الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٣٤٠٦
الحديث رقم ٣٤٠٦ من كتاب «كتاب أحاديث الأنبياء» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يعكفون على أصنام لهم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الْآيَةَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الْعَوَانُ النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ ﴿فَاقِعٌ﴾ صَافٍ ﴿لا ذَلُولٌ﴾ لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مِنَ الْعُيُوبِ ﴿لا شِيَةَ﴾ بَيَاضٌ ﴿صَفْرَاءُ﴾ إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ وَيُقَالُ صَفْرَاءُ كَقَوْلِهِ ﴿جِمَالَاتٌ صُفْرٌ﴾ ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ اخْتَلَفْتُمْ.
بَابُ وَفَاةِ مُوسَى وَذِكْرُِهُِ بَعْدُ
٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
آذَوْا مُوسَى﴾ الْآيَةَ، قَالَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقُولُونَ أنَّ مُوسَى آدَرُ، فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى النَّهَرِ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا فِي آخِرِهِ فَرَأَوْهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا ; فَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمَشْيِ عُرْيَانًا لِلضَّرُورَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَ مُوسَى فِي خَلْوَةٍ وَخَرَجَ مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ تَبِعَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يُصَادِفَ أَحَدًا وَهُوَ عُرْيَانُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ فَاجْتَازَوا بِهِمْ، كَمَا أَنَّ جَوَانِبَ الْأَنْهَارِ وَإِنْ خَلَتْ غَالِبًا لَا يُؤْمَنُ وُجُودُ قَوْمٍ قَرِيب مِنْهَا، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أُحُدٌ لِأَجْلِ خَلَاءِ الْمَكَانِ، فَاتَّفَقَ رُؤْيَةُ مَنْ رَآهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ يَتْبَعُ الْحَجَرَ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْ عَيْبٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ الْبَرَصَ لِيَفْسَخَ النِّكَاحَ فَأَنْكَرَ.
وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي خَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى نَقْصٍ فِي خِلْقَتِهِ فَقَدْ آذَاهُ وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرُ. وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمُوسَى ﵇، وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ، لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّ الْحَجَرَ مَا سَارَ بِثَوْبِهِ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى لِقَوْمِهِ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا فِي الْحَجَرِ. وَفِيهِ مَا كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُهَّالِ وَاحْتِمَالِ أَذَاهُمْ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى مَنْ آذَاهُمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي طَعْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ هَارُونَ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ مَعَهُ إِلَى زِيَارَةٍ فَمَاتَ هَارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسَى، فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ رَفَعَ لَهُمْ جَسَدَ هَارُونَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَخَاطَبَهُمْ بِأَنَّهُ مَاتَ. وَفِي الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ. وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آذَى مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ فَرْضِ الْخُمُسِ مِنَ الْجِهَادِ فِي بَابِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وُعُيِّنَ هُنَاكَ مَوْضِعُ شَرْحِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٩ - بَاب ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ * مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْا﴾ مَا غَلَبُوا
٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا:
أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟
[الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ * مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْا﴾ مَا غَلَبُوا) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ جَابِرٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا:
أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا، وَالْكَبَاثُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ هُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلنَّضِيجِ مِنْهُ، كَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ إِذَا يَبِسَ وَلَيْسَ لَهُ عَجَمٌ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ الْغَضُّ مِنْ ثَمَرِ الْأَرَاكِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ دَلَالَةٌ عَلَى تَمْيِيزِهِ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ، وَالَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ ثَمَرِ الْأَرَاكِ غَالِبًا مَنْ يُلَازِمُ رَعْيَ الْغَنَمِ عَلَى مَا أَلِفُوهُ.
وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: بَابُ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أَيْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وَلَمْ يُفَسِّرِ الْمُؤَلِّفُ مِنَ الْآيَةِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ﴾ فَقَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَ مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾، قَالَ: خُسْرَانٌ، وَالْخُسْرَانُ تَفْسِيرُ التَّتْبِيرِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الْمُتَبَّرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ لِيُدَمِّرُوا، فَذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ قَالَ: لِيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ تَدْمِيرًا. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ فَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَا مُنَاسَبَةَ، قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ لِدُخُولِ عِيسَى فِيمَنْ رَعَى الْغَنَمَ، كَذَا رَأَيْتُ فِي النُّسْخَةِ، وَكَأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى لَا عِيسَى، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِذِكْرِ الْمَتْنِ فِي أَخْبَارِ مُوسَى، وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْحَدِيثِ فَلَا، وَالَّذِي يَهْجِسُ فِي خَاطِرِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ بَيَاضٌ أُخْلِيَ لِحَدِيثٍ يَدْخُلُ فِي التَّرْجَمَةِ وَلِتَرْجَمَةٍ تَصْلُحُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ وُصِلَ ذَلِكَ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ جَابِرٍ لِقَصَصِ مُوسَى مِنْ جِهَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا، فَدَخَلَ فِيهِ مُوسَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا، بَلْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَقَدْ بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ يَرْعَى الْغَنَمَ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ حَزَنٍ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، الْحَدِيثَ. وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي قُلْتُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَهُ، وَكَأَنَّهُ حَذَفَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ التَّفَاسِيرُ الْمَوْقُوفَةُ كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ عَادَتِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْبَابِ الَّذِي فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ - وَهُوَ الْكِرْمَانِيُّ - فَقَالَ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا جُهَّالًا مُسْتَضْعَفِينَ فَفَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ - أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ - فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ كَانُوا أَوَّلًا مُسْتَضْعَفِينَ بِحَيْثُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْعَوْنَ الْغَنَمَ، انْتَهَى.
وَالَّذِي قَالَهُ الْأَئِمَّةُ أنَّ الْحِكْمَةَ فِي رِعَايَةِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْغَنَمِ لِيَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ، وَتَعْتَادَ قُلُوبُهُمْ بِالْخَلْوَةِ، وَيَتَرَقَّوْا مِنْ سِيَاسَتِهَا إِلَى سِيَاسَةِ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ هَذَا فِي أَوَائِلِ الْإِجَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْآيَاتِ بِالْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ إِنَّمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرْتُهُ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ الْخَطَّابِيِّ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعِ النُّبُوَّةَ فِي أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَالْمُتْرَفِينَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا فِي أَهْلِ التَّوَاضُعِ كَرُعَاةِ الشَّاة وَأَصْحَابِ الْحِرَفِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ أَيْضًا مُنَاسِبَةٌ لِلْمَتْنِ لَا لِخُصُوصِ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ نَقَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَيُنْظَرُ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
٣٠ - بَاب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الْآيَةَ
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْعَوَانُ: النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ، ﴿فَاقِعٌ﴾ صَافٍ، ﴿لا ذَلُولٌ﴾ لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
آذَوْا مُوسَى﴾ الْآيَةَ، قَالَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَقُولُونَ أنَّ مُوسَى آدَرُ، فَانْطَلَقَ مُوسَى إِلَى النَّهَرِ يَغْتَسِلُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا فِي آخِرِهِ فَرَأَوْهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا ; فَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمَشْيِ عُرْيَانًا لِلضَّرُورَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَمَّا كَانَ مُوسَى فِي خَلْوَةٍ وَخَرَجَ مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ ثَوْبَهُ تَبِعَ الْحَجَرَ بِنَاءً عَلَى أَنْ لَا يُصَادِفَ أَحَدًا وَهُوَ عُرْيَانُ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ قَوْمٌ فَاجْتَازَوا بِهِمْ، كَمَا أَنَّ جَوَانِبَ الْأَنْهَارِ وَإِنْ خَلَتْ غَالِبًا لَا يُؤْمَنُ وُجُودُ قَوْمٍ قَرِيب مِنْهَا، فَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أُحُدٌ لِأَجْلِ خَلَاءِ الْمَكَانِ، فَاتَّفَقَ رُؤْيَةُ مَنْ رَآهُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ يَتْبَعُ الْحَجَرَ عَلَى مَا فِي الْخَبَرِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ قَالَ فِيهِ مَا قَالَ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْمٍ مِنْهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِنْ عَيْبٍ، كَمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ الْبَرَصَ لِيَفْسَخَ النِّكَاحَ فَأَنْكَرَ.
وَفِيهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي خَلْقِهِمْ وَخُلُقِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْكَمَالِ، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى نَقْصٍ فِي خِلْقَتِهِ فَقَدْ آذَاهُ وَيُخْشَى عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرُ. وَفِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمُوسَى ﵇، وَأَنَّ الْآدَمِيَّ يَغْلِبُ عَلَيْهِ طِبَاعُ الْبَشَرِ، لِأَنَّ مُوسَى عَلِمَ أَنَّ الْحَجَرَ مَا سَارَ بِثَوْبِهِ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ مُعْجِزَةٍ أُخْرَى لِقَوْمِهِ بِتَأْثِيرِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا فِي الْحَجَرِ. وَفِيهِ مَا كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجُهَّالِ وَاحْتِمَالِ أَذَاهُمْ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى مَنْ آذَاهُمْ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي طَعْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى بِسَبَبِ هَارُونَ لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ مَعَهُ إِلَى زِيَارَةٍ فَمَاتَ هَارُونُ فَدَفَنَهُ مُوسَى، فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ رَفَعَ لَهُمْ جَسَدَ هَارُونَ وَهُوَ مَيِّتٌ فَخَاطَبَهُمْ بِأَنَّهُ مَاتَ. وَفِي الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ. وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرِيقَيْنِ مَعًا لِصِدْقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آذَى مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ ذِكْرُ مُوسَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ فَرْضِ الْخُمُسِ مِنَ الْجِهَادِ فِي بَابِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وُعُيِّنَ هُنَاكَ مَوْضِعُ شَرْحِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٩ - بَاب ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ * مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْا﴾ مَا غَلَبُوا
٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا:
أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟
[الحديث ٣٤٠٦ - طرفه في: ٥٤٥٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ * مُتَبَّرٌ﴾ خُسْرَانٌ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُدَمِّرُوا، ﴿مَا عَلَوْا﴾ مَا غَلَبُوا) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ جَابِرٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ، قَالُوا:
أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا، وَالْكَبَاثُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ هُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ، وَيُقَالُ ذَلِكَ لِلنَّضِيجِ مِنْهُ، كَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ ثَمَرُ الْأَرَاكِ إِذَا يَبِسَ وَلَيْسَ لَهُ عَجَمٌ، وَقَالَ الْقَزَّازُ: هُوَ الْغَضُّ مِنْ ثَمَرِ الْأَرَاكِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ دَلَالَةٌ عَلَى تَمْيِيزِهِ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ، وَالَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ أَنْوَاعِ ثَمَرِ الْأَرَاكِ غَالِبًا مَنْ يُلَازِمُ رَعْيَ الْغَنَمِ عَلَى مَا أَلِفُوهُ.
وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: بَابُ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أَيْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وَلَمْ يُفَسِّرِ الْمُؤَلِّفُ مِنَ الْآيَةِ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ﴾ فَقَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَ مُتَبَّرٌ خُسْرَانٌ، وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾، قَالَ: خُسْرَانٌ، وَالْخُسْرَانُ تَفْسِيرُ التَّتْبِيرِ الَّذِي اشْتُقَّ مِنْهُ الْمُتَبَّرُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ لِيُدَمِّرُوا، فَذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ تَفْسِيرُ قَتَادَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ قَالَ: لِيُدَمِّرُوا مَا غَلَبُوا عَلَيْهِ تَدْمِيرًا. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ فَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ. وَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ: قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا لَا مُنَاسَبَةَ، قَالَ شَيْخُنَا: بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ لِدُخُولِ عِيسَى فِيمَنْ رَعَى الْغَنَمَ، كَذَا رَأَيْتُ فِي النُّسْخَةِ، وَكَأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُوسَى لَا عِيسَى، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِذِكْرِ الْمَتْنِ فِي أَخْبَارِ مُوسَى، وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِلْحَدِيثِ فَلَا، وَالَّذِي يَهْجِسُ فِي خَاطِرِي أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ بَيَاضٌ أُخْلِيَ لِحَدِيثٍ يَدْخُلُ فِي التَّرْجَمَةِ وَلِتَرْجَمَةٍ تَصْلُحُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ وُصِلَ ذَلِكَ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ.
وَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ جَابِرٍ لِقَصَصِ مُوسَى مِنْ جِهَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ: وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا، فَدَخَلَ فِيهِ مُوسَى كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا، بَلْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَلَقَدْ بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ يَرْعَى الْغَنَمَ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ حَزَنٍ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَالشَّاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، الْحَدِيثَ. وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي قُلْتُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَهُ، وَكَأَنَّهُ حَذَفَ الْبَابَ الَّذِي فِيهِ التَّفَاسِيرُ الْمَوْقُوفَةُ كَمَا هُوَ الْأَغْلَبُ مِنْ عَادَتِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْبَابِ الَّذِي فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ، وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ - وَهُوَ الْكِرْمَانِيُّ - فَقَالَ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا جُهَّالًا مُسْتَضْعَفِينَ فَفَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ - أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ - فَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ كَانُوا أَوَّلًا مُسْتَضْعَفِينَ بِحَيْثُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْعَوْنَ الْغَنَمَ، انْتَهَى.
وَالَّذِي قَالَهُ الْأَئِمَّةُ أنَّ الْحِكْمَةَ فِي رِعَايَةِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْغَنَمِ لِيَأْخُذُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّوَاضُعِ، وَتَعْتَادَ قُلُوبُهُمْ بِالْخَلْوَةِ، وَيَتَرَقَّوْا مِنْ سِيَاسَتِهَا إِلَى سِيَاسَةِ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ هَذَا فِي أَوَائِلِ الْإِجَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ مِنَ الْآيَاتِ بِالْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ إِلَّا قَوْلَهُ: ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ إِنَّمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرْتُهُ. وَنَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ، عَنِ الْخَطَّابِيِّ قَالَ: أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعِ النُّبُوَّةَ فِي أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَالْمُتْرَفِينَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا فِي أَهْلِ التَّوَاضُعِ كَرُعَاةِ الشَّاة وَأَصْحَابِ الْحِرَفِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ أَيْضًا مُنَاسِبَةٌ لِلْمَتْنِ لَا لِخُصُوصِ التَّرْجَمَةِ، وَقَدْ نَقَلَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَيُنْظَرُ فِي وَجْهِ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
٣٠ - بَاب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الْآيَةَ
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْعَوَانُ: النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ، ﴿فَاقِعٌ﴾ صَافٍ، ﴿لا ذَلُولٌ﴾ لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ،