاء السَّبَبِيَّة الْمُتَعَلّقَة بقول أَكثر، أَو بِفعل الرُّؤْيَة. قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ الْهمزَة للاستفهام وَهَذَا الاستفسار دَلِيل على أَن لفظ الْكفْر مُجمل بَين الْكفْر بِاللَّه وَالْكفْر الَّذِي للعشير، وَنَحْوه. قَوْله: (قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يكفرن العشير) أَي: هن يكفرن العشير. وَقَوله: (يكفرن) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية (والعشير) نصب على المفعولية. وَقَوله: (ويكفرن الاحسان) عطف على الْجُمْلَة الأولى. فَإِن قلت: كَيفَ عدى: يكفرن، بِالْيَاءِ فِي قَوْله: (أيكفرن بِاللَّه) ؟ وَلم يعديها فِي قَوْله: (يكفرن العشير) ؟ قلت: لَان فِي الأول يتَضَمَّن معنى الِاعْتِرَاف بِخِلَاف الثَّانِي. فَإِن قلت: مَا كفران العشير وَمَا كفران الاحسان؟ قلت: كفران العشير لَيْسَ لذاته، بل الكفران لَهُ هُوَ الكفران لإحسانه، فالجملة الثَّانِيَة فِي الْحَقِيقَة بَيَان للجملة الأولى. فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي العشير؟ قلت: للْعهد إِن فسر العشير بِالزَّوْجِ، وللجنس أَو الاستغرق إِن فسر بالمعاشر مُطلقًا. فَإِن قلت: أَيهَا الأَصْل فِي اللَّام؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْجِنْس هُوَ الْحَقِيقَة، فَيحمل عَلَيْهَا إلَاّ إِذا دلّت قرينَة على التَّخْصِيص والتعميم فتتبع الْقَرِينَة حِينَئِذٍ، وَهَذَا حكم عَام لهَذِهِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن أصل اللَّام للْعهد، وَقد عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله: (لَو أَحْسَنت) وَفِي بعض النّسخ: (إِن أَحْسَنت) . فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره، فَكيف صَحَّ هُنَا هَذَا الْمَعْنى؟ قلت: لَو هُنَا بِمَعْنى: إِن، يَعْنِي لمُجَرّد الشّرطِيَّة، وَمثله كثير. وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) بِأَن يكون الحكم ثَابتا على النقيضين، والطرف الْمَسْكُوت عَنهُ أولى من الْمَذْكُور. قَوْله: (أَحْسَنت) لَيْسَ الْخطاب فِيهِ لأحد بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا مُرَاده بِهَذَا كل من يَأْتِي مِنْهُ أَن يكون مُخَاطبا بِهِ. فَإِن قلت: أصل وضع الضَّمِير أَن يكون مُسْتَعْملا لمُعين مشخص. قلت: نعم، لَكِن هَذَا على سَبِيل التَّجَوُّز: فَإِن قلت: لَو لم يكن عَاما لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي كل مُخَاطب كزيد مثلا حَقِيقَة؟ قلت: عَام بِاعْتِبَار أَمر عَام لِمَعْنى خَاص، بِخِلَاف الْعلم، فَإِنَّهُ خَاص بالاعتبارين. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن اللَّفْظ قد يوضع وضعا عَاما لأمور مَخْصُوصَة، كاسم الْإِشَارَة فَإِنَّهُ وضع بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْعَام الَّذِي هُوَ الْإِشَارَة الحسية للخصوصيات الَّتِي تَحْتَهُ، أَي لكل وَاحِد مِمَّا يشار إِلَيْهِ، وَلَا يُرَاد بِهِ عِنْد الِاسْتِعْمَال الْعُمُوم على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَقد يوضع وضعا عَاما الْمَوْضُوع لَهُ عَام، نَحْو: الرجل، فَلَا يُرَاد بِهِ خَاص حَقِيقَة، وَهُوَ عكس الأول. وَقد يوضع وضعا خَاصّا لموضوع لَهُ خَاص، نَحْو: الْعلم كزيد وَنَحْوه والمضمرات من الْقسم الأول فَإِن أُرِيد بالضمير فِي: أَحْسَنت، مُخَاطب معِين، كَانَ حَقِيقَة وإلَاّ كَانَ مجَازًا، وَمثله قَوْله تَعَالَى: {وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} (السَّجْدَة: ١٢) قَوْله: (الدَّهْر) ، نصب على الظّرْف. قَوْله: (ثمَّ رَأَتْ) جملَة معطوفة على مَا قبلهَا، وَقد علم أَن فِي: ثمَّ، معنى المهلة والتراخي. قَوْله: (شَيْئا) نصب على أَنه مفعول: رَأَتْ، أَي شَيْئا قَلِيلا لَا يُوَافق مزاجها، أَو شَيْئا حَقِيرًا لَا يعجبها، فَحِينَئِذٍ التَّنْوِين فِيهِ للتقليل أَو التحقير. قَوْله: (خيرا) مفعول مَا رَأَيْت.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله