«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٢٦

الحديث رقم ٤٢٦ من كتاب «كتاب الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب التيمن في دخول المسجد وغيره.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٢٦ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ».

بَابٌ: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ

إسناد حديث رقم ٤٢٦ من صحيح البخاري

٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَحَلَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَوِ الْعَالِمِ إِذَا وَرَدَ مَنْزِلَ بَعْضِهِمْ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْهُ وَيَتَبَرَّكُوا بِهِ (١) وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ بِهِ الْفَسَادُ فِي الدِّينِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً، وَأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَمِيلِ، وَفِيهِ افْتِقَادُ مَنْ غَابَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ النُّطْقُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ.

وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ الرُّخْصَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ عِنْدَ الْمَطَرِ وَصَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً وَسَلَامِ الْمَأْمُومِ حِينَ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ لَا يَجِبُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا زَارَ قَوْمًا أَمَّهُمْ، وَشُهُودَ عِتْبَانَ بَدْرًا وَأَكْلَ الْخَزِيرَةِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى يُنَجِّي صَاحِبَهُ إِذَا قَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ إِلَى النِّفَاقِ وَنَحْوِهِ بِقَرِينَةٍ تَقُومُ عِنْدَهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بَلْ يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ.

٤٧ - باب التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى

٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: فِي طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّيَمُّنِ) أَيِ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ (فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الدُّخُولِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْيَدُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أَيْ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، لَكِنْ فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكِ الْيُسْرَى وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمُومُ حَدِيثِ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فِي قَوْلِهَا: مَا اسْتَطَاعَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يُسْتَطَاعُ فِيهِ التَّيَمُّنُ شَرْعًا كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا تَعَاطِي الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِالْيَمِينِ كَالِاسْتِنْجَاءِ وَالتَّمَخُّطِ. وَعَلِمَتْ عَائِشَةُ حُبَّهُ لِمَا ذَكَرَتْ إِمَّا بِإِخْبَارِهِ لَهَا بِذَلِكَ، وَإِمَّا بِالْقَرَائِنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ حَدِيثِهَا هَذَا فِي بَابِ التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.

٤٨ - بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ؟

لِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ، وَرَأَى عُمَرُ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ.

٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المسجد كالبيت (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا دخل المسجد (يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ) منه (بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى) قال الحافظ (١) ابن حجرٍ: ولم أره -أي: هذا الأثر- موصولًا عنه، أي: عن ابن عمر.

٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بالمُعجمَة ثمَّ المُهمَلة ثمَّ المُثلَّثة (بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيْمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أي: البداءة باليمين (مَا اسْتَطَاعَ) أي: مادام مستطيعًا، واحترز به عمَّا لا يُستطاع فيه التَّيمُّن شرعًا: كالخروج من المسجد، والدُّخول للخلاء، وتعاطي المستقذرات كالاستنجاء والتَّمخُّط، أو «ما»: موصولةٌ، بدلٌ من «التَّيمُّن»، و «المحبَّة» وإن كانت من الأمور الباطنة فلعلَّها فهمت بالقرائن حبَّه لذلك، أو أخبرها به (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء، أي: طهره (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) بالجيم (وَ) في (تَنَعُّلِهِ) بتشديد العين، أي: تمشيطه الشَّعر ولبسه النَّعل، وعمَّ (٣) بقوله: «في شأنه كلِّه» ثمَّ خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر اهتمامًا بشأنها (٤)،

والجارُّ وتاليه بدلٌ من «شأنه» بدل البعض من الكلِّ، و «في شأنه»: متعلِّقٌ بـ «التَّيمُّن»، أو بالمحبَّة، أو بهما، فيكون من باب التَّنازع.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١]، وكذا (١) أخرجه غيره -كما مرَّ- في «باب التَّيمُّن في الوضوء والغسل» [خ¦١٦٨].

(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ) الاستفهام للتَّقريرِ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أي: يجوز نبشها لأنَّه لا حرمة لهم (وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ؟) بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ «يُتَّخَذ» المبنيَّ للمفعول، و «مكانَها»: المفعول الأوَّل، وهو مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل، وفي روايةٍ: «مساجدُ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل في «يُتَّخَذ»، و «مكانَها»

نُصِب على الظَّرفيَّة، فـ «يُتَّخذ» متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ) أي: لأجل قوله () الموصول عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٤١]، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ) أي لأجل كونهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) سواء نُبِشت -لما فيه من الاستهانة- أو لم تُنبَش لِمَا فيه (١) من المغالاة في التَّعظيم بعبادة قبورهم والسُّجود لها، وكلاهما مذمومٌ، ويلتحق بهم (٢) أتباعهم، وحينئذٍ فيجوز (٣) نبش قبور المشركين الَّذين لا ذمَّة لهم، واتِّخاذ المساجد مكانها (٤) لانتفاء العلَّتين المذكورتين إذ لا حرج في استهانتها بالنَّبش واتِّخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا لها، وإنَّما هومن قبيل تبديل السَّيِّئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده (٥) مكانها، وبين لعنه مَنِ اتَّخذ قبور الأنبياء مساجد لِمَا ذكر من الفرق.

وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود، فيكون قوله: «اتَّخذوا قبور أنبيائهم (٦) مساجد» واضحًا، فإنَّ النَّصارى لا يزعمون نبوَّة عيسى، بل يدَّعون فيه (٧) إمَّا (٨) أنَّه ابنٌ، أو إلهٌ، أو غير ذلك على اختلاف مِلَلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وأمَّا (٩) من قال منهم: إنَّه قُتِل فلهم (١٠) في ذلك كلامٌ مشهورٌ في موضعه، فتُشكِل حينئذٍ الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي لباب «الصَّلاة في البيعة» [خ¦٤٣٥] وفي أواخر (١١) «المغازي» [خ¦٤٤٤١] بلفظ:

«لعن الله اليهود والنَّصارى»، وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا» ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى- (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ) سواءٌ كانت عليها أو إليها أو بينها والجملة عطفٌ على: «هل تُنبَش» أي: بابٌ في حكم الأمرين: اتِّخاذ المساجد مكان القبور، واتِّخاذها بينها (١)، فإن قلت: كيف عطف هذه الجملة الخبريَّة على جملة الاستفهام الطَّلبيَّة؟ أُجيب بأنَّ جملة الاستفهام التَّقريريِّ في حكم الخبريَّة.

(وَرَأَى عُمَرُ) أي: «ابن الخطَّاب » كما في رواية الأَصيليِّ (٢) (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ) بالنَّصب فيهما على التَّحذير، محذوف العامل وجوبًا (٣)، أي: اتَّق (٤)، أو اجتنب القبر (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته (٥) تلك، فدلَّ على الجواز لكن مع الكراهة لكونه صلَّى على نجاسةٍ ولو كان بينهما حائلٌ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، أوْ لا كراهة لكونه صلّى (٦) مع الفرش على النَّجاسة مُطلَقًا، كما قاله القاضي حُسَيْنٌ، وقال ابن الرِّفْعَة: الَّذي دلَّ عليه كلام القاضي أنَّ الكراهة لحرمة الميت، أمَّا لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميتٌ ولا نجاسةٌ فلا كراهة إِلَّا في المنبوشة، فلا تصحُّ الصَّلاة فيها. قال في «التَّوشيح»: ويُستثنَى مقبرة الأنبياء، فلا كراهة فيها لأنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنَّهم (٧) أحياء في قبورهم يصلُّون، ولا يشكل بحديث: «لعن الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لأنَّ اتِّخاذها مساجد أخصُّ من مُجرَّد (٨) الصَّلاة فيها،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الْمَحَلَّةِ عَلَى الْإِمَامِ أَوِ الْعَالِمِ إِذَا وَرَدَ مَنْزِلَ بَعْضِهِمْ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْهُ وَيَتَبَرَّكُوا بِهِ (١) وَالتَّنْبِيهُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ بِهِ الْفَسَادُ فِي الدِّينِ عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ غِيبَةً، وَأَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ وَيَحْمِلَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْجَمِيلِ، وَفِيهِ افْتِقَادُ مَنْ غَابَ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ النُّطْقُ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ.

وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ غَيْرَ تَرْجَمَةِ الْبَابِ وَالَّذِي قَبْلَهُ الرُّخْصَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ عِنْدَ الْمَطَرِ وَصَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً وَسَلَامِ الْمَأْمُومِ حِينَ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ وَأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ لَا يَجِبُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا زَارَ قَوْمًا أَمَّهُمْ، وَشُهُودَ عِتْبَانَ بَدْرًا وَأَكْلَ الْخَزِيرَةِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى يُنَجِّي صَاحِبَهُ إِذَا قَبِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ نَسَبَ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ إِلَى النِّفَاقِ وَنَحْوِهِ بِقَرِينَةٍ تَقُومُ عِنْدَهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بَلْ يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ.

٤٧ - باب التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُسْرَى

٤٢٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: فِي طُهُورِهِ، وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ التَّيَمُّنِ) أَيِ الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ (فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الدُّخُولِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى الْمَسْجِدِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْيَدُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) أَيْ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ أَرَهُ مَوْصُولًا عَنْهُ، لَكِنْ فِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكِ الْيُسْرَى وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حَدِيثُ أَنَسٍ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمُومُ حَدِيثِ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فِي قَوْلِهَا: مَا اسْتَطَاعَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يُسْتَطَاعُ فِيهِ التَّيَمُّنُ شَرْعًا كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَذَا تَعَاطِي الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِالْيَمِينِ كَالِاسْتِنْجَاءِ وَالتَّمَخُّطِ. وَعَلِمَتْ عَائِشَةُ حُبَّهُ لِمَا ذَكَرَتْ إِمَّا بِإِخْبَارِهِ لَهَا بِذَلِكَ، وَإِمَّا بِالْقَرَائِنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ حَدِيثِهَا هَذَا فِي بَابِ التَّيَمُّنِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.

٤٨ - بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ؟

لِقَوْلِ النَّبِيِّ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ، وَرَأَى عُمَرُ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ. وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ.

٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

المسجد كالبيت (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب إذا دخل المسجد (يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى، فَإِذَا خَرَجَ) منه (بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى) قال الحافظ (١) ابن حجرٍ: ولم أره -أي: هذا الأثر- موصولًا عنه، أي: عن ابن عمر.

٤٢٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحيُّ (٢) (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَشْعَثِ) بالمُعجمَة ثمَّ المُهمَلة ثمَّ المُثلَّثة (بْنِ سُلَيْمٍ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح اللَّام (عَنْ أَبِيهِ) سُلَيْمٍ (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أي: البداءة باليمين (مَا اسْتَطَاعَ) أي: مادام مستطيعًا، واحترز به عمَّا لا يُستطاع فيه التَّيمُّن شرعًا: كالخروج من المسجد، والدُّخول للخلاء، وتعاطي المستقذرات كالاستنجاء والتَّمخُّط، أو «ما»: موصولةٌ، بدلٌ من «التَّيمُّن»، و «المحبَّة» وإن كانت من الأمور الباطنة فلعلَّها فهمت بالقرائن حبَّه لذلك، أو أخبرها به (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ) بضمِّ الطَّاء، أي: طهره (وَ) في (تَرَجُّلِهِ) بالجيم (وَ) في (تَنَعُّلِهِ) بتشديد العين، أي: تمشيطه الشَّعر ولبسه النَّعل، وعمَّ (٣) بقوله: «في شأنه كلِّه» ثمَّ خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر اهتمامًا بشأنها (٤)،

والجارُّ وتاليه بدلٌ من «شأنه» بدل البعض من الكلِّ، و «في شأنه»: متعلِّقٌ بـ «التَّيمُّن»، أو بالمحبَّة، أو بهما، فيكون من باب التَّنازع.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف في «اللِّباس» [خ¦٥٨٥٤] و «الأطعمة» [خ¦٥٣٨١]، وكذا (١) أخرجه غيره -كما مرَّ- في «باب التَّيمُّن في الوضوء والغسل» [خ¦١٦٨].

(٤٨) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ) الاستفهام للتَّقريرِ كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] أي: يجوز نبشها لأنَّه لا حرمة لهم (وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ؟) بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ «يُتَّخَذ» المبنيَّ للمفعول، و «مكانَها»: المفعول الأوَّل، وهو مرفوعٌ نائبٌ عن الفاعل، وفي روايةٍ: «مساجدُ» بالرَّفع نائبًا عن الفاعل في «يُتَّخَذ»، و «مكانَها»

نُصِب على الظَّرفيَّة، فـ «يُتَّخذ» متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ) أي: لأجل قوله () الموصول عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦٤٤٤١]، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-: (لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ) أي لأجل كونهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) سواء نُبِشت -لما فيه من الاستهانة- أو لم تُنبَش لِمَا فيه (١) من المغالاة في التَّعظيم بعبادة قبورهم والسُّجود لها، وكلاهما مذمومٌ، ويلتحق بهم (٢) أتباعهم، وحينئذٍ فيجوز (٣) نبش قبور المشركين الَّذين لا ذمَّة لهم، واتِّخاذ المساجد مكانها (٤) لانتفاء العلَّتين المذكورتين إذ لا حرج في استهانتها بالنَّبش واتِّخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا لها، وإنَّما هومن قبيل تبديل السَّيِّئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده (٥) مكانها، وبين لعنه مَنِ اتَّخذ قبور الأنبياء مساجد لِمَا ذكر من الفرق.

وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود، فيكون قوله: «اتَّخذوا قبور أنبيائهم (٦) مساجد» واضحًا، فإنَّ النَّصارى لا يزعمون نبوَّة عيسى، بل يدَّعون فيه (٧) إمَّا (٨) أنَّه ابنٌ، أو إلهٌ، أو غير ذلك على اختلاف مِلَلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وأمَّا (٩) من قال منهم: إنَّه قُتِل فلهم (١٠) في ذلك كلامٌ مشهورٌ في موضعه، فتُشكِل حينئذٍ الرِّواية الآتية -إن شاء الله تعالى- في الباب التَّالي لباب «الصَّلاة في البيعة» [خ¦٤٣٥] وفي أواخر (١١) «المغازي» [خ¦٤٤٤١] بلفظ:

«لعن الله اليهود والنَّصارى»، وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا» ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى- (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي القُبُورِ) سواءٌ كانت عليها أو إليها أو بينها والجملة عطفٌ على: «هل تُنبَش» أي: بابٌ في حكم الأمرين: اتِّخاذ المساجد مكان القبور، واتِّخاذها بينها (١)، فإن قلت: كيف عطف هذه الجملة الخبريَّة على جملة الاستفهام الطَّلبيَّة؟ أُجيب بأنَّ جملة الاستفهام التَّقريريِّ في حكم الخبريَّة.

(وَرَأَى عُمَرُ) أي: «ابن الخطَّاب » كما في رواية الأَصيليِّ (٢) (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) (يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: القَبْرَ القَبْرَ) بالنَّصب فيهما على التَّحذير، محذوف العامل وجوبًا (٣)، أي: اتَّق (٤)، أو اجتنب القبر (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ) أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته (٥) تلك، فدلَّ على الجواز لكن مع الكراهة لكونه صلَّى على نجاسةٍ ولو كان بينهما حائلٌ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، أوْ لا كراهة لكونه صلّى (٦) مع الفرش على النَّجاسة مُطلَقًا، كما قاله القاضي حُسَيْنٌ، وقال ابن الرِّفْعَة: الَّذي دلَّ عليه كلام القاضي أنَّ الكراهة لحرمة الميت، أمَّا لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميتٌ ولا نجاسةٌ فلا كراهة إِلَّا في المنبوشة، فلا تصحُّ الصَّلاة فيها. قال في «التَّوشيح»: ويُستثنَى مقبرة الأنبياء، فلا كراهة فيها لأنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنَّهم (٧) أحياء في قبورهم يصلُّون، ولا يشكل بحديث: «لعن الله اليهود اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لأنَّ اتِّخاذها مساجد أخصُّ من مُجرَّد (٨) الصَّلاة فيها،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.9 / 29.5
الإضاءة 9%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد