«غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ نَجْدٍ فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤١٣٩

الحديث رقم ٤١٣٩ من كتاب «كتاب المغازي» في صحيح البخاري، تحت باب: باب غزوة بني المصطلق.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد فلما أدركته…

«غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ غَزْوَةَ نَجْدٍ فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ، وَهْوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ، وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللهِ فَجِئْنَا، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ، فَهْوَ هَذَا. قَالَ: وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللهِ

سند حديث: ٤١٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا…

٤١٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد فلما أدركته…

في هذا الحديث: يخبر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت هذه الغزوة معروفة عند أهل السير بعزوة ذات الرقاع، وفي أثناء رجوعهم من غزوتهم نزل النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الظهيرة في موضع تكثر فيه أشجار الشوك، وتفرق الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم يبحثون عن أماكن يستظلون بها من حر الشمس، ونزل -عليه الصلاة والسلام- تحت شجرة ظليلة يقال لها: السمرة، فعلَّق بها سيفه، ثم نام ونام الناس، ثم تسلل إليهم أعرابي، ممن قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة ولم يشعروا به، فأخذ سيف النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الخفية، فاستيقظ -عليه الصلاة والسلام-، فأخذ الأعرابي السيف وصار يتقوى به على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول: "من يمنعك مني إذا أردت قتلك؟ فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم "الله"، فكررها ثلاث مرات، والمعنى: أن الله تعالى سيحمينا منك، فقالها -عليه الصلاة والسلام-، وهو الواثق بالله، المتوكل عليه، المتيقن لوعده، فسقط السيف من يد الكافر، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له -عليه الصلاة والسلام-: "من يمنعك مني؟" أي: إذا أردت قتلك، فرد الكافر بقوله: (كنْ خير آخذ)، والمراد به العفو والصفح ومقابل السيئة بالحسنة.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) فقال: لا، لكنه عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعدم مقاتلته ولا يكون مع قوم يقاتلونه، فخلى -عليه الصلاة والسلام- سبيله، فعاد هذا الرجل إلى أصحابه، فقال: (جئتكم من عند خير الناس)، والأمر على ما قاله هذا الكافر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الناس خلقًا، ويكفي ذلك تزكية الله له بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم).

الفوائد المستفادة من الحديث

  • شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وثبات قلبه أمام المخاطر، وثقته بالله -تعالى- وصدق توكله عليه وحسن الالتجاء إليه.
  • أثر التوكل على الله -تعالى- في الخلاص من الشدائد.
  • عفو النبي -صلى الله عليه وسلم- وكرم خُلُقه، وعدم انتقامه لنفسه، وبُعْدِ نظره في الأمور، وحسن معالجته للنفوس لجلبها إلى الحق.
  • الخروج للجهاد في سبيل الله -تعالى-؛ امتثالاً لأمر الله -تعالى-.
  • جواز تفرق العسكر في النزول وعند النوم ما لم يخافوا من أمر.
  • حراسة الإمام في القائلة والليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.
  • حسن التوكل على الله -تعالى-.
  • حماية الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-.
  • جواز إخبار الأصحاب بما يحدث معه، وأن ذلك لا يُعدُّ من الرياء.
  • جواز تعليق السلاح إذا ائتمن عليه.
  • سرعة استجابة الصحابة رضي الله عنهم للرسول -صلى الله عليه وسلم-.
  • مشاركة الأمير والقائد الجند في القتال.
  • الإشارة إلى استحباب تثليث لفظ الجلالة حالة الاستغاثة والاستعانة.
  • استحباب النوم في وسط النهار، للراحة.
  • فقر الصحابة -رضي الله عنهم- فقد خرجوا في خِفَاف لا بديل لهم عنها.
  • إيثار الصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بالشجرة الظليلة.
  • حب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه للجهاد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد فلما أدركته…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْعَزْلِ.

٤١٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ. وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ فَجِئْنَا. فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ، فَهُوَ هَذَا. قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ .

ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ يَعْنِي ابْنَ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي غَزْوَةِ نَجْدٍ، وَفِيهِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَهَذَا مَحَلُّهُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهُوَ أَنْسَبُ.

٣٣ - بَاب غَزْوَةِ أَنْمَارٍ

٤١٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ تَرْجَمَةَ غَزْوَةِ أَنْمَارَ، وذَكَرَ فِيه حَدِيثَ جَابِرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَكَانَ مَحَلُّ هَذَا قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِتَرْجَمَةِ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَالْإِفْكُ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَلَا مَعْنَى لِإِدْخَالِ غَزْوَةِ أَنْمَارَ بَيْنَهُمَا، بَلْ غَزْوَةُ أَنْمَارَ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ: إِنَّ الْمَاءَ لِبَنِي أَشْجَعَ وَأَنْمَارَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ قَيْسٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي ذَلِكَ مِنَ النُّسَّاخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْمَغَازِي غَزْوَةَ أَنْمَارَ، وَذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهَا غَزْوَةُ أَمِرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي صَفَرٍ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ قَدِمَ قَادِمٌ بِجَلْبٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ أَنْمَارَ وَثَعْلَبَةَ قَدْ جَمَعُوا لَهُمْ، فَخَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَأَتَى مَحَلَّهُمْ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَقِيلَ: إِنْ غَزْوَةَ أَنْمَارَ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرٍ الْحَدِيثَ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ لِصَلَاتِهِ تَعَدَّدَتْ.

قَوْلُهُ:

(غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ) أَمَّا الْمُصْطَلِقُ فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ جُذَيْمَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ، بَطْنٌ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِ خُزَاعَةَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَمَّا الْمُرَيْسِيعُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، هُوَ مَاءٌ لِبَنِي خُزَاعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَبَرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ) كَذَا هُوَ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَقَالَ: فِي شَعْبَانَ وَبِهِ جَزَمَ خَلِيفَةٌ، وَالطَّبَرِيُّ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَعُرْوَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو مَعْشَرٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ) كَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ سَنَةَ خَمْسٍ فَكَتَبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَالَّذِي فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ، وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَغَيْرُهُمْ سَنَةَ خَمْسٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَبَنِي لِحْيَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فِي الْخَنْدَقِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بَعْدَ شَعْبَانَ سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ: قَوْلُ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةَ خَمْسٍ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ تَنَازَعَ هُوَ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي أَصْحَابِ الْإِفْكِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ كَانَ الْمُرَيْسِيعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ مَعَ كَوْنِ الْإِفْكِ كَانَ فِيهَا لَكَانَ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ غَلَطًا؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ أَيَّامَ قُرَيْظَةَ وَكَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَمَا قِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ فَهِيَ أَشَدُّ، فَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَيْسِيعَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ فِي شَعْبَانَ لِتَكُونَ قَدْ وَقَعَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ أَيْضًا فَتَكُونُ بَعْدَهَا فَيَكُونُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَوْجُودًا فِي الْمُرَيْسِيعِ وَرُمِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَهْمٍ فِي الْخَنْدَقِ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ فِي قُرَيْظَةَ. وَسَأَذْكُرُ مَا وَقَعَ لَعِيَاضٍ مِنْ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِفْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ حَدِيثَ الْإِفْكِ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ إِذِ الْحَدِيثَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَالْحِجَابُ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَيْسِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُرَجَّحُ أَنَّهَا سَنَةَ خَمْسٍ، أَمَّا قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ: إِنَّ الْحِجَابَ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ فَمَرْدُودٌ، وَقَدْ جَزَمَ خَلِيفَةٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَحَصَلْنَا فِي الْحِجَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَشْهُرُهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ) وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي إِنَّ قِصَّةَ الْإِفْكِ كَانَتْ فِي رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَشَايِخِهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ وَقَائِدُهُمِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ قَرِيبًا مِنَ السَّاحِلِ، فَزَاحَفَ النَّاسَ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَنَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.

كَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدَ مُرْسَلَةٍ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فجَاء رجل هُوَ غورث على مَا يَأْتِي بَيَانه الْآن قَوْله وَسيف النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله وأقيمت الصَّلَاة الخ وَاسْتشْكل ابْن التِّين هَذِه الرِّوَايَة عَن جَابر لأَنهم كَانُوا فِي سفر فَكيف يُصَلِّي بِكُل طَائِفَة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يُصَلِّي أَكثر من الْمَأْمُومين وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا إِشْكَال هُنَا لأَنهم صلوا مَعَه رَكْعَتَيْنِ ثمَّ كملوا يدل عَلَيْهِ قَوْله ثمَّ تَأَخَّرُوا فَإِن قلت قَوْله وَكَانَ للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَربع وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ يُنَافِي هَذَا الْجَواب قلت معنى قَوْله وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ مَعَ الإِمَام وَرَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ منفردين وأولوه كَذَا كَمَا أولُوا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فرض الله عز وَجل الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَرْبعا وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف رَكْعَة حَيْثُ قَالُوا أَن المُرَاد رَكْعَة مَعَ الإِمَام وركعة أُخْرَى يَأْتِي بهَا مُنْفَردا كَمَا جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي صَلَاة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابه فِي الْخَوْف وَقَالَ النَّوَوِيّ لَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل جمعا بَين الْأَدِلَّة

(وَقَالَ مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر اسْم الرجل غورث بن الْحَارِث وَقَاتل فِيهَا محَارب خصفة) أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس يَعْنِي الْيَشْكُرِي الثِّقَة عَن جَابر قَوْله اسْم الرجل أَرَادَ الرجل الَّذِي فِي قَوْله فجَاء رجل من الْمُشْركين قَوْله غورث بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَقيل بِضَم أَوله مَأْخُوذ من الغرث وَهُوَ الْجُوع وَحكى الْخطابِيّ فِيهِ غويرث بِالتَّصْغِيرِ قَوْله " وَقَاتل فِيهَا " أَي فِي تِلْكَ الْغَزْوَة قَوْله " محَارب خصفة " مفعول قَاتل ومحارب مُضَاف إِلَى خصفة وَقد ذكرنَا أَن محَارب قبائل كَثِيرَة فَذكر خصفة للتمييز وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس عَن جَابر قَالَ قَاتل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - محَارب خصفة فَرَأَوْا من الْمُسلمين غرَّة فجَاء رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ غورث بن الْحَارِث حَتَّى قَامَ على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ من يمنعك الحَدِيث

(وَقَالَ أَبُو الزبير عَن جَابر كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَخْل فصلى الْخَوْف) أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس علقه عَنهُ البُخَارِيّ وَتقدم الْكَلَام فِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر عَن قريب قَوْله " فصلى الْخَوْف أَي فصلى صَلَاة الْخَوْف

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة نجد صَلَاة الْخَوْف وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيَّام خَيْبَر) هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق أبي الْأسود أَنه سمع عُرْوَة يحدث عَن مَرْوَان بن الحكم أَنه سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة هَل صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة الْخَوْف وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة نعم قَالَ مَرْوَان مَتى قَالَ عَام غَزْوَة نجد قَوْله " وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى آخِره " ذكر البُخَارِيّ هَذَا تَأْكِيدًا لقَوْله أَن غَزْوَة ذَات الرّقاع كَانَت بعد خَيْبَر وَذَلِكَ لِأَن أَبَا هُرَيْرَة مَا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَّا فِي أَيَّام خَيْبَر وَفِيه نظر لَا يخفى لِأَنَّهُ لَا يلْزم من قَوْله صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة نجد صَلَاة الْخَوْف أَن يكون هَذَا فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غزا غزوات عديدة فِي جِهَة نجد

(بَاب غَزْوَة بني المصطلق من خُزَاعَة وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة بني المصطلق بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره قَاف -

٣٣ - (بابُ غَزْوِةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وهْيَ غَزْوَةُ المَرَيْسِيعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة بني المصطلق، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره قَاف،

وَهُوَ لقب من الصلق، وَهُوَ رفع الصَّوْت، وَأَصله: مصتلق، فأبدلت الطَّاء من التَّاء لأجل الصَّاد، واسْمه جذيمة بن سعد بن عَمْرو بن ربيعَة بن حَارِثَة بطن من بني خُزَاعَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْعين الْمُهْملَة، وخزاعة هُوَ ربيعَة، وَرَبِيعَة هُوَ لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امريء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَقيل لَهُم: خُزَاعَة لأَنهم تخزعوا من بني مَازِن بن الأزد فِي إقبالهم مَعَهم من الْيمن أَي: انْقَطَعُوا عَنْهُم. قَوْله: (وَهِي غَزْوَة بني المصطلق) هِيَ: غَزْوَة الْمُريْسِيع، بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون اليائين التحتانيتين بَينهمَا سين مُهْملَة مَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَهُوَ اسْم مَاء لَهُم من نَاحيَة قديد مِمَّا يَلِي السَّاحِل، بَينه وَبَين الْفَرْع نَحْو يَوْمَيْنِ، وَبَين الْفَرْع وَالْمَدينَة ثَمَانِيَة برد، من قَوْلهم: رسعت عين الرجل إِذا دَمَعَتْ من فَسَاد، وَقَالَ أَبُو نصر: الرسع فَسَاد فِي الأجفان.

قَالَ ابنُ إسحَاقَ وذالِكَ سَنَةَ سِتٍّ

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) : وَذَلِكَ، أَي: غَزْو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَقَالَ فِي (السِّيرَة) بَعْدَمَا أورد قصَّة ذِي قرد: فَأَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْمَدِينَةِ بعض جُمَادَى الْآخِرَة ورجباً ثمَّ غزا بني المصطلق من خُزَاعَة فِي شعْبَان سنة سِتّ، وَقَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَقَالَ ابْن سعد: ندب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس إِلَيْهِم فَأَسْرعُوا الْخُرُوج وقادوا الْخَيل وَهِي ثَلَاثُونَ فرسا فِي الْمُهَاجِرين مِنْهَا عشرَة وَفِي الْأَنْصَار عشرُون، واستخلف على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة، وَكَانَ مَعَه، أَي: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرسَان: لزاز والظراب، وَقَالَ الصغاني: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَامِل راية الْمُهَاجِرين، وَسعد بن عبَادَة حَامِل راية الْأَنْصَار، فَقتلُوا مِنْهُم عشرَة وأسروا سَائِرهمْ.

وَقَالَ مُوساى بنُ عُقْبَةَ سَنةَ أرْبَعٍ

قيل: سنة أَربع، سبق قلم من الْكَاتِب فِي نسخ البُخَارِيّ، وَالَّذِي فِي (مغازي مُوسَى بن عقبَة) من عدَّة طرق أخرجهَا الْحَاكِم وَأَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) وَغَيرهم: سنة خمس، وَلَفظه عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب، ثمَّ قَاتل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني المصطلق وَبني لحيان فِي شعْبَان سنة خمس، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ، كَانَت لَيْلَتَيْنِ من شعْبَان سنة خمس فِي سَبْعمِائة من أَصْحَابه وَسبي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جوَيْرِية بنت الْحَارِث فَأعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَكَانَت الأسرى أَكثر من سَبْعمِائة.

وقَالَ النُّعْمَانُ بنُ رَاشِدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ كانَ حَدِيثُ الإفْكِ فِي غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ

النُّعْمَان بن رَاشد الْجَزرِي أَخُو إِسْحَاق الْأمَوِي مَوْلَاهُم الْحَرَّانِي، وروى تَعْلِيقه الجوزقي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن النُّعْمَان بن رَاشد، وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَذكر قصَّة الْإِفْك فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَبِهَذَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وَغير وَاحِد من أهل الْمَغَازِي: إِن قصَّة الْإِفْك كَانَت فِي رجوعهم من غَزْوَة الْمُريْسِيع.

٤١٣٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرَنَا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بن حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ أنَّهُ قَالَ دخَلْتُ المَسْجِدَ فرَأيْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِي فَجَلَسْتُ إلَيْهِ فسَألْتُهُ عنِ العَزْلِ: قَالَ أبُو سَعِيدٍ خرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ فأصَبْنَا سَبْياً مِنْ سَبْيِ العَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ واشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنَا العَزْلَ فأرَدْنَا أنْ نَعْزِلَ وقُلْنَا نَعْزِلُ ورَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ أظْهُرِنَا قبْلَ أنْ نَسْألَهُ فسَألْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلَاّ وهْيَ كائِنَةٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي غَزْوَة بني المصطلق) وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن كثير الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، سكن بَغْدَاد وَرَبِيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء وَفِي آخِره زَاي: الْقرشِي التَّابِعِيّ.

والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن محيريز ... إِلَخ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْعَزْل) وَهُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) أَي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا، و: لَا، زَائِدَة. قَوْله: (مَا من نسمَة) أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله تَعَالَى (إلَاّ وَهِي كائنة) فِي الْخَارِج أَي: مَا قدر الله كَونهَا لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، وَقَالَ شمر: النَّسمَة كل دَابَّة فِيهَا روح، والنسيم الرّيح، وَقَالَ الْقَزاز: كل إِنْسَان نسمَة، وَنَفسه نسمَة.

٣٣ - (بابُ غَزْوَةِ أنْمَارٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر غَزْوَة أَنْمَار، وَقد يُقَال غَزْوَة بني أَنْمَار، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر قصَّة أَنْمَار، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر لفظ: غَزْوَة أَنْمَار، وَلَا معنى لذكر هَذَا الْبَاب هُنَا، وَكَانَ مَحَله قبل غَزْوَة بني المصطلق، وأنمار، بِفَتْح الْهمزَة: قَبيلَة وَقد ذَكرنَاهَا.

٤١٤٠ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنَا ابنُ أبِي ذِئْبٍ حدَّثنَا عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ الله بنِ سُرَاقَةَ عنْ جَابِرِ ابنِ عَبْدِ الله الأنْصَارِيِّ قَالَ رأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غزْوَةِ أنْمَارٍ يُصَلِّي علَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهَاً قِبَلَ المَشْرِقِ مُتَطَوِّعَاً.

هَذَا الحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب صَلَاة التَّطَوُّع على الدَّوَابّ، وَفِي: بَاب ينزل للمكتوبة، وَأخرجه هُنَا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، عَن عُثْمَان بن عبد الله بن سراقَة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالقاف: الْعَدوي، كَانَ وَالِي مَكَّة سنة ثَمَان وَعشرَة وَمِائَة.

قَوْله: (قبل) ، بِكَسْر الْقَاف، قَوْله: (مُتَطَوعا) ، نصب على الْحَال من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْعَزْلِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ.

قَوْلُهُ: (بَابُ) هَكَذَا وَقَعَ هُنَا، وَذَكَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْعَزْلِ.

٤١٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ. وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ فَجِئْنَا. فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ، فَهُوَ هَذَا. قَالَ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ .

ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ يَعْنِي ابْنَ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي غَزْوَةِ نَجْدٍ، وَفِيهِ قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ، وَهَذَا مَحَلُّهُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهُوَ أَنْسَبُ.

٣٣ - بَاب غَزْوَةِ أَنْمَارٍ

٤١٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا.

ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ تَرْجَمَةَ غَزْوَةِ أَنْمَارَ، وذَكَرَ فِيه حَدِيثَ جَابِرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَكَانَ مَحَلُّ هَذَا قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِتَرْجَمَةِ حَدِيثِ الْإِفْكِ، وَالْإِفْكُ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَلَا مَعْنَى لِإِدْخَالِ غَزْوَةِ أَنْمَارَ بَيْنَهُمَا، بَلْ غَزْوَةُ أَنْمَارَ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ: إِنَّ الْمَاءَ لِبَنِي أَشْجَعَ وَأَنْمَارَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ قَيْسٍ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي ذَلِكَ مِنَ النُّسَّاخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلُ الْمَغَازِي غَزْوَةَ أَنْمَارَ، وَذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهَا غَزْوَةُ أَمِرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي صَفَرٍ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ قَدِمَ قَادِمٌ بِجَلْبٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ أَنْمَارَ وَثَعْلَبَةَ قَدْ جَمَعُوا لَهُمْ، فَخَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَأَتَى مَحَلَّهُمْ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَقِيلَ: إِنْ غَزْوَةَ أَنْمَارَ وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرٍ الْحَدِيثَ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ اللَّيْثِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ لِصَلَاتِهِ تَعَدَّدَتْ.

قَوْلُهُ:

(غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ) أَمَّا الْمُصْطَلِقُ فَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ، وَهُوَ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ جُذَيْمَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ، بَطْنٌ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ نَسَبِ خُزَاعَةَ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَمَّا الْمُرَيْسِيعُ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ، هُوَ مَاءٌ لِبَنِي خُزَاعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ مَسِيرَةُ يَوْمٍ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَبَرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ) كَذَا هُوَ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَقَالَ: فِي شَعْبَانَ وَبِهِ جَزَمَ خَلِيفَةٌ، وَالطَّبَرِيُّ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، وَعُرْوَةَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَذَا ذَكَرَهَا أَبُو مَعْشَرٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ) كَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَأَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ سَنَةَ خَمْسٍ فَكَتَبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَالَّذِي فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ، وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَغَيْرُهُمْ سَنَةَ خَمْسٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَبَنِي لِحْيَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فِي الْخَنْدَقِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهِيَ بَعْدَ شَعْبَانَ سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ: قَوْلُ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةَ خَمْسٍ أَشْبَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ تَنَازَعَ هُوَ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي أَصْحَابِ الْإِفْكِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ كَانَ الْمُرَيْسِيعُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ مَعَ كَوْنِ الْإِفْكِ كَانَ فِيهَا لَكَانَ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذِكْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ غَلَطًا؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ أَيَّامَ قُرَيْظَةَ وَكَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَمَا قِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ فَهِيَ أَشَدُّ، فَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَيْسِيعَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ فِي شَعْبَانَ لِتَكُونَ قَدْ وَقَعَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ لِأَنَّ الْخَنْدَقَ كَانَتْ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ أَيْضًا فَتَكُونُ بَعْدَهَا فَيَكُونُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مَوْجُودًا فِي الْمُرَيْسِيعِ وَرُمِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَهْمٍ فِي الْخَنْدَقِ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ فِي قُرَيْظَةَ. وَسَأَذْكُرُ مَا وَقَعَ لَعِيَاضٍ مِنْ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْإِفْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ حَدِيثَ الْإِفْكِ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ إِذِ الْحَدِيثَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ، وَالْحِجَابُ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَيْسِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُرَجَّحُ أَنَّهَا سَنَةَ خَمْسٍ، أَمَّا قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ: إِنَّ الْحِجَابَ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ فَمَرْدُودٌ، وَقَدْ جَزَمَ خَلِيفَةٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِأَنَّهُ كَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَحَصَلْنَا فِي الْحِجَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَشْهُرُهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ) وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي إِنَّ قِصَّةَ الْإِفْكِ كَانَتْ فِي رُجُوعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَشَايِخِهِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ وَقَائِدُهُمِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ قَرِيبًا مِنَ السَّاحِلِ، فَزَاحَفَ النَّاسَ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَنَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ.

كَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِأَسَانِيدَ مُرْسَلَةٍ، وَالَّذِي فِي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فجَاء رجل هُوَ غورث على مَا يَأْتِي بَيَانه الْآن قَوْله وَسيف النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْوَاو فِيهِ للْحَال قَوْله وأقيمت الصَّلَاة الخ وَاسْتشْكل ابْن التِّين هَذِه الرِّوَايَة عَن جَابر لأَنهم كَانُوا فِي سفر فَكيف يُصَلِّي بِكُل طَائِفَة رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يُصَلِّي أَكثر من الْمَأْمُومين وَأجِيب بِأَنَّهُ لَا إِشْكَال هُنَا لأَنهم صلوا مَعَه رَكْعَتَيْنِ ثمَّ كملوا يدل عَلَيْهِ قَوْله ثمَّ تَأَخَّرُوا فَإِن قلت قَوْله وَكَانَ للنَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَربع وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ يُنَافِي هَذَا الْجَواب قلت معنى قَوْله وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ مَعَ الإِمَام وَرَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ منفردين وأولوه كَذَا كَمَا أولُوا حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فرض الله عز وَجل الصَّلَاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَرْبعا وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْف رَكْعَة حَيْثُ قَالُوا أَن المُرَاد رَكْعَة مَعَ الإِمَام وركعة أُخْرَى يَأْتِي بهَا مُنْفَردا كَمَا جَاءَت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي صَلَاة النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَصْحَابه فِي الْخَوْف وَقَالَ النَّوَوِيّ لَا بُد من هَذَا التَّأْوِيل جمعا بَين الْأَدِلَّة

(وَقَالَ مُسَدّد عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر اسْم الرجل غورث بن الْحَارِث وَقَاتل فِيهَا محَارب خصفة) أَبُو عوَانَة بِفَتْح الْعين هُوَ الوضاح الْيَشْكُرِي الْبَصْرِيّ وَأَبُو بشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة هُوَ جَعْفَر بن أبي وحشية وَهَذَا التَّعْلِيق أخرجه سعيد بن مَنْصُور عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس يَعْنِي الْيَشْكُرِي الثِّقَة عَن جَابر قَوْله اسْم الرجل أَرَادَ الرجل الَّذِي فِي قَوْله فجَاء رجل من الْمُشْركين قَوْله غورث بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الرَّاء وبالثاء الْمُثَلَّثَة وَقيل بِضَم أَوله مَأْخُوذ من الغرث وَهُوَ الْجُوع وَحكى الْخطابِيّ فِيهِ غويرث بِالتَّصْغِيرِ قَوْله " وَقَاتل فِيهَا " أَي فِي تِلْكَ الْغَزْوَة قَوْله " محَارب خصفة " مفعول قَاتل ومحارب مُضَاف إِلَى خصفة وَقد ذكرنَا أَن محَارب قبائل كَثِيرَة فَذكر خصفة للتمييز وروى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين عَن أبي عوَانَة عَن أبي بشر عَن سُلَيْمَان بن قيس عَن جَابر قَالَ قَاتل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - محَارب خصفة فَرَأَوْا من الْمُسلمين غرَّة فجَاء رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ غورث بن الْحَارِث حَتَّى قَامَ على رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ من يمنعك الحَدِيث

(وَقَالَ أَبُو الزبير عَن جَابر كُنَّا مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِنَخْل فصلى الْخَوْف) أَبُو الزبير مُحَمَّد بن مُسلم بن تدرس علقه عَنهُ البُخَارِيّ وَتقدم الْكَلَام فِي رِوَايَة أبي الزبير عَن جَابر عَن قريب قَوْله " فصلى الْخَوْف أَي فصلى صَلَاة الْخَوْف

(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة نجد صَلَاة الْخَوْف وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَيَّام خَيْبَر) هَذَا التَّعْلِيق وَصله أَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان من طَرِيق أبي الْأسود أَنه سمع عُرْوَة يحدث عَن مَرْوَان بن الحكم أَنه سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَة هَل صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَلَاة الْخَوْف وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة نعم قَالَ مَرْوَان مَتى قَالَ عَام غَزْوَة نجد قَوْله " وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَة إِلَى آخِره " ذكر البُخَارِيّ هَذَا تَأْكِيدًا لقَوْله أَن غَزْوَة ذَات الرّقاع كَانَت بعد خَيْبَر وَذَلِكَ لِأَن أَبَا هُرَيْرَة مَا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَّا فِي أَيَّام خَيْبَر وَفِيه نظر لَا يخفى لِأَنَّهُ لَا يلْزم من قَوْله صليت مَعَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي غَزْوَة نجد صَلَاة الْخَوْف أَن يكون هَذَا فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - غزا غزوات عديدة فِي جِهَة نجد

(بَاب غَزْوَة بني المصطلق من خُزَاعَة وَهِي غَزْوَة الْمُريْسِيع)

أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة بني المصطلق بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره قَاف -

٣٣ - (بابُ غَزْوِةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وهْيَ غَزْوَةُ المَرَيْسِيعِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غَزْوَة بني المصطلق، بِضَم الْمِيم وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر اللَّام وَفِي آخِره قَاف،

وَهُوَ لقب من الصلق، وَهُوَ رفع الصَّوْت، وَأَصله: مصتلق، فأبدلت الطَّاء من التَّاء لأجل الصَّاد، واسْمه جذيمة بن سعد بن عَمْرو بن ربيعَة بن حَارِثَة بطن من بني خُزَاعَة، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْعين الْمُهْملَة، وخزاعة هُوَ ربيعَة، وَرَبِيعَة هُوَ لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو مزيقيا بن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امريء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد، وَقيل لَهُم: خُزَاعَة لأَنهم تخزعوا من بني مَازِن بن الأزد فِي إقبالهم مَعَهم من الْيمن أَي: انْقَطَعُوا عَنْهُم. قَوْله: (وَهِي غَزْوَة بني المصطلق) هِيَ: غَزْوَة الْمُريْسِيع، بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء وَسُكُون اليائين التحتانيتين بَينهمَا سين مُهْملَة مَكْسُورَة وَفِي آخِره عين مُهْملَة، وَهُوَ اسْم مَاء لَهُم من نَاحيَة قديد مِمَّا يَلِي السَّاحِل، بَينه وَبَين الْفَرْع نَحْو يَوْمَيْنِ، وَبَين الْفَرْع وَالْمَدينَة ثَمَانِيَة برد، من قَوْلهم: رسعت عين الرجل إِذا دَمَعَتْ من فَسَاد، وَقَالَ أَبُو نصر: الرسع فَسَاد فِي الأجفان.

قَالَ ابنُ إسحَاقَ وذالِكَ سَنَةَ سِتٍّ

أَي: قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي) : وَذَلِكَ، أَي: غَزْو رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ فِي سنة سِتّ من الْهِجْرَة، وَقَالَ فِي (السِّيرَة) بَعْدَمَا أورد قصَّة ذِي قرد: فَأَقَامَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالْمَدِينَةِ بعض جُمَادَى الْآخِرَة ورجباً ثمَّ غزا بني المصطلق من خُزَاعَة فِي شعْبَان سنة سِتّ، وَقَالَ ابْن هِشَام: وَاسْتعْمل على الْمَدِينَة أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ، وَيُقَال: نميلَة بن عبد الله اللَّيْثِيّ، وَقَالَ ابْن سعد: ندب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس إِلَيْهِم فَأَسْرعُوا الْخُرُوج وقادوا الْخَيل وَهِي ثَلَاثُونَ فرسا فِي الْمُهَاجِرين مِنْهَا عشرَة وَفِي الْأَنْصَار عشرُون، واستخلف على الْمَدِينَة زيد بن حَارِثَة، وَكَانَ مَعَه، أَي: مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فرسَان: لزاز والظراب، وَقَالَ الصغاني: كَانَ أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَامِل راية الْمُهَاجِرين، وَسعد بن عبَادَة حَامِل راية الْأَنْصَار، فَقتلُوا مِنْهُم عشرَة وأسروا سَائِرهمْ.

وَقَالَ مُوساى بنُ عُقْبَةَ سَنةَ أرْبَعٍ

قيل: سنة أَربع، سبق قلم من الْكَاتِب فِي نسخ البُخَارِيّ، وَالَّذِي فِي (مغازي مُوسَى بن عقبَة) من عدَّة طرق أخرجهَا الْحَاكِم وَأَبُو سعيد النَّيْسَابُورِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) وَغَيرهم: سنة خمس، وَلَفظه عَن مُوسَى بن عقبَة عَن ابْن شهَاب، ثمَّ قَاتل رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بني المصطلق وَبني لحيان فِي شعْبَان سنة خمس، وَقَالَ الْوَاقِدِيّ، كَانَت لَيْلَتَيْنِ من شعْبَان سنة خمس فِي سَبْعمِائة من أَصْحَابه وَسبي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جوَيْرِية بنت الْحَارِث فَأعْتقهَا وَتَزَوجهَا، وَكَانَت الأسرى أَكثر من سَبْعمِائة.

وقَالَ النُّعْمَانُ بنُ رَاشِدٍ عنِ الزُّهْرِيِّ كانَ حَدِيثُ الإفْكِ فِي غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ

النُّعْمَان بن رَاشد الْجَزرِي أَخُو إِسْحَاق الْأمَوِي مَوْلَاهُم الْحَرَّانِي، وروى تَعْلِيقه الجوزقي وَالْبَيْهَقِيّ فِي (الدَّلَائِل) من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن النُّعْمَان بن رَاشد، وَمعمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، فَذكر قصَّة الْإِفْك فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَبِهَذَا قَالَ ابْن إِسْحَاق وَغير وَاحِد من أهل الْمَغَازِي: إِن قصَّة الْإِفْك كَانَت فِي رجوعهم من غَزْوَة الْمُريْسِيع.

٤١٣٨ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ أخبرَنَا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ رَبِيعَةَ بنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بن حَبَّانَ عنِ ابنِ مُحَيْرِيزٍ أنَّهُ قَالَ دخَلْتُ المَسْجِدَ فرَأيْتُ أبَا سَعِيدٍ الخُدْرِي فَجَلَسْتُ إلَيْهِ فسَألْتُهُ عنِ العَزْلِ: قَالَ أبُو سَعِيدٍ خرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلَقِ فأصَبْنَا سَبْياً مِنْ سَبْيِ العَرَبِ فاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ واشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وأحْبَبْنَا العَزْلَ فأرَدْنَا أنْ نَعْزِلَ وقُلْنَا نَعْزِلُ ورَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ أظْهُرِنَا قبْلَ أنْ نَسْألَهُ فسَألْنَاهُ عنْ ذالِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كائِنَةٍ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إلَاّ وهْيَ كائِنَةٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي غَزْوَة بني المصطلق) وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن كثير الْأنْصَارِيّ الْمدنِي، سكن بَغْدَاد وَرَبِيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن هُوَ الْمَشْهُور بربيعة الرَّأْي، وَمُحَمّد بن يحيى بن حبَان، بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَابْن محيريز هُوَ عبد الله بن محيريز، بِضَم الْمِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَكسر الرَّاء وَسُكُون الْيَاء وَفِي آخِره زَاي: الْقرشِي التَّابِعِيّ.

والْحَدِيث مر فِي الْبيُوع فِي: بَاب بيع الرَّقِيق فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن محيريز ... إِلَخ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

قَوْله: (الْعَزْل) وَهُوَ نزع الذّكر من الْفرج عِنْد الْإِنْزَال. قَوْله: (مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا) أَي: لَا بَأْس عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا، و: لَا، زَائِدَة. قَوْله: (مَا من نسمَة) أَي: مَا من نفس كائنة فِي علم الله تَعَالَى (إلَاّ وَهِي كائنة) فِي الْخَارِج أَي: مَا قدر الله كَونهَا لَا بُد من مجيئها من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، وَقَالَ شمر: النَّسمَة كل دَابَّة فِيهَا روح، والنسيم الرّيح، وَقَالَ الْقَزاز: كل إِنْسَان نسمَة، وَنَفسه نسمَة.

٣٣ - (بابُ غَزْوَةِ أنْمَارٍ)

أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر غَزْوَة أَنْمَار، وَقد يُقَال غَزْوَة بني أَنْمَار، وَإِنَّمَا قَدرنَا هَكَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر قصَّة أَنْمَار، وَإِنَّمَا فِيهِ ذكر لفظ: غَزْوَة أَنْمَار، وَلَا معنى لذكر هَذَا الْبَاب هُنَا، وَكَانَ مَحَله قبل غَزْوَة بني المصطلق، وأنمار، بِفَتْح الْهمزَة: قَبيلَة وَقد ذَكرنَاهَا.

٤١٤٠ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنَا ابنُ أبِي ذِئْبٍ حدَّثنَا عُثْمَانُ بنُ عَبْدِ الله بنِ سُرَاقَةَ عنْ جَابِرِ ابنِ عَبْدِ الله الأنْصَارِيِّ قَالَ رأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي غزْوَةِ أنْمَارٍ يُصَلِّي علَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهَاً قِبَلَ المَشْرِقِ مُتَطَوِّعَاً.

هَذَا الحَدِيث مضى فِي الصَّلَاة فِي: بَاب صَلَاة التَّطَوُّع على الدَّوَابّ، وَفِي: بَاب ينزل للمكتوبة، وَأخرجه هُنَا عَن آدم بن أبي إِيَاس عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب، بِلَفْظ الْحَيَوَان الْمَشْهُور، عَن عُثْمَان بن عبد الله بن سراقَة، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الرَّاء وبالقاف: الْعَدوي، كَانَ وَالِي مَكَّة سنة ثَمَان وَعشرَة وَمِائَة.

قَوْله: (قبل) ، بِكَسْر الْقَاف، قَوْله: (مُتَطَوعا) ، نصب على الْحَال من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.2 / 29.5
الإضاءة 79%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل