«﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٤٥٤٦

الحديث رقم ٤٥٤٦ من كتاب «سورة البقرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٤٥٤٦ في صحيح البخاري

«﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا».

سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ

﴿تُقَاةٌ﴾ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ وَهْوَ حَرْفُهَا، ﴿تُبَوِّئُ﴾ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءٌ، بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ، ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الْجَمِيعُ، وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا، ﴿غُزًّا﴾ وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿سَنَكْتُبُ﴾ سَنَحْفَظُ، ﴿نُزُلا﴾ ثَوَابًا، وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ: وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْرِجُ الْحَيَّ؛ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ، الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ، أُرَاهُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ.

﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ ﴿زَيْغٌ﴾ شَكٌّ، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الْمُشْتَبِهَاتِ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.

إسناد حديث البخاري رقم ٤٥٤٦

٤٥٤٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ، قَالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٤٥٤٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٥٤٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ -: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِصْرًا عَهْدًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ أَيْ عَهْدًا، وَأَصْلُ الْإِصْرِ الشَّيْءُ الثَّقِيلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّدِيدِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالْعَهْدِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ شَدِيدٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: (إِصْرًا) قَالَ: عَهْدًا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتُكَ فَاغْفِرْ لَنَا) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ غُفْرَانَكَ: أَيْ مَغْفِرَتَكَ أَيِ اغْفِرْ لَنَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: غُفْرَانَكَ مَصْدَرٌ وَقَعَ فِي مَوْضِعِ أَمْرٍ فَنُصِبَ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أَيْ نَسْتَغْفِرُكَ غُفْرَانَكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) قَدْ عُرِفَ بَيَانُهُ مِنْ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نَسَخَتْهَا أَيْ أَزَالَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَبَيَّنَتْ أَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُحَاسَبَةُ بِهِ لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِرَارًا مِنْ إِثْبَاتِ دُخُولِ النَّسْخِ فِي الْأَخْبَارِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُكْمًا، وَمَهْمَا كَانَ مِنَ الْأَخْبَارِ يَتَضَمَّنُ الْأَحْكَامَ أَمْكَنَ دُخُولُ النَّسْخِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا كَانَ خَبَرًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا كَالْإِخْبَارِ عَمَّا مَضَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأُمَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّسْخِ فِي الْحَدِيثِ التَّخْصِيصَ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ النَّسْخِ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُحَاسَبَةِ بِمَا يُخْفِي الْإِنْسَانُ مَا يُصَمِّمُ عَلَيْهِ وَيَشْرَعُ فِيهِ دُونَ مَا يَخْطِرُ لَهُ وَلَا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(٣) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ

تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ وَهْوَ حَرْفُهَا، ﴿تُبَوِّئُ﴾ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءٌ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ، ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الْجَمِيعُ وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا، ﴿غُزًّى﴾ وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سَنَحْفَظُ، ﴿نُزُلا﴾ ثَوَابًا، وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ، وقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْرِجُ الْحَيَّ النُّطْفَةِ تَخْرُجُ مَيِّتَةً، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ، الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلَمْ أَرَ الْبَسْمَلَةَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ.

قَوْلُهُ: ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ (وَهُوَ حَرْفُهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَلِلنَّسَفِيِّ بِضَمِّ

الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَالْجُرُفُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ شَفَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى غَيْرُ شَفَا هُنَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ شَفَا جُرُفٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِضَافَةِ، وَإِلَّا فَمَدْلُولُ جُرُفٍ غَيْرُ مَدْلُولِ حُفْرَةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ شَفَا يُضَافُ إِلَى أَعْلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ وَإِلَى أَسْفَلِ الشَّيْءِ مِنْهُ ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ وَيُطْلَقُ شَفَا أَيْضًا عَلَى الْقَلِيلِ تَقُولُ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرَ شَفَا أَيْ غَيْرَ قَلِيلٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْبِ وَمِنْهُ أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَرُبَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تُبَوِّئُ﴾ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أَيْ تَتَّخِذُ لَهُمْ مَصَافَّ وَمُعَسْكَرًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُبَوِّئُ تُنْزِلُ، بَوَّأَهُ أَنْزَلَهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْمَرْجِعُ. وَالْمَقَاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ وَهُوَ مَكَانُ الْقُعُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الْجُمُوعُ، وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ: الرِّبِّيُّونَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرِ النَّسَبِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ إِنْ كَانَتِ النِّسْبَةُ إِلَى رَبِّ، وَعَلَيْهَا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَبِّيُّونَ بِفَتْحِ الرَّاءَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الرُّبَّةِ أَيِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَغْيِيرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (تُحِسُّونَهُمْ: تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا) وَقَعَ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا بِلَفْظِهِ وَزَادَ: يُقَالُ حَسَسْنَاهُمْ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ أَيِ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ لَا يَدْخُلُهَا رَفْعٌ وَلَا جَرٌّ لِأَنَّ وَاحِدُهَا غَازٍ، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ قَائِلٍ وَقُوَّلٍ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (غُزًّا) بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ غَازٍ وَقِيَاسُهُ غُزَاةٌ، لَكِنْ حَمَلُوا الْمُعْتَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ غَزَا بِالتَّخْفِيفِ فَقِيلَ: خَفَّفَ الزَّايَ كَرَاهِيَةَ التَّثْقِيلِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ غُزَاةٌ وَحَذَفَ الْهَاءَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سَنَحْفَظُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَهِيَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ وَقَتْلُهُمْ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَوْصُولِ لِأَنَّهُ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ الْعَظِيمِ، وَقَتْلَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَوْصُولِ لِأَنَّهُ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَتَفْسِيرُ الْكِتَابَةِ بِالْحِفْظِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا مَضَى وَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: ﴿نُزُلا﴾ ثَوَابًا: وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا بِنَصِّهِ، وَالنُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ وَهُوَ الضَّيْفُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتَّى سُمِّيَ بِهِ الْغَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلضَّيْفِ. وَفِي نُزُلٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَصْدَرٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ جَمْعُ نَازِلٍ كَقَوْلِ الْأَعْشَى: أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلٌ أَيْ نُزُولٌ، وَفِي نَصْبِ نُزُلًا فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ: مِنْهَا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ لِأَنَّ مَعْنَى ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ نُنْزِلُهُمْ جَنَّاتٍ نُزُلًا، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ يُنْزِلُهُمْ جَنَّاتٍ رِزْقًا وَعَطَاءً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فِيهَا أَيْ مُنْزَلَةً عَلَى أَنَّ نُزُلًا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ التَّأْوِيلُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءُ بِعَلَامَةٍ، أَوْ بِصُوفَةٍ، أَوْ بِمَا كَانَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ) أَمَّا التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُعَلَّمَةُ بِالسِّيمَاءِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ مُعَلِّمِينَ. وَالْمَسْمُومُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءُ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ. وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَرُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْرِيِّ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو حُذَيْفَةَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) عن أنس بن مالكٍ -فيما رواه الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه-: لمَّا نزلت هذه الآية (٢) على النَّبيِّ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قال النَّبيُّ : «حقٌّ له أن يؤمن».

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ (﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: (عَهْدًا) وهو تفسيرٌ باللَّازم؛ لأنَّ الوفاء بالعهد شديدٌ، وأصل الإصر: الشَّيء الثَّقيل، ويُطلَق على الشَّديد، وقال النَّابغة:

يا مانعَ الضَّيم أن يغشى سراتهم … والحامل الإصر عنهم بعدما عَرفُوا

وفسَّره بعضهم هنا (٣) بشماتة الأعداء.

(وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: (مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا) وهذا تفسيرٌ أبي عبيدة، وقال الزَّمخشريُّ: منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك، فقدَّره جملةً خبريَّةً، قال في «الدُّرِّ»: وهذا ليس مذهب سيبويه، إنَّما مذهبه أن يقدَّر بجملةٍ طلبيَّةٍ، كأنَّه قيل: اغفرْ غُفرانك، والظَّاهر أنَّ هذا من المصادر اللَّازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.

٤٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التَّميميُّ المروزيُّ، وسقط «بن منصورٍ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (أَخْبَرَنَا (٤)

شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) البصريِّ (عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ) البصريِّ أيضًا (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «من أصحاب النَّبيِّ» (، قَالَ) أي: الأصفر: (أَحْسِبُهُ) أي: الرَّجل المبهَم (ابْنَ عُمَرَ) جزم في السَّابقة به [خ¦٤٥٤٥] فلعلَّ قوله هنا: «أحسبه» كان قبل جزمه، وكان قد نسي ثمَّ تذكَّر (﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ) أي: ابن عمر: (نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: لا يكلِّف الله تعالى أحدًا فوق طاقته؛ لطفًا منه تعالى بخلقه ورأفةً بهم وإحسانًا إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصَّحابة في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ أي: هو وإن حاسب وسأل، لكنَّه (١) لا يعذِّب إلَّا على (٢) ما يَملك الشَّخص دَفْعَه، فأمَّا ما (٣) لا يملك (٤) دَفْعَه من وسوسة النَّفس وحديثها؛ فهذا لا يُكلَّف به الإنسان، فإن قلت: إنَّ النَّسخ لا يدخل الخبر لأنَّه يُوهم الكذب، أي: يوقعه في الوهم، أي: الذِّهن؛ حيث يخبر بالشِّيء ثمَّ بنقيضه، وهذا محالٌ على الله تعالى، أُجِيب بأنَّ المذكور هنا وإن كان خبرًا لكنَّه يتضمَّن حكمًا، وما كان كذلك أمكن دخول النَّسخ فيه كسائر الأحكام، وإنَّما الذي لا يدخله النَّسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمَّن حكمًا، كالإخبار عمَّا مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، على أنَّه قد جوَّز جماعةٌ النَّسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يقدِّره، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] والأخبار تتبعه، وعلى هذا القولِ البيضاويُّ، وقيل: يجوز على الماضي أيضًا؛ لجواز أن يقول (٥) الله: لبثَ نوحٌ في قومه ألف سنةٍ، ثمَّ يقول: لبث فيهم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وعلى هذا القولِ الإمام الرازيُّ والآمديُّ، وقال البيهقيُّ: النَّسخ هنا بمعنى: التَّخصيص أو التَّبيين، فإنَّ الآية الأولى وردت مورد العموم، فبيَّنت التي بعدها أنَّ من (٦) يُخفِي شيئًا (٧) لا يُؤاخَذ به، وهو حديث النَّفس الذي لا يُستَطاع دفعه.

(((٣))) (سورة آلِ عِمْرَانَ) زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» (تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ) بوزن مطيَّة: (وَاحِدَةٌ) وفي نسخةٍ: «واحدٌ» أي: كلاهما مصدرٌ بمعنًى واحدٍ، وبالثَّانية قرأ يعقوب، والتَّاء فيهما بدلٌ من الواو؛ لأنَّ أصل ﴿تُقَاةً﴾: وقيةٌ، مصدرٌ على «فعلة» من الوقاية، وأراد المؤلِّف قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ المسبوق بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذهم أولياء؛ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: إلَّا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتِّقاؤه، والاستثناء مفرَّغ من المفعول من أجله، والعامل فيه: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ أي: لا يتَّخذ المؤمن الكافر وليًّا لشيءٍ من الأشياء إلَّا للتَّقيَّة ظاهرًا، فيكون مواليه في الظَّاهر ومعاديه في الباطن، قال ابن عبَّاسٍ: ليس التَّقيَّة بالعمل إنَّما التَّقيَّة باللِّسان، ونصب ﴿تُقَاةً﴾ في الآية على المصدر، أي: تتَّقوا منهم اتِّقاءً، فـ ﴿تُقَاةً﴾ واقعةٌ موقع الاتِّقاء، أو نُصِب على الحال من فاعل ﴿تَتَّقُواْ﴾ فتكون حالًا مؤكِّدةً (﴿صِرٌّ﴾) أي: (بَرْدٌ) يريد قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] وسقط لأبي ذرِّ قوله: «تُقَاةٌ … » إلى هنا.

وقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ﴾ (﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾) ﴿مِّنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]: هو (مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ) بفتح الرَّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتيَّة آخره هاءٌ، أي: البئر (وَهْوَ حَرْفُهَا) و ﴿شَفَا﴾: بفتح الشِّين مقصورًا، وهو من ذوات الواو، يثنَّى بالواو؛ نحو: شَفَوان، ويُكتَب بالألف، ويُجمَع على أشفاءٍ، والمعنى: كنتم مُشْفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم، فأنقذكم الله تعالى منها

بالإسلام، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (﴿تُبَوِّئُ﴾) ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] قال أبو عبيدة أي: (تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا) بفتح الكاف، وقال غيره أي: تُنزِّل، فيتعدَّى (١) لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجرِّ، وقد يُحذَف كهذه الآية (المُسَوَِّمُ) بفتح الواو: اسم مفعولٍ، وبكسرها: اسم فاعلٍ، ولأبي ذرِّ: «والمسوَِّم»: (الَّذِيْ لَهُ سِيْمَاءٌ) بالمدِّ والصَّرف (بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوْفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ) من العلامات، وفي نسخةٍ قبل «المَسوَّم»: «﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾» [آل عمران: ١٤] وروى ابن أبي حاتمٍ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: «كان سيما الملائكة يوم بدرٍ الصُّوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم».

قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ (﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) قال أبو عبيدة: (الجَمِيعُ، وَالوَاحِدُ) ولأبي ذرٍّ: «الجموع» بالواو بدل الياء، واحدها: (رِبِّيٌّ) وهو العالم، منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وكُسِرَت راؤه تغييرًا في النَّسب، وقيل: لا تغيير، وهو نسبة إلى الرَّبَّة؛ وهي الجماعة، وفيها لغتان: الكسر والضَّمُّ، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ﴾ (﴿تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: ١٥٢]) أي: (تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا) بإذنه، بتسليطه إياكم عليهم، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُواْ﴾ (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: غَازٍ) ومعنى الآية: أنَّه تعالى نهى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفَّار في اعتقادهم الفاسد الدَّال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والجهاد: لو كانوا تركوا ذلك لَمَا أصابهم ما أصابهم، فإنَّ ذلك جعله (٢) الله تعالى حسرةً (٣)، وسقط لأبي ذرٍّ من (٤) «تستأصلونهم (٥) … » إلى هنا، قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ (﴿سَنَكْتُبُ﴾ [آل عمران: ١٨١]) أي: (سَنَحْفَظُ) ما قالوا في علمنا ولا نهمله؛ لأنَّه كلمةٌ عظيمةٌ؛ إذ هو كفرٌ بالله تعالى، قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (﴿نُزُلاً﴾) ﴿مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] أي: (ثَوَابًا) قال أبو حيَّان: النُّزُل: ما يُهيَّأ للنَّزيل؛ وهو

الضَّيف، ثمَّ اتُّسِع فيه فأُطِلَق على الرِّزق، وهل هو مصدرٌ أو جمعٌ؟ قولان (وَيَجُوزُ: وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي (كَقَوْلِكَ: أَنْزَلْتُهُ) قال في «العمدة»: يعني: أنَّ ﴿نُزُلاً﴾ الذي هو المصدر يكون بمعنى «منزلًا» على صيغة اسم (١) المفعول من قولك: أنزلته. انتهى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا رواه الثَّوريُّ في «تفسيره» وأخرجه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ: (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]): هي (المُطَهَّمَةُ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وتشديد الهاء (الحِسَانُ) قال الأصمعيُّ: المُطَهَّمُ: التَّامُّ كلِّ شيءٍ منه على حدته، فهو بارع الجمال، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «وقال سعيد بن جبيرٍ» ممَّا وصله الثَّوريُّ «وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى» بفتح الهمزة والزَّاي بينهما موحدة ساكنة، ممَّا وصله الطَّبريُّ: «الرَّاعية: هي المسوَّمة» بفتح الواو (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله عنه- في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ (﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]) أي: (لَا يَأْتِي النِّسَاءَ) منعًا لنفسه مع ميلها إلى الشَّهوات وكماله، ومن لم يكن له ميل لها (٢) لا يُسمَّى حصورًا، ولا بدَّ فيه من المنع؛ لأنَّ السِّجن إنَّما سُمِّي منعًا لِمَا أنَّه يمنع من الخروج (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ -ممَّا وصله الطَّبريُّ- في قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُم﴾ (﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]) أي: (مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) وقال غيره: من ساعتهم هذه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «وقال ابن جبيرٍ … » إلى هنا (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ: (﴿تُخْرِجُ (٣) الْحَيَّ﴾ [آل عمران: ٢٧]): هو (النُّطْفَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ من النُّطفة» (٤) (تُخْرَجُ مَيِّتَةً وَيَخْرُجُ) بفتح الأوَّل وضمِّ الثَّالث (مِنْهَا الحَيُّ) بالرَّفع، ولغير أبي ذرٍّ: «ويُخرِج» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ «منها الحيَّ» بالنَّصب (٥).

(﴿وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]): هو (أَوَّلُ الفَجْرِ، و) أمَّا (العَشِيُّ) فهو (مَيْلُ الشَّمْسِ، أُرَاهُ)

بضمِّ الهمزة، أي: أظنه (إِلَى أَنْ تَغْرُبَ) وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.

(١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، ثبت «باب» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي في قوله تعالى: (﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ) مما أخرجه عبد بن حميدٍ: هي (الحَلَالُ وَالحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]) أي: (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وَكَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾» هذا تفسيرٌ للمتشابه، وذلك أنَّ المفهوم من الآية الأولى أنَّ الفاسق -وهو الضَّالُّ- تزيد ضلالته، وتصدِّقه (٢) الآية الأخرى حيث يجعل (٣) الرِّجس للذي (٤) لا يعقل، وكذلك حيث تزيد للمهتدي الهداية، قاله الكِرمانيُّ، وقال بعضهم: المُحْكَم: ما وَضَح معناه، فيدخل فيه النَّصُّ والظَّاهر، والمتشابهُ: ما تردَّدت فيه الاحتمالات، فيدخل فيه المُجْمَل والمُؤَوَّل، وقال الزَّمخشريُّ: ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾: أُحكِمَت عباراتها بأن حُفِظَت من الاحتمال والاشتباه، قال الزَّجَّاج فيما حكاه الطِّيبيُّ: المعنى (٥): أُحكِمَت في الإبانة، فإذا سمعها السَّامع لم يحتج إلى التَّأويل، وقسَّم الرَّاغب المتشابه إلى قسمين:

أحدهما: ما يرجع إلى ذاته، والثَّاني: إلى أمرٍ ما يعرض له، والأوَّل على ضروبٍ؛ ما يرجع إلى جهة اللَّفظ مفردًا؛ إمَّا لغرابته؛ نحو: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] أو لمشاركته الغير نحو: اليد

والعين، أو مركَّبًا؛ إمَّا للاختصار؛ نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أو للإطناب نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أو لإغلاق اللَّفظ نحو: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا … ﴾ الاية [المائدة: ١٠٧]. وثانيها: ما يرجع إلى المعنى؛ إمَّا من جهة دقَّته كأوصاف الباري ﷿ وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك التَّرتيب ظاهرًا نحو: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ … ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]. وثالثها: ما يرجع إلى اللَّفظ والمعنى معًا، وأقسامه بحسب تركيب بعض وجوه اللَّفظ مع بعض وجوه المعنى -نحو: غرابة اللَّفظ مع (١) دقَّة المعنى- ستَّة أنواعٍ؛ لأنَّ وجوه اللَّفظ ثلاثةٌ، ووجوه المعنى اثنان، ومضروب الثَّلاثة في اثنين ستةٌ.

والقسم الثَّاني من المتشابه: وهو ما يرجع إلى أمرٍ (٢) ما يعرض في اللَّفظ؛ وهو خمسة أنواعٍ؛ الأوَّل: من جهة الكميَّة؛ كالعموم والخصوص، الثَّاني: من طريق الكيفيَّة؛ كالوجوب والنَّدب، الثَّالث: من جهة الزَّمان؛ كالنَّاسخ والمنسوخ، الرَّابع: من جهة المكان، كالمواضع (٣) والأمور التي نزلت فيها؛ نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] فإنَّه يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة (٤) عاداتهم في الجاهليَّة، الخامس: من جهة الإضافة؛ وهي الشُّروط التي بها يصحُّ الفعل أو يفسد؛ كشروط العبادات والأنكحة والبيوع.

وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسامٍ؛ المحكم من جهة اللَّفظ والمعنى؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات [الأنعام: ١٥١] الثَّاني: متشابهٍ من جهتهما معًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ الاية [الأنعام: ١٢٥] الثَّالث: متشابهٍ في اللَّفظ محكمٌ في المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ الاية [الفجر: ٢٢] الرَّابع: متشابهٍ في المعنى محكم في اللَّفظ؛ نحو: السَّاعة والملائكة، وإنَّما كان فيه المتشابه؛ لأنَّه باعثٌ على تعلُّم علم الاستدلال؛ لأنَّ معرفة المتشابه متوقفةٌ على معرفة علم الاستدلال، فتكون حاملةً

على تعلُّمه، فتتوجَّه الرَّغبات إليه ويتنافس فيه المحصِّلون (١)، فكان كالشِّيء النَّافق؛ بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه؛ فلم يُحتَج إليه كلَّ الاحتياج، فيتعطَّل ويضيع، ويكون كالشَّيء الكاسد. قاله الطِّيبيُّ.

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ﴾ (﴿زَيْغٌ﴾) أي: (شَكٌّ) وضلالٌ وخروجٌ عن الحقِّ إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، منصوبٌ على المفعول له، أي: لأجل طلب (المُشْتَبِهَاتِ) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ليفتنوا النَّاس عن دينهم؛ لتمكُّنهم من تحريفها إلى مقاصدهم الفاسدة؛ كاحتجاج النَّصارى بأنَّ القرآن نطق بأنَّ عيسى روح الله وكلمته، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] و ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهذا بخلاف المحكم، فلا نصيب لهم فيه لأنَّه دافعٌ لهم (٢) وحجة عليهم، وتفسير ﴿الْفِتْنَةِ﴾ بالمشتبهات لمجاهدٍ وصله عبد بن حميدٍ (﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ -يَعْلَمُونَ-) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون» (﴿يَقُولُونَ﴾) خبر المبتدأ الذي هو ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ أو حالٌ، أي: والرَّاسخون يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك، أو خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم يقولون: (﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]) زاد في نسخةٍ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾» أي: كلٌّ من المتشابه والمحكم من عنده (٣) «﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» وسقط جميع هذه الآثار من أوَّل السُّورة إلى هنا عن الحَمُّويي.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٤٥٤٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ -: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ أَيْ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِصْرًا عَهْدًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ أَيْ عَهْدًا، وَأَصْلُ الْإِصْرِ الشَّيْءُ الثَّقِيلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّدِيدِ، وَتَفْسِيرُهُ بِالْعَهْدِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ شَدِيدٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: (إِصْرًا) قَالَ: عَهْدًا لَا نُطِيقُ الْقِيَامَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ غُفْرَانَكَ مَغْفِرَتُكَ فَاغْفِرْ لَنَا) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ غُفْرَانَكَ: أَيْ مَغْفِرَتَكَ أَيِ اغْفِرْ لَنَا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: غُفْرَانَكَ مَصْدَرٌ وَقَعَ فِي مَوْضِعِ أَمْرٍ فَنُصِبَ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ أَيْ نَسْتَغْفِرُكَ غُفْرَانَكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا) قَدْ عُرِفَ بَيَانُهُ مِنْ حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: نَسَخَتْهَا أَيْ أَزَالَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَبَيَّنَتْ أَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُحَاسَبَةُ بِهِ لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ فِرَارًا مِنْ إِثْبَاتِ دُخُولِ النَّسْخِ فِي الْأَخْبَارِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُكْمًا، وَمَهْمَا كَانَ مِنَ الْأَخْبَارِ يَتَضَمَّنُ الْأَحْكَامَ أَمْكَنَ دُخُولُ النَّسْخِ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا كَانَ خَبَرًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا كَالْإِخْبَارِ عَمَّا مَضَى مِنْ أَحَادِيثِ الْأُمَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّسْخِ فِي الْحَدِيثِ التَّخْصِيصَ، فَإِنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ النَّسْخِ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُحَاسَبَةِ بِمَا يُخْفِي الْإِنْسَانُ مَا يُصَمِّمُ عَلَيْهِ وَيَشْرَعُ فِيهِ دُونَ مَا يَخْطِرُ لَهُ وَلَا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(٣) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ

تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ وَهْوَ حَرْفُهَا، ﴿تُبَوِّئُ﴾ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءٌ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ، ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الْجَمِيعُ وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا، ﴿غُزًّى﴾ وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سَنَحْفَظُ، ﴿نُزُلا﴾ ثَوَابًا، وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ، وقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُخْرِجُ الْحَيَّ النُّطْفَةِ تَخْرُجُ مَيِّتَةً، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ، الْإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ أُرَاهُ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ.

قَوْلُهُ: (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلَمْ أَرَ الْبَسْمَلَةَ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿صِرٌّ﴾ بَرْدٌ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ.

قَوْلُهُ: ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ (وَهُوَ حَرْفُهَا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَلِلنَّسَفِيِّ بِضَمِّ

الْجِيمِ وَالرَّاءِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَالْجُرُفُ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ شَفَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى غَيْرُ شَفَا هُنَا، وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ شَفَا جُرُفٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِضَافَةِ، وَإِلَّا فَمَدْلُولُ جُرُفٍ غَيْرُ مَدْلُولِ حُفْرَةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ شَفَا يُضَافُ إِلَى أَعْلَى الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ وَإِلَى أَسْفَلِ الشَّيْءِ مِنْهُ ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾ وَيُطْلَقُ شَفَا أَيْضًا عَلَى الْقَلِيلِ تَقُولُ: مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرَ شَفَا أَيْ غَيْرَ قَلِيلٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْبِ وَمِنْهُ أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَرُبَ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تُبَوِّئُ﴾ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أَيْ تَتَّخِذُ لَهُمْ مَصَافَّ وَمُعَسْكَرًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُبَوِّئُ تُنْزِلُ، بَوَّأَهُ أَنْزَلَهُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْمَبَاءَةِ وَهِيَ الْمَرْجِعُ. وَالْمَقَاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ وَهُوَ مَكَانُ الْقُعُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ الْجُمُوعُ، وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قَالَ: الرِّبِّيُّونَ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ، وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ مِنْ تَغْيِيرِ النَّسَبِ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ إِنْ كَانَتِ النِّسْبَةُ إِلَى رَبِّ، وَعَلَيْهَا قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَبِّيُّونَ بِفَتْحِ الرَّاءَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الرُّبَّةِ أَيِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَبِكَسْرِهَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَغْيِيرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (تُحِسُّونَهُمْ: تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا) وَقَعَ هَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ وَاحِدُهَا رِبِّيٌّ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا بِلَفْظِهِ وَزَادَ: يُقَالُ حَسَسْنَاهُمْ مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ أَيِ اسْتَأْصَلْنَاهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ.

قَوْلُهُ: (غُزًّا وَاحِدُهَا غَازٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ لَا يَدْخُلُهَا رَفْعٌ وَلَا جَرٌّ لِأَنَّ وَاحِدُهَا غَازٍ، فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ قَائِلٍ وَقُوَّلٍ انْتَهَى. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ (غُزًّا) بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ غَازٍ وَقِيَاسُهُ غُزَاةٌ، لَكِنْ حَمَلُوا الْمُعْتَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ غَزَا بِالتَّخْفِيفِ فَقِيلَ: خَفَّفَ الزَّايَ كَرَاهِيَةَ التَّثْقِيلِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ غُزَاةٌ وَحَذَفَ الْهَاءَ.

قَوْلُهُ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سَنَحْفَظُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَهِيَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ قَرَأَ وَقَتْلُهُمْ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَوْصُولِ لِأَنَّهُ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ الْعَظِيمِ، وَقَتْلَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَوْصُولِ لِأَنَّهُ مَنْصُوبُ الْمَحَلِّ، وَتَفْسِيرُ الْكِتَابَةِ بِالْحِفْظِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَمَا مَضَى وَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: ﴿نُزُلا﴾ ثَوَابًا: وَيَجُوزُ وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَقَوْلِكَ أَنْزَلْتُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا بِنَصِّهِ، وَالنُّزُلُ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ وَهُوَ الضَّيْفُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ حَتَّى سُمِّيَ بِهِ الْغَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلضَّيْفِ. وَفِي نُزُلٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَصْدَرٌ وَالْآخَرُ أَنَّهُ جَمْعُ نَازِلٍ كَقَوْلِ الْأَعْشَى: أَوْ تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُزُلٌ أَيْ نُزُولٌ، وَفِي نَصْبِ نُزُلًا فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ: مِنْهَا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُؤَكِّدِ لِأَنَّ مَعْنَى ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ نُنْزِلُهُمْ جَنَّاتٍ نُزُلًا، وَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ يُنْزِلُهُمْ جَنَّاتٍ رِزْقًا وَعَطَاءً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي فِيهَا أَيْ مُنْزَلَةً عَلَى أَنَّ نُزُلًا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ التَّأْوِيلُ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: الْمُسَوَّمُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءُ بِعَلَامَةٍ، أَوْ بِصُوفَةٍ، أَوْ بِمَا كَانَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: الْمُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَةُ) أَمَّا التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ الْمُعَلَّمَةُ بِالسِّيمَاءِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أَيْ مُعَلِّمِينَ. وَالْمَسْمُومُ الَّذِي لَهُ سِيمَاءُ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ. وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَرُوِّينَاهُ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْرِيِّ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ فَوَصَلَهُ أَبُو حُذَيْفَةَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٥٥) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين (﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) عن أنس بن مالكٍ -فيما رواه الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه-: لمَّا نزلت هذه الآية (٢) على النَّبيِّ : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قال النَّبيُّ : «حقٌّ له أن يؤمن».

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) فيما وصله الطَّبريُّ من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ (﴿إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) أي: (عَهْدًا) وهو تفسيرٌ باللَّازم؛ لأنَّ الوفاء بالعهد شديدٌ، وأصل الإصر: الشَّيء الثَّقيل، ويُطلَق على الشَّديد، وقال النَّابغة:

يا مانعَ الضَّيم أن يغشى سراتهم … والحامل الإصر عنهم بعدما عَرفُوا

وفسَّره بعضهم هنا (٣) بشماتة الأعداء.

(وَيُقَالُ: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]) أي: (مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا) وهذا تفسيرٌ أبي عبيدة، وقال الزَّمخشريُّ: منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك، فقدَّره جملةً خبريَّةً، قال في «الدُّرِّ»: وهذا ليس مذهب سيبويه، إنَّما مذهبه أن يقدَّر بجملةٍ طلبيَّةٍ، كأنَّه قيل: اغفرْ غُفرانك، والظَّاهر أنَّ هذا من المصادر اللَّازم إضمار عاملها لنيابتها عنه.

٤٥٤٦ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج التَّميميُّ المروزيُّ، وسقط «بن منصورٍ» لغير أبي ذرٍّ، قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثنا» (رَوْحٌ) هو ابن عبادة قال: (أَخْبَرَنَا (٤)

شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ) البصريِّ (عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ) البصريِّ أيضًا (عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «من أصحاب النَّبيِّ» (، قَالَ) أي: الأصفر: (أَحْسِبُهُ) أي: الرَّجل المبهَم (ابْنَ عُمَرَ) جزم في السَّابقة به [خ¦٤٥٤٥] فلعلَّ قوله هنا: «أحسبه» كان قبل جزمه، وكان قد نسي ثمَّ تذكَّر (﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ) أي: ابن عمر: (نَسَخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: لا يكلِّف الله تعالى أحدًا فوق طاقته؛ لطفًا منه تعالى بخلقه ورأفةً بهم وإحسانًا إليهم، فأزالت ما كان أشفق منه الصَّحابة في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ أي: هو وإن حاسب وسأل، لكنَّه (١) لا يعذِّب إلَّا على (٢) ما يَملك الشَّخص دَفْعَه، فأمَّا ما (٣) لا يملك (٤) دَفْعَه من وسوسة النَّفس وحديثها؛ فهذا لا يُكلَّف به الإنسان، فإن قلت: إنَّ النَّسخ لا يدخل الخبر لأنَّه يُوهم الكذب، أي: يوقعه في الوهم، أي: الذِّهن؛ حيث يخبر بالشِّيء ثمَّ بنقيضه، وهذا محالٌ على الله تعالى، أُجِيب بأنَّ المذكور هنا وإن كان خبرًا لكنَّه يتضمَّن حكمًا، وما كان كذلك أمكن دخول النَّسخ فيه كسائر الأحكام، وإنَّما الذي لا يدخله النَّسخ من الأخبار ما كان خبرًا محضًا لا يتضمَّن حكمًا، كالإخبار عمَّا مضى من أحاديث الأمم ونحو ذلك، على أنَّه قد جوَّز جماعةٌ النَّسخ في الخبر المستقبل لجواز المحو فيما يقدِّره، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] والأخبار تتبعه، وعلى هذا القولِ البيضاويُّ، وقيل: يجوز على الماضي أيضًا؛ لجواز أن يقول (٥) الله: لبثَ نوحٌ في قومه ألف سنةٍ، ثمَّ يقول: لبث فيهم ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا، وعلى هذا القولِ الإمام الرازيُّ والآمديُّ، وقال البيهقيُّ: النَّسخ هنا بمعنى: التَّخصيص أو التَّبيين، فإنَّ الآية الأولى وردت مورد العموم، فبيَّنت التي بعدها أنَّ من (٦) يُخفِي شيئًا (٧) لا يُؤاخَذ به، وهو حديث النَّفس الذي لا يُستَطاع دفعه.

(((٣))) (سورة آلِ عِمْرَانَ) زاد أبو ذرٍّ: «بسم الله الرحمن الرحيم» (تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ) بوزن مطيَّة: (وَاحِدَةٌ) وفي نسخةٍ: «واحدٌ» أي: كلاهما مصدرٌ بمعنًى واحدٍ، وبالثَّانية قرأ يعقوب، والتَّاء فيهما بدلٌ من الواو؛ لأنَّ أصل ﴿تُقَاةً﴾: وقيةٌ، مصدرٌ على «فعلة» من الوقاية، وأراد المؤلِّف قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ المسبوق بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذهم أولياء؛ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: إلَّا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتِّقاؤه، والاستثناء مفرَّغ من المفعول من أجله، والعامل فيه: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ﴾ أي: لا يتَّخذ المؤمن الكافر وليًّا لشيءٍ من الأشياء إلَّا للتَّقيَّة ظاهرًا، فيكون مواليه في الظَّاهر ومعاديه في الباطن، قال ابن عبَّاسٍ: ليس التَّقيَّة بالعمل إنَّما التَّقيَّة باللِّسان، ونصب ﴿تُقَاةً﴾ في الآية على المصدر، أي: تتَّقوا منهم اتِّقاءً، فـ ﴿تُقَاةً﴾ واقعةٌ موقع الاتِّقاء، أو نُصِب على الحال من فاعل ﴿تَتَّقُواْ﴾ فتكون حالًا مؤكِّدةً (﴿صِرٌّ﴾) أي: (بَرْدٌ) يريد قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] وسقط لأبي ذرِّ قوله: «تُقَاةٌ … » إلى هنا.

وقوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ﴾ (﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾) ﴿مِّنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]: هو (مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ) بفتح الرَّاء وكسر الكاف وتشديد التَّحتيَّة آخره هاءٌ، أي: البئر (وَهْوَ حَرْفُهَا) و ﴿شَفَا﴾: بفتح الشِّين مقصورًا، وهو من ذوات الواو، يثنَّى بالواو؛ نحو: شَفَوان، ويُكتَب بالألف، ويُجمَع على أشفاءٍ، والمعنى: كنتم مُشْفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم، فأنقذكم الله تعالى منها

بالإسلام، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (﴿تُبَوِّئُ﴾) ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] قال أبو عبيدة أي: (تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا) بفتح الكاف، وقال غيره أي: تُنزِّل، فيتعدَّى (١) لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجرِّ، وقد يُحذَف كهذه الآية (المُسَوَِّمُ) بفتح الواو: اسم مفعولٍ، وبكسرها: اسم فاعلٍ، ولأبي ذرِّ: «والمسوَِّم»: (الَّذِيْ لَهُ سِيْمَاءٌ) بالمدِّ والصَّرف (بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوْفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ) من العلامات، وفي نسخةٍ قبل «المَسوَّم»: «﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾» [آل عمران: ١٤] وروى ابن أبي حاتمٍ عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه قال: «كان سيما الملائكة يوم بدرٍ الصُّوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم».

قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ (﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) قال أبو عبيدة: (الجَمِيعُ، وَالوَاحِدُ) ولأبي ذرٍّ: «الجموع» بالواو بدل الياء، واحدها: (رِبِّيٌّ) وهو العالم، منسوبٌ إلى الرَّبِّ، وكُسِرَت راؤه تغييرًا في النَّسب، وقيل: لا تغيير، وهو نسبة إلى الرَّبَّة؛ وهي الجماعة، وفيها لغتان: الكسر والضَّمُّ، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ﴾ (﴿تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: ١٥٢]) أي: (تَسْتَأْصِلُونَهُمْ قَتْلًا) بإذنه، بتسليطه إياكم عليهم، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُواْ﴾ (﴿غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦]) قال أبو عبيدة: (وَاحِدُهَا: غَازٍ) ومعنى الآية: أنَّه تعالى نهى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفَّار في اعتقادهم الفاسد الدَّال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والجهاد: لو كانوا تركوا ذلك لَمَا أصابهم ما أصابهم، فإنَّ ذلك جعله (٢) الله تعالى حسرةً (٣)، وسقط لأبي ذرٍّ من (٤) «تستأصلونهم (٥) … » إلى هنا، قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ (﴿سَنَكْتُبُ﴾ [آل عمران: ١٨١]) أي: (سَنَحْفَظُ) ما قالوا في علمنا ولا نهمله؛ لأنَّه كلمةٌ عظيمةٌ؛ إذ هو كفرٌ بالله تعالى، قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (﴿نُزُلاً﴾) ﴿مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] أي: (ثَوَابًا) قال أبو حيَّان: النُّزُل: ما يُهيَّأ للنَّزيل؛ وهو

الضَّيف، ثمَّ اتُّسِع فيه فأُطِلَق على الرِّزق، وهل هو مصدرٌ أو جمعٌ؟ قولان (وَيَجُوزُ: وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) بضمِّ الميم وفتح الزَّاي (كَقَوْلِكَ: أَنْزَلْتُهُ) قال في «العمدة»: يعني: أنَّ ﴿نُزُلاً﴾ الذي هو المصدر يكون بمعنى «منزلًا» على صيغة اسم (١) المفعول من قولك: أنزلته. انتهى. (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا رواه الثَّوريُّ في «تفسيره» وأخرجه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ: (﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]): هي (المُطَهَّمَةُ) بضمِّ الميم وفتح الطَّاء وتشديد الهاء (الحِسَانُ) قال الأصمعيُّ: المُطَهَّمُ: التَّامُّ كلِّ شيءٍ منه على حدته، فهو بارع الجمال، زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «وقال سعيد بن جبيرٍ» ممَّا وصله الثَّوريُّ «وعبد الله بن عبد الرَّحمن بن أَبْزَى» بفتح الهمزة والزَّاي بينهما موحدة ساكنة، ممَّا وصله الطَّبريُّ: «الرَّاعية: هي المسوَّمة» بفتح الواو (وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ) سعيدٌ -ممَّا وصله عنه- في قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾ (﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]) أي: (لَا يَأْتِي النِّسَاءَ) منعًا لنفسه مع ميلها إلى الشَّهوات وكماله، ومن لم يكن له ميل لها (٢) لا يُسمَّى حصورًا، ولا بدَّ فيه من المنع؛ لأنَّ السِّجن إنَّما سُمِّي منعًا لِمَا أنَّه يمنع من الخروج (وَقَالَ عِكْرِمَةُ) مولى ابن عبَّاسٍ -ممَّا وصله الطَّبريُّ- في قوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُم﴾ (﴿مِّن فَوْرِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]) أي: (مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ) وقال غيره: من ساعتهم هذه، وسقط لأبي ذرٍّ من قوله: «وقال ابن جبيرٍ … » إلى هنا (وَقَالَ مُجَاهِدٌ) ممَّا وصله عبد بن حميدٍ: (﴿تُخْرِجُ (٣) الْحَيَّ﴾ [آل عمران: ٢٧]): هو (النُّطْفَةُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ من النُّطفة» (٤) (تُخْرَجُ مَيِّتَةً وَيَخْرُجُ) بفتح الأوَّل وضمِّ الثَّالث (مِنْهَا الحَيُّ) بالرَّفع، ولغير أبي ذرٍّ: «ويُخرِج» بضمٍّ ثمَّ كسرٍ «منها الحيَّ» بالنَّصب (٥).

(﴿وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]): هو (أَوَّلُ الفَجْرِ، و) أمَّا (العَشِيُّ) فهو (مَيْلُ الشَّمْسِ، أُرَاهُ)

بضمِّ الهمزة، أي: أظنه (إِلَى أَنْ تَغْرُبَ) وهذا ساقطٌ لأبي ذرٍّ.

(١) هذا (١) (بابٌ) بالتَّنوين، ثبت «باب» لأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي في قوله تعالى: (﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ) مما أخرجه عبد بن حميدٍ: هي (الحَلَالُ وَالحَرَامُ، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]) أي: (يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] وَكَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وَكَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]) زاد أبو ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ والمُستملي: «﴿وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾» هذا تفسيرٌ للمتشابه، وذلك أنَّ المفهوم من الآية الأولى أنَّ الفاسق -وهو الضَّالُّ- تزيد ضلالته، وتصدِّقه (٢) الآية الأخرى حيث يجعل (٣) الرِّجس للذي (٤) لا يعقل، وكذلك حيث تزيد للمهتدي الهداية، قاله الكِرمانيُّ، وقال بعضهم: المُحْكَم: ما وَضَح معناه، فيدخل فيه النَّصُّ والظَّاهر، والمتشابهُ: ما تردَّدت فيه الاحتمالات، فيدخل فيه المُجْمَل والمُؤَوَّل، وقال الزَّمخشريُّ: ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾: أُحكِمَت عباراتها بأن حُفِظَت من الاحتمال والاشتباه، قال الزَّجَّاج فيما حكاه الطِّيبيُّ: المعنى (٥): أُحكِمَت في الإبانة، فإذا سمعها السَّامع لم يحتج إلى التَّأويل، وقسَّم الرَّاغب المتشابه إلى قسمين:

أحدهما: ما يرجع إلى ذاته، والثَّاني: إلى أمرٍ ما يعرض له، والأوَّل على ضروبٍ؛ ما يرجع إلى جهة اللَّفظ مفردًا؛ إمَّا لغرابته؛ نحو: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] أو لمشاركته الغير نحو: اليد

والعين، أو مركَّبًا؛ إمَّا للاختصار؛ نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أو للإطناب نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أو لإغلاق اللَّفظ نحو: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا … ﴾ الاية [المائدة: ١٠٧]. وثانيها: ما يرجع إلى المعنى؛ إمَّا من جهة دقَّته كأوصاف الباري ﷿ وأوصاف القيامة، أو من جهة ترك التَّرتيب ظاهرًا نحو: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ … ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الفتح: ٢٥]. وثالثها: ما يرجع إلى اللَّفظ والمعنى معًا، وأقسامه بحسب تركيب بعض وجوه اللَّفظ مع بعض وجوه المعنى -نحو: غرابة اللَّفظ مع (١) دقَّة المعنى- ستَّة أنواعٍ؛ لأنَّ وجوه اللَّفظ ثلاثةٌ، ووجوه المعنى اثنان، ومضروب الثَّلاثة في اثنين ستةٌ.

والقسم الثَّاني من المتشابه: وهو ما يرجع إلى أمرٍ (٢) ما يعرض في اللَّفظ؛ وهو خمسة أنواعٍ؛ الأوَّل: من جهة الكميَّة؛ كالعموم والخصوص، الثَّاني: من طريق الكيفيَّة؛ كالوجوب والنَّدب، الثَّالث: من جهة الزَّمان؛ كالنَّاسخ والمنسوخ، الرَّابع: من جهة المكان، كالمواضع (٣) والأمور التي نزلت فيها؛ نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] فإنَّه يحتاج في معرفة ذلك إلى معرفة (٤) عاداتهم في الجاهليَّة، الخامس: من جهة الإضافة؛ وهي الشُّروط التي بها يصحُّ الفعل أو يفسد؛ كشروط العبادات والأنكحة والبيوع.

وقد يقسم المتشابه والمحكم بحسب ذاتهما إلى أربعة أقسامٍ؛ المحكم من جهة اللَّفظ والمعنى؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآيات [الأنعام: ١٥١] الثَّاني: متشابهٍ من جهتهما معًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ الاية [الأنعام: ١٢٥] الثَّالث: متشابهٍ في اللَّفظ محكمٌ في المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ الاية [الفجر: ٢٢] الرَّابع: متشابهٍ في المعنى محكم في اللَّفظ؛ نحو: السَّاعة والملائكة، وإنَّما كان فيه المتشابه؛ لأنَّه باعثٌ على تعلُّم علم الاستدلال؛ لأنَّ معرفة المتشابه متوقفةٌ على معرفة علم الاستدلال، فتكون حاملةً

على تعلُّمه، فتتوجَّه الرَّغبات إليه ويتنافس فيه المحصِّلون (١)، فكان كالشِّيء النَّافق؛ بخلافه إذا لم يوجد فيه المتشابه؛ فلم يُحتَج إليه كلَّ الاحتياج، فيتعطَّل ويضيع، ويكون كالشَّيء الكاسد. قاله الطِّيبيُّ.

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ﴾ (﴿زَيْغٌ﴾) أي: (شَكٌّ) وضلالٌ وخروجٌ عن الحقِّ إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]) مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، منصوبٌ على المفعول له، أي: لأجل طلب (المُشْتَبِهَاتِ) بضمِّ الميم وسكون المعجمة وفتح الفوقيَّة وكسر الموحَّدة، ليفتنوا النَّاس عن دينهم؛ لتمكُّنهم من تحريفها إلى مقاصدهم الفاسدة؛ كاحتجاج النَّصارى بأنَّ القرآن نطق بأنَّ عيسى روح الله وكلمته، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] و ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وهذا بخلاف المحكم، فلا نصيب لهم فيه لأنَّه دافعٌ لهم (٢) وحجة عليهم، وتفسير ﴿الْفِتْنَةِ﴾ بالمشتبهات لمجاهدٍ وصله عبد بن حميدٍ (﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ -يَعْلَمُونَ-) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون» (﴿يَقُولُونَ﴾) خبر المبتدأ الذي هو ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ أو حالٌ، أي: والرَّاسخون يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك، أو خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم يقولون: (﴿آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]) زاد في نسخةٍ عن المُستملي والكُشْميهَنيِّ: «﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾» أي: كلٌّ من المتشابه والمحكم من عنده (٣) «﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾» وسقط جميع هذه الآثار من أوَّل السُّورة إلى هنا عن الحَمُّويي.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده