«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٤

الحديث رقم ٢٤ من كتاب «كتاب الإيمان» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الحياء من الإيمان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ».

سند حديث: ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ يَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ تَأْوِيلِ الْقُمُصِ بِالدِّينِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي لُبْسِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) أَصْلُ بَيْنَا بَيْنَ ثُمَّ أُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ بَيْنَا بِدُونِ إِذَا وَبِدُونِ إِذْ، وَهُوَ فَصِيحٌ عِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةً. وَقَوْلُهُ الثُّدِيَّ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّثٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ مَجَازًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٦ - بَاب الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ

٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ.

[الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ تَقَدَّمَ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ أُمُورِ الْإِيمَانِ، وَفَائِدَةُ إِعَادَتِهِ هُنَا أَنَّهُ ذُكِرَ هُنَاكَ بِالتَّبَعِيَّةِ وَهُنَا بِالْقَصْدِ مَعَ فَائِدَةِ مُغَايَرَةِ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَلِكَرِيمَةَ ابْنِ أَنَسٍ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ مَرَّ بِرَجُلٍ وَمَرَّ بِمَعْنَى اجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ الْوَاعِظِ وَأَخِيهِ. وَقَوْلُهُ يَعِظُ أَيْ يَنْصَحُ أَوْ يُخَوِّفُ أَوْ يُذَكِّرُ، كَذَا شَرَحُوهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا جَاءَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَفْظُهُ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ لَهُ الْعِتَابَ وَالْوَعْظَ فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، لَكِنَّ الْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَفِي سَبَبِيَّةٌ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ، فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ دَعْهُ أَيِ: اتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ السُّنِّيِّ، ثُمَّ زَادَهُ فِي ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِحُكْمِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْحَقِّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ مُسْتَحِقًّا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ، فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَجَازٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيدُ، وَقَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِي نَفْسِهَا مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنِ الْقَبِيحِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ لِيَرْتَدِعَ عَنِ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ. وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جُبْنٍ وَعِفَّةٍ فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْتَحِي فَاسِقًا، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا، وَقَدْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاضِ كَمَا فِي بَعْضِ الصِّبْيَانِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ مَا يُكْرَهُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على أفضليَّته، وهو قطعيٌّ، فلا يعارضه ظنِّيٌّ. وفي هذا الحديث: التَّشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدِّين بالقميص لأنَّه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدِّين يستره من النَّار. وفيه: الدَّلالةُ على التَّفاضل في الإيمان، كما هو مفهوم تأويل القميص بالدِّين، مع ما ذكره من أنَّ اللَّابسين يتفاضلون في لبسه.

ورجاله كلُّهم مدنيُّون كالسَّابق، ورواية ثلاثةٍ من التَّابعين، أو تابعيَّين وصحابيَّين، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] وفي «فضل عمر» [خ¦٣٦٩١]، ورواه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال شَرَعَ يذكر ما ينقص به الإيمان، فقال:

(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- فيه: (الحَيَاءُ) بالمدِّ والرَّفع مبتدأٌ، خبره: (مِنَ الإِيمَانِ) وحديثه سبق، وفائدة سياقه هنا: أنَّه ذَكَرَ «الحياءَ» هناك بالتَّبعيَّة، وهنا بالقصد، مع فائدة مغايرة الطَّريق.

٢٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) ولكريمة وأبي الوقت: «مالك بن أنسٍ» أي: إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ

العدويِّ، التَّابعيِّ الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو خمسٍ أو ثمانٍ ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ) أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ) أي: حال كونه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الدِّين أو النَّسَب، قال في «المقدِّمة»: ولم يُسمَّيا جميعًا (فِي) شأن (الحَيَاءِ) بالمدِّ؛ وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوفِ ما يُعَاب أو يُذَمُّ، قال الرَّاغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، والوعظ: النُّصح والتَّخويف والتَّذكير، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والأَوْلى أن يُشْرَح بما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» (١) بلفظ: «يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك تستحيي حتَّى كأنَّه قد أضرَّ بك» [خ¦٦١١٨]. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متَّحِدٌ، فالظَّاهر: أنَّه من تصرُّفِ الرَّاوي؛ بحسب ما اعتقد أنَّ كلَّ لفظٍ يقوم مقام الآخر. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه بعيدٌ من حيث اللُّغة؛ فإنَّ معنى الوعظِ: الزَّجرُ، ومعنى العتبِ: الوجدُ، يقال: عتب عليه إذا وَجِدَ؛ على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنَيين جليَّيَن، ليس في واحدٍ منهما خفاءٌ حتَّى يُفسَّر أحدهما بالآخر، وغايته: أنَّه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه، والرَّاوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ: الوعظ، وفي الأخرى بلفظ: المعاتبة، وكلاهما صواب (٢)، وقال التَّيميُّ: معناه الزَّجر؛ يعني: يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنَّه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء (٣) حقوقه، فوعظه أخوه

على ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ : دَعْهُ) أي: اتركه على حيائه (فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) لأنَّه يمنع صاحبَه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسمَّى الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة، و «مِن»: تبعيضيَّةٌ كقوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ شعبةٌ من الإيمان» [خ¦٩] لا يُقَال: إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، ونفيُ الكمال لا يستلزم نفيَ الحقيقة، والظَّاهر: أنَّ الواعظ كان شاكًّا، بل كان مُنْكِرًا؛ ولذا وقع التَّأكيد بـ «إنَّ»، ويجوز أن يكون من جهة أنَّ القصَّة في نفسها ممَّا يجب أن يُهتمَّ به ويُؤكَّد عليه، وإن لم يكن ثَمَّةَ إنكارٌ أو شَكٌّ.

ورجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا عبد الله (١)، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «البرِّ والصِّلة» [خ¦٦١١٨]، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين والإضافة، كما في فرع «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: والتَّقدير: بابٌ في تفسير قوله، وبابُ تفسيرِ قولِهِ، وعُورِضَ: بأنَّ المصنِّف لم يَضَعِ الباب لتفسير الآية، بل غرضُه بيانُ أمور الإيمان، وبيان أنَّ الأعمال من الإيمان، مستدلًّا على ذلك بالآية والحديث، فـ «باب» بمفرده لا يستحقُّ إعرابًا لأنَّه كتعديد الأسماء من غير تركيبٍ، والإعراب لا يكون إلَّا بعد العقد والتَّركيب (﴿فَإِن تَابُواْ﴾) أي: المشركون عن شركهم بالإيمان (﴿وَأَقَامُواْ﴾)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم، لِأَن الْعَرَب تعبر عَن الْعِفَّة بنقاء الثَّوْب والمئزر، وجره عبارَة عَمَّا فضل عَنهُ وانتفع النَّاس بِهِ، بِخِلَاف جَرّه فِي الدُّنْيَا للخيلاء فَإِنَّهُ مَذْمُوم. فَإِن قيل: يلْزم من الحَدِيث أَن يكون عمر رَضِي الله عَنهُ، أفضل من أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، لِأَن المُرَاد بالأفضل الْأَكْثَر ثَوابًا، والأعمال عَلَامَات الثَّوَاب، فَمن كَانَ دينه أَكثر فثوابه أَكثر، وَهُوَ خلاف الاجماع. قلت: لَا يلْزم، إِذْ الْقِسْمَة غير حاصرة لجَوَاز قسم رَابِع سلمنَا انحصار الْقِسْمَة، لَكِن مَا خصص الْقسم الثَّالِث بعمر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يحصره عَلَيْهِ سلمنَا التَّخْصِيص بِهِ، لكنه معَارض بالأحاديث الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله عَنهُ، بِحَسب تَوَاتر الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا، وَمثله يُسمى بالمتواتر من جِهَة الْمَعْنى، فدليلكم آحَاد وَدَلِيلنَا متواتر، سلمنَا التَّسَاوِي بَين الدَّلِيلَيْنِ. لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أفضليته وَهُوَ دَلِيل قَطْعِيّ، وَهَذَا دَلِيل ظَنِّي، وَالظَّن لَا يُعَارض الْقطع، وَهَذَا الْجَواب يُسْتَفَاد من نفس تَقْرِير الدَّلِيل، وَهَذِه قَاعِدَة كُلية عِنْد أهل المناظرة فِي أَمْثَال هَذِه الإيرادات، بِأَن يُقَال: مَا أردته إِمَّا مجمع عَلَيْهِ أَو لَا، فَإِن كَانَ فالدليل مَخْصُوص بِالْإِجْمَاع وإلَاّ فَلَا يتم الْإِيرَاد إِذْ لَا إِلْزَام إلَاّ بالمجمع عَلَيْهِ. لَا يُقَال: كَيفَ يُقَال: الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد أنكر ذَلِك طَائِفَة الشِّيعَة والخوارج من العثمانية، لأَنا نقُول: لَا اعْتِبَار بمخالفة أهل الضلال، وَالْأَصْل إِجْمَاع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا: الدّلَالَة على تفاضل أهل الْإِيمَان، وَمِنْهَا: الدّلَالَة على فَضِيلَة عمر رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: تَعْبِير الرُّؤْيَا وسؤال الْعَالم بهَا عَنْهَا. وَمِنْهَا: جَوَاز إِشَاعَة الْعَالم الثَّنَاء على الْفَاضِل من أَصْحَابه إِذا لم يحس بِهِ بإعجاب وَنَحْوه، وَيكون الْغَرَض التَّنْبِيه على فَضله لتعلم مَنْزِلَته ويعامل بمقتضاها، ويرغب الِاقْتِدَاء بِهِ والتخلق بأخلاقه.

١٦ - (بَاب الحَياءُ مِنَ الإيمانِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْحيَاء مَرْفُوع سَوَاء أضفت إِلَيْهِ الْبَاب أم لَا، لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَمن الْإِيمَان، خبر. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبَاب منون وَلَا شكّ أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فَيكون جملَة، وَقَوله: الْحيَاء من الْإِيمَان جملَة أُخْرَى، وعَلى تَقْدِير عدم الْإِضَافَة مَا الرابطة بَين الجملتين؟ قلت: هِيَ محذوفة تَقْدِير الْكَلَام: هَذَا بَاب فِيهِ الْحيَاء من الْإِيمَان يَعْنِي بَيَان أَن الْحيَاء من الْإِيمَان وَبَيَان تَفْسِير الْحيَاء وَوجه كَونه من الْإِيمَان قد تقدما فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان تفاضل الْإِيمَان فِي الْأَعْمَال، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا من جملَة مَا يفضل بِهِ الْإِيمَان، وَهُوَ الْحيَاء الَّذِي يحجب صَاحبه عَن أَشْيَاء مُنكرَة عِنْد الله وَعند الْخلق.

٢٤ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخاهُ فِي الْحيَاء فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعْهُ فَإن الْحَياءَ مِنَ الْإِيمَان.

(الحَدِيث ٢٤ طرفه فِي: ٦١١٨)

الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ أَخذ جزأ مِنْهُ فبوب عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَادَته.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، نزيل دمشق، وَقد ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ على أحد الْأَقْوَال، وَقَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ سَالم أشبه ولد عبد الله بِعَبْد الله، وَعبد الله أشبه ولد عمر بعمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ مَالك: لم يكن فِي زمن سَالم أشبه بِمن مضى من الصَّالِحين فِي الزّهْد مِنْهُ، كَانَ يلبس الثَّوْب بِدِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه: أصح الْأَسَانِيد كلهَا: الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه. وَكَانَ أَبوهُ يلام فِي إفراط حب سَالم، وَكَانَ يقبله وَيَقُول: أَلا تعْجبُونَ من شيخ يقبل شَيخا؟ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتّ وَمِائَة، وَقيل: خمس، وَقيل: ثَمَان، وَصلى عَلَيْهِ هِشَام بن عبد الْملك، وَله أخوة: عبد الله وَعَاصِم وَحَمْزَة وبلال وواقد وَزيد، وَكَانَ عبد الله وصّى أَبِيهِم فيهم، وروى عَنهُ مِنْهُم أَرْبَعَة: عبد الله وَسَالم وَحَمْزَة وبلال. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون مَا خلا عبد الله. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أخبرنَا مَالك، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا مَالك بن أنس، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: مَالك بن أنس، والْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره:) أخرجه هُنَا عَن عبد الله عَن مَالك، وَأخرجه فِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم هُنَا أَيْضا عَن الناقدي، وَزُهَيْر عَن سُفْيَان، وَعَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَلم يَقع لمُسلم لَفْظَة: دَعه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) : قَوْله: (مر عَليّ رجل) يُقَال: مر عَلَيْهِ وَمر بِهِ، بِمَعْنى وَاحِد. أَي: اجتازه، وَفِي (الْعباب) : مر عَلَيْهِ وَبِه يمر مرا، أَي: اجتاز، وَبَنُو يَرْبُوع يَقُولُونَ: مر علينا بِكَسْر الْمِيم، وَمر يمر مرا ومرورا وممرا أَي ذهب، والممر مَوضِع الْمُرُور أَيْضا. وَالْأَنْصَار: جمع النَّاصِر كالأصحاب جمع الصاحب، أَو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف. قَوْله: (يعظ أَخَاهُ) أَي: ينصح أَخَاهُ من الْوَعْظ وَهُوَ: النصح والتذكير بالعواقب. وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ التخويف والإنذار. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد هُوَ التَّذْكِير بِالْخَيرِ فِيمَا يرق الْقلب. وَفِي (الْعباب) : الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته عظة. قَوْله: (دَعه) أَي: أتركه، وَهُوَ أَمر لَا ماضي لَهُ، قَالُوا: أماتوا ماضي يدع ويذر. قلت: اسْتعْمل ماضي: دع، وَمِنْه قِرَاءَة من قَرَأَ {مَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: ٣) بِالتَّخْفِيفِ فعلى هَذَا هُوَ أَمر من: ودع يدع، وأصل يدع: يودع، حذفت الْوَاو فَصَارَ: يدع، وَالْأَمر: دع، وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: دع ذَا أَي: أتركه، وَأَصله، ودع يدع، وَقد أميت ماضيه. لَا يُقَال: ودعه، إِنَّمَا يُقَال: تَركه وَلَا: وادع، وَلَكِن: تَارِك، وَرُبمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر: ودعه، فَهُوَ مودوع على أَصله قَالَ أنس بن زنينم.

(لَيْت شعري عَن خليلي مَا الَّذِي ... غاله فِي الْوَعْد حَتَّى ودعه)

ثمَّ قَالَ الصغاني: وَقد اخْتَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصل هَذِه اللُّغَة فِيمَا روى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ قَرَأَ {وَمَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: ٣) بِالتَّخْفِيفِ أَعنِي؛ بتَخْفِيف الدَّال، وَكَذَلِكَ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة: عُرْوَة وَمُقَاتِل وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي عبلة وَيزِيد النَّحْوِيّ، رَحِمهم الله تَعَالَى.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (مر عَليّ رجل) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا وَقعت خَبرا، لِأَن قَوْله: (من الْأَنْصَار) صفة لرجل، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد، أَي: أنصار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذين آووا ونصروا من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم. قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) جملَة إسمية محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي الْحيَاء) يتَعَلَّق بقوله: يعظ، قَوْله: (ودعه) جملَة من: الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول لِأَنَّهَا وَقعت مقول القَوْل، قَوْله: (فَإِن الْحيَاء) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الرجل الَّذِي وعظ أَخا للواعظ فِي الْإِسْلَام، على مَا هُوَ عرف الشَّرْع، فعلى هَذَا يكون مجَازًا لغويا، أَو حَقِيقَة عرفية، وَالْآخر وَهُوَ الظَّاهِر: أَن يكون أَخَاهُ فِي الْقَرَابَة وَالنّسب، فعلى هَذَا هُوَ حَقِيقَة، قَوْله: (فِي الْحيَاء) فِيهِ حذف، أَي: فِي شَأْن الْحيَاء وَفِي حَقه مَعْنَاهُ أَنه ينهاه عَنهُ ويخوفه مِنْهُ، فزجره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن وعظه، فَقَالَ: دَعه، أَي: اتركه على حيائه، فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان. وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْوَعْظ الزّجر، يَعْنِي يزجره عَن الْحيَاء، وَيَقُول لَهُ: لَا تَسْتَحي، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعه يستحي فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان، إِذْ الشَّخْص يكف عَن أَشْيَاء من مناهي الشَّرْع للحياء، وَيكثر مثل هَذَا فِي زَمَاننَا. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَن الْحيَاء يمْنَع صَاحبه من ارْتِكَاب الْمعاصِي، كَمَا يمْنَع الْإِيمَان فَسُمي إِيمَانًا كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم مَا قَامَ مقَامه، وَقَالَ بَعضهم: الأولى أَن نشرح يَعْنِي قَوْله: يعظ بِمَا جَاءَ عَن المُصَنّف فِي الْأَدَب من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن ابْن شهَاب. وَلَفظه: (يُعَاتب أَخَاهُ فِي الْحيَاء يَقُول إِنَّك لتستحي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُول قد أضربك) . انْتهى. قلت: هَذَا بعيد من حَيْثُ اللُّغَة، فَإِن معنى الْوَعْظ الزّجر، وَمعنى العتب الوجد. وَفِي (الْعباب) : عتبَة عَلَيْهِ إِذا وجد، يعتب عَلَيْهِ، وَيَعْتِبُ عتبا ومعتبا، على أَن الرِّوَايَتَيْنِ تدلان على مَعْنيين جليين لَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا خَفَاء حَتَّى يُفَسر أَحدهمَا بِالْآخرِ، غَايَة فِي الْبَاب أَن الْوَاعِظ الْمَذْكُور وعظ أَخَاهُ فِي اسْتِعْمَاله الْحيَاء، وعاتبه عَلَيْهِ. والراوي حكى فِي إِحْدَى روايتيه بِلَفْظ الْوَعْظ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَفْظ المعاتبة، وَذَلِكَ أَن

الرجل كَانَ كثير الْحيَاء، وَكَانَ ذَلِك يمنعهُ من اسْتِيفَاء حُقُوقه، فتوعظه أَخُوهُ على مُبَاشرَة الْحيَاء، وعاتبه على ذَلِك فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دَعه أَي: اتركه على هَذَا الْخلق الْحسن لِأَن الْحيَاء خير لَهُ فِي ذَلِك، بل فِي كل الْأَوْقَات وكل الْحَالَات، يدل على ذَلِك، مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (الْحيَاء خير كُله) . فَإِن قلت: مَا وَجه التَّأْكِيد بِأَن فِي قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) وَإِنَّمَا يُؤَكد بِأَن وَنَحْوهَا إِذا كَانَ الْمُخَاطب مُنْكرا أَو شاكا؟ قلت: الظَّاهِر أَن الْمُخَاطب كَانَ شاكا بل كَانَ مُنْكرا لَهُ، لِأَنَّهُ مَنعه من ذَلِك، فَلَو كَانَ معترفا بِأَنَّهُ من الْإِيمَان لما مَنعه من ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا أَنه لم يكن مُنْكرا لكنه جعل كالمنكر لظُهُور أَمَارَات الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون هَذَا من بَاب التَّأْكِيد لدفع إِنْكَار غير الْمُخَاطب، وَيجوز أَن يكون التَّأْكِيد من جِهَة أَن الْقِصَّة فِي نَفسهَا مِمَّا يجب أَن يهتم بهَا ويؤكد عَلَيْهَا، وَإِن لم يكن ثمَّة إِنْكَار أَو شكّ من أحد فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن الناهي مَا كَانَ يعرف أَن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، فَلهَذَا وَقع التَّأْكِيد. قلت: هَذَا كَلَام من لم يذقْ شَيْئا مَا من علم الْمعَانِي، فَإِن الْخطاب لمثل هَذَا الناهي الَّذِي ذكره لَا يحْتَاج إِلَى تَأْكِيد، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر وَلَا مُتَرَدّد، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِي الذِّهْن، وَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْكِيد فَإِنَّهُ كَمَا يسمع الْكَلَام ينتقش فِي ذهنه على مَا عرف فِي كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان. فَإِن قلت: مَا معنى الْحيَاء؟ قلت: قد فسرته فِيمَا مضى عِنْد قَوْله: (وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْحيَاء الاستحياء، وَهُوَ ترك الشَّيْء لدهشة تلحقك عِنْده، قَالَ تَعَالَى: {ويستحيون نساءكم} (الْبَقَرَة: ٤٩، والأعراف: ١٤١، وَإِبْرَاهِيم: ٦) أَي: يتركون، قَالَ: وأظن أَن الْحَيَاة مِنْهُ لِأَنَّهُ الْبَقَاء من الشَّخْص، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ هُوَ ترك الشَّيْء، بل هُوَ دهشة تكون سَببا لترك الشَّيْء قلت: التَّحْقِيق أَن الْحيَاء تغير وانكسار عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم، وَلَيْسَ هُوَ بدهشة وَلَا ترك الشَّيْء، وَإِنَّمَا ترك الشَّيْء من لوازمه. فَإِن قلت: يمْنَع مَا قلت إِسْنَاده إِلَى الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (الْبَقَرَة: ٢٦) قلت: هَذَا من بَاب المشاكلة، وَهِي أَن يذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته، فَلَمَّا قَالَ المُنَافِقُونَ: أما يستحي رب مُحَمَّد يذكر الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت فِي كِتَابه، أجِيبُوا: بِأَن الله لَا يستحي، وَالْمرَاد: لَا يتْرك ضرب الْمثل بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، فَأطلق عَلَيْهِ الاستحياء على سَبِيل المشاكلة، كَمَا فِي قَوْله: {فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق} (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله حييّ كريم يستحي إِذا رفع إِلَيْهِ العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا) ، وَهَذَا جَار على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية، شبه ترك الله تَعَالَى تخييب العَبْد ورد يَدَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَقيل: ترك الله رد الْمُحْتَاج حَيَاء، كَمَا قيل: ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا، فَذَلِك استعير ترك المستحي لترك ضرب الْمثل، ثمَّ نفى عَنهُ. فَإِن قلت: مَا معنى: من، فِي قَوْله: من الْإِيمَان؟ قلت: مَعْنَاهُ التَّبْعِيض، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث السالف: (الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . فَإِن قلت: قد علم ذَلِك مِنْهُ، فَمَا فَائِدَة التّكْرَار؟ قلت: كَانَ الْمَقْصُود ثمَّة بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَأَنه من جُمْلَتهَا، فَذكر ذَلِك بالتبعية وبالعرض، وَهَهُنَا ذكره بِالْقَصْدِ وبالذات مَعَ فَائِدَة مُغَايرَة الطَّرِيق. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْحيَاء بعض الْإِيمَان فَإِن انْتَفَى الْحيَاء انْتَفَى بعض الْإِيمَان، وَإِذا انْتَفَى بعض الْإِيمَان انْتَفَى حَقِيقَة الْإِيمَان، فينتج من هَذِه الْمُقدمَات انْتِفَاء الْإِيمَان عَمَّن لم يستح، وَانْتِفَاء الْإِيمَان كفر. قلت: لَا نسلم صدق كَون الْحيَاء من حَقِيقَة لإيمان، لِأَن الْمَعْنى: فَإِن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، وَنفي الْكَمَال لَا يسْتَلْزم نفي الْحَقِيقَة. نعم الْإِشْكَال قَائِم على قَول من يَقُول الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْإِيمَان، وَهَذَا لم يقل بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى، قلت: من فَوَائده الحض على الِامْتِنَاع من قبائح الْأُمُور ورذائلها، وكل مَا يستحى من فعله، وَالدّلَالَة على أَن النَّصِيحَة إِنَّمَا تعد إِذا وَقعت موقعها، والتنبيه على زجر مثل هَذَا الناصح.

١٧ - (بَاب {فَإِن تَابُوا وَأقَامُوا الصَّلَاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} )

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن قَوْله: بَاب، يَنْبَغِي أَن لَا يعرب، لِأَنَّهُ كتعديد الْأَسْمَاء من غير تركيب، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب. وَقَالَ بَعضهم: بَاب هُوَ منون فِي الرِّوَايَة، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: ٥) وَتجوز الْإِضَافَة، أَي بَاب تَفْسِير قَوْله، وَإِنَّمَا جعل الحَدِيث تَفْسِيرا لِلْآيَةِ لِأَن المُرَاد بِالتَّوْبَةِ فِي الْآيَة الرُّجُوع

عَن الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد ففسره قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن قَوْله: بَاب، وَهُوَ منون فِي الرِّوَايَة دَعْوَى بِلَا برهَان. فَمن قَالَ من الْمَشَايِخ الْكِبَار: إِن هَذِه رِوَايَة مِمَّن لَا يعْتَمد على كَلَامهم على أَن الرِّوَايَة إِذا خَالَفت الدِّرَايَة لَا تقبل، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا وَقع نَحْو هَذَا فِي الْأَلْفَاظ النَّبَوِيَّة، فَحِينَئِذٍ يجب تَأْوِيلهَا على وفْق الدِّرَايَة، وَقد قُلْنَا: إِن هَذَا بمفرده لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إلَاّ إِذا قَدرنَا نَحْو: هَذَا بَاب، بِالتَّنْوِينِ، أَو بالإعراب بِلَا تَنْوِين بِتَقْدِير الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده. الثَّانِي: أَن تَقْدِيره بقوله: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى، لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن البُخَارِيّ مَا وضع هَذَا الْبَاب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صدد التَّفْسِير فِي هَذِه الْأَبْوَاب، وَإِنَّمَا هُوَ فِي صدد بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَبَيَان أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان على مَا يرَاهُ وَاسْتدلَّ على ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، أما الْآيَة فَلِأَن الْمَذْكُور فِيهَا التَّوْبَة الَّتِي هِيَ الرُّجُوع من الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد، وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَذَلِكَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، فَكَمَا ذكر فِي الْآيَة: أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاث فَإِنَّهُ يخلي، فَكَذَلِك ذكر فِي الحَدِيث أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ قد يعْصم دينه وَمَاله إلَاّ بِحَق، وَمعنى التَّخْلِيَة والعصمة وَاحِد هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْآيَة الْمَذْكُورَة والْحَدِيث الْمَذْكُور. النّظر الثَّالِث: أَن قَوْله: ففسره قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ مَا أخرج الحَدِيث هَهُنَا تَفْسِيرا لِلْآيَةِ، وَإِنَّمَا أخرجه هَهُنَا لأجل الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان غير مفتقر إِلَى الْأَعْمَال، على أَنه قد رُوِيَ عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، أَن هَذِه الْآيَة آخر مَا نزل من الْقُرْآن وَلَا شكّ أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم عَلَيْهَا، لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا أَمر بِقِتَال النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فِي ابْتِدَاء الْبعْثَة، والمتقدم لَا يكون مُفَسرًا للمتأخر.

الْوَجْه الثَّانِي فِي الْكَلَام فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة بَرَاءَة، وأولها قَوْله عز وَجل {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وآتووا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم إِن الله غَفُور رَحِيم} (التَّوْبَة: ٥) نزلت فِي مُشْركي مَكَّة وَغَيرهم من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَنهم عَاهَدُوا الْمُسلمين ثمَّ نكثوا إلَاّ نَاسا مِنْهُم، وهم بَنو ضَمرَة وَبَنُو كنَانَة، فنبذوا الْعَهْد إِلَى النَّاكِثِينَ، وَأمرُوا أَن يَسِيحُوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر آمِنين إِن شاؤا لَا يتَعَرَّض لَهُم، وَهِي الْأَشْهر الْحرم، وَذَلِكَ لصيانة الْأَشْهر الْحرم من الْقَتْل والقتال فِيهَا، فَإِذا انسلخت قاتلوهم، وَهُوَ معنى قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: ٥) الْآيَة. النَّوْع الثَّانِي فِي لُغَات الْآيَة. فَقَوله: انْسَلَخَ، مَعْنَاهُ: خرج يُقَال: انْسَلَخَ الشَّهْر من سنته، وَالرجل من ثِيَابه والحبة من قشرها، وَالنَّهَار من اللَّيْل الْمقبل لِأَن النَّهَار مكور على اللَّيْل، فَإِذا انْسَلَخَ ضوؤه بَقِي اللَّيْل غاسقا قد غشي النَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انْسَلَخَ الشَّهْر كَقَوْلِهِم انجرد الشَّهْر، وَسنة جرداء، وَالْأَشْهر الْحرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات: ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب الْفَرد الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان. قَوْله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: الَّذين نقضوكم وظاهروا عَلَيْكُم. قَوْله: {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يَعْنِي من حل أَو حرَام. قَوْله {وخذوهم} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي اسروهم، والأخيذ: الْأَسير. قَوْله {واحصروهم} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: قيدوهم وامنعوهم من التَّصَرُّف فِي الْبِلَاد، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: حصرهم أَن يُحَال بَينهم وَبَين الْمَسْجِد الْحَرَام. قَوْلهم: {كل مرصد} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: كل ممر ومجتاز ترصدونهم بِهِ. قَوْله {فَإِن تَابُوا} (التَّوْبَة: ٥) أَي: عَن الشّرك {وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: ٥) أَي: أدوها فِي أَوْقَاتهَا {وَآتوا الزَّكَاة} أَي: أعطوها قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} يَعْنِي أطْلقُوا عَنْهُم قيد الْأسر والحصر أَو مَعْنَاهُ: كفوا عَنْهُم وَلَا تتعرضوا لَهُم لأَنهم عصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِالرُّجُوعِ عَن الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام وشرائعه، وَعَن ابْن عَبَّاس، دعوهم وإتيان الْمَسْجِد الْحَرَام، إِن الله غَفُور يغْفر لَهُم مَا سلف من الْكفْر والغدر، رَحِيم بِالْعَفو عَنْهُم. النَّوْع الثَّالِث: قَوْله: فَإِذا انْسَلَخَ جملَة متضمنة معنى الشَّرْط وَقَوله: فَاقْتُلُوا، جَوَابه قَوْله: كل مرصد، نصب على الظّرْف كَقَوْلِه {لاقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم} (الْأَعْرَاف: ١٦) قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} (التَّوْبَة: ٥) جَوَاب الشَّرْط: أَعنِي قَوْله: فَإِن تَابُوا.

الْوَجْه الثَّالِث ذكر الْآيَة والتبويب عَلَيْهَا للرَّدّ على المرجئة، كَمَا ذكرنَا، وللتنبيه على أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل، كَمَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من السّلف.

٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ المُسنَدِيُّ قَالَ حدّثنا أبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارةَ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عمَرَ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إلَهَ إلَاّ الله وأنّ مُحمَّدا رسُول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأمْوالَهُمْ إلَاّ بِحَقِّ الإسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.

معنى الحَدِيث مُطَابق لِمَعْنى الْآيَة فَلذَلِك قرن بَينهمَا، وتعلقهما بِكِتَاب الْإِيمَان يَجْعَلهَا بَابا من أبوابه، هُوَ أَن يعلم مِنْهُ أَن: من آمن صَار مَعْصُوما. وَأَن يعلم أَن إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزكاء من جملَة الْإِيمَان على مَا ذهب إِلَيْهِ.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان، هُوَ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو روح، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ كنيته، واسْمه الحرمي، بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْمه بِلَفْظ النِّسْبَة، تثبت فِيهِ الْألف وَاللَّام، وتحذف كَمَا فِي مكي بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ ابْن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن أبي حَفْصَة، وَاسم أبي حَفْصَة نابت بالنُّون، وَقيل: بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَالْأول أشهر، وَقيل: اسْمه عبيد الْعَتكِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، سمع شُعْبَة وَغَيره، روى عَنهُ عبيد الله بن عمر القواريري، وَعنهُ مُسلم وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَعبد الله المسندي عِنْد البُخَارِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ يحيى بن معِين صَدُوق، وَوهم الْكرْمَانِي فِي هَذَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: أَنه جعل الحرمي نِسْبَة وَلَيْسَ هُوَ بمنسوب إِلَى الْحرم أصلا، لِأَنَّهُ بَصرِي الأَصْل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة. وَالْآخر: أَنه جعل اسْم جده اسْمه حَيْثُ قَالَ: أَبُو روح كنيته واسْمه نابت وحرمي نسبته، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. والمسمى بحرمي أَيْضا اثْنَان: حرمي بن حَفْص الْعَتكِي روى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وحرمي بن يُونُس الْمُؤَدب، روى لَهُ النَّسَائِيّ. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عَمْرو، وواقد أَخُو أبي بكر وَعمر وَزيد وَعَاصِم، وَكلهمْ رووا عَن أَبِيهِم مُحَمَّد، وَمُحَمّد أبوهم هَذَا روى لَهُ عَن جده عبد الله وَعَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين، وَاقد هذاثقة روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وواقد هَذَا بِالْقَافِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وَافد بِالْفَاءِ. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. . السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا) : أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد المسندي، بِزِيَادَة المسندي، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء، وَهُوَ كثير، لَكِن رِوَايَة الشَّخْص عَن أَبِيه عَن جده أقل، وواقد هُنَا روى عَن أَبِيه عَن جد أَبِيه. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث غَرِيب تفرد بروايته شُعْبَة عَن وَاقد، قَالَه ابْن حبَان، وَهُوَ عَن شُعْبَة عَزِيز، تفرد بروايته عَنهُ الحرمي الْمَذْكُور، وَعبد الْملك بن الصَّباح، وَهُوَ عَزِيز عَن الحرمي، تفرد بِهِ عَنهُ: المسندي، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عرْعرة، وَمن جِهَة إِبْرَاهِيم أخرجه أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيرهم، وَهُوَ غَرِيب عَن عبد الْملك تفرد بِهِ عَنهُ أَبُو غَسَّان بن عبد الْوَاحِد شيخ مُسلم، فاتفق الشَّيْخَانِ على الحكم بِصِحَّتِهِ مَعَ غرابته.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ويؤمنوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ) الحَدِيث وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلَاة، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر، والْحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلم يقل: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (أمرت) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْأَمر هُوَ قَول الْقَائِل لمن دونه إفعل على سَبِيل الاستعلاء، وَقَالَ

الْكرْمَانِي: وَأَصَح التعاريف لِلْأَمْرِ هُوَ القَوْل الطَّالِب للْفِعْل، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى، وَالْأَمر فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم فِي النَّفس، فَيكون قَوْله إفعل عبارَة عَن الْأَمر الْمجَازِي، تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) معنى إِقَامَة الصَّلَاة: إِمَّا تَعْدِيل أَرْكَانهَا وحفظها من أَن يَقع زيغ فِي فرائضها وسننها وآدابها، من أَقَامَ الْعود إِذا قومه، وَإِمَّا المداومة عَلَيْهَا من قَامَت السُّوق إِذا نفقت، وَإِمَّا التجلد والتشمر فِي أَدَائِهَا. من قَامَت الْحَرْب على سَاقهَا. وَإِمَّا أَدَاؤُهَا تعبيرا عَن الْأَدَاء بِالْإِقَامَةِ، لِأَن الْقيام بعض أَرْكَانهَا، وَالصَّلَاة هِيَ الْعِبَادَة المفتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ. قَوْله: (ويؤتوا الزَّكَاة) أَي: يعطوها، وَالزَّكَاة هِيَ الْقدر الْمخْرج من النّصاب للْمُسْتَحقّ. قَوْله: (عصموا) أَي: حفظوا وحقنوا، وَمعنى العصم فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه العصام وَهُوَ الْخَيط الَّذِي تشد بِهِ فَم الْقرْبَة. سمي بِهِ لمَنعه المَاء من السيلان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعِصْمَة الْحِفْظ، يُقَال عصمه فانعصم، واعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة، وعصم يعْصم عصما بِالْفَتْح إِذا اكْتسب وَقَالَ بَعضهم: الْعِصْمَة مَأْخُوذَة من العصام؛ وَهُوَ الخيظ الَّذِي يشد بِهِ فَم الْقرْبَة. قلت: هَذَا الْقَائِل قلب الِاشْتِقَاق، وَإِنَّمَا العصام مُشْتَقّ من الْعِصْمَة، لِأَن المصادر هِيَ الَّتِي يشتق مِنْهَا، وَلم يقل بِهَذَا إلَاّ من لم يشم رَائِحَة علم الِاشْتِقَاق. والدماء، جمع: دم، نَحْو: جمال، جمع: جمل إِذْ أصل دم: دمو، بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: أَصله دمي على: فعل بالتسكين لِأَنَّهُ يجمع على دِمَاء وَدمِي، مثل: ظباء وظبي، ودلو ودلاء ودلى قَالَ: وَلَو كَانَ مثل قفا وَعصى لما جمع على ذَلِك، وَقَالَ الْمبرد: أَصله فعل بِالتَّحْرِيكِ، وَإِن جَاءَ جمعه مُخَالفا لنظائره، والذاهب مِنْهُ الْيَاء، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا قَوْلهم فِي تثنيته دميان.

(بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله: (أمرت) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَقعت مقولاً لِلْقَوْلِ. قَوْله: (أَن أقَاتل) أَصله: بِأَن أقَاتل وَحذف الْبَاء الجارة من أَن كثير سَائِغ مطرد، وَأَن مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: مقاتلة النَّاس. قَوْله: (حَتَّى يشْهدُوا) كلمة حَتَّى هَهُنَا للغاية، بِمَعْنى إِلَى. فَإِن قلت: غَايَة لماذا؟ قلت: يجوز أَن يكون غَايَة لِلْقِتَالِ، وَيجوز أَن يكون غَايَة لِلْأَمْرِ بِهِ. قَوْله: (يشْهدُوا) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة إِذْ أَصله: أَن يشْهدُوا، وعلامة النصب سُقُوط النُّون لِأَن أَصله: يشْهدُونَ. قَوْله: (أَن لَا إِلَه الله) أَصله بِأَن لَا إِلَه إلَاّ اللَّهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى يَقُولُوا. قَوْله: (وَأَن مُحَمَّدًا) عطف على أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالتَّقْدِير: وَحَتَّى يشْهدُوا أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، قَوْله: (ويقيموا) عطف على يشْهدُوا أَيْضا، وَأَصله: وَحَتَّى يقيموا الصَّلَاة، وَأَن يؤتوا الزَّكَاة. قَوْله: (فَإِذا) للظرف، لكنه يتَضَمَّن معنى الشَّرْط. قَوْله (ذَلِك) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول فعلوا، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَشَهَادَة أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وتذكير الْإِشَارَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (عصموا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل جَوَاب لإذا. وَقَوله: (دِمَاؤُهُمْ) مفعول الْجُمْلَة و (أَمْوَالهم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) اسْتثِْنَاء مفرغ، والمستثنى مِنْهُ أَعم عَام الْجَار وَالْمَجْرُور، والعصمة متضمنة لِمَعْنى النَّفْي حَتَّى يَصح تَفْرِيغ الِاسْتِثْنَاء، إِذْ هُوَ شَرطه، أَي لَا يجوز إهدار دِمَائِهِمْ، واستباحة أَمْوَالهم بِسَبَب من الْأَسْبَاب إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الِاسْتِثْنَاء، المفرغ لَا يكون إلاّ فِي النَّفْي، وَقَالَ ابْن مَالك بِجَوَازِهِ فِي كل مُوجب فِي معنى النَّفْي نحوُّ: صمت إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ مَعْنَاهُ لم أفطر؟ والتفريغ: إِمَّا فِي نهي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا على الله إلاالحق} (النِّسَاء: ١٧١) وَفِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ: كالشرط فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إلَاّ متحرفا لقِتَال} (الْأَنْفَال: ١٦) وَأما فِي نفي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول} (آل عمرَان: ١٤٤) أَو فِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} (الْأَحْقَاف: ٣٥) ثمَّ الْإِضَافَة فِي (بِحَق الْإِسْلَام) ، يجوز أَن تكون بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: من، وَبِمَعْنى: فِي، على مَا لَا يخفى. قَوْله (وحسابهم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ (وعَلى الله) خَبره، وَالْمعْنَى: حسابهم بعد هَذِه الْأَشْيَاء على الله فِي أَمر سرائرهم.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (أمرت) أقيم فِيهِ الْمَفْعُول مقَام الْفَاعِل لشهرة الْفَاعِل ولتعينه بذلك، إِذْ لَا آمُر للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غير الله تَعَالَى، وَالتَّقْدِير: أَمرنِي الله تَعَالَى بِأَن أقَاتل النَّاس، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا، يفهم مِنْهُ أَن الْآمِر هُوَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لَا آمُر بَينهم إلَاّ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ هُوَ المشرع وَهُوَ الْمُبين، وَأما إِذا قَالَ التَّابِعِيّ: أمرنَا بِكَذَا، فَإِن ذَلِك مُحْتَمل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رئيسه إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُ أَن الرئيس

أمره بِهِ، وَفَائِدَة الْعُدُول عَن التَّصْرِيح دَعْوَى الْيَقِين والتعويل على شَهَادَة الْعقل. وَقَالَ بَعضهم: وَقِيَاسه فِي الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أُمرت، فَالْمَعْنى: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، وَالْحَاصِل أَن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُم أَن الْآمِر لَهُ ذَلِك الرئيس. قلت: خُذ كَلَام الْكرْمَانِي، وقلّب مَعْنَاهُ لِأَن الْكرْمَانِي جعل قَوْله: فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِلَى آخِره عِلّة لقَوْله: فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، وَهَذَا الْقَائِل أوقع هَذِه الْعلَّة حَامِلا وداعيا، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، وَقَوله أَيْضا: من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، لَا دخل لَهُ فِي الْكَلَام، لِأَن الْحَيْثِيَّة تقع قيدا، وَهَذَا الْقَيْد غير مُحْتَاج إِلَيْهِ هَهُنَا، لأَنا قُلْنَا: إِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أمرت مَعْنَاهُ: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من حَيْثُ إِنَّه هُوَ الْآمِر بَينهم وَهُوَ المشرع، وَلَيْسَ الْمَعْنى أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنِّي مُجْتَهد، وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السُّقُوط. قَوْله: (أقَاتل النَّاس) : إِنَّمَا ذكر بَاب المفاعلة الَّتِي وضعت لمشاركة الْإِثْنَيْنِ، لِأَن الدّين إِنَّمَا ظهر بِالْجِهَادِ، وَالْجهَاد لَا يكون إلَاّ بَين اثْنَيْنِ، وَالْألف وَاللَّام فِي: النَّاس، للْجِنْس يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب الملتزمين لأَدَاء الْجِزْيَة. قلت: هَؤُلَاءِ قد خَرجُوا بِدَلِيل آخر مثل {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} (التَّوْبَة: ٢٩) وَنَحْوه، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ بِلَفْظ: (أمرت أَن أقَاتل الْمُشْركين) . قَالَ الْكرْمَانِي: وَالنَّاس قَالُوا: أُرِيد بِهِ عَبدة الْأَوْثَان دون أهل الْكتاب، لِأَن الْقِتَال يسْقط عَنْهُم بِقبُول الْجِزْيَة. قلت: فعلى هَذَا تكون اللَّام للْعهد، وَلَا عهد إلَاّ فِي الْخَارِج، وَالتَّحْقِيق مَا قُلْنَا، وَلِهَذَا قَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ من الْعَام الَّذِي خص مِنْهُ الْبَعْض، لِأَن الْقَصْد الأولي من هَذَا الْأَمر حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب، لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} (الذاريات: ٥٦) فَإِذا تخلف مِنْهُ أحد فِي بعض الصُّور لعَارض لَا يقْدَح فِي عُمُومه، أَلا ترى أَن عَبدة الْأَوْثَان إِذا وَقعت المهادنة مَعَهم تسْقط الْمُقَاتلَة وَتثبت الْعِصْمَة؟ . قَالَ: وَيجوز أَن يعبر بِمَجْمُوع الشَّهَادَتَيْنِ وَفعل الصَّلَاة وَالزَّكَاة عَن إعلاء كلمة الله تَعَالَى، وإذعان الْمُخَالفين، فَيحصل فِي بَعضهم بذلك، وَفِي بَعضهم بالجزية، وَفِي الآخرين بالمهادنة. قَالَ: وَأَيْضًا الِاحْتِمَال قَائِم فِي أَن ضرب الْجِزْيَة كَانَ بعد هَذَا القَوْل. قلت: بل الظَّاهِر أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم على مَشْرُوعِيَّة أَخذ الْجِزْيَة وَسُقُوط الْقِتَال بهَا، فَحِينَئِذٍ تكون اللَّام للْجِنْس كَمَا ذكرنَا، وَأَيْضًا: المُرَاد من وضع الْجِزْيَة أَن يضطروا إِلَى الْإِسْلَام، وَسبب السَّبَب سَبَب، فَيكون التَّقْدِير: حَتَّى يسلمُوا، أَو يُعْطوا الْجِزْيَة، وَلكنه اكْتفى بِمَا هُوَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من خلق الْخَلَائق، وَهُوَ قَوْله عز وَجل: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إلَاّ ليعبدون} (الذاريات: ٥٦) أَو نقُول: إِن الْمَقْصُود هُوَ الْقِتَال، أَو مَا يقوم مقَامه، وَهُوَ: أَخذ الْجِزْيَة، أَو الْمَقْصُود هُوَ الْإِسْلَام مِنْهُم، أَو مَا يقوم مقَامه فِي دفع الْقِتَال وَهُوَ إِعْطَاء الْجِزْيَة، وكل هَذِه التأويلات لأجل مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع سُقُوط الْقِتَال بالجزية فَافْهَم. قَوْله: (فَإِذا فعلوا ذَلِك) قد قُلْنَا إِن ذَلِك مفعول فعلوا، فَإِن قلت: الْمشَار إِلَيْهِ بعضه قَول، فَكيف إِطْلَاق الْفِعْل عَلَيْهِ؟ قلت: إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه عمل اللِّسَان وَإِمَّا على سَبِيل التغليب للاثنين على الْوَاحِد. قَوْله: (وحسابهم على الله) على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي هُوَ كالواجب على الله فِي تحقق الْوُقُوع، وَذَلِكَ أَن لَفْظَة: على مشعرة بِالْإِيجَابِ فِي عرف الِاسْتِعْمَال، وَلَا يجب على الله شَيْء، وَكَأن الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم الله أَو إِلَى الله، وَأما عِنْد الْمُعْتَزلَة، فَهُوَ ظَاهر لأَنهم يَقُولُونَ بِوُجُوب الْحساب عقلا، وَالْمعْنَى: أَن أُمُور سرائرهم إِلَى الله تَعَالَى، وَأما نَحن فنحكم بِالظَّاهِرِ، فنعاملهم بِمُقْتَضى ظَاهر أَقْوَالهم وأفعالهم، أَو مَعْنَاهُ: هَذَا الْقِتَال وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هُوَ من الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بِنَا، وَأما الْأُمُور الأخروية من دُخُول الْجنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وكميتهما وكيفيتهما فَهُوَ مفوض إِلَى الله تَعَالَى لَا دخل لنا فِيهَا.

(بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن تَارِك الصَّلَاة عمدا مُعْتَقدًا وُجُوبهَا يقتل، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور. قلت: لَا يَصح هَذَا الِاسْتِدْلَال لِأَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْقِتَال، وَلَا يلْزم من إِبَاحَة الْقِتَال إِبَاحَة الْقَتْل، لِأَن بَاب المفاعلة يسْتَلْزم وُقُوع الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِك الْقَتْل فَافْهَم. ثمَّ اخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي: هَل يقتل على الْفَوْر أم يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام؟ الْأَصَح الأول، وَالصَّحِيح أَنه يقتل بترك صَلَاة وَاحِدَة إِذا خرج وَقت الضَّرُورَة لَهَا، وَأَنه يقتل بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مقتول حدا. وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أَكثر أَصْحَابه عَنهُ: تَارِك الصَّلَاة عمدا يكفر وَيخرج من الْملَّة، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، فعلى هَذَا لَهُ حكم الْمُرْتَد، فَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَتبين مِنْهُ امْرَأَته. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، والمزني: يحبس إِلَى أَن يحدث تَوْبَة وَلَا يقتل، ويلزمهم أَنهم احْتَجُّوا بِهِ على قتل تَارِك الصَّلَاة عمدا، وَلم يَقُولُوا بقتل مَانع الزَّكَاة، مَعَ أَن

الحَدِيث يشملها، ومذهبهم: أَن مَانع الزَّكَاة تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا وَيُعَزر على تَركهَا، وَسُئِلَ الْكرْمَانِي هَهُنَا عَن حكم تَارِك الزَّكَاة ثمَّ أجَاب: بِأَن حكمهمَا وَاحِد، وَلِهَذَا قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، فَإِن أَرَادَ أَن حكمهمَا وَاحِد فِي الْمُقَاتلَة فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ فِي الْقَتْل فَمَمْنُوع لِأَن الْمُمْتَنع من الزَّكَاة يُمكن أَن تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا، بِخِلَاف الصَّلَاة، أما إِذا انتصب صَاحب الزَّكَاة لِلْقِتَالِ لمنع الزَّكَاة فَإِنَّهُ يُقَاتل، وبهذه الطَّرِيقَة قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، وَلم ينْقل أَنه قتل أحدا مِنْهُم صبرا، وَلَو ترك صَوْم رَمَضَان حبس وَمنع الطَّعَام وَالشرَاب نَهَارا، لِأَن الظَّاهِر أَنه ينويه لِأَنَّهُ مُعْتَقد لوُجُوبه كَمَا ذكر فِي كتب الشَّافِعِيَّة. الثَّانِي: قَالَ النَّوَوِيّ يسْتَدلّ بِهِ على وجوب قتال مانعي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. قلت: فَعَن هَذَا قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن إِن أهل بَلْدَة أَو قَرْيَة إِذا اجْتَمعُوا على ترك الْأَذَان، فَإِن الإِمَام يقاتلهم، وَكَذَلِكَ كل شَيْء من شَعَائِر الْإِسْلَام. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أظهر الْإِسْلَام وَفعل الْأَركان يجب الْكَفّ عَنهُ، وَلَا يتَعَرَّض لَهُ.

الرَّابِع: فِيهِ قبُول تَوْبَة الزنديق، وَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي الْمَغَازِي. قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنِّي لم أُؤمر أَن أشق على قُلُوب النَّاس وَلَا عَن بطونهم) الحَدِيث بِطُولِهِ جَوَابا القَوْل خَالِد، رَضِي الله عَنهُ أَلا أضْرب عُنُقه؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَعَلَّه يُصَلِّي، فَقَالَ خَالِد: وَكم من مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ بِقَلْبِه. ولأصحاب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويبطن الْكفْر وَيعلم ذَلِك بِأَن يطلع الشُّهُود على كفر كَانَ يخفيه، أَو علم بِإِقْرَارِهِ خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: قبُول تَوْبَته مُطلقًا، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص عَن الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا شققت عَن قلبه) ؟ وَالثَّانِي: بِهِ قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَته ورجوعه إِلَى الْإِسْلَام، لكنه إِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى، وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ كالوجهين. وَالثَّالِث: إِن كَانَ من الدعاة إِلَى الضلال لم تقبل تَوْبَتهمْ وَتقبل تَوْبَة عوامهم، وَالرَّابِع: إِن أَخذ ليقْتل فَتَابَ لم تقبل، وَإِن جَاءَ تَائِبًا ابْتِدَاء وَظَهَرت مخائل الصدْق عَلَيْهِ قبلت، وَحكي هَذَا القَوْل عَن مَالك، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عبد الْوَاحِد السفاقسي قَالَ: قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَة الزنديق إلَاّ إِذا كَانَ لم يطلع عَلَيْهِ وَجَاء تَائِبًا فَإِنَّهُ تقبل تَوْبَته. وَالْخَامِس: إِن تَابَ مرّة قبلت مِنْهُ، وَإِن تَكَرَّرت مِنْهُ التَّوْبَة لم تقبل. وَقَالَ صَاحب (التَّقْرِيب) من أَصْحَابنَا: روى بشر بن الْوَلِيد، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام قَالَ إستتيبه كالمرتد، وَقَالَ أَبُو يُوسُف مثل ذَلِك زَمَانا، فَلَمَّا رأى مَا يصنع الزَّنَادِقَة من إِظْهَار الْإِسْلَام ثمَّ يعودون، قَالَ: إِن أتيت بزنديق أمرت بقتْله وَلم استتبه، فَإِن تَابَ قبل أَن أَقتلهُ خليته. وروى سُلَيْمَان بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة، رَحمَه الله فِي نَوَادِر لَهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حنيفَة: اقْتُلُوا الزنديق الْمُسْتَتر، فَإِن تَوْبَته لَا تعرف.

الْخَامِس: قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على أَن الإعتقاد الْجَازِم كَاف فِي النجَاة، خلافًا لمن أوجب تعلم الْأَدِلَّة وَجعله شرطا فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ كثير من الْمُعْتَزلَة وَقَول بعض الْمُتَكَلِّمين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تظاهرت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي يحصل من عمومها الْعلم الْقطعِي بِأَن التَّصْدِيق الْجَازِم كَاف. قَالَ الإِمَام: المقترح اخْتلف النَّاس فِي وجوب الْمعرفَة على الْأَعْيَان، فَذهب قوم إِلَى أَنَّهَا لَا تجب، وَقوم إِلَى وُجُوبهَا، وَادّعى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ الْإِجْمَاع على نقيض مَا ادّعى مخالفه، وَاسْتدلَّ النافون بِأَنَّهُ قد ثَبت من الْأَوَّلين قبُول كلمتي الشَّهَادَة من كل نَاطِق بهَا، وَإِن كَانَ من البله والمغفلين، وَلم يقل لَهُ: هَل نظرت أَو أَبْصرت؛ وَاسْتدلَّ المثبتون من الْأَوَّلين الْأَمر بهَا مثل ابْن مَسْعُود وَعلي ومعاذ رَضِي الله عَنْهُم، وَأَجَابُوا عَن الأول: بِأَن كلمتي الشَّهَادَة مَظَنَّة الْعلم، وَالْحكم فِي الظَّاهِر يدار على المظنة، وَقد كَانَ الْكَفَرَة يَذبُّونَ عَن دينهم، وَمَا رجعُوا إلَاّ بعد ظُهُور الْحق وَقيام علم الصدْق، وَالْمَقْصُود إخلاص العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَلَا بُد أَن يكون على بَصِيرَة من أمره، وَلَقَد كَانُوا يفهمون الْكتاب الْعَرَبِيّ فهما وافيا بالمعاني، وَالْكتاب الْعَزِيز مُشْتَمل على الْحجَج والبراهين. قلت: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ مُخْتَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْإِمَام المقترح، وَالْأول مُخْتَار الْأَكْثَرين وَالله أعلم. السَّادِس: فِيهِ اشْتِرَاط التَّلَفُّظ بكلمتي الشَّهَادَة فِي الحكم بِالْإِسْلَامِ، وَأَنه لَا يكف عَن قِتَالهمْ إلَاّ بالنطق بهما. السَّابِع: فِيهِ عدم تَكْفِير أهل الشَّهَادَة من أهل الْبدع. الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على قبُول الْأَعْمَال الظَّاهِرَة وَالْحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر. التَّاسِع: فِيهِ دَلِيل على أَن حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْأَئِمَّة بعده إِنَّمَا كَانَ على الظَّاهِر، والحساب على السرائر إِلَى الله تَعَالَى دون خلقه، وَإِنَّمَا جعل إِلَيْهِم ظَاهر أمره دون خفيه. الْعَاشِر: أَن هَذَا الحَدِيث مُبين ومقيد لما جَاءَ من الْأَحَادِيث الْمُطلقَة، مِنْهَا مَا جَاءَ فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ، ومناظرته مَعَ أبي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ يَأْتِي فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ مِنْ جِهَةِ تَأْوِيلِ الْقُمُصِ بِالدِّينِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي لُبْسِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي الْإِيمَانِ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ) أَصْلُ بَيْنَا بَيْنَ ثُمَّ أُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ بَيْنَا بِدُونِ إِذَا وَبِدُونِ إِذْ، وَهُوَ فَصِيحٌ عِنْدَ الْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةً. وَقَوْلُهُ الثُّدِيَّ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّثٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ مَجَازًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٦ - بَاب الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ

٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ.

[الحديث ٢٤ - طرفه في: ٦١١٨]

قَوْلُهُ: (بَابٌ) هُوَ مُنَوَّنٌ، وَوَجْهُ كَوْنِ الْحَيَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ تَقَدَّمَ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِهِ فِي بَابِ أُمُورِ الْإِيمَانِ، وَفَائِدَةُ إِعَادَتِهِ هُنَا أَنَّهُ ذُكِرَ هُنَاكَ بِالتَّبَعِيَّةِ وَهُنَا بِالْقَصْدِ مَعَ فَائِدَةِ مُغَايَرَةِ الطَّرِيقِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) هُوَ التِّنِّيسِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ سِوَاهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا) وَلِلْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَلِكَرِيمَةَ ابْنِ أَنَسٍ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

قَوْلُهُ: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ مَرَّ بِرَجُلٍ وَمَرَّ بِمَعْنَى اجْتَازَ يُعَدَّى بِعَلَى وَبِالْبَاءِ، وَلَمْ أَعْرِفِ اسْمَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ الْوَاعِظِ وَأَخِيهِ. وَقَوْلُهُ يَعِظُ أَيْ يَنْصَحُ أَوْ يُخَوِّفُ أَوْ يُذَكِّرُ، كَذَا شَرَحُوهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُشْرَحَ بِمَا جَاءَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَفْظُهُ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ لَهُ الْعِتَابَ وَالْوَعْظَ فَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ، لَكِنَّ الْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا اعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مِنْهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ، وَفِي سَبَبِيَّةٌ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَثِيرَ الْحَيَاءِ فَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهِ، فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ دَعْهُ أَيِ: اتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ السُّنِّيِّ، ثُمَّ زَادَهُ فِي ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِحُكْمِهِ بِأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِذَا كَانَ الْحَيَاءُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ اسْتِيفَاءِ حَقِّ نَفْسِهِ جَرَّ لَهُ ذَلِكَ تَحْصِيلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْحَقِّ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ لَهُ مُسْتَحِقًّا. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ، فَسُمِّيَ إِيمَانًا كَمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ إِطْلَاقَ كَوْنِهِ مِنَ الْإِيمَانِ مَجَازٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاهِيَ مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْإِيمَانِ، فَلِهَذَا وَقَعَ التَّأْكِيدُ، وَقَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ فِي نَفْسِهَا مِمَّا يُهْتَمُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ. قَالَ الرَّاغِبُ: الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنِ الْقَبِيحِ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ لِيَرْتَدِعَ عَنِ ارْتِكَابِ كُلِّ مَا يَشْتَهِي فَلَا يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ. وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ جُبْنٍ وَعِفَّةٍ فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْتَحِي فَاسِقًا، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا، وَقَدْ يَكُونُ لِمُطْلَقِ الِانْقِبَاضِ كَمَا فِي بَعْضِ الصِّبْيَانِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ انْقِبَاضُ النَّفْسِ خَشْيَةَ ارْتِكَابِ مَا يُكْرَهُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

على أفضليَّته، وهو قطعيٌّ، فلا يعارضه ظنِّيٌّ. وفي هذا الحديث: التَّشبيه البليغ؛ وهو تشبيه الدِّين بالقميص لأنَّه يستر عورة الإنسان، وكذلك الدِّين يستره من النَّار. وفيه: الدَّلالةُ على التَّفاضل في الإيمان، كما هو مفهوم تأويل القميص بالدِّين، مع ما ذكره من أنَّ اللَّابسين يتفاضلون في لبسه.

ورجاله كلُّهم مدنيُّون كالسَّابق، ورواية ثلاثةٍ من التَّابعين، أو تابعيَّين وصحابيَّين، وأخرجه المصنِّف أيضًا في «التَّعبير» [خ¦٧٠٠٩] وفي «فضل عمر» [خ¦٣٦٩١]، ورواه مسلمٌ في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

ولمَّا فرغ المؤلِّف رحمه الله تعالى من بيان تفاضل أهل الإيمان في الأعمال شَرَعَ يذكر ما ينقص به الإيمان، فقال:

(١٦) هذا (بابٌ) -بالتَّنوين- فيه: (الحَيَاءُ) بالمدِّ والرَّفع مبتدأٌ، خبره: (مِنَ الإِيمَانِ) وحديثه سبق، وفائدة سياقه هنا: أنَّه ذَكَرَ «الحياءَ» هناك بالتَّبعيَّة، وهنا بالقصد، مع فائدة مغايرة الطَّريق.

٢٤ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ السَّابق (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية الأَصيليِّ: «حدَّثنا» (مَالِكٌ) ولكريمة وأبي الوقت: «مالك بن أنسٍ» أي: إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطَّاب القرشيِّ

العدويِّ، التَّابعيِّ الجليل، أحد الفقهاء السَّبعة بالمدينة في أحد الأقوال، المُتوفَّى بالمدينة سنة ستٍّ أو خمسٍ أو ثمانٍ ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ) أي: اجتاز (عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ) أي: حال كونه (يَعِظُ أَخَاهُ) من الدِّين أو النَّسَب، قال في «المقدِّمة»: ولم يُسمَّيا جميعًا (فِي) شأن (الحَيَاءِ) بالمدِّ؛ وهو تغيُّرٌ وانكسارٌ عند خوفِ ما يُعَاب أو يُذَمُّ، قال الرَّاغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، والوعظ: النُّصح والتَّخويف والتَّذكير، وقال الحافظ ابن حجرٍ: والأَوْلى أن يُشْرَح بما عند المؤلِّف في «الأدب المفرد» (١) بلفظ: «يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك تستحيي حتَّى كأنَّه قد أضرَّ بك» [خ¦٦١١٨]. قال: ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرُّواة ما لم يذكره الآخر، لكن المخرج متَّحِدٌ، فالظَّاهر: أنَّه من تصرُّفِ الرَّاوي؛ بحسب ما اعتقد أنَّ كلَّ لفظٍ يقوم مقام الآخر. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه بعيدٌ من حيث اللُّغة؛ فإنَّ معنى الوعظِ: الزَّجرُ، ومعنى العتبِ: الوجدُ، يقال: عتب عليه إذا وَجِدَ؛ على أنَّ الرِّوايتين تدلَّان على معنَيين جليَّيَن، ليس في واحدٍ منهما خفاءٌ حتَّى يُفسَّر أحدهما بالآخر، وغايته: أنَّه وعظ أخاه في استعمال الحياء وعاتبه عليه، والرَّاوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ: الوعظ، وفي الأخرى بلفظ: المعاتبة، وكلاهما صواب (٢)، وقال التَّيميُّ: معناه الزَّجر؛ يعني: يزجره ويقول له: لا تستحي، وذلك أنَّه كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء (٣) حقوقه، فوعظه أخوه

على ذلك (فَقَالَ) له (رَسُولُ اللهِ : دَعْهُ) أي: اتركه على حيائه (فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) لأنَّه يمنع صاحبَه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسمَّى الشَّيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة، و «مِن»: تبعيضيَّةٌ كقوله في الحديث السَّابق: «الحياءُ شعبةٌ من الإيمان» [خ¦٩] لا يُقَال: إذا كان الحياء بعض الإيمان فينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأنَّ الحياء من مكمِّلات الإيمان، ونفيُ الكمال لا يستلزم نفيَ الحقيقة، والظَّاهر: أنَّ الواعظ كان شاكًّا، بل كان مُنْكِرًا؛ ولذا وقع التَّأكيد بـ «إنَّ»، ويجوز أن يكون من جهة أنَّ القصَّة في نفسها ممَّا يجب أن يُهتمَّ به ويُؤكَّد عليه، وإن لم يكن ثَمَّةَ إنكارٌ أو شَكٌّ.

ورجال هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا عبد الله (١)، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «البرِّ والصِّلة» [خ¦٦١١٨]، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

(١٧) هذا (بابٌ) بالتَّنوين والإضافة، كما في فرع «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: والتَّقدير: بابٌ في تفسير قوله، وبابُ تفسيرِ قولِهِ، وعُورِضَ: بأنَّ المصنِّف لم يَضَعِ الباب لتفسير الآية، بل غرضُه بيانُ أمور الإيمان، وبيان أنَّ الأعمال من الإيمان، مستدلًّا على ذلك بالآية والحديث، فـ «باب» بمفرده لا يستحقُّ إعرابًا لأنَّه كتعديد الأسماء من غير تركيبٍ، والإعراب لا يكون إلَّا بعد العقد والتَّركيب (﴿فَإِن تَابُواْ﴾) أي: المشركون عن شركهم بالإيمان (﴿وَأَقَامُواْ﴾)

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

بَعضهم، لِأَن الْعَرَب تعبر عَن الْعِفَّة بنقاء الثَّوْب والمئزر، وجره عبارَة عَمَّا فضل عَنهُ وانتفع النَّاس بِهِ، بِخِلَاف جَرّه فِي الدُّنْيَا للخيلاء فَإِنَّهُ مَذْمُوم. فَإِن قيل: يلْزم من الحَدِيث أَن يكون عمر رَضِي الله عَنهُ، أفضل من أبي بكر رَضِي الله عَنهُ، لِأَن المُرَاد بالأفضل الْأَكْثَر ثَوابًا، والأعمال عَلَامَات الثَّوَاب، فَمن كَانَ دينه أَكثر فثوابه أَكثر، وَهُوَ خلاف الاجماع. قلت: لَا يلْزم، إِذْ الْقِسْمَة غير حاصرة لجَوَاز قسم رَابِع سلمنَا انحصار الْقِسْمَة، لَكِن مَا خصص الْقسم الثَّالِث بعمر رَضِي الله عَنهُ، وَلم يحصره عَلَيْهِ سلمنَا التَّخْصِيص بِهِ، لكنه معَارض بالأحاديث الدَّالَّة على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله عَنهُ، بِحَسب تَوَاتر الْقدر الْمُشْتَرك بَينهَا، وَمثله يُسمى بالمتواتر من جِهَة الْمَعْنى، فدليلكم آحَاد وَدَلِيلنَا متواتر، سلمنَا التَّسَاوِي بَين الدَّلِيلَيْنِ. لَكِن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أفضليته وَهُوَ دَلِيل قَطْعِيّ، وَهَذَا دَلِيل ظَنِّي، وَالظَّن لَا يُعَارض الْقطع، وَهَذَا الْجَواب يُسْتَفَاد من نفس تَقْرِير الدَّلِيل، وَهَذِه قَاعِدَة كُلية عِنْد أهل المناظرة فِي أَمْثَال هَذِه الإيرادات، بِأَن يُقَال: مَا أردته إِمَّا مجمع عَلَيْهِ أَو لَا، فَإِن كَانَ فالدليل مَخْصُوص بِالْإِجْمَاع وإلَاّ فَلَا يتم الْإِيرَاد إِذْ لَا إِلْزَام إلَاّ بالمجمع عَلَيْهِ. لَا يُقَال: كَيفَ يُقَال: الْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَفضَلِيَّة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقد أنكر ذَلِك طَائِفَة الشِّيعَة والخوارج من العثمانية، لأَنا نقُول: لَا اعْتِبَار بمخالفة أهل الضلال، وَالْأَصْل إِجْمَاع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة.

(بَيَان استنباط الْفَوَائِد) مِنْهَا: الدّلَالَة على تفاضل أهل الْإِيمَان، وَمِنْهَا: الدّلَالَة على فَضِيلَة عمر رَضِي الله عَنهُ. وَمِنْهَا: تَعْبِير الرُّؤْيَا وسؤال الْعَالم بهَا عَنْهَا. وَمِنْهَا: جَوَاز إِشَاعَة الْعَالم الثَّنَاء على الْفَاضِل من أَصْحَابه إِذا لم يحس بِهِ بإعجاب وَنَحْوه، وَيكون الْغَرَض التَّنْبِيه على فَضله لتعلم مَنْزِلَته ويعامل بمقتضاها، ويرغب الِاقْتِدَاء بِهِ والتخلق بأخلاقه.

١٦ - (بَاب الحَياءُ مِنَ الإيمانِ)

أَي: هَذَا بَاب، وَالْبَاب منون، وَالْحيَاء مَرْفُوع سَوَاء أضفت إِلَيْهِ الْبَاب أم لَا، لِأَنَّهُ مُبْتَدأ، وَمن الْإِيمَان، خبر. فَإِن قلت: قد قلت: إِن الْبَاب منون وَلَا شكّ أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، فَيكون جملَة، وَقَوله: الْحيَاء من الْإِيمَان جملَة أُخْرَى، وعَلى تَقْدِير عدم الْإِضَافَة مَا الرابطة بَين الجملتين؟ قلت: هِيَ محذوفة تَقْدِير الْكَلَام: هَذَا بَاب فِيهِ الْحيَاء من الْإِيمَان يَعْنِي بَيَان أَن الْحيَاء من الْإِيمَان وَبَيَان تَفْسِير الْحيَاء وَوجه كَونه من الْإِيمَان قد تقدما فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ أَن فِي الْبَاب الأول بَيَان تفاضل الْإِيمَان فِي الْأَعْمَال، وَهَذَا الْبَاب أَيْضا من جملَة مَا يفضل بِهِ الْإِيمَان، وَهُوَ الْحيَاء الَّذِي يحجب صَاحبه عَن أَشْيَاء مُنكرَة عِنْد الله وَعند الْخلق.

٢٤ - حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عَن ابنِ شِهابٍ عَن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخاهُ فِي الْحيَاء فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَعْهُ فَإن الْحَياءَ مِنَ الْإِيمَان.

(الحَدِيث ٢٤ طرفه فِي: ٦١١٨)

الحَدِيث مُطَابق للتَّرْجَمَة لِأَنَّهُ أَخذ جزأ مِنْهُ فبوب عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَادَته.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي، نزيل دمشق، وَقد ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب الْقرشِي الْعَدوي التَّابِعِيّ الْجَلِيل، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ على أحد الْأَقْوَال، وَقَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ سَالم أشبه ولد عبد الله بِعَبْد الله، وَعبد الله أشبه ولد عمر بعمر، رَضِي الله عَنهُ، وَقَالَ مَالك: لم يكن فِي زمن سَالم أشبه بِمن مضى من الصَّالِحين فِي الزّهْد مِنْهُ، كَانَ يلبس الثَّوْب بِدِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ ابْن رَاهَوَيْه: أصح الْأَسَانِيد كلهَا: الزُّهْرِيّ، عَن سَالم، عَن أَبِيه. وَكَانَ أَبوهُ يلام فِي إفراط حب سَالم، وَكَانَ يقبله وَيَقُول: أَلا تعْجبُونَ من شيخ يقبل شَيخا؟ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتّ وَمِائَة، وَقيل: خمس، وَقيل: ثَمَان، وَصلى عَلَيْهِ هِشَام بن عبد الْملك، وَله أخوة: عبد الله وَعَاصِم وَحَمْزَة وبلال وواقد وَزيد، وَكَانَ عبد الله وصّى أَبِيهِم فيهم، وروى عَنهُ مِنْهُم أَرْبَعَة: عبد الله وَسَالم وَحَمْزَة وبلال. الْخَامِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده) وَمِنْهَا: أَن رِجَاله كلهم مدنيون مَا خلا عبد الله. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: أخبرنَا مَالك، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا مَالك بن أنس، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: مَالك بن أنس، والْحَدِيث فِي الْمُوَطَّأ.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره:) أخرجه هُنَا عَن عبد الله عَن مَالك، وَأخرجه فِي الْبر والصلة عَن أَحْمد بن يُونُس عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن الزُّهْرِيّ. وَأخرجه مُسلم هُنَا أَيْضا عَن الناقدي، وَزُهَيْر عَن سُفْيَان، وَعَن عبد الله بن حميد عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَلم يَقع لمُسلم لَفْظَة: دَعه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا.

(بَيَان اللُّغَات) : قَوْله: (مر عَليّ رجل) يُقَال: مر عَلَيْهِ وَمر بِهِ، بِمَعْنى وَاحِد. أَي: اجتازه، وَفِي (الْعباب) : مر عَلَيْهِ وَبِه يمر مرا، أَي: اجتاز، وَبَنُو يَرْبُوع يَقُولُونَ: مر علينا بِكَسْر الْمِيم، وَمر يمر مرا ومرورا وممرا أَي ذهب، والممر مَوضِع الْمُرُور أَيْضا. وَالْأَنْصَار: جمع النَّاصِر كالأصحاب جمع الصاحب، أَو جمع النصير كالأشراف جمع الشريف. قَوْله: (يعظ أَخَاهُ) أَي: ينصح أَخَاهُ من الْوَعْظ وَهُوَ: النصح والتذكير بالعواقب. وَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ التخويف والإنذار. وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد هُوَ التَّذْكِير بِالْخَيرِ فِيمَا يرق الْقلب. وَفِي (الْعباب) : الْوَعْظ والعظة وَالْمَوْعِظَة مصَادر قَوْلك: وعظته عظة. قَوْله: (دَعه) أَي: أتركه، وَهُوَ أَمر لَا ماضي لَهُ، قَالُوا: أماتوا ماضي يدع ويذر. قلت: اسْتعْمل ماضي: دع، وَمِنْه قِرَاءَة من قَرَأَ {مَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: ٣) بِالتَّخْفِيفِ فعلى هَذَا هُوَ أَمر من: ودع يدع، وأصل يدع: يودع، حذفت الْوَاو فَصَارَ: يدع، وَالْأَمر: دع، وَفِي (الْعباب) قَوْلهم: دع ذَا أَي: أتركه، وَأَصله، ودع يدع، وَقد أميت ماضيه. لَا يُقَال: ودعه، إِنَّمَا يُقَال: تَركه وَلَا: وادع، وَلَكِن: تَارِك، وَرُبمَا جَاءَ فِي ضَرُورَة الشّعْر: ودعه، فَهُوَ مودوع على أَصله قَالَ أنس بن زنينم.

(لَيْت شعري عَن خليلي مَا الَّذِي ... غاله فِي الْوَعْد حَتَّى ودعه)

ثمَّ قَالَ الصغاني: وَقد اخْتَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصل هَذِه اللُّغَة فِيمَا روى ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ قَرَأَ {وَمَا وَدعك رَبك} (الضُّحَى: ٣) بِالتَّخْفِيفِ أَعنِي؛ بتَخْفِيف الدَّال، وَكَذَلِكَ قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة: عُرْوَة وَمُقَاتِل وَأَبُو حَيْوَة وَابْن أبي عبلة وَيزِيد النَّحْوِيّ، رَحِمهم الله تَعَالَى.

(بَيَان الْإِعْرَاب) قَوْله: (مر عَليّ رجل) جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا وَقعت خَبرا، لِأَن قَوْله: (من الْأَنْصَار) صفة لرجل، وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد، أَي: أنصار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذين آووا ونصروا من أهل الْمَدِينَة، رَضِي الله عَنْهُم. قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) جملَة إسمية محلهَا النصب على الْحَال. قَوْله: (فِي الْحيَاء) يتَعَلَّق بقوله: يعظ، قَوْله: (ودعه) جملَة من: الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول لِأَنَّهَا وَقعت مقول القَوْل، قَوْله: (فَإِن الْحيَاء) الْفَاء فِيهِ للتَّعْلِيل.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (وَهُوَ يعظ أَخَاهُ) يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الرجل الَّذِي وعظ أَخا للواعظ فِي الْإِسْلَام، على مَا هُوَ عرف الشَّرْع، فعلى هَذَا يكون مجَازًا لغويا، أَو حَقِيقَة عرفية، وَالْآخر وَهُوَ الظَّاهِر: أَن يكون أَخَاهُ فِي الْقَرَابَة وَالنّسب، فعلى هَذَا هُوَ حَقِيقَة، قَوْله: (فِي الْحيَاء) فِيهِ حذف، أَي: فِي شَأْن الْحيَاء وَفِي حَقه مَعْنَاهُ أَنه ينهاه عَنهُ ويخوفه مِنْهُ، فزجره النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن وعظه، فَقَالَ: دَعه، أَي: اتركه على حيائه، فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان. وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْوَعْظ الزّجر، يَعْنِي يزجره عَن الْحيَاء، وَيَقُول لَهُ: لَا تَسْتَحي، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دَعه يستحي فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان، إِذْ الشَّخْص يكف عَن أَشْيَاء من مناهي الشَّرْع للحياء، وَيكثر مثل هَذَا فِي زَمَاننَا. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: مَعْنَاهُ أَن الْحيَاء يمْنَع صَاحبه من ارْتِكَاب الْمعاصِي، كَمَا يمْنَع الْإِيمَان فَسُمي إِيمَانًا كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم مَا قَامَ مقَامه، وَقَالَ بَعضهم: الأولى أَن نشرح يَعْنِي قَوْله: يعظ بِمَا جَاءَ عَن المُصَنّف فِي الْأَدَب من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة عَن ابْن شهَاب. وَلَفظه: (يُعَاتب أَخَاهُ فِي الْحيَاء يَقُول إِنَّك لتستحي حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُول قد أضربك) . انْتهى. قلت: هَذَا بعيد من حَيْثُ اللُّغَة، فَإِن معنى الْوَعْظ الزّجر، وَمعنى العتب الوجد. وَفِي (الْعباب) : عتبَة عَلَيْهِ إِذا وجد، يعتب عَلَيْهِ، وَيَعْتِبُ عتبا ومعتبا، على أَن الرِّوَايَتَيْنِ تدلان على مَعْنيين جليين لَيْسَ فِي وَاحِد مِنْهُمَا خَفَاء حَتَّى يُفَسر أَحدهمَا بِالْآخرِ، غَايَة فِي الْبَاب أَن الْوَاعِظ الْمَذْكُور وعظ أَخَاهُ فِي اسْتِعْمَاله الْحيَاء، وعاتبه عَلَيْهِ. والراوي حكى فِي إِحْدَى روايتيه بِلَفْظ الْوَعْظ، وَفِي الْأُخْرَى بِلَفْظ المعاتبة، وَذَلِكَ أَن

الرجل كَانَ كثير الْحيَاء، وَكَانَ ذَلِك يمنعهُ من اسْتِيفَاء حُقُوقه، فتوعظه أَخُوهُ على مُبَاشرَة الْحيَاء، وعاتبه على ذَلِك فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دَعه أَي: اتركه على هَذَا الْخلق الْحسن لِأَن الْحيَاء خير لَهُ فِي ذَلِك، بل فِي كل الْأَوْقَات وكل الْحَالَات، يدل على ذَلِك، مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (الْحيَاء خير كُله) . فَإِن قلت: مَا وَجه التَّأْكِيد بِأَن فِي قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) وَإِنَّمَا يُؤَكد بِأَن وَنَحْوهَا إِذا كَانَ الْمُخَاطب مُنْكرا أَو شاكا؟ قلت: الظَّاهِر أَن الْمُخَاطب كَانَ شاكا بل كَانَ مُنْكرا لَهُ، لِأَنَّهُ مَنعه من ذَلِك، فَلَو كَانَ معترفا بِأَنَّهُ من الْإِيمَان لما مَنعه من ذَلِك، وَلَئِن سلمنَا أَنه لم يكن مُنْكرا لكنه جعل كالمنكر لظُهُور أَمَارَات الْإِنْكَار عَلَيْهِ، وَيجوز أَن يكون هَذَا من بَاب التَّأْكِيد لدفع إِنْكَار غير الْمُخَاطب، وَيجوز أَن يكون التَّأْكِيد من جِهَة أَن الْقِصَّة فِي نَفسهَا مِمَّا يجب أَن يهتم بهَا ويؤكد عَلَيْهَا، وَإِن لم يكن ثمَّة إِنْكَار أَو شكّ من أحد فَافْهَم. وَقَالَ بَعضهم: وَالظَّاهِر أَن الناهي مَا كَانَ يعرف أَن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، فَلهَذَا وَقع التَّأْكِيد. قلت: هَذَا كَلَام من لم يذقْ شَيْئا مَا من علم الْمعَانِي، فَإِن الْخطاب لمثل هَذَا الناهي الَّذِي ذكره لَا يحْتَاج إِلَى تَأْكِيد، لِأَنَّهُ لَيْسَ بمنكر وَلَا مُتَرَدّد، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِي الذِّهْن، وَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَى التَّأْكِيد فَإِنَّهُ كَمَا يسمع الْكَلَام ينتقش فِي ذهنه على مَا عرف فِي كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان. فَإِن قلت: مَا معنى الْحيَاء؟ قلت: قد فسرته فِيمَا مضى عِنْد قَوْله: (وَالْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) وَقَالَ التَّيْمِيّ: الْحيَاء الاستحياء، وَهُوَ ترك الشَّيْء لدهشة تلحقك عِنْده، قَالَ تَعَالَى: {ويستحيون نساءكم} (الْبَقَرَة: ٤٩، والأعراف: ١٤١، وَإِبْرَاهِيم: ٦) أَي: يتركون، قَالَ: وأظن أَن الْحَيَاة مِنْهُ لِأَنَّهُ الْبَقَاء من الشَّخْص، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَيْسَ هُوَ ترك الشَّيْء، بل هُوَ دهشة تكون سَببا لترك الشَّيْء قلت: التَّحْقِيق أَن الْحيَاء تغير وانكسار عِنْد خوف مَا يعاب أَو يذم، وَلَيْسَ هُوَ بدهشة وَلَا ترك الشَّيْء، وَإِنَّمَا ترك الشَّيْء من لوازمه. فَإِن قلت: يمْنَع مَا قلت إِسْنَاده إِلَى الله تَعَالَى فِي قَوْله: {إِن الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضة فَمَا فَوْقهَا} (الْبَقَرَة: ٢٦) قلت: هَذَا من بَاب المشاكلة، وَهِي أَن يذكر الشَّيْء بِلَفْظ غَيره لوُقُوعه فِي صحبته، فَلَمَّا قَالَ المُنَافِقُونَ: أما يستحي رب مُحَمَّد يذكر الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت فِي كِتَابه، أجِيبُوا: بِأَن الله لَا يستحي، وَالْمرَاد: لَا يتْرك ضرب الْمثل بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، فَأطلق عَلَيْهِ الاستحياء على سَبِيل المشاكلة، كَمَا فِي قَوْله: {فيستحي مِنْكُم وَالله لَا يستحي من الْحق} (الْأَحْزَاب: ٥٣) وَمن هَذَا الْقَبِيل قَوْله، عَلَيْهِ السَّلَام: (إِن الله حييّ كريم يستحي إِذا رفع إِلَيْهِ العَبْد يَدَيْهِ أَن يردهما صفرا حَتَّى يضع فيهمَا خيرا) ، وَهَذَا جَار على سَبِيل الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة التمثيلية، شبه ترك الله تَعَالَى تخييب العَبْد ورد يَدَيْهِ صفرا بترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَقيل: ترك الله رد الْمُحْتَاج حَيَاء، كَمَا قيل: ترك الْكَرِيم رد الْمُحْتَاج حَيَاء، فَأطلق الْحيَاء ثمَّة كَمَا أطلق الْحيَاء هَهُنَا، فَذَلِك استعير ترك المستحي لترك ضرب الْمثل، ثمَّ نفى عَنهُ. فَإِن قلت: مَا معنى: من، فِي قَوْله: من الْإِيمَان؟ قلت: مَعْنَاهُ التَّبْعِيض، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث السالف: (الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان) . فَإِن قلت: قد علم ذَلِك مِنْهُ، فَمَا فَائِدَة التّكْرَار؟ قلت: كَانَ الْمَقْصُود ثمَّة بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَأَنه من جُمْلَتهَا، فَذكر ذَلِك بالتبعية وبالعرض، وَهَهُنَا ذكره بِالْقَصْدِ وبالذات مَعَ فَائِدَة مُغَايرَة الطَّرِيق. فَإِن قلت: إِذا كَانَ الْحيَاء بعض الْإِيمَان فَإِن انْتَفَى الْحيَاء انْتَفَى بعض الْإِيمَان، وَإِذا انْتَفَى بعض الْإِيمَان انْتَفَى حَقِيقَة الْإِيمَان، فينتج من هَذِه الْمُقدمَات انْتِفَاء الْإِيمَان عَمَّن لم يستح، وَانْتِفَاء الْإِيمَان كفر. قلت: لَا نسلم صدق كَون الْحيَاء من حَقِيقَة لإيمان، لِأَن الْمَعْنى: فَإِن الْحيَاء من مكملات الْإِيمَان، وَنفي الْكَمَال لَا يسْتَلْزم نفي الْحَقِيقَة. نعم الْإِشْكَال قَائِم على قَول من يَقُول الْأَعْمَال دَاخِلَة فِي حَقِيقَة الْإِيمَان، وَهَذَا لم يقل بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، كَمَا ذكرنَا فِيمَا مضى، قلت: من فَوَائده الحض على الِامْتِنَاع من قبائح الْأُمُور ورذائلها، وكل مَا يستحى من فعله، وَالدّلَالَة على أَن النَّصِيحَة إِنَّمَا تعد إِذا وَقعت موقعها، والتنبيه على زجر مثل هَذَا الناصح.

١٧ - (بَاب {فَإِن تَابُوا وَأقَامُوا الصَّلَاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} )

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: أَن قَوْله: بَاب، يَنْبَغِي أَن لَا يعرب، لِأَنَّهُ كتعديد الْأَسْمَاء من غير تركيب، وَالْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بعد العقد والتركيب. وَقَالَ بَعضهم: بَاب هُوَ منون فِي الرِّوَايَة، وَالتَّقْدِير: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: ٥) وَتجوز الْإِضَافَة، أَي بَاب تَفْسِير قَوْله، وَإِنَّمَا جعل الحَدِيث تَفْسِيرا لِلْآيَةِ لِأَن المُرَاد بِالتَّوْبَةِ فِي الْآيَة الرُّجُوع

عَن الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد ففسره قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن قَوْله: بَاب، وَهُوَ منون فِي الرِّوَايَة دَعْوَى بِلَا برهَان. فَمن قَالَ من الْمَشَايِخ الْكِبَار: إِن هَذِه رِوَايَة مِمَّن لَا يعْتَمد على كَلَامهم على أَن الرِّوَايَة إِذا خَالَفت الدِّرَايَة لَا تقبل، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا وَقع نَحْو هَذَا فِي الْأَلْفَاظ النَّبَوِيَّة، فَحِينَئِذٍ يجب تَأْوِيلهَا على وفْق الدِّرَايَة، وَقد قُلْنَا: إِن هَذَا بمفرده لَا يسْتَحق الْإِعْرَاب إلَاّ إِذا قَدرنَا نَحْو: هَذَا بَاب، بِالتَّنْوِينِ، أَو بالإعراب بِلَا تَنْوِين بِتَقْدِير الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعده. الثَّانِي: أَن تَقْدِيره بقوله: بَاب فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى، لَيْسَ بِصَحِيح، لِأَن البُخَارِيّ مَا وضع هَذَا الْبَاب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صدد التَّفْسِير فِي هَذِه الْأَبْوَاب، وَإِنَّمَا هُوَ فِي صدد بَيَان أُمُور الْإِيمَان، وَبَيَان أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان على مَا يرَاهُ وَاسْتدلَّ على ذَلِك فِي هَذَا الْبَاب بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة وَبِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور، أما الْآيَة فَلِأَن الْمَذْكُور فِيهَا التَّوْبَة الَّتِي هِيَ الرُّجُوع من الْكفْر إِلَى التَّوْحِيد، وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَكَذَلِكَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِيهِ هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة، فَكَمَا ذكر فِي الْآيَة: أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاث فَإِنَّهُ يخلي، فَكَذَلِك ذكر فِي الحَدِيث أَن من أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ قد يعْصم دينه وَمَاله إلَاّ بِحَق، وَمعنى التَّخْلِيَة والعصمة وَاحِد هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْآيَة الْمَذْكُورَة والْحَدِيث الْمَذْكُور. النّظر الثَّالِث: أَن قَوْله: ففسره قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: (حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) لَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ مَا أخرج الحَدِيث هَهُنَا تَفْسِيرا لِلْآيَةِ، وَإِنَّمَا أخرجه هَهُنَا لأجل الرَّد على المرجئة فِي قَوْلهم: إِن الْإِيمَان غير مفتقر إِلَى الْأَعْمَال، على أَنه قد رُوِيَ عَن أنس، رَضِي الله عَنهُ، أَن هَذِه الْآيَة آخر مَا نزل من الْقُرْآن وَلَا شكّ أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم عَلَيْهَا، لِأَن النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام، إِنَّمَا أَمر بِقِتَال النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فِي ابْتِدَاء الْبعْثَة، والمتقدم لَا يكون مُفَسرًا للمتأخر.

الْوَجْه الثَّانِي فِي الْكَلَام فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ على أَنْوَاع: الأول: أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة بَرَاءَة، وأولها قَوْله عز وَجل {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وآتووا الزَّكَاة فَخلوا سبيلهم إِن الله غَفُور رَحِيم} (التَّوْبَة: ٥) نزلت فِي مُشْركي مَكَّة وَغَيرهم من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَنهم عَاهَدُوا الْمُسلمين ثمَّ نكثوا إلَاّ نَاسا مِنْهُم، وهم بَنو ضَمرَة وَبَنُو كنَانَة، فنبذوا الْعَهْد إِلَى النَّاكِثِينَ، وَأمرُوا أَن يَسِيحُوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر آمِنين إِن شاؤا لَا يتَعَرَّض لَهُم، وَهِي الْأَشْهر الْحرم، وَذَلِكَ لصيانة الْأَشْهر الْحرم من الْقَتْل والقتال فِيهَا، فَإِذا انسلخت قاتلوهم، وَهُوَ معنى قَوْله {فَإِذا انْسَلَخَ الْأَشْهر الْحرم فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: ٥) الْآيَة. النَّوْع الثَّانِي فِي لُغَات الْآيَة. فَقَوله: انْسَلَخَ، مَعْنَاهُ: خرج يُقَال: انْسَلَخَ الشَّهْر من سنته، وَالرجل من ثِيَابه والحبة من قشرها، وَالنَّهَار من اللَّيْل الْمقبل لِأَن النَّهَار مكور على اللَّيْل، فَإِذا انْسَلَخَ ضوؤه بَقِي اللَّيْل غاسقا قد غشي النَّاس. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انْسَلَخَ الشَّهْر كَقَوْلِهِم انجرد الشَّهْر، وَسنة جرداء، وَالْأَشْهر الْحرم ثَلَاث مُتَوَالِيَات: ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب الْفَرد الَّذِي بَين جُمَادَى وَشَعْبَان. قَوْله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْركين} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: الَّذين نقضوكم وظاهروا عَلَيْكُم. قَوْله: {حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} يَعْنِي من حل أَو حرَام. قَوْله {وخذوهم} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي اسروهم، والأخيذ: الْأَسير. قَوْله {واحصروهم} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: قيدوهم وامنعوهم من التَّصَرُّف فِي الْبِلَاد، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا: حصرهم أَن يُحَال بَينهم وَبَين الْمَسْجِد الْحَرَام. قَوْلهم: {كل مرصد} (التَّوْبَة: ٥) يَعْنِي: كل ممر ومجتاز ترصدونهم بِهِ. قَوْله {فَإِن تَابُوا} (التَّوْبَة: ٥) أَي: عَن الشّرك {وَأَقَامُوا الصَّلَاة} (التَّوْبَة: ٥) أَي: أدوها فِي أَوْقَاتهَا {وَآتوا الزَّكَاة} أَي: أعطوها قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} يَعْنِي أطْلقُوا عَنْهُم قيد الْأسر والحصر أَو مَعْنَاهُ: كفوا عَنْهُم وَلَا تتعرضوا لَهُم لأَنهم عصموا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِالرُّجُوعِ عَن الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام وشرائعه، وَعَن ابْن عَبَّاس، دعوهم وإتيان الْمَسْجِد الْحَرَام، إِن الله غَفُور يغْفر لَهُم مَا سلف من الْكفْر والغدر، رَحِيم بِالْعَفو عَنْهُم. النَّوْع الثَّالِث: قَوْله: فَإِذا انْسَلَخَ جملَة متضمنة معنى الشَّرْط وَقَوله: فَاقْتُلُوا، جَوَابه قَوْله: كل مرصد، نصب على الظّرْف كَقَوْلِه {لاقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم} (الْأَعْرَاف: ١٦) قَوْله: {فَخلوا سبيلهم} (التَّوْبَة: ٥) جَوَاب الشَّرْط: أَعنِي قَوْله: فَإِن تَابُوا.

الْوَجْه الثَّالِث ذكر الْآيَة والتبويب عَلَيْهَا للرَّدّ على المرجئة، كَمَا ذكرنَا، وللتنبيه على أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل، كَمَا هُوَ مذْهبه وَمذهب جمَاعَة من السّلف.

٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ المُسنَدِيُّ قَالَ حدّثنا أبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارةَ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عمَرَ أنَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إلَهَ إلَاّ الله وأنّ مُحمَّدا رسُول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ فَإذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأمْوالَهُمْ إلَاّ بِحَقِّ الإسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.

معنى الحَدِيث مُطَابق لِمَعْنى الْآيَة فَلذَلِك قرن بَينهمَا، وتعلقهما بِكِتَاب الْإِيمَان يَجْعَلهَا بَابا من أبوابه، هُوَ أَن يعلم مِنْهُ أَن: من آمن صَار مَعْصُوما. وَأَن يعلم أَن إِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزكاء من جملَة الْإِيمَان على مَا ذهب إِلَيْهِ.

بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن جَعْفَر بن الْيَمَان، هُوَ المسندي، بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون، وَقد تقدم. الثَّانِي: أَبُو روح، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْوَاو، وَهُوَ كنيته، واسْمه الحرمي، بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَكسر الْمِيم وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ اسْمه بِلَفْظ النِّسْبَة، تثبت فِيهِ الْألف وَاللَّام، وتحذف كَمَا فِي مكي بن إِبْرَاهِيم، وَهُوَ ابْن عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم بن أبي حَفْصَة، وَاسم أبي حَفْصَة نابت بالنُّون، وَقيل: بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَالْأول أشهر، وَقيل: اسْمه عبيد الْعَتكِي مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، سمع شُعْبَة وَغَيره، روى عَنهُ عبيد الله بن عمر القواريري، وَعنهُ مُسلم وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَعبد الله المسندي عِنْد البُخَارِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، روى لَهُ الْجَمَاعَة إلَاّ التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ يحيى بن معِين صَدُوق، وَوهم الْكرْمَانِي فِي هَذَا فِي موضِعين: أَحدهمَا: أَنه جعل الحرمي نِسْبَة وَلَيْسَ هُوَ بمنسوب إِلَى الْحرم أصلا، لِأَنَّهُ بَصرِي الأَصْل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة. وَالْآخر: أَنه جعل اسْم جده اسْمه حَيْثُ قَالَ: أَبُو روح كنيته واسْمه نابت وحرمي نسبته، وَالصَّوَاب مَا ذَكرْنَاهُ. والمسمى بحرمي أَيْضا اثْنَان: حرمي بن حَفْص الْعَتكِي روى لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وحرمي بن يُونُس الْمُؤَدب، روى لَهُ النَّسَائِيّ. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عَمْرو، وواقد أَخُو أبي بكر وَعمر وَزيد وَعَاصِم، وَكلهمْ رووا عَن أَبِيهِم مُحَمَّد، وَمُحَمّد أبوهم هَذَا روى لَهُ عَن جده عبد الله وَعَن ابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير. قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل وَيحيى بن معِين، وَاقد هذاثقة روى البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وواقد هَذَا بِالْقَافِ وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: وَافد بِالْفَاءِ. الْخَامِس: أَبوهُ مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، وروى لَهُ الْجَمَاعَة. . السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنْهُمَا.

(بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا) : أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد المسندي، بِزِيَادَة المسندي، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ عَن وَاقد بن مُحَمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الْأَبْنَاء عَن الْآبَاء، وَهُوَ كثير، لَكِن رِوَايَة الشَّخْص عَن أَبِيه عَن جده أقل، وواقد هُنَا روى عَن أَبِيه عَن جد أَبِيه. وَمِنْهَا: أَن إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث غَرِيب تفرد بروايته شُعْبَة عَن وَاقد، قَالَه ابْن حبَان، وَهُوَ عَن شُعْبَة عَزِيز، تفرد بروايته عَنهُ الحرمي الْمَذْكُور، وَعبد الْملك بن الصَّباح، وَهُوَ عَزِيز عَن الحرمي، تفرد بِهِ عَنهُ: المسندي، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عرْعرة، وَمن جِهَة إِبْرَاهِيم أخرجه أَبُو عوَانَة وَابْن حبَان الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيرهم، وَهُوَ غَرِيب عَن عبد الْملك تفرد بِهِ عَنهُ أَبُو غَسَّان بن عبد الْوَاحِد شيخ مُسلم، فاتفق الشَّيْخَانِ على الحكم بِصِحَّتِهِ مَعَ غرابته.

(بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ويؤمنوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ) الحَدِيث وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أنس رَضِي الله عَنهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّلَاة، وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر، والْحَدِيث الْمَذْكُور أخرجه مُسلم أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَلم يقل: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) .

(بَيَان اللُّغَات) قَوْله: (أمرت) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْأَمر هُوَ قَول الْقَائِل لمن دونه إفعل على سَبِيل الاستعلاء، وَقَالَ

الْكرْمَانِي: وَأَصَح التعاريف لِلْأَمْرِ هُوَ القَوْل الطَّالِب للْفِعْل، وَلَيْسَ كَذَلِك على مَا لَا يخفى، وَالْأَمر فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم فِي النَّفس، فَيكون قَوْله إفعل عبارَة عَن الْأَمر الْمجَازِي، تَسْمِيَة للدال باسم الْمَدْلُول قَوْله: (ويقيموا الصَّلَاة) معنى إِقَامَة الصَّلَاة: إِمَّا تَعْدِيل أَرْكَانهَا وحفظها من أَن يَقع زيغ فِي فرائضها وسننها وآدابها، من أَقَامَ الْعود إِذا قومه، وَإِمَّا المداومة عَلَيْهَا من قَامَت السُّوق إِذا نفقت، وَإِمَّا التجلد والتشمر فِي أَدَائِهَا. من قَامَت الْحَرْب على سَاقهَا. وَإِمَّا أَدَاؤُهَا تعبيرا عَن الْأَدَاء بِالْإِقَامَةِ، لِأَن الْقيام بعض أَرْكَانهَا، وَالصَّلَاة هِيَ الْعِبَادَة المفتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ. قَوْله: (ويؤتوا الزَّكَاة) أَي: يعطوها، وَالزَّكَاة هِيَ الْقدر الْمخْرج من النّصاب للْمُسْتَحقّ. قَوْله: (عصموا) أَي: حفظوا وحقنوا، وَمعنى العصم فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه العصام وَهُوَ الْخَيط الَّذِي تشد بِهِ فَم الْقرْبَة. سمي بِهِ لمَنعه المَاء من السيلان. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْعِصْمَة الْحِفْظ، يُقَال عصمه فانعصم، واعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة، وعصم يعْصم عصما بِالْفَتْح إِذا اكْتسب وَقَالَ بَعضهم: الْعِصْمَة مَأْخُوذَة من العصام؛ وَهُوَ الخيظ الَّذِي يشد بِهِ فَم الْقرْبَة. قلت: هَذَا الْقَائِل قلب الِاشْتِقَاق، وَإِنَّمَا العصام مُشْتَقّ من الْعِصْمَة، لِأَن المصادر هِيَ الَّتِي يشتق مِنْهَا، وَلم يقل بِهَذَا إلَاّ من لم يشم رَائِحَة علم الِاشْتِقَاق. والدماء، جمع: دم، نَحْو: جمال، جمع: جمل إِذْ أصل دم: دمو، بِالتَّحْرِيكِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: أَصله دمي على: فعل بالتسكين لِأَنَّهُ يجمع على دِمَاء وَدمِي، مثل: ظباء وظبي، ودلو ودلاء ودلى قَالَ: وَلَو كَانَ مثل قفا وَعصى لما جمع على ذَلِك، وَقَالَ الْمبرد: أَصله فعل بِالتَّحْرِيكِ، وَإِن جَاءَ جمعه مُخَالفا لنظائره، والذاهب مِنْهُ الْيَاء، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا قَوْلهم فِي تثنيته دميان.

(بَيَان الْأَعْرَاب) قَوْله: (أمرت) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَقعت مقولاً لِلْقَوْلِ. قَوْله: (أَن أقَاتل) أَصله: بِأَن أقَاتل وَحذف الْبَاء الجارة من أَن كثير سَائِغ مطرد، وَأَن مَصْدَرِيَّة، تَقْدِيره: مقاتلة النَّاس. قَوْله: (حَتَّى يشْهدُوا) كلمة حَتَّى هَهُنَا للغاية، بِمَعْنى إِلَى. فَإِن قلت: غَايَة لماذا؟ قلت: يجوز أَن يكون غَايَة لِلْقِتَالِ، وَيجوز أَن يكون غَايَة لِلْأَمْرِ بِهِ. قَوْله: (يشْهدُوا) مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة إِذْ أَصله: أَن يشْهدُوا، وعلامة النصب سُقُوط النُّون لِأَن أَصله: يشْهدُونَ. قَوْله: (أَن لَا إِلَه الله) أَصله بِأَن لَا إِلَه إلَاّ اللَّهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: حَتَّى يَقُولُوا. قَوْله: (وَأَن مُحَمَّدًا) عطف على أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالتَّقْدِير: وَحَتَّى يشْهدُوا أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، قَوْله: (ويقيموا) عطف على يشْهدُوا أَيْضا، وَأَصله: وَحَتَّى يقيموا الصَّلَاة، وَأَن يؤتوا الزَّكَاة. قَوْله: (فَإِذا) للظرف، لكنه يتَضَمَّن معنى الشَّرْط. قَوْله (ذَلِك) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول فعلوا، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَشَهَادَة أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة، وإيتاء الزَّكَاة، وتذكير الْإِشَارَة بِاعْتِبَار الْمَذْكُور. قَوْله: (عصموا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل جَوَاب لإذا. وَقَوله: (دِمَاؤُهُمْ) مفعول الْجُمْلَة و (أَمْوَالهم) عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام) اسْتثِْنَاء مفرغ، والمستثنى مِنْهُ أَعم عَام الْجَار وَالْمَجْرُور، والعصمة متضمنة لِمَعْنى النَّفْي حَتَّى يَصح تَفْرِيغ الِاسْتِثْنَاء، إِذْ هُوَ شَرطه، أَي لَا يجوز إهدار دِمَائِهِمْ، واستباحة أَمْوَالهم بِسَبَب من الْأَسْبَاب إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الِاسْتِثْنَاء، المفرغ لَا يكون إلاّ فِي النَّفْي، وَقَالَ ابْن مَالك بِجَوَازِهِ فِي كل مُوجب فِي معنى النَّفْي نحوُّ: صمت إلَاّ يَوْم الْجُمُعَة، إِذْ مَعْنَاهُ لم أفطر؟ والتفريغ: إِمَّا فِي نهي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا على الله إلاالحق} (النِّسَاء: ١٧١) وَفِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ: كالشرط فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يولهم يَوْمئِذٍ دبره إلَاّ متحرفا لقِتَال} (الْأَنْفَال: ١٦) وَأما فِي نفي صَرِيح، كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول} (آل عمرَان: ١٤٤) أَو فِيمَا هُوَ بِمَعْنَاهُ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَهَل يهْلك إِلَّا الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} (الْأَحْقَاف: ٣٥) ثمَّ الْإِضَافَة فِي (بِحَق الْإِسْلَام) ، يجوز أَن تكون بِمَعْنى اللَّام، وَيجوز أَن تكون بِمَعْنى: من، وَبِمَعْنى: فِي، على مَا لَا يخفى. قَوْله (وحسابهم) كَلَام إضافي مُبْتَدأ (وعَلى الله) خَبره، وَالْمعْنَى: حسابهم بعد هَذِه الْأَشْيَاء على الله فِي أَمر سرائرهم.

(بَيَان الْمعَانِي وَالْبَيَان) قَوْله: (أمرت) أقيم فِيهِ الْمَفْعُول مقَام الْفَاعِل لشهرة الْفَاعِل ولتعينه بذلك، إِذْ لَا آمُر للرسول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، غير الله تَعَالَى، وَالتَّقْدِير: أَمرنِي الله تَعَالَى بِأَن أقَاتل النَّاس، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا، يفهم مِنْهُ أَن الْآمِر هُوَ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِذْ لَا آمُر بَينهم إلَاّ الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لِأَنَّهُ هُوَ المشرع وَهُوَ الْمُبين، وَأما إِذا قَالَ التَّابِعِيّ: أمرنَا بِكَذَا، فَإِن ذَلِك مُحْتَمل، وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِذا قَالَ الصَّحَابِيّ: أمرنَا بِكَذَا فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رئيسه إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُ أَن الرئيس

أمره بِهِ، وَفَائِدَة الْعُدُول عَن التَّصْرِيح دَعْوَى الْيَقِين والتعويل على شَهَادَة الْعقل. وَقَالَ بَعضهم: وَقِيَاسه فِي الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أُمرت، فَالْمَعْنى: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، وَالْحَاصِل أَن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ ذَلِك فهم مِنْهُم أَن الْآمِر لَهُ ذَلِك الرئيس. قلت: خُذ كَلَام الْكرْمَانِي، وقلّب مَعْنَاهُ لِأَن الْكرْمَانِي جعل قَوْله: فَإِن من اشْتهر بِطَاعَة رَئِيس إِلَى آخِره عِلّة لقَوْله: فهم مِنْهُ أَن الرَّسُول، عَلَيْهِ السَّلَام، هُوَ الْآمِر لَهُ، وَهَذَا الْقَائِل أوقع هَذِه الْعلَّة حَامِلا وداعيا، وَهُوَ عكس الْمَقْصُود، وَقَوله أَيْضا: من حَيْثُ إِنَّهُم مجتهدون، لَا دخل لَهُ فِي الْكَلَام، لِأَن الْحَيْثِيَّة تقع قيدا، وَهَذَا الْقَيْد غير مُحْتَاج إِلَيْهِ هَهُنَا، لأَنا قُلْنَا: إِن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ: أمرت مَعْنَاهُ: أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من حَيْثُ إِنَّه هُوَ الْآمِر بَينهم وَهُوَ المشرع، وَلَيْسَ الْمَعْنى أَمرنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من حَيْثُ إِنِّي مُجْتَهد، وَهَذَا كَلَام فِي غَايَة السُّقُوط. قَوْله: (أقَاتل النَّاس) : إِنَّمَا ذكر بَاب المفاعلة الَّتِي وضعت لمشاركة الْإِثْنَيْنِ، لِأَن الدّين إِنَّمَا ظهر بِالْجِهَادِ، وَالْجهَاد لَا يكون إلَاّ بَين اثْنَيْنِ، وَالْألف وَاللَّام فِي: النَّاس، للْجِنْس يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب الملتزمين لأَدَاء الْجِزْيَة. قلت: هَؤُلَاءِ قد خَرجُوا بِدَلِيل آخر مثل {حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة} (التَّوْبَة: ٢٩) وَنَحْوه، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة النَّسَائِيّ بِلَفْظ: (أمرت أَن أقَاتل الْمُشْركين) . قَالَ الْكرْمَانِي: وَالنَّاس قَالُوا: أُرِيد بِهِ عَبدة الْأَوْثَان دون أهل الْكتاب، لِأَن الْقِتَال يسْقط عَنْهُم بِقبُول الْجِزْيَة. قلت: فعلى هَذَا تكون اللَّام للْعهد، وَلَا عهد إلَاّ فِي الْخَارِج، وَالتَّحْقِيق مَا قُلْنَا، وَلِهَذَا قَالَ الطَّيِّبِيّ: هُوَ من الْعَام الَّذِي خص مِنْهُ الْبَعْض، لِأَن الْقَصْد الأولي من هَذَا الْأَمر حُصُول هَذَا الْمَطْلُوب، لقَوْله تَعَالَى: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون} (الذاريات: ٥٦) فَإِذا تخلف مِنْهُ أحد فِي بعض الصُّور لعَارض لَا يقْدَح فِي عُمُومه، أَلا ترى أَن عَبدة الْأَوْثَان إِذا وَقعت المهادنة مَعَهم تسْقط الْمُقَاتلَة وَتثبت الْعِصْمَة؟ . قَالَ: وَيجوز أَن يعبر بِمَجْمُوع الشَّهَادَتَيْنِ وَفعل الصَّلَاة وَالزَّكَاة عَن إعلاء كلمة الله تَعَالَى، وإذعان الْمُخَالفين، فَيحصل فِي بَعضهم بذلك، وَفِي بَعضهم بالجزية، وَفِي الآخرين بالمهادنة. قَالَ: وَأَيْضًا الِاحْتِمَال قَائِم فِي أَن ضرب الْجِزْيَة كَانَ بعد هَذَا القَوْل. قلت: بل الظَّاهِر أَن الحَدِيث الْمَذْكُور مُتَقَدم على مَشْرُوعِيَّة أَخذ الْجِزْيَة وَسُقُوط الْقِتَال بهَا، فَحِينَئِذٍ تكون اللَّام للْجِنْس كَمَا ذكرنَا، وَأَيْضًا: المُرَاد من وضع الْجِزْيَة أَن يضطروا إِلَى الْإِسْلَام، وَسبب السَّبَب سَبَب، فَيكون التَّقْدِير: حَتَّى يسلمُوا، أَو يُعْطوا الْجِزْيَة، وَلكنه اكْتفى بِمَا هُوَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من خلق الْخَلَائق، وَهُوَ قَوْله عز وَجل: {وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إلَاّ ليعبدون} (الذاريات: ٥٦) أَو نقُول: إِن الْمَقْصُود هُوَ الْقِتَال، أَو مَا يقوم مقَامه، وَهُوَ: أَخذ الْجِزْيَة، أَو الْمَقْصُود هُوَ الْإِسْلَام مِنْهُم، أَو مَا يقوم مقَامه فِي دفع الْقِتَال وَهُوَ إِعْطَاء الْجِزْيَة، وكل هَذِه التأويلات لأجل مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع سُقُوط الْقِتَال بالجزية فَافْهَم. قَوْله: (فَإِذا فعلوا ذَلِك) قد قُلْنَا إِن ذَلِك مفعول فعلوا، فَإِن قلت: الْمشَار إِلَيْهِ بعضه قَول، فَكيف إِطْلَاق الْفِعْل عَلَيْهِ؟ قلت: إِمَّا بِاعْتِبَار أَنه عمل اللِّسَان وَإِمَّا على سَبِيل التغليب للاثنين على الْوَاحِد. قَوْله: (وحسابهم على الله) على سَبِيل التَّشْبِيه، أَي هُوَ كالواجب على الله فِي تحقق الْوُقُوع، وَذَلِكَ أَن لَفْظَة: على مشعرة بِالْإِيجَابِ فِي عرف الِاسْتِعْمَال، وَلَا يجب على الله شَيْء، وَكَأن الأَصْل فِيهِ أَن يُقَال: وحسابهم الله أَو إِلَى الله، وَأما عِنْد الْمُعْتَزلَة، فَهُوَ ظَاهر لأَنهم يَقُولُونَ بِوُجُوب الْحساب عقلا، وَالْمعْنَى: أَن أُمُور سرائرهم إِلَى الله تَعَالَى، وَأما نَحن فنحكم بِالظَّاهِرِ، فنعاملهم بِمُقْتَضى ظَاهر أَقْوَالهم وأفعالهم، أَو مَعْنَاهُ: هَذَا الْقِتَال وَهَذِه الْعِصْمَة إِنَّمَا هُوَ من الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بِنَا، وَأما الْأُمُور الأخروية من دُخُول الْجنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وكميتهما وكيفيتهما فَهُوَ مفوض إِلَى الله تَعَالَى لَا دخل لنا فِيهَا.

(بَيَان استنباط الْأَحْكَام) وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ النَّوَوِيّ: يسْتَدلّ بِالْحَدِيثِ على أَن تَارِك الصَّلَاة عمدا مُعْتَقدًا وُجُوبهَا يقتل، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور. قلت: لَا يَصح هَذَا الِاسْتِدْلَال لِأَن الْمَأْمُور بِهِ هُوَ الْقِتَال، وَلَا يلْزم من إِبَاحَة الْقِتَال إِبَاحَة الْقَتْل، لِأَن بَاب المفاعلة يسْتَلْزم وُقُوع الْفِعْل من الْجَانِبَيْنِ، وَلَا كَذَلِك الْقَتْل فَافْهَم. ثمَّ اخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي: هَل يقتل على الْفَوْر أم يُمْهل ثَلَاثَة أَيَّام؟ الْأَصَح الأول، وَالصَّحِيح أَنه يقتل بترك صَلَاة وَاحِدَة إِذا خرج وَقت الضَّرُورَة لَهَا، وَأَنه يقتل بِالسَّيْفِ، وَهُوَ مقتول حدا. وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أَكثر أَصْحَابه عَنهُ: تَارِك الصَّلَاة عمدا يكفر وَيخرج من الْملَّة، وَبِه قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي، فعلى هَذَا لَهُ حكم الْمُرْتَد، فَلَا يغسل وَلَا يصلى عَلَيْهِ، وَتبين مِنْهُ امْرَأَته. وَقَالَ أَبُو حنيفَة، والمزني: يحبس إِلَى أَن يحدث تَوْبَة وَلَا يقتل، ويلزمهم أَنهم احْتَجُّوا بِهِ على قتل تَارِك الصَّلَاة عمدا، وَلم يَقُولُوا بقتل مَانع الزَّكَاة، مَعَ أَن

الحَدِيث يشملها، ومذهبهم: أَن مَانع الزَّكَاة تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا وَيُعَزر على تَركهَا، وَسُئِلَ الْكرْمَانِي هَهُنَا عَن حكم تَارِك الزَّكَاة ثمَّ أجَاب: بِأَن حكمهمَا وَاحِد، وَلِهَذَا قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، فَإِن أَرَادَ أَن حكمهمَا وَاحِد فِي الْمُقَاتلَة فَمُسلم، وَإِن أَرَادَ فِي الْقَتْل فَمَمْنُوع لِأَن الْمُمْتَنع من الزَّكَاة يُمكن أَن تُؤْخَذ مِنْهُ قهرا، بِخِلَاف الصَّلَاة، أما إِذا انتصب صَاحب الزَّكَاة لِلْقِتَالِ لمنع الزَّكَاة فَإِنَّهُ يُقَاتل، وبهذه الطَّرِيقَة قَاتل الصّديق، رَضِي الله عَنهُ، مانعي الزَّكَاة، وَلم ينْقل أَنه قتل أحدا مِنْهُم صبرا، وَلَو ترك صَوْم رَمَضَان حبس وَمنع الطَّعَام وَالشرَاب نَهَارا، لِأَن الظَّاهِر أَنه ينويه لِأَنَّهُ مُعْتَقد لوُجُوبه كَمَا ذكر فِي كتب الشَّافِعِيَّة. الثَّانِي: قَالَ النَّوَوِيّ يسْتَدلّ بِهِ على وجوب قتال مانعي الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا من وَاجِبَات الْإِسْلَام قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. قلت: فَعَن هَذَا قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن إِن أهل بَلْدَة أَو قَرْيَة إِذا اجْتَمعُوا على ترك الْأَذَان، فَإِن الإِمَام يقاتلهم، وَكَذَلِكَ كل شَيْء من شَعَائِر الْإِسْلَام. الثَّالِث: فِيهِ أَن من أظهر الْإِسْلَام وَفعل الْأَركان يجب الْكَفّ عَنهُ، وَلَا يتَعَرَّض لَهُ.

الرَّابِع: فِيهِ قبُول تَوْبَة الزنديق، وَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، فِي الْمَغَازِي. قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِنِّي لم أُؤمر أَن أشق على قُلُوب النَّاس وَلَا عَن بطونهم) الحَدِيث بِطُولِهِ جَوَابا القَوْل خَالِد، رَضِي الله عَنهُ أَلا أضْرب عُنُقه؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام: لَعَلَّه يُصَلِّي، فَقَالَ خَالِد: وَكم من مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ بِقَلْبِه. ولأصحاب الشَّافِعِي، رَحمَه الله، فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويبطن الْكفْر وَيعلم ذَلِك بِأَن يطلع الشُّهُود على كفر كَانَ يخفيه، أَو علم بِإِقْرَارِهِ خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: قبُول تَوْبَته مُطلقًا، وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص عَن الشَّافِعِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَفلا شققت عَن قلبه) ؟ وَالثَّانِي: بِهِ قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَته ورجوعه إِلَى الْإِسْلَام، لكنه إِن كَانَ صَادِقا فِي تَوْبَته نَفعه ذَلِك عِنْد الله تَعَالَى، وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ كالوجهين. وَالثَّالِث: إِن كَانَ من الدعاة إِلَى الضلال لم تقبل تَوْبَتهمْ وَتقبل تَوْبَة عوامهم، وَالرَّابِع: إِن أَخذ ليقْتل فَتَابَ لم تقبل، وَإِن جَاءَ تَائِبًا ابْتِدَاء وَظَهَرت مخائل الصدْق عَلَيْهِ قبلت، وَحكي هَذَا القَوْل عَن مَالك، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عبد الْوَاحِد السفاقسي قَالَ: قَالَ مَالك: لَا تقبل تَوْبَة الزنديق إلَاّ إِذا كَانَ لم يطلع عَلَيْهِ وَجَاء تَائِبًا فَإِنَّهُ تقبل تَوْبَته. وَالْخَامِس: إِن تَابَ مرّة قبلت مِنْهُ، وَإِن تَكَرَّرت مِنْهُ التَّوْبَة لم تقبل. وَقَالَ صَاحب (التَّقْرِيب) من أَصْحَابنَا: روى بشر بن الْوَلِيد، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة فِي الزنديق الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام قَالَ إستتيبه كالمرتد، وَقَالَ أَبُو يُوسُف مثل ذَلِك زَمَانا، فَلَمَّا رأى مَا يصنع الزَّنَادِقَة من إِظْهَار الْإِسْلَام ثمَّ يعودون، قَالَ: إِن أتيت بزنديق أمرت بقتْله وَلم استتبه، فَإِن تَابَ قبل أَن أَقتلهُ خليته. وروى سُلَيْمَان بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن أبي يُوسُف، عَن أبي حنيفَة، رَحمَه الله فِي نَوَادِر لَهُ قَالَ: قَالَ أَبُو حنيفَة: اقْتُلُوا الزنديق الْمُسْتَتر، فَإِن تَوْبَته لَا تعرف.

الْخَامِس: قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على أَن الإعتقاد الْجَازِم كَاف فِي النجَاة، خلافًا لمن أوجب تعلم الْأَدِلَّة وَجعله شرطا فِي الْإِسْلَام، وَهُوَ كثير من الْمُعْتَزلَة وَقَول بعض الْمُتَكَلِّمين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تظاهرت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الَّتِي يحصل من عمومها الْعلم الْقطعِي بِأَن التَّصْدِيق الْجَازِم كَاف. قَالَ الإِمَام: المقترح اخْتلف النَّاس فِي وجوب الْمعرفَة على الْأَعْيَان، فَذهب قوم إِلَى أَنَّهَا لَا تجب، وَقوم إِلَى وُجُوبهَا، وَادّعى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ الْإِجْمَاع على نقيض مَا ادّعى مخالفه، وَاسْتدلَّ النافون بِأَنَّهُ قد ثَبت من الْأَوَّلين قبُول كلمتي الشَّهَادَة من كل نَاطِق بهَا، وَإِن كَانَ من البله والمغفلين، وَلم يقل لَهُ: هَل نظرت أَو أَبْصرت؛ وَاسْتدلَّ المثبتون من الْأَوَّلين الْأَمر بهَا مثل ابْن مَسْعُود وَعلي ومعاذ رَضِي الله عَنْهُم، وَأَجَابُوا عَن الأول: بِأَن كلمتي الشَّهَادَة مَظَنَّة الْعلم، وَالْحكم فِي الظَّاهِر يدار على المظنة، وَقد كَانَ الْكَفَرَة يَذبُّونَ عَن دينهم، وَمَا رجعُوا إلَاّ بعد ظُهُور الْحق وَقيام علم الصدْق، وَالْمَقْصُود إخلاص العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، فَلَا بُد أَن يكون على بَصِيرَة من أمره، وَلَقَد كَانُوا يفهمون الْكتاب الْعَرَبِيّ فهما وافيا بالمعاني، وَالْكتاب الْعَزِيز مُشْتَمل على الْحجَج والبراهين. قلت: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ مُخْتَار إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْإِمَام المقترح، وَالْأول مُخْتَار الْأَكْثَرين وَالله أعلم. السَّادِس: فِيهِ اشْتِرَاط التَّلَفُّظ بكلمتي الشَّهَادَة فِي الحكم بِالْإِسْلَامِ، وَأَنه لَا يكف عَن قِتَالهمْ إلَاّ بالنطق بهما. السَّابِع: فِيهِ عدم تَكْفِير أهل الشَّهَادَة من أهل الْبدع. الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على قبُول الْأَعْمَال الظَّاهِرَة وَالْحكم بِمَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِر. التَّاسِع: فِيهِ دَلِيل على أَن حكم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْأَئِمَّة بعده إِنَّمَا كَانَ على الظَّاهِر، والحساب على السرائر إِلَى الله تَعَالَى دون خلقه، وَإِنَّمَا جعل إِلَيْهِم ظَاهر أمره دون خفيه. الْعَاشِر: أَن هَذَا الحَدِيث مُبين ومقيد لما جَاءَ من الْأَحَادِيث الْمُطلقَة، مِنْهَا مَا جَاءَ فِي حَدِيث عمر، رَضِي الله عَنهُ، ومناظرته مَعَ أبي

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.9 / 29.5
الإضاءة 82%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله